Indexed OCR Text
Pages 441-460
يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَمِّ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجَا كَأَنَّمَا يَصَغَدُ وقال تعالى: (وَلَوْشَآءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُواْ وَلَكِنَّ اللَّهَيَفْعَلُ مَايُرِيدٌ ) فِي السَّمَاءِ ) وقال نوح: ( وَلَ يَنَفَعُكُمْ نُصْحِىّ إِنْ أَرَدَتُّ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِن كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ) ) وهذا وقال: ( إِنَّمَآ أَمْرُهُ: إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ,كُنْ فَيَكُونُ التقسيم تقسيم شريف، وهو أيضاً وارد فى كتاب الله فى الإذن والأمر، والكلمات والتحريم والحكم والقضاء، كما قد بيناه فى غير هذا الموضع ، وبمعرفته تندفع شبهات عظيمة . ومن مواقع الشبهة ومثارات الغلط: تنازع الناس فى (( القدرة)) هل يجب أن تكون مقارنة للفعل ؟ أو يجب أن تكون متقدمة عليه؟ والتحقيق الذي عليه أئمة الفقهاء: أن الاستطاعة المشروطة في الأمر والنهي - وهي التى تقدم الكلام فيها - لا يجب أن تقارن الفعل . فإن الله إنما أوجب الحج على من استطاعه، فمن لم يحج من هؤلاء كان عاصيا باتفاق المسلمين ، ولم يوجد فى حقه استطاعة مقارنة ، وكذلك سائر من عصى الله من المأمورين المنهيين ، وجد فى حقه الاستطاعة المشروطة فى الأمر والنهي . وأما المقارنة فإنما توجد فى حق من فعل، والفاعل لابد أن يريد الفعل إرادة حازمة وأن يكون قادراً عليه ، وإذا وجد ذلك في حقه وجب وجود الفعل . فمن قال : الاستطاعة هي المقارنة ، فهي مجموع ما يحب من الفعل ويدخل في ذلك الإرادة وغيرها وعلى هذا الاصطلاح يقال: إذا لم يرد الفعل فليس ٤٤١ بقادر عليه. وقد تبين أن مثل هذا النزاع لفظي ، فمن فسر عدم القدرة بذلك ظهر مقصوده، فإذا حقق الأمر وقيل : هل يكون العبد إذا أراد ما أمر به إرادة جازمة عاجزاً عنه ، تبين الحق وظهر لكل أحد أنه إذا أراد ما أمر به لم يكن عاجزاً، بل قادراً عليه . وأن ما كان عاجزاً عنه إذا أراده فإن الله لم يكلفه إياه ، فإن الله لا يكلف نفساً إلا وسعها: أي ماوسعته النفس. ويجب أن يعلم العبد أن عمله من الحسنات هو بفضل الله ورحمته ومن نعمته، كما قال أهل الجنة: ( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى هَدَنَنَا لِهَذَا وَمَاكُنَّا لِنَهْتَدِىَ لَوْلًا أَنْ ) وقال تعالى: ( وَلَكِنَّاللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَنَ وَزَيَّنَهُ فِ قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ هَدَئِنَااللهُ إِلَيْكُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمُ الَّشِدُونَ) وقال تعالى: ( أَفَمَنْ شَرَعَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَِفَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّن رَّبِهِ، فَوَيْلٌ لِلْقَسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهِ) وقال: (أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًايَمْشِى بِهِ فِى النَّاسِ كَمَن ◌َّثَلُهُ فِ الظُّلُمَتِ لَيْسَ بِخَارِجِ مِنْهَا ) وقال تعالى: ( وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآَ إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَاكُنْتَ تَدْرِى مَالْكِنَبُ وَلَ الْإِيمَانُ وَلَكِنِ جَعَلْنَهُ نُورًّا نَهْدِى بِهِ مَن نَّشَآءُ مِنْ عِبَادِنَا). وكذلك إضافة السيئات إلى نفسه هو الذي ينبغي أن يفعله مع علمه بأن الله خالق كل موجود: من الأعيان والصفات والحركات والسكنات. كما قال آدم: ) وقال رَبَّنَا ظَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَسِرِينَ ) موسى: ( رَبِّ إِنِى ظَلَمْتُ نَفْسِىِ فَاغْفِرْلِ ) وقال الخليل: ( وَالَّذِىَ أَطْمَعُ أَن ٤٤٢ يَغْفِرَلِ خَطِيْئَتِى يَوْمَ الّذِّينِ ) وقال لخاتم الرسل: (فَأَعْلَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّ اللَّهُ وَأَسْتَغْفِرْ لِذَتْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ ) وقد قال تعالى : - فى حق من عذبهم - ( وَمَا ظَلَمْنَهُمْ وَلَكِنْ كَانُواْهُمُ الظَّالِمِينَ ) ( فَمَا كَانَ دَعْوَنُهُمْ إِذْجَآءَ هُم بَأْسُنَآَ وأمثال هذا كثير فى الكتاب والسنة. ( إِلَّا أَنْ قَالُواْ إِنَّا كُنَّا ظَلِمِينَ وفي الحديث الصحيح الإلهي الذي رواه مسلم وغيره عن أبي ذر عن النبى صلى الله عليه وسلم فيما يروي عن ربه تعالى: ((يا عبادي! إنى حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما ؛ فلا تظالموا، يا عبادي! إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعاً ولا أبالي؛ فاستغفرونى أغفر لكم، يا عبادي! كلكم ضال إلا من هديته ؛ فاستهدونى أهدكم ، يا عبادي! كلكم جائع إلا من أطعمته ؛ فاستطعمونى أطعمكم. يا عبادي ! كلكم عار إلا من كسوته؛ فاستكسونى أكسكم . يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أنقى قلب رجل منكم ما زاد ذلك فى ملكي شيئاً . يا عبادي ! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم اجتمعوا فى صعيد واحد، فسألونى فأعطيت كل إنسان منهم مسألته؛ لم ينقص ذلك من ملكي إلا كما ينقص البحر إذ يغمس فيه المخيط غمسة واحدة. يا عبادي ! إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها ؛ فمن وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه)). فقد بين هذا الحديث أن من وجد خيراً بالعمل الصالح فليحمد الله، فإنه هو الذي أنعم بذلك، وإن وجد غير ذلك: إما شراً له عقاب، وإما عيشاً ٤٤٣ لا فائدة فيه ، فلا يلومن إلا نفسه، فإنه هو الذي ظلم نفسه ، وکل حادث فبقدرة الله ومشيئته، وكذلك فى سيد الاستغفار الذي رواه البخاري وغيره عن شداد بن أوس عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((سيد الاستغفار، أن يقول العبد: اللهم! أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت ؛ أعوذ بك من شر ما صنعت أبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنى ؛ فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت ، من قالها إذا أصبح موقناً بها فمات من يومه دخل الجنة ؛ ومن قالها إذا أمسى موقناً بها فمات من ليلته دخل الجنة)). قوله ((أبوء لك بنعمتك علي)» يتناول نعمته عليه من الحسنات وغيرها وقوله و((أبوء بذنى)) اعتراف منه بذنبه . وهذه الطريقة هي طريقة المؤمنين. ومن عدام ثلاثة أصناف : فإن القسمة رباعية . (قسم ) يجعلون أنفسهم هى الخالقة المحدثة للحسنات والسيئات، وأن نعمة الله الدينية على المؤمن والكافر سواء وأنه لم يعط العبد إلا قدرة واحدة تصلح للضدين وليس بيد الله هداية خص بها المؤمن ؛ أو تطلب منه بقول العبد : (أَهْدِنَا الصِّرَطَ الْمُسْتَقِيمَ) وأنه لا يقدر على هداية ضال، ولا إضلال مهتد ؛ فهؤلاء القدرية المجوسية . و(قسم) يسلبون العبد اختياره وقدرته ؛ ويجعلونه مجبوراً على حركاته ٤٤٤ من جنس حركات الجمادات ؛ ويجعلون أفعاله الاختيارية والاضطرارية من نمط واحد حتى يقول أحدهم : إن جميع ما أمر الله به ورسوله فإنما هو أمر بما لا يقدر عليه ، ولا يطيقه؛ فيسلبونه القدرة مطلقاً؛ إذ لا يثبتون له إلا قدرة واحدة مقارنة للفعل . ولا يجعلون للعاصى قدرة أصلا . فهذه المقالات وأمثالها من ((مقالات الجبرية القدرية)) الذين أنكر قولهم - كما أنكروا قول الأولين - أئمة الهدى: مثل عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي ، وسفيان بن سعيد الثوري ، ومحمد بن الوليد الزبيدي ، وعبد الرحمن بن مهدي وأحمد بن محمد بن حنبل وغيرم. فإن ضموا إلى ذلك إقامة العذر للعصاة بالقدر ، وقالوا : إنهم معذورون لذلك لا يستحقون اللوم والعذاب ، أو جعلوا عقوبتهم ظلماً، فهؤلاء كفار، كما أن من أنكر على الله القديم من غلاة القدرية فهو كافر . وإن جعلوا ثبوت القدر موجباً لسقوط الأمر والنهي والوعد والوعيد، كفعل المباحية ، فهؤلاء أكفر من اليهود والنصارى من جنس المشركين ، الذين قالوا؛ ( لَوْشَآءَ اللَّهُ مَآ أَشْرَكْنَا وَلَآءَابَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِن شَّءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَافُواْبَأْسَنَّا قُلْ هَلْ عِندَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَآ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّاّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ * قُلْ فَلِلَّهِالْحُجَّةُ الْبَلِغَةُ فَلَوْ شَآءَ لَهَدَنَكُمْ فإن هذا القول يستلزم طي بساط كل أمر ونهي، أَجْمَعِينَ ) ٤٤٥ وهذا مما يعلم بالاضطرار من العقل والدين أنه يوجب الفساد في أمر الدنيا والمعاد . وأما ( القسم الرابع): فهو شر الأقسام كما قال الشيخ أبو الفرج بن الجوزي ، قال أنت عند الطاعة قدري، وأنت عند المعصية جبري أي مذهب وافق هواك تمذهبت به - فهؤلاء شر أتباع الشيطان، وليس هو مذهباً لطائفة معروفة ، ولكن هو حال عامة المحلولين عن الأمر والنهي ، إن فعل طاعة أخذ يضيفها إلى نفسه ويعجب حتى يحبط عمله، وإن فعل معصية أخذ يعتذر بالقدر ويحتج بالقضاء ، وتلك حجة داحضة ، وعذر غير مقبول . وتراه إذا أصابته مصيبة بفعل العباد أو غيرهم لا يستسلم للقدر، وتراه إذا ظلم نفسه أو غيره احتيج بالقدر ويقول : العبد مسكين لا قادر ولا معذور ويقول : ألقاه في البحر مكتوفا وقال له إياك إياك أن تبتل بالماء وإن ظلمه غيره ظلما دون ذلك أوتوم أنه ظلمه أحد، سعى فى الانتقام من ذلك بأضعاف ذلك ، ولا يعذر غيره بمثل ماعذر به نفسه من القدر ، وهما سواء فهذه الجمل يجب اعتقادها . وأما الكلام على الحقيقة الموجبة لإضافة الذنوب إلى العبد مع عموم الخلق ٤٤٦ وفي سرد وقوع هذه الشرور - فى القدر ، وأنه مع ذلك لم يضف إلى الله فى كتابه الأعلى أحد وجوه ثلاثة : إما على (طريق العموم ) كقوله تعالى: (خَلِقُ كُلِّ شَىْءٍ). وإما أن يضاف إلى السبب، كقوله تعالى: (مِن شَرِّمَاخَلَقَ ). وإما أن يحذف الفاعل كقول الجن: (وَأَنَّا لَا نَدْرِى أَشَرُّأُرِيدَ بِمَن فِىِ الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا ). والكلام على أن أسماء الله الحسنى لابد أن تتضمن إضافة الخير، والشر داخل فى مفعولاته، كقوله تعالى: ( نَبِ عِبَادِىّ أَنِى أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنَّ عَذَابِ هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ) وقوله: (أَعْلَمُوْ اْ أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّاللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) فتحرير هذه الحقائق الشريفة التى هي شرف الأولين والآخرين يحتاج إلى بسط وإطناب في غير هذا الجواب، والله الموفق للصواب، ولا حول ولا قوة إلا بالله، ولا ملجأ منه إلا إليه، وهو حسبنا ونعم الوكيل. ٤٤٧ سئل شيخ الإسلام بقية السلف الكرام ، العلامة الربانى ، والحجة النورانى ، أوحد عصره وفريد دهره ، حلية الطالبين ، ونخبة الراسخين ، تقى الدين أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية الحرانى - رضي الله عنه وأتابه الجنة بمنه وكرمه. فقيل : - وفضله فى الناس مذكور يا أيها الحبر الذي علمه والعبد فى الأفعال مجبور كيف اختيار العبد أفعاله على الإرادات لمقسور حقيقة . والحكم مشهور ما يلحق الفاعل تأثير فى صحة المحكي تقرير يك للخالق تقدير حدوثه والقول مهجور مسطور فالمختار لأنهم قد صرحوا : أنه ولم يكن فاعل أفعاله ومن هنا لم يكن للفعل فى (وما تشاءون) دليل له و(كل شيء)، ثم لو سلمت، لم أو كان ، فاللازم من كونه ولا يقال: علم الله ما يختار ٤٤٨ وعندك المكره معذور والجبر - إن صح- يكن مكرهاً له إلى محوك تشمير نعم ذلك الجبر، وكنت امرهاً تقعدفى عنك المقادير أسقمنى الشوق ولكنني فأجاب: الحمد لله رب العالمين. أصل ((هذه المسألة)): أن يعلم الإنسان أن مذهب أهل السنة والجماعة فى هذا الباب وغيره مادل عليه الكتاب والسنة ، وكان عليه السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار، والذين اتبعوهم بإحسان: وهو أن الله خالق كل شيء وربه ومليكه، وقد دخل في ذلك جميع الأعيان القائمة بأنفسها وصفاتها القائمة بها ، من أفعال العباد وغير أفعال العباد . وأنه سبحانه ما شاء كان ومالم يشأ لم يكن؛ فلا يكون في الوجودشيء إلابمشيئته وقدرته ، لا يمتنع عليه شيء شاءه؛ بل هو قادر على كل شيء ، ولا يشاء شيئاً إلا وهو قادر عليه . وأنه سبحانه يعلم ما كان وما يكون ، وما لم يكن لو كان كيف يكون ، وقد دخل في ذلك أفعال العباد وغيرها ، وقد قدر الله مقادير الخلائق قبل أن يخلقهم : قدر آجالهم وأرزاقهم وأعمالهم وكتب ذلك ، وكتب ما يصيرون إليه من سعادة وشقاوة ، فهم يؤمنون بخلقه لكل شيء ، ٤٤٩ وقدرته على كل شيء ، ومشيئته لكل ما كان، وعلمه بالأشياء قبل أن تكون، وتقديره لها وكتابته إياها قبل أن تكون . وغلاة القدرية ينكرون علمه المتقدم، وكتابته السابقة، ويزعمون أنه أمر ونهى، وهو لا يعلم من يطيعه ممن يعصيه، بل الأمر أنف : أي مستأنف . وهذا القول أول ما حدث فى الإسلام بعد انقراض عصر الخلفاء الراشدين وبعد إمارة معاوية بن أبى سفيان فى زمن الفتنة التى كانت بين ابن الزبير وبين بنى أمية فى أواخر عصر عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وغيرهما من الصحابة ، وكان أول من ظهر عنه ذلك بالبصرة معبد الجهني، فلما بلغ الصحابة قول هؤلاء تبرءوامنهم، وأنكروا مقالتهم ، كما قال عبد الله بن عمر - لما أخبر عنهم -: إذا لقيت أولئك فأخبرهم: أنى بريء منهم، وأنهم براء مني، وكذلك كلام ابن عباس وجابر بن عبد الله وواثلة بن الأسقع وغيرهم من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وسائر أئمة المسلمين، فيهم كثير حتى قال فيهم الأئمة كمالك والشافعي وأحمد بن حنبل وغيرهم: إن المنكرين لعلم الله المتقدم يكفرون . ثم كثر خوض الناس فى القدر فصار جمهورهم يقر بالعلم المتقدم والكتاب السابق ، لكن ينكرون عموم مشيئة الله ، وعموم خلقه وقدرته، ويظنون أنه لامعنى لمشيئته إلا أمره، فما شاءه فقد أمر به، ومالم يشأ. لم يأمر به، فلزمهم أن يقولوا : إنه قد يشاء ما لا يكون، ويكون مالا يشاء ، وأنكروا ٤٥٠ أن يكون الله تعالى خالقا لأفعال العباد، أو قادراً عليها . أو أن يخص بعض عباده من النعم بما يقتضي إيمانهم به وطاعتهم له . وزعموا أن نعمته - التى يمكن بها الإيمان والعمل الصالح - على الكفار كأبي لهب، وأبى جهل ، مثل نعمته بذلك على أبى بكر وعمر وعثمان وعلي، بمنزلة رجل دفع لأولاده مالا فقسمه بينهم بالسوية، لكن هؤلاء أحدثوا أعمالهم الصالحة، وهؤلاء أحدثوا أعمالهم الفاسدة ، من غير نعمة خص الله بها المؤمنين وهذا قول باطل . وقد قال تعالى: ( يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُواْ قُل لَّا تَهُنُّواْ عَّ إِسْلَمَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَ نَّكُمْلِلْإِيمَنِ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ) ج وقال تعالى: (وَأَعْلَمُوْ أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِلَوْيُطِعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِّنَ اْأَمِْلَعَنْتُمْ وَلَكِنَّاللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَنَ وَزَيَّنَهُ فِ قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَتِكَ هُمُ اُلَّشِدُونَ). وقد أمرنا الله أن نقول فى صلاتنا: (أَهْدِنَا الصِّرَطَ الْمُسْتَقِمَ صِرَطَ الَّذِينَ أَنَعْمَتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِالْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّآلِينَ). وقال أهل الجنة : ) . وقال اُلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى هَدَنَا لِهَذَا وَمَاكُنّا لِنَهْتَدِىَ لَوْلَا أَنْ هَدَ نَا اللَّهُ ) الخليل صلوات الله وسلامه عليه: (رَبَّنَا وَأَجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَتِنَآ أُمَّةً مُسْلِمَةً لَّكَ ) . وقال: (رَبِّ اجْعَلْنِى مُقِيمَ الصَّلَوَةِ وَمِن ذُرِيَّتِى ). وقال تعالى: (وَحَعَلْنَامِنْهُمْ أَبِمَّةُ يَهْدُونَ بِأَمْرِنَالَمَّا صَبَرُواْ) وقال: (وَجَعَلْنَهُمْ أَسِعَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ) ونصوص الكتاب والسنة وسلف الأمة المبينة لهذه ٤٥١ الأصول كثيرة : مع ما فى ذلك من الدلائل العقلية الكثيرة على ذلك . فصل وسلف الأمة وأئتها متفقون أيضاً على أن العباد مأمورون بما أمرم الله به ، منهيون عمانهام اللّه عنه، ومتفقون على الإيمان بوعده ووعيده الذي نطق به الكتاب والسنة، ومتفقون أنه لا حجة لأحد على الله فى واجب تركه ولا محرم فعله ، بل لله الحجة البالغة على عباده، ومن احتج بالقدر على ترك مأمور ، أو فعل محظور أو دفع ما جاءت به النصوص فى الوعد والوعيد فهو أعظم ضلالاً وافتراء على الله ومخالفة لدين الله من أولئك القدرية ، فإن أولئك مشبهون بالمجوس ، وقد جاءت الآثار فيهم أنهم مجوس هذه الأمة ، كما روي ذلك عن ابن عمر وغيره من السلف؛ وقد رويت فى ذلك أحاديث مرفوعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم منها مارواه أبو داود والترمذي ، ولكن طائفة من أئمة الحديث طعنوا فى صحة الأحاديث المرفوعة فى ذلك ، وهذا مبسوط فى موضعه . والمقصود هنا أن القدرية النافية يشبهون المجوس فى كونهم أثبتوا غير الله يحدث أشياء من الشر بدون مشيئته وقدرته وخلقه . ٤٥٢ وأما المحتجون على القدر بإسقاط الأمر والنهى والوعد والوعيد فهؤلاء يشبهون المشركين الذين قال الله فيهم: (سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرُواْ لَوَشَاءَ اللَّهُمَّ أَشْرَكْنَا وَلَآ ءَابَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِن شَىْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ حَقّ ذَاقُواْ بَأْسَنَّا قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَآ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا と وقال تعالى: (وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَّكُوْلَوْشَآءَ اللَّهُ مَاعَبَدْنَا مِن تَخْرُصُونَ ) دُونِهِ مِن شَىْءٍ نَّحْنُ وَلَآءَابَآؤُنَا وَلَاحَرَّمْنَا مِن دُونِهِ مِن شَىْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَغُ الْمُبِينُ) وقال تعالى: ( وَإِذَاقِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوْ مِمَا رَزَقَكُمُاللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَءَامَنُواْأَنْطْعِمُ مَن لَّوْنَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمُ إِلَّا فِي ضَلَالِ مُبِينٍ ) وقال تعالى: (وَقَالُوْلَوْشَآءُالرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَهُمْ مَّالَهُم بِذَالِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَا يَخْصُونَ) فهؤلاء المحتجون بالقدر على سقوط الأمر والنهي من جنس المشركين المكذبين للرسل ، وم أسوأ حالاً من المجوس وهؤلاء حجتهم داحضة عند ربهم وعليهم غضب ولهم عذاب شديد . ومن هؤلاء من يظن أن آدم احتج على موسى بالقدر على الذنب ، وأن ذلك جائز لخاصة الأولياء المشاهدين للقدر ، وهذا ضلال عظيم ؛ فإن موسى إنما لام آدم على المعصية التى لحقت الذرية بسبب أكله من الشجرة ، فقال : (لماذا أخرجتنا ونفسك من الجنة))؟ والعبد مأمور عند المصائب أن يرجع للقدر فإن سعادة العبد أن يفعل المأمور ويترك المحظور ويسلم للمقدور، قال الله تعالى: ٤٥٣ ) قال ابن مَآ أَصَابَ مِن مُصِيبَةٍ إِلَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ يَهْدِقَلْبَهُ ) مسعود : هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويسلم . فالسعيد يستغفر من المعائب ويصبر على المصائب ، كما قال تعالى : (فَأَصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌ وَاُسْتَغْفِرْ لِذَنْيِكَ ) والشقي يجزع عند المصائب ويحتج بالقدر على المعائب ؛ وإلا فآدم صلى الله عليه وسلم قد تاب من الذنب ، وقد اجتباه ربه وهداه ، وموسى أجل قدراً من أن يلوم أحداً على ذنب قد تاب منه وغفر الله له، فضلا عن آدم، وهو أيضاً قد تاب مما فعل حيث قال : ( رَبِّ إِنِى ظَلَمْتُ نَفْسِى فَاغْفِرْ لِ فَغَفَرَلَهُ ) وقال: (إِنَّا هُدْنَآَ إِلَيْكَ ) وقال: ( أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْلَنَا وَأَرْحَمْنَا ) وموسى وآدم أعلى بالله من أن يظن واحد منهما أن القدر عذر لمن عصى الله ، وقد علما ما حل بإيليس وغير إبليس ، وآدم نفسه قد أخرج من الجنة وطفق هو وامرأته يخصفان عليهما من ورق الجنة، وقد عاقب الله قوم نوح وهود وصالح وغيرم من الأمم وقد شرع الله عقوبة المعتدين وأعدجهم للكافرين، فكيف يكون القدر عذراً للذنب؟ !. وهؤلاء لا يحتجون بالقدر إلا إذا كانوا متبعين لأهوائهم بغير علم ، ولا يطردون حجتهم، فإن القدر لو كان عذراً للخلق للزم أن لا يلام أحد ولا يذم ولا يعاقب لا في الدنيا ولا في الآخرة ، ولا يقتص من ظالم أصلا ، بل يمكن الناس أن يفعلوا ما يشتهون مطلقاً ، ومعلوم أن هذا لايتصور أن يقوم عليه مصلحة أحد لا في الدنيا ولا في الآخرة ، بل هو موجب الفساد العام وصاحب ٤٥٤ هذا لا يكون إلا ظالماً متناقضاً، فإذا آذاه غيره أو ظلمه طلب معاقبته وجزاه ولم يعذره بالقدر ، وإذا كان هو الظالم احتج لنفسه بالقدر، فلا يحتج أحد بالقدر إلا لاتباع هواه بغير علم ، ولا يكون إلا مبطلا لاحق معه، كما احتج به المشركون فقال تعالى: (قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمِ فَتُخرِجُوُ لَّا إِن تَنَّبِعُونَ إِلَّا الَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ) وقال: (كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَغُ الْمُبِينُ) ولهذا كان هؤلاء المشركون المحتجون بالقدر إذا عادام أحد قابلوه وقاتلوه وعاقبوه ولم يقبلوا حجته إذا قال لو شاء الله ما عاديتكم ، بل م دائما يعيبون من ظلم واعتدى ولا يقبلون احتجاجه بالقدر، فلما جاءهم الحق من ربهم أخذوا يدافعون ذلك بالقدر ، فصاروا يحتجون على دفع آخر اللّه ونهيه بما لا يجوزون أن يحتج به عليهم فى دفع أمرم ونهيهم ، بل ولا يجوز أحد من العقلاء أن يحتج به عليه فى دفع حقه ، فعارضوا ربهم ورسل ربهم بما لا يجوزون أن يعارض به أحدمن الناس، ولارسل أحد من الناس، فكان أمر المخلوق ونهيه وحقه أعظم على قولهم من أمر الله ونهيه وحقه على عباد الله وكان أمر الله ونهيه وحقه على عباده أخف حرمة عندهم من أمر المخلوق ونهيه وحقه على غيره، فإن حق الله على عباده أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً ؛ كما ثبت فى الصحيحين عن معاذ بن جبل قال: (( كنت رديف النبى صلى الله عليه وسلم على حمار فقال : يامعاذ ! أتدري ما حق الله على عباده؟ قلت الله ورسوله أعلم، قال حقه ٤٥٥ عليهم أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً ، أتدري ماحق العباد على الله إذا فعلوا ذلك ؟ قلت : الله ورسوله أعلم ، قال حقهم عليه ألا يعذبهم)). فكان هؤلاء المشركون من أعظم الناس جهلاً وعداوة لله ورسوله ، فاحتجوا على إسقاط حقه وأمره ونهيه بما لا يجوزون لام ولا أحد من العقلاء أن يحتج به على إسقاط حق مخلوق ولا أمره ولا نهيه . وهذا كما جعلوا لله شركاء وبنات وم لا يرضى أحدم أن يكون مملوكه شريكه ولا يرضى البنات لنفسه. قال تعالى: (وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَايَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْمُسْنِى لَاجَرَمَ أَنَّ ◌َهُمُ النَّارَوَأَنَّهُم ◌ُفْرَطُونَ ) وقال تعالى: (وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ) وقال تعالى: (ضَرَبَ لَكُمْ مَّثَلاً مِّنْ أَنْفُسِكُمْ هَل لَّكُمْ مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ مِّن شُرَكَآءَ فِى مَارَزَقْنَكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَّخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ ): أي كيفة بعضكم بعضا . وقوله تعالى: ( لَّوْلَا إِذْسَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا ( وقوله: (فَتُوبُواْ إِلَى بَارِيِّكُمْ فَاقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ) وقوله: (نَدْعُ أَبْنَآءَنَا وَأَبْنَآءَ كُمْ وَنِسَآءَنَا وَنِسَاءَ كُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ ) فالمكذبون للرسل دائماً حجتهم داحضة متناقضة فهم فى قول مختلف يؤفك عنه من أفك. قال الله تعالى: (وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ ٤٥٦ إِلَِّثْنَكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا) وقال تعالى: ( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيِّ عَدُوًّا مِّنَ الْمُجْرِمِينِّ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا ) وقال تعالى: (وَتِلْكَ حُجَّتُنَآءَاتَيْنَهَاَ إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ، نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ ) فحجة المشركين في شركهم بالله وجعلهم له ولدا، وفى دفع أمره ونهيه بالقدر (داحضة). وقد بسط الكلام على هذه الأمور وما يناسبها فى غير هذا الموضع . وبين أن قول الفلاسفة - القائلين بقدم العالم وأنه صادر عن موجب بالذات متولد عن العقول والنفوس الذين يعبدون الكواكب العلوية ويصنعون لها التماثيل السفلية: كأرسطو وأتباعه .. أعظم كفراً وضلالاً من مشركي العرب الذين كانوا يقرون بأن الله خلق السموات والأرض وما بينهما فى ستة أيام ، بمشيئته وقدرته ، ولكن خرقوا له بنين وبنات بغير علم وأشركوا به ما لم ينزل به سلطاناً . وكذلك المباحية الذين يسقطون الأمر والنهي مطلقاً ويحتجون بالقضاء والقدر أسوأ حالاً من اليهود والنصارى ومشركي العرب؛ فإن هؤلاء مع كفرهم يقرون بنوع من الأمر والنهي والوعد والوعيد ، ولكن كان لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله، بخلاف المباحية المسقطة للشرائح مطلقاً ، فإنما يرضون بما تهواه أنفسهم ويغضبون لما تهواه أنفسهم، لا يرضون لله ولا يغضبون لله ولا يحبون اللّه ولا يغضبون لله ولا يأمرون بما أمر الله به ولا ٤٥٧ ينهون عما نهى عنه؛ إلا إذا كان لهم في ذلك هوى، فيفعلونه لأجل هواح لا عبادة لمولاهم. ولهذا لا ينكرون ما وقع فى الوجود من الكفر والفسوق والعصيان إلا إذا خالف أغراضهم، فينكرونه إنكاراً طبيعياً شيطانياً لاإنكاراً شرعياً رحمانياً؛ ولهذا تقترن بهم الشياطين إخوانهم فيمدونهم في الغي ثم لا يقصرون، وقد تتمثل لهم الشياطين ومخاطبهم وتعينهم على بعض أهوائهم ، كما كانت الشياطين تفعل بالمشركين عباد الأصنام. وهؤلاء يكثرون فى الطوائف الخارجين عمابعث الله به رسوله من الكتاب والسنة الذين يسلكون طرقاً فى العبادات والاعتقادات مبتدعة فى الدين ولا يتحرون فى عباداتهم واعتقاداتهم موافقة الرسول والاعتصام بالكتاب والسنة ، فتكثر فيهم الأهواء والشبهات وتغويهم الشياطين وتصير فيهم شبهة من المشركين بحسب بعدهم عن الرسول . وكما يجب إنكار قول القدرية المضاهين للمجوس ، فإنكار قول هؤلاء أولى ، والرد عليهم أحرى، وهؤلاء لم يكونوا موجودين فى عصر الصحابة والتابعين لهم بإحسان؛ فإن البدع إنما يظهر منها أولا فأولا الأخف فالأخف كما حدث فى آخر عصر الخلفاء الراشدين بدعة الخوارج والشيعة، ثم فى آخر عصر الصحابة بدعة المرجئة والقدرية، ثم فى آخر عصر التابعين بدعة الجهمية معطلة الصفات وأما هؤلاء المباحية المسقطون للأمر والنهي محتجين على ذلك بالقدر فهم شر من جميع هذه الطوائف وإنما حدثوا بعد هؤلاء كلهم. ٤٥٨ فصل ومما اتفق عليه سلف الأمة وأئمتها ، مع إيمانهم بالقضاء والقدر وأن الله خالق كل شيء وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن ، وأنه يضل من يشاء ويهدي من يشاء أن العباد لهم مشيئة وقدرة يفعلون بمشيئهم وقدرتهم ما أقدرم اللّه عليه، مع قولهم إن العباد لا يشاؤون إلا أن يشاء الله. كما قال الله تعالى: ( كَلَّ إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ * فَمَن شَآءَ ذَكَرَهُ، * وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّ أَن يَشَآءَ اللَّهُ ) الآية. وقال تعالى: ( إِنَّ هَذِهِ، تَذْكِرَةٌ فَمَن شَآءَ أَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً * وَمَا تَشَآءُ ونَ إِلَّ أَن يَشَآءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا ) وقال: ( إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَلَمِينَ * لِمَنْ شَآءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَآءُ ونَ إِلَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَلَمِينَ). والقرآن قد أخبر بأن العباد يؤمنون ويكفرون ويفعلون ويعملون ويكسبون ويطيعون ويعصون ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويحجون ويعتمرون ويقتلون ويزنون ويسرقون ويصدقون ويكذبون ويأكلون ويشربون ويقاتلون ويحاربون، فلم يكن من السلف والأئمة من يقول : إن العبد ليس بفاعل ولا مختار، ولا مريد ولا قادر . ولا قال أحد منهم: إنه فاعل ٤٥٩ مجازاً بل من تكلم منهم بلفظ الحقيقة والمجاز متفقون على أن العبد فاعل حقيقة والله تعالى خالق ذاته وصفاته وأفعاله . وأول من ظهر عنه إنكار ذلك هو الجهم بن صفوان وأتباعه ، تحكى عنهم أنهم قالوا: إن العبد مجبور وأنه لا فعل له أصلاً وليس بقادر أصلاً ، وكان الجهم غالياً فى تعطيل الصفات، فكان ينفي أن يسمى اللّه تعالى باسم يسمى به العبد ، فلا يسمى شيئاً ولا حيا ولا عالماً ولا سميعا ولا بصيراً. إلا على وجه المجاز. وحكي عنه أنه كان يسمى الله تعالى قادراً ؛ لأن العبد عنده ليس بقادر، فلا تشبيه بهذا الاسم على قوله . وكان هو وأتباعه ينكرون أن يكون لله حكمة فى خلقه وأمره، وأن يكون له رحمة ، ويقولون: إنما فعل بمحض مشيئة، لا رحمة معها، وحكى عنه أنه كان ينكر أن يكون الله أرحم الراحمين ، وأنه كان يخرج إلى الجدمى فينظر إليهم ويقول: أرحم الراحمين يفعل مثل هذا بهؤلاء ؟! وكان يقول: العباد مجبورون على أفعالهم ليس لهم فعل ولا اختيار . وكان ظهور جهم ومقالته فى تعطيل الصفات، وفى الجبر والإرجاء في أواخر دولة بني أمية بعد حدوث القدرية والمعتزلة وغيره ، فإن القدرية حدثوا قبل ذلك فى أواخر عصر الصحابة ، فلما حدثت مقالته المقابلة لمقالة القدرية أنكرها السلف والأمه كما أنكروا قول القدرية من المعتزلة وغيرهم، وبدعوا الطائفتين، ٤٦٠