Indexed OCR Text

Pages 521-540

و (الثاني ) : إنما يكون فعل العبد سبباً له يكون العبد هو
الذي أحدثه .
و (الثالث ) : أن الغلاء والرخص إنما يكون بهذا السبب.
وهذه الأصول باطلة ؛ فإنه قد ثبت أن الله خالق كل شىء من أفعال العباد
وغيرها ؛ ودلت على ذلك الدلائل الكثيرة السمعية والعقلية ، وهذا متفق عليه
بين سلف الأمة وأئمتها ؛ وم مع ذلك يقولون : إن العباد لهم قدرة ومشيئة،
وإنهم فاعلون لأفعالهم ؛ ويثبتون ما خلقه الله من الأسباب ، وما خلق
الله من الحكم.
و ((مسألة القدر)) مسألة عظيمة، ضل فيها طائفتان من الناس ((طائفة))
أنكرت أن يكون الله خالقاً لكل شيء ؛ وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن،
كما أنكرت ذلك المعتزلة. و ((طائفة)) أنكرت أن يكون العبد فاعلا لأفعاله؛
وأن تكون لهم قدرة لها تأثير فى مقدورها : أو أن يكون في المخلوقات ما هو
سبب لغيره، وأن يكون الله خلق شيئاً لحكمة، كما أنكر ذلك الجهم بن صفوان
ومن اتبعه من المجبرة الذي نسب كثير منهم إلى السنة ؛ والكلام على هذه المسألة
مبسوط فى مواضع آخر .
و ( الأصل الثاني) : وهو إنما كان فعل العبد أحد أسبابه: كالشبع
٥٢١

الذي يكون بسبب الأكل ، وزهوق النفس الذي يكون بالقتل ، فهذا
قد جعله أكثر المعتزلة فعلا للعبد ، والجبرية لم يجعلوا لفعل العبد فيه تأثيراً
بل ماتيقنوا أنه سبب ، قالوا : إنه عنده لا به، وأما السلف والأمة فلا
يجعلون العبد فاعلا لذلك، كفعله لما قام به من الحركات ، فلا يمنعون أن يكون
مشاركا. فى أسبابه وأن يكون الله جعل فعل العبد مع غيره أسباباً فى
حصول مثل ذلك .
وقد ذكر الله فى كتابه النوعين بقوله: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَاً
وَلَا نَصَبٌّ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَعُونَ مَوِْنًا يَغِيظُ اَلْكُفَّارَ
وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُ وٍ بَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُم بِهِ عَمَلٌ صَلِحُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَخْرَ
اَلْمُحْسِنِينَ * وَلَا يُنفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَّعُونَ وَادِيًا إِلَّا
كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ)
والإنفاق والسير هو نفس أعمالهم القائمة بهم ، فقال فيها: إلا كتب
لهم ، ولم يقل إلا كتب لهم به عمل صالح ، فإنها نفسها عمل، فنفس
كتابتها يحصل به المقصود ، بخلاف الظمأ والنصب والجوع الحاصل بغير
الجهاد، بخلاف غيظ الكفار بما نيل منهم ، فإن هذه ليست نفس أفعالهم
، وإنما هي حادثة عن أسباب منها : أفعالهم ، فلهذا قال تعالى :
(إِلَّاكُتِبَ لَهُم بِهِ، عَمَلٌ صَلُِّ).
فتبين أنما يحدث من الآثار عن أفعال العباد لهم بها عمل ؛ لأن أفعالهم
كانت سبباً فیها، كما قال صلی الله عليه وسلم: «من دعا إلى هدی کان له من
٥٢٢

الأجر مثل أجور من اتبعه من غير أن ينقص من أجورهم شيء ، ومن دعا إلى
ضلالة كان عليه من الوزر مثل أوزار من اتبعه من غير أن ينقص من
أوزارهم شيء )).
و (الأصل الثالث ): أن الغلاء والرخص لا تنحصر أسبابه فى ظلم بعض
بل قد يكون سببه قلة ما يخلق، أو يجلب من ذلك المال المطلوب، فإذا
كثرت الرغبات في الشيء وقل المرغوب فيه : ارتفع سعره ، فإذا كثر وقلت
الرغبات فيه انخفض سعره، والقلة والكثرة قد لا تكون بسبب من العباد
وقد تكون بسبب لا ظلم فيه، وقد تكون بسبب فيه ظلم، والله تعالى يجعل
الرغبات فى القلوب . فهو سبحانه كما جاء فى الأثر: قد تغلوا الأسعار والأهواء
غرار وقد ترخص الأسعار والأهواء فقار .
٥٢٣

وسئل شيخ الإسلام
أحمد بن تيمية قدس الله روحه. عما قاله أبو حامد الغزالي - فى كتابه
المعروف ((بمنهاج العابدين)) فى زاد الآخرة من العقبة الرابعة: وهي العوارض
بعد كلام تقدم في التوكل بأن الرزق مضمون ــ قال: فإن قيل هل يلزم العبد
طلب الرزق بحال، فاعلم أن الرزق المضمون هو الغذاء والقوام. فلا يمكن
طلبه إذ هو شيء من فعل الله بالعبد كالحياة والموت ، لايقدر العبد على محصيله
ولا دفعه .
وأما المقسوم من الأسباب فلا يلزم العبد طلبه ، إذ لاحاجة للعبد إلى
ذلك، إنما حاجته إلى المضمون وهو من الله وفي ضمان الله .
وأما قوله تعالى : (وَأَبْتَغُواْ مِن فَضْلِ اللَّهِ ) المراد به العلم والثواب وقيل :
بل هو رخصة إذ هو أمر وارد بعد الحظر ، فيكون بمعنى الإباحة؛ لا بمعنى
الإيجاب والإلزام .
فإن قيل : لكن هذا الرزق المضمون له أسباب هل يلزم منا طلب الأسباب
قيل : لا يلزم منك طلب ذلك إذ لاحاجة بالعبد إليه ، إذ الله سبحانه يفعل
٥٢٤

بالسبب، وبغير السبب، فمن أين يلزمنا طلب السبب، ثم إن الله ضمن
ضمانا مطلقا من غير شرط الطلب والكسب، قال تعالى: (وَمَا مِن دَآبَةٍ فِي
اُلْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا ).
ثم كيف يصح أن يأمر العبد بطلب ما لا يعرف مكانه فيطلبه: إذ لا
يعرف أي سبب منها رزقه يتناوله (و)(١) لا عرف الذي صير سبب غذائه وتربيته
لا غير ، فالواحد منا لا يعرف ذلك السبب بعينه، من أين حصل له؟ فلا
يصح تكليفه، فتأمل ـــ راشداً - فإنه بين، ثم حسبك أن الأنبياء - صلوات
الله وسلامه عليهم - والأولياء المتوكلين لم يطلبوا الرزق في الأكثر والأعم،
وتجردوا للعبادة ، وبإجماع أنهم لم يكونوا تاركين لأمر الله تعالى، ولا عاصين
له فى ذلك، فليس لك أن تطلب الرزق وأسبابه بأمر لازم للعبد .
فما الفرق بين هذا الكلام من هذا الإمام والمنصوص عليه في كتب
الأمّة: كالفقه وغيره؟ وهو أن العبد يجب عليه طلب الرزق وطلب سببه،
وأبلغ من ذلك أن العبد لو احتاج إلى الرزق ووجده عند غيره فاضلا عنه
وجب عليه طلبه منه ، فإن منعه قهره ، وإن قتله. فهل هذا الذي نص عليه فى
المنهاج يختص بأحد دون أحد؟ فأوضحوا لنا ما أشكل علينا من تناقض
الكلامين ؛ مئابين؛ مأجورين ؛ وابسطوا لنا القول .
فأجاب - رضي الله عنه ..!
(١) أضيفت حسب مفهوم السياق .
٥٢٥

الحمد لله رب العالمين ؛ هذا الذي ذكره أبو حامد قد ذهب إليه طائفة
من الناس. ولكن أئمة المسلمين وجمهورهم على خلاف هذا؛ وأن الكسب يكون
واجبا ثارة؛ ومستحبا ثارة؛ ومكروها تارة ومباحا تارة ومحرما تارة. فلا يجوز
إطلاق القول بأنه لم يكن منه شىء واجب ؛ كما أنه لا يجوز إطلاق القول بأنه
ليس منه شيء محرم .
والسبب الذي أمر العبد به أمر إيجاب أو أمر استحباب هو عبادة الله
وطاعته له ولرسوله. والله فرض على العباد أن يعبدوه ويتوكلوا عليه . كما قال
تعالى: (فَأَعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ ) وقال: (وَأَذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَثَّلْ إِلَيْهِ تَّبْتِيلًا *
رَّبُّ الْمَشْرِقِ وَالْغْرِبِ لَآ إِلَهَ إِلَّا هُوَفَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا) وقال: (وَمَن يَتَّقِاللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا :
*
وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبْ وَمَن يَوَّكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ )
والتقوى تجمع فعل ما أمر الله به وترك مانهى الله عنه. ويروى عن أبى ذر
عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((يا أبا ذر! لو عمل الناس كلهم بهذه
الآية لو سعتهم )) .
ولهذا قال بعض السلف: ما احتاج نقى قط. بقول : إن الله ضمن للمتقين
أن يجعل لهم مخرجا ما يضيق على الناس، وأن يرزقهم من حيث لا يحتسبون
فيدفع عنهم ما يضرهم ويجلب لهم ما يحتاجون إليه . فإذا لم يحصل ذلك دل
على أن فى التقوى خللا، فليستغفر الله وليتب إليه، ولهذا جاء في الحديث
المرفوع إلى النبى صلى الله عليه وسلم الذي رواه الترمذي أنه قال: ((من
٥٢٦
!

أكثر الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجا. ومن كل ضيق مخرجا ورزقه
من حيث لا يحتسب )).
و(المقصود): أن الله لم يأمر بالتوكل فقط، بل أمر مع التوكل بعبادته وتقواه التى
تتضمن فعل ما أمر، وترك ما حذر. فمن ظن أنه يرضى ربه بالتوكل بدون فعل ما أمر به
كان ضالا، كما أن من ظن أنه يقوم بما يرضى الله عليه دون التوكل كان ضالاً
بل فعل العبادة التى أمر الله بها فرض .
وإذا أطلق لفظ العبادة دخل فيها التوكل . وإذا قرن أحدهما بالآخر
كان للتوكل اسم يخصه. كما فى نظائر ذلك مثل التقوى وطاعة الرسول فإن
((التقوى)) إذا أطلقت دخل فيها طاعة الرسول. وقد يعطف أحدهما على الآخر
كقول نوح عليه السلام: ( أُعْبُدُواْ اللّهَ) وكذلك قوله: (أُتَّقُواْ اللَّهَ وَقُولُواْ
قَوْلًا سَدِيدًا ) وأمثال ذلك .
وقد جمع الله بين عبادته والتوكل عليه فى مواضع كقوله تعالى: (قُلْ هُوَ
رَقِ لَا إِلَهَ إِلَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَنَابٍ ) وقول شعيب: (عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ
وَإِلَيْهِأَنِيْبُ ) فإن الإنابة إلى الله والمتاب هو الرجوع إليه بعبادته وطاعته وطاعة
رسوله ، والعبد لا يكون مطيعاً لله ورسوله - فضلا أن يكون من خواص
أوليائه المتقين _ إلا بفعل ما أمر به وترك ما نهى عنه ، ويدخل فى ذلك
التو كل .
٥٢٧

وأما من ظن أن التو كل يغني عن الأسباب المأمور بها فهو ضال ، وهذا
كمن ظن أنه يتو كل على ما قدر عليه من السعادة والشقاوة بدون أن يفعل
ما أمره الله.
وهذه «المسألة)) مما سئل عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في
الصحيحين عنه صلى اللّه عليه وسلم قال: ((ما منكم من أحد إلا وقد كتب
مقعده من الجنة والنار ، فقيل يا رسول الله! أفلا ندع العمل ونتكل على
الكتاب ؟ فقال: لا! اعملوا فكل ميسر لما خلق له)) وكذلك فى
الصحيحين عنه أنه قيل له: (( أرأيت ما يعمل الناس فيه ويكدحون ، أفيما
جفت الأقلام وطويت الصحف؟)) ولما قيل له : أفلا نتكل على الكتاب؟
قال : لا ، اعملوا فكل ميسر لما خلق له ))
وبين صلى الله عليه وسلم أن الأسباب المخلوقة والمشروعة هي من القدر
فقيل له : ((أرأيت رقى نسترقى بها؟ وتقى تقي بها ؟ وأدوية نتداوى بها
هل ترد من قدر الله شيئاً ؟ فقال: هي من قدر الله))
فالالتفات إلى الأسباب شرك فى التوحيد ، ومحو الأسباب أن تكون
أسباباً نقص فى العقل، والإعراض عن الأسباب المأمور بها قدح فى الشرع ؛
فعلى العبد أن يكون قلبه معتمداً على الله ، لا على سبب من الأسباب ، والله
ييسر له من الأسباب ما يصلحه فى الدنيا والآخرة ، فإن كانت الأسباب
٥٢٨
:

مقدورة له وهو مأمور بها فعلها مع التوكل على الله ، كما يؤدى الفرائض ،
وكما يجاهد العدو ، ويحمل السلاح، ويلبس جنة الحرب، ولا يكتفى فى دفع
العدو على مجرد توكله بدون أن يفعل ما أمر به من الجهاد، ومن ترك الأسباب
المأمور بها ، فهو عاجز مفرط مذموم .
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم
قال: ((المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمنالضعيف،وفى كلخير،احرص
على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجزن ؛ وإن أصابك شيء فلا تقل لو أنى
فعلت لكان كذا وكذا ، ولكن قل قدر الله وما شاء فعل؛ فإن لو تفتح
عمل الشيطان)) وفى سنن أبي داود ((أن رجلين نحا كما إلى النى صلى الله عليه
وسلم فقضى على أحدهما ، فقال المقضي عليه حسبنا الله ونعم الوكيل ، فقال
صلى الله عليه وسلم: (( إن الله يلوم على العجز ولكن عليك بالكيس فإن غلبك
أمر، فقل حسبنا الله ونعم الوكيل)»
وقد تكلم الناس فى حمل الزاد في الحج وغيره من الأسفار ، فالذي
مضت عليه سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنة خلفائه الراشدين وأصحابه
والتابعين لهم بإحسان، وأكبر المشايخ هو حمل الزاد لما في ذلك من طاعة الله
ورسوله ، وانتفاع الحامل ونفعه للناس .
وزعمت ((طائفة)) أن من تمام التوكل ألا يحمل الزاد ، وقد رد
٥٢٩

الأكثر هذا القول كما رده الحارث المحاسبى فى ( كتاب التوكل) وحكاه عن
شقيق البلخي ، وبالغ فى الرد على من قال بذلك ، وذكر من الحجج عليهم
ما يبين به غلطهم وأنهم غالطون في معرفة حقيقة التوكل وأنهم عاصون الله بما
يتركون من طاعته، وقد حكى لأحمد بن حنبل أن بعض الغلاة الجهال بحقيقة
التوكل كان إذا وضع له الطعام لم يمد يده حتى يوضع فى فمه ، وإذا وضع يطبق
فمه حتى يفتحوه ويدخلوا فيه الطعام ، فأنكر ذلك أشد الإنكار ، ومن هؤلاء
من حرم المكاسب .
وهذا وأمثاله من قلة العلم بسنة الله فى خلقه وأمره ؛ فإن الله خلق
المخلوقات بأسباب ، وشرع للعباد أسباباً ينالون بها مغفرته ورحمته وثوابه في
الدنيا والآخرة ، فمن ظن أنه بمجرد توكله مع تركه ما أمره الله به من
الأسباب يحصل مطلوبه ، وأن المطالب لاتتوقف على الأسباب التى جعلها
الله أسباباً لها . فهو غالط ، فالله سبحانه وإن كان قد ضمن للعبد رزقه وهو
لا بد أن يرزقه ما عمر ، فهذا لايمنع أن يكون ذلك الرزق المضمون له أسباب
تحصل من فعل العبد وغير فعله .
و ((أيضاً)) فقد يرزقه حلالاً وحراماً، فإذا فعل ما أمره به رزقه حلالاً
وإذا ترك ما أمره به فقد يرزقه من حرام .
ومن هذا الباب الدعاء والتوكل ؛ فقد ظن بعض الناس أن ذلك لا تأثير
٥٣٠

له فى حصول مطلوب ولا دفع مرهوب ، ولكنه عبادة محضة ، ولكن
ما حصل به حصل بدونه ، وظن آخرون أن ذلك مجرد علامة ، والصواب
الذي عليه السلف والأمة والجمهور أن ذلك من أعظم الأسباب التى تنال بها
سعادة الدنيا والآخرة .
وما قدره الله بالدعاء والتوكل والكسب وغير ذلك من الأسباب، إذا
قال القائل فلو لم يكن السبب ماذا يكون ، بمنزلة من يقول هذا المقتول لو لم
يقتل هل كان يعيش ، وقد ظن بعض القدرية أنه كان يعيش .
وظن بعض المنتسبين إلى السنة أنه كان يموت ، والصواب
أن هذا تقدير لأمر على اللّه أنه يكون، فالله قدر موته بهذا السبب
فلا يموت إلا به كما قدر الله سعادة هذا فى الدنيا والآخرة بعبادته ودعائه
وتوكله وعمله الصالح وكسبه ، فلا يحصل إلا به ، وإذا قدر عدم هذا
السبب لم يعلم ما يكون المقدر ، وبتقدير عدمه فقد يكون المقدر حينئذ أنه
يموت وقد يكون المقدر أنه يحيى والجزم بأحدهما خطأ.
ولو قال القائل : أنا لا آ كل ولا أشرب ، فإن كان الله قدر حیاني فهو
يحييني بدون الأكل والشرب ، كان أحمق ، كمن قال : أنا لا أطأ امرأتى
فإن كان الله قدر لي ولداً تحمل من غير ذكر .
٥٣١

فصل
إذا عرف هذا : فالسالكون طريق الله منهم من يكون مع قيامه بما
أمره الله به من الجهاد والعلم والعبادة وغير ذلك عاجزاً عن الكسب ، كالذين
(لِلْفُقَرَآءِ الَّذِينَ أُحْصِرُ واْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ
ذكره الله في قوله :
لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِى الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَآءَ مِنَ التَّعَقُّفِ
تَعْرِفُهُم بِسِيمَهُمْ لَا يَسْتَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا) والذين ذكرم اللّه فى قوله:
(لِلْفُقَرَآءِ الْمُهَجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَرِهِمْ وَأَمْوَلِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا
وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ , أُوْلَكَ هُمُ الصَّدِقُونَ).
فالصنف الأول أهل صدقات ، و الصف الثانى أهل الفيء، كما
قال تعالى فى الصنف الأول : (إِن تُبْدُواْ الصَّدَقَتِ فَنِعِمَاهِيِّ وَإِن تُخْفُوهَا
وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَآءَ فَهُوَ خَيْرٌلَّكُمْ وَيُكَفِرُ عَنكُم مِّن سَبِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا
تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ) إلى قوله: (لِلْفُقَرَآءِالَّذِينَ أُخْصِرُ واْفِى سَبِيلِ اللَّهِ )
وقال فى ((الصنف الثاني)): (مَّآ أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ، مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى الْقُرْبَ
وَاُلْيَشَى وَالْمَسَكِينِ وَأَبْنِ السَّبِيلِ) إلى قوله: (لِلْفُقَرَآءِ الْمُهَجِرِينَ) ثم قال: (وَالَّذِينَ
تَّبَوَّهُ والذَّارَ وَآلْإِيمَنَ مِن قَبْلِهِمْ). فذكر المهاجرين والأنصار وكان المهاجرون تغلب
٥٣٢
!

عليهم التجارة ؛ والأنصار تغلب عليهم الزراعة ، وقد قال للطائفتين :
( أَنْفِقُواْ مِن طَيِّبَتِ مَاكَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ) فذكر زكاة
التجارة وزكاة الخارج من الأرض وهو العشر، أو نصف العشر ، أو
ربع العشر .
ومن السالكين من يمكنه الكسب مع ذلك وقد قال تعالى لما أمرم
بقيام الليل: (عَلِمَ أَنَ سَيَكُونُ مِنْكُمْ تَرْضَّ وَءَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِى الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ
فجعل المسلمين أربعة
وَءَاخَرُونَ يُقَتِلُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ )
أصناف ، صنفاً أهل القرآن والعلم والعبادة ، وصنفاً يضربون فى الارض
يبتغون من فضل الله ، وصنفاً يجاهدون فى سبيل الله والرابع المعذورون.
وأما قول القائل : أن الغذاء والقوام هو من فعل اللّه فلا يمكن طلبه
كالحياة ، فليس كذلك هو !بل ما فعل الله بأسباب يمكن طلبه بطلب الأسباب
كما مثله فى الحياة والموت ؛ فإن الموت يمكن طلبه ودفعه بالأسباب التى قدرها
الله؛ فإذا أردنا أن يموت عدو الله سعينا فى قتله، وإذا أردنا دفع ذلك عن
المؤمنين دفعناه بما شرع الله الدفع به ؛ قال تعالى فى داود عليه السلام :
( وَعَلَقْنَهُ صَنْعَةَ ◌َبُوُسِ لَّكُمْ لِنُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ) وقال تعالى: (سَرَّبِيلَ
تَفِيكُمُ الْحَرَّوَسَرَبِيلَ تَفِيكُمْ بَأْسَكُمْ) وقال تعالى: (فَلْيُصَلُوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ
حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ) وهذا مثل دفع الحر والبرد عنا هو من فعل الله فاللباس
والاكتساب ومثل دفع الجوع والعطش هو من فعل الله بالطعام والشراب،
٥٣٣

وهذا كما أن إزهاق الروح هو من فعل الله، ويمكن طلبه بالقتل وحصول
العلم والهدى فى القلب ، هو من فعل اللّه ويمكن طلبه بأسبابه المأموربها
وبالدعاء.
وقول القائل إن الله يفعل بسبب وبغير سبب ، فمن أين يلزمنا
طلب السبب .
جوابه ، أن يقال له : ليس الأمر كذلك ، بل جميع ما يخلقه الله
ويقدره إنما يخلقه ويقدره بأسباب ؛ لكن من الأسباب ما يخرج عن قدرة
العبد ؛ ومنها ما يكون مقدوراً له ، ومن الأسباب ما يفعله العبد؛ ومنها
ما لا يفعله .
والأسباب منها ((معتاد)) ومنها ((نادر)) فإنه فى بعض الأعوام قد يمسك
المطر ويغذي الزرع بريح يرسلها ، وكما يكثر الطعام والشراب بدعاء النبي صلى
اللّه عليه وسلم، والرجل الصالح فهو أيضاً سبب من الأسباب. ولا ريب أن
الرزق قد يأتي على أيدي الخلق؛ فمن الناس من يأتيه برزقه جنى أو ملك أو
بعض الطير والبهائم؛ وهذا نادر، والجمهور إنما يرزقون بواسطة بني آدم مثل
أكثر الذين يعجزون عن الأسباب يرزقون على أيدي من يعطيهم :
إما صدقة ، وإما هدية ؛ أو نذراً ؛ وإما غير ذلك ، مما يؤتيه الله على
أيدي من ييسره لهم.
٥٣٤
!

وقد ثبت فى الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((يا ابن آدم!
إن تنفق الفضل خير لك، وإن تمسك الفضل شر لك، ولا يلام على كفاف،
واليد العليا خير من اليد السفلى)) وفى حديث آخر صحيح («بد الله هي العليا
ويد المعطى التى تليها ويد السائل السفلى)).
وبعض الناس يزعم أن يد السائل الآخذ هي العليا ؛ لأن الصدقة تقع بيد
الحق، وهذا خلاف نص رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أخبر: أن يدالله
هي العليا ، ويد المعطى التى تليها ، ويد السائل السفلى.
وقول القائل : إن الله ضمن ضماناً مطلقاً .
فيقال له : هذا لا يمنع وجوب الأسباب على ما يجب : فإن فيا ضمنه رزق
الأطفال والبهائم والزوجات ، ومع هذا فيجب على الرجل أن ينفق على ولده
وبهائه وزوجته ، بإجماع المسلمين ونفقته على نفسه أوجب عليه .
وقول القائل: كيف يطلب ما لا يعرف مكانه ؟
جوابه : أنه يفعل السبب المأمور به، ويتوكل على الله فيما يخرج عن
قدرته ، مثل الذي يشق الأرض ويلقي الحب ويتوكل على الله في إنزال المطر
وإنبات الزرع ودفع المؤذيات، وكذلك التاجر غاية قدرته تحصيل السلعة
ونقلها، وأما إلقاء الرغبة فى قلب من يطلبها وبذل الثمن الذي يربح به فهذا
٥٣٥

ليس مقدوراً للعبد، ومن فعل ما قدر عليه لم يعاقبه اللهبما عجز عنه، والطلب
لا يتوجه إلى شيء معين، بل إلى ما يكفيه من الرزق ، كالداعي الذي يطلب من
الله رزقه وكفايته من غير تعبين.
فصل
فإذا عرف ذلك: فمن الكسب ما يكون واجباً ، مثل الرجل المحتاج إلى
نفقته على نفسه أو عياله أو قضاء دينه وهو قادر على الكسب ؛ وليس هو مشغولاً
بأمر أمره الله به ؛ هو أفضل عند الله من الكسب، فهذا يجب عليه الكسب
باتفاق العلماء؛ وإذا تركه كان عاصياً آثماً .
ومنه ما يكون مستحباً : مثل هذا إذا اكتسب ما يتصدق به ؛ فقد ثبت
فى الصحيحين عن أبي موسى عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( على كل
مسلم صدقة، قالوا : يا رسول الله ! فمن لم يجد. قال : يعمل بيده ينفع نفسه
ويتصدق. قالوا: فإن لم يجد. قال: يعين ذا الحاجة الملهوف. قالوا : فإن لم يجد
قال: فليأمر بالمعروف وليمسك عن الشر فإنها له صدقة)).
٥٣٦
1

فصل
وأما قول القائل : إن الأنبياء والأولياء لم يطلبوا رزقاً .
فليس الأمر كذلك ، بل عامة الأنبياء كانوا يفعلون أسباباً يحصل بها
الرزق؛ كما قال نبينا صلى الله عليه وسلم في الحديث الذى رواه أحمد فى المسند
عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((بعثت بالسيف بين بدي
مـ
الساعة حتى يعبد الله وحده لا شريك له وجعل رزقى بحت ظل رمحي؛
وجعل الذل والصغار على من خالف أمري، ومن تشبه بقوم فهو منهم )). وقد
ثبت فى الصحيح قوله صلى الله عليه وسلم: ((إن أفضل ما أكل الرجل من
کسبه))؛ وكان داود یا کل من کسبه . وکان يصنع الدروع ، وكان ز کریا
تجاراً، وكان الخليل له ماشية كثيرة حتى إنه كان يقدم للضيف الذين لا يعرفهم
عجلاً سميناً؛ وهذا إنما يكون مع اليسار .
وخيار الأولياء المتوكلين: المهاجرون والأنصار، وأبو بكر الصديق - رضي
الله عنه .. أفضل الأولياء المتوكلين، بعد الأنبياء. وكان عامتهم يرزقهم الله بأسباب
يفعلونها، كان الصديق تاجراً ؛ وكان يأخذ ما يحصل له من المغنم ؛ ولما ولى
٥٣٧

الخلافة جعل له من بيت المال کل یوم درهمین ، وقد أخرج ماله كله، وقال له
النبي صلى الله عليه وسلم: ((ماتركت لأهلك؟ قال: تركت لهم اللهورسوله))
ومع هذا فما كان بأخذ من أحد شيئاً لا صدقة ولا فتوحا ولا نذراً ، بل إنما
كان يعيش من كسبه.
بخلاف من يدعى التوكل ويخرج ما له كله ظاناً أنه يقتدي بالصديق ؛وهو
يأخذ من الناس إما بمسألة وإما بغير مسألة ، فإن هذه ليست حال أبي بكر
الصديق، بل فى المسند: (( أن الصديق كان إذا وقع من يده سوط ينزل
فيأخذه. ولا يقول لأحد ناولني إياه، ويقول إن خليلي أمربي ألا أسأل
الناس شيئاً)). فأين هذا ممن جعل الكدية وسؤال الناس طريقاً إلى الله، حتى
إنهم بأمرون المريد بالمسألة للخلق .
وقد تواترت الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم بتحريم مسألة
الناس، إلا عند الضرورة، وقال: (( لا تحل المسألة إلا لذي غرم مقطع، أو
دم موجع أو فقر مدقع)) وقال تعالى: ( فَإِذَا فَرَغْتَ فَنصَبُ * وَإِلَى رَبِّكَ فَأَرْغَب )
فأمره أن تكون رغبته إلى الله وحده.
ومن هؤلاء من يجعل دعاء الله ومسألته نقصاً، وهو مع ذلك يسأل
الناس ويكديهم ، وسؤال العبد لربه حاجته من أفضل العبادات ؛ وهو طريق
أنبياء الله، وقد أمر العباد بسؤاله فقال: (وَسْئَلُواْ اللَّهَ مِن فَضْلِهِ ) ومدح
٥٣٨

الذين يدعون ربهم رغبة ورهبة. ومن الدعاء ماهو فرض على كل مسلم، كالدعاء
المذكور فى فاتحة الكتاب .
ومن هؤلاء من يحتج بما يروى عن الخليل أنه لما ألقي فى النار قال له
جبرئيل : هل لك من حاجة ؟ فقال: أما إليك فلا ، قال : سل قال : حسبى من
سؤالي علمه بحالي . وأول هذا الحديث معروف، وهو قوله: أما إليك فلا ؛
وقد ثبت فى صحيح البخاري عن ابن عباس رضى الله عنهما في قوله :
حسبنا الله ونعم الوكيل، أنه قالها: إبراهيم حين ألقى فى النار . وقالها
محمد - صلى الله عليه وسلم - حين قال له الناس: إن الناس قد
جمعوا لكم فاخشوم .
وأما قوله : حسبى من سؤالي علمه بحالي فكلام باطل، خلاف ما ذكره
الله عن إبراهيم الخليل وغيره من الأنبياء من دعائهم للّه ومسألتهم إياه، وهو
خلاف ما أمر الله به عباده من سؤالهم له صلاح الدنيا والآخرة. كقولهم: (رَبَّنَآَ
ءَانِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآَخِرَةِ حَسَنَّةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ) ودعاء الله
وسؤاله والتوكل عليه عبادة لله مشروعة بأسباب كما يقدره بها،
فكيف يكون مجرد العلم مسقطاً لما خلقه وأمر به ؟ ! والله أعلم.
وصلى الله على محمد وسلم.
٥٣٩

سئل شيخ الإسلام
عن الرزق : هل يزيد أو ينقص ؟ وهل هو ما أكل أو ما
ملكه العبد ؟
فأجاب : الرزق نوعان :
(أحدهما ) : ما علمه اللّه أنه يرزقه فهذا لا يتغير.
و (الثاني) ما كتبه وأعلم به الملائكة فهذا يزيد وينقص بحسب الأسباب،
فإن العبد بأمر الله الملائكة أن تكتب له رزقاً، وإن وصل رحمه زاده الله على
ذلك، كما ثبت فى الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((من سره
أن يبسط له في رزقه. وينسأله فى أثره، فليصل رحمه)). وكذلك عمر داود
زاد ستين سنة فجعله الله مائة بعد أن كان أربعين. ومن هذا الباب قول عمر:
اللهم إن كنت كتبتني شقياً فامحني واكتبي سعيداً فإنك تمحو
ما تشاء وتثبت .
ومن هذا الباب قوله تعالى عن نوح: (أَنِ اعْبُدُواْ اللَّهَ وَأَتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ *
وشواهده كثيرة.
يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِزَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمَّى ) .
والأسباب التى يحصل بها الرزق هي من جملة ما قدره الله وكتبه، فإن
كان قد تقدم بأنه يرزق العبد بسعيه واكتسابه ألهمه السعي والاكتساب.
٥٤٠