Indexed OCR Text

Pages 381-400

الملل . وأئمة الفلاسفة ولكن الفلاسفة يدعون قدم الأفلاك . وأن حركات
الفلك لا بداية لها ، ولا نهاية لها . هذا كفر مخالف لدين الرسل . وهو باطل
فى صريح المعقول .
وكذلك القول: بأن الرب لم يكن يمكنه أن يتكلم ولا يفعل بمشيئه،
ثم صار يمكنه الكلام والفعل بمشيئته كما يقول ذلك الجهمية والقدرية . ومن
وافقهم من أهل الكلام قول باطل. وهو الذي أوقع الاضطراب بين
ملاحدة المتفلسفة ومبتدعة أهل الكلام . فى هذا الباب والكلام على هذه
الأمور مبسوط فى موضعه وهذه مطالب غالية . إنما يعرف قدرها من عرف
مقالات الناس والإشكالات اللازمة على كل قول حتى أوقعت كثيراً من
حول النظار في بحور الشك والارتياب وهي مبسوطة فى غير
هذا الموضع .
٣٨١

قال شيخ الإسلام رحمه اللّه
فصر
حدثنى بعض ثقات أصحابنا : أن شيخنا أبا عبد الله محمد بن عبد الوهاب
عاد شيخنا أبا زكريا بن الصرمي وعنده جماعة فسألوه الدعاء .
فقال فى دعائه : اللهم بقدرتك التى قدرت بها أن تقول بها السموات
والأرض اتقياطوعا أو كرها . قالتا أتينا طائعين. افعل كذا وكذا . قال أبو عبد
الوهاب: ولم أخاطبه فيه بحضرة الناس حتى خلوت به وقلت له: هذا لايقال
لو قلت : قدرت بها على خلقك باز، فأما قدرت بها أن تقول فلا يجوز
لأن هذا يقتضى أن يكون قوله مقدوراً له مخلوقا، وذكر لي الحاكي- وهو
من فضلاء أصحاب الشافعي - أنه بلغ الإمام أبا زكريا النواوي فلم يتفطن
لوجه الإنكار في هذا الدعاء حتى تبين له فعرف ذلك .
قلت: هذه المسألة مثل مسألة المشيئة، وهو قولنا يتكلم إذا شاء، فإن
٣٨٢

ما تعلقت به المشيئة تعلقت به القدرة، فإن ماشاء الله كان ، ولا يكون شيء
إلا بقدرته ، وما تعلقت به القدرة من الموجودات تعلقت به المشيئة ، فإنه
لا يكون شيء إلا بقدرته ومشيئته، وما جاز أن تتعلق به القدرة جاز أن
تتعلق به المشيئة، وكذلك بالعكس، ومالا فلا ولهذا قال: ( إِنَّ اللَّهَ عَلَّكُلِّ
شَىْءٍ قَدِيرٌ ) والشيء فى الأصل مصدر شاء يشاء شيئاً كتال ينال فيلا ، ثم
وضعوا المصدر موضع المفعول فسموا المشيء شيئاً ، كما يسمى المنيل نيلا ،
فقالوا: نيل المعدن وكما يسمي المقدور قدرة، والمخلوق خلقاً فقوله: (عَلَ كُلّ
شَىْءٍ قَدِيرٌ ) أي على كل ما يشاء، فمنه ماقد شيء فوجد، ومنه مالم يشأ
لكنه شيء في العلم بمعنى أنه قابل لأن يشاء، وقوله : (عَلَى كُلِّ شَىْءٍ): يتناول ما
٠٠
كان شيئاً فى الخارج والعلم أو ما كان شيئاً فى العلم فقط ، بخلاف مالا يجوز
أن تتناوله المشيئة وهو الحق تعالى وصفاته ، أو الممتنع لنفسه فإنه غير داخل
فى العموم. ولهذا اتفق الناس على أن الممتنع لنفسه ليس بشيء، وتنازعوا
فى المعدوم الممكن :
فذهب فريق من أهل الكلام من المعتزلة والرافضة وبعض من وافقهم
من ضلال الصوفية : إلى أنه شيء فى الخارج لتعلق الإرادة والقدرة به وهذا
غلط . وإنما هو معلوم لله ومراد له إن كان مما يوجد وليس له فى نفسه لا
موت ولا وجود ولا حقيقة أصلا ، بل وجوده وثبوته وحصوله شيء واحد ،
وماهيته وحقيقته في الخارج هي نفس وجوده ، وحصوله وثبوته ليس فى
٣٨٣

الخارج شيئان وإن كان العقل يميز الماهية المطلقة عن الوجود المطلق ،
إذا عرف ذلك فهذه المسألة مبنية على «مسألة كلام الله ونحو ذلك من صفاته،
هل هي قديمة لازمة لذاته لا يتعلق شيء منها بفعله وبمشيئته ولا قدرته ؟ أو
يقال : إنه يتكلم إذا شاء ويسكت إذا شاء وإنها مع ذلك صفات فعلية ،
وهذا فيه قولان لأصحابنا وغيرم من أهل السنة . ((قلت)): وهذا الدعاء
الذي دعا به الشيخ أبو زكريا مأثور عن الإمام أحمد ، ومن هناك حفظه
الشيخ والله أعلم فإنه كان كثير المحبة لأحمد وآثاره والنظر فى مناقبه وأخباره
وقد ذكروه في مناقبه ورواء الحافظ البيهقي فى مناقب أحمد وهي رواية
الشيخ أبى زكريا عن الحافظ عبد القادر الرهاوي إجازة وقد سمعوها عليه
عنه إجازة ، قال البيهقى: وفيما أنبأنى أبو عبد الله الحافظ إجازة ، حدثني
أبو بكر محمد بن إسماعيل بن العباس حدثنى أبو محمد عبد الله بن إسحاق بن
إبراهيم البغوى . حدثنا أبو جعفر محمد بن يعقوب الصفار .
قال : كنا عند أحمد بن حنبل فقلنا: ادع الله لنا، فقال : اللهم
إنك تعلم أنا نعلم أنك لنا على أكثر ما نحب، فاجعلنا نحن لك على ما تحب .
قال ثم جلست ساعة فقيل له: يا أبا عبد الله زدنا، فقال: اللهم إنا نسألك
بالقدرة التى قلت السموات والأرض انتيا طوعا أوكرها قالتا أتينا طائعين
اللهم ! وفقنا لمرضاتك ؛ اللهم! إنا نعوذ بك من الفقر إلا إليك ، ونعوذ
بك من الذل إلا لك ، اللهم لا تكثر فنطغى ، ولا تقل علينا فننسى ،
٣٨٤

وهب لنا من رحمتك وسعة من رزقك تكون بلاغا فى دنياك وغنى من فضلك
قلت : هذا على المعنى المتقدم موافق لقوله: يتكلم إذا شاء ، فجعله معلقا
بالقدرة والمشيئة ، وإن جعل القول هنا عبارة عن سرعة التكوين بلا قول
حقيقي ، فهذا خلاف ما احتج به أحمد فى كتاب الرد على الجهمية في هذه
فإنه احتج بهذه الآية على أن الكلام لايقف على لسان وأدوات .
٣٨٥

ما قول أهل الإسلام
الراسخين فى جذر الكلام الباسقين فى فن الأحكام ، حياكم العلام
فى صدور دار السلام؛ وحباكم القيام بتوضيح ما استبهم على الأفهام ، في
معتقد أهل السنة والجماعة. نضر الله أرواح السلف، وكثر أعداد الخلف وأمدم
بأنواع اللطف. بأن الأفعال الاختيارية من العباد تحصل بخلق الله تعالى
ويخلق العبد ، فحقيقة كسب العبد ما هي ؟ وبعد هذا هل هو مؤثر في وجود
الفعل ؟ أم غير مؤثر ؟. فإن كان فيصير العبد مشاركاً للخالق في خلق الفعل ،
فلا يكون العبد كاسباً : بل شريكا خالقاً - وأهل السنة بررة برآء من هذا
القول - وإن لم يكن مؤثراً فى وجود الفعل فقد وجد الفعل بكاله بالحق سبحانه
وتعالى، وليس للعبد فى ذلك شيء ، [فلزم] الجبر الذي يطوي بساط الشرع،
وأهل السنة الغراء والمحجة البيضاء فارون من هذه الكلمة الشنعاء والعقيدة
العوراء . ولم ينسب إلى العبد الطاعة والعصيان والكفر والإيمان حتى يستحق
الغضب والرضوان ، فكيف السلوك أيها الهداة الأدلاء على اللحب
المستقيم والمنهج القويم ؟ وطرفى قصد الأمور ذميم .
فبينوا بياناً يطلق العقول من هذا العقال ، ويشفى القلوب من
هذا الداء العضال. أيدكم بروح القدس من له صفات الكمال .
٣٨٦

فأجاب الشيخ الإمام العالم الرباني . المقذوف فى قلبه النور
الإلهي، الجامع أشتات الفضائل . مفتى المسلمين ، تقي الدين أحمد بن عبدالحليم
ابن عبد السلام بن أبي القاسم بن محمد بن تيمية - رحمه الله تعالى - قال:
رضي الله عنه .
تلخيص الجواب : أن الكسب هو الفعل الذي يعود على فاعله بنفح أو
ضر، كما قال تعالى: ( لَهَامَا كَسَبَتْ وَعَلَيَّهَا مَا أَكْتَسَبَتْ ) فبين سبحانه أن
كسب النفس لها أو عليها، والناس يقولون: فلان كسب مالا أو حمداً أو
شرفاً كما أنه ينتفع بذلك، ولما كان العباد يكملون بأفعالهم ويصلحون بها، إذ
كانوا فى أول الخلق خلقوا ناقصين صح إثبات السبب، إذ كمالهم وصلاحهم
عن أفعالهم ، والله سبحانه وتعالى فعله وصنعه عن كماله وجلاله، فأفعاله عن
أسمائه وصفاته ومشتقة منها، كما قال سبحانه وتعالى: ((أنا الرحمن خلقت الرحم
وشققت لها من اسمى)) والعبد أسماؤه وصفاته عن أفعاله فيحدث له اسم العالم
والكامل بعد حدوث العلم والكمال فيه .
ومن هنا ضلت ((القدرية)) حيث شبهوا أفعاله - سبحانه وتعالى عما
يقولون علوا كبيراً - بأفعال العباد، وكانواهم المشبهة فى الأفعال ، فاعتقدوا
أنما حسن منهم حسن منه مطلقاً ، وما قبح منهم قبح منه مطلقاً بقدر علمهم
وعقلهم ، أو ما علموا ( أنها ) إنما حسنت منهم لإفضائها إلى ما فيه صلاحهم
٣٨٧

وفلاحهم، وقبحت لإفضائها إلى ما فيه فساد ، والله سبحانه متعال عن أن
يلحقه ما لا يليق به سبحانه .
وأما قوله: هل هو مؤثر فى وجود الفعل أو غير مؤثر؟
فالكلام فى مقامين :
(أحدهما ) أن هذا سؤال فاسد إن أخذ على ظاهره؛ لأن كسب العبد
هو نفس فعله وصنعه، فكيف يقال: هل يؤثر كسبه فى فعله ، أو هل يكون
الشيء مؤثراً فى نفسه؟ وإن حسب حاسب أن الكسب هو التعاطي والمباشرة
وقصد الشيء ومحاولته ، فهذه كلها أفعال يقال فيها ما يقال فى أفعال البدن
من قيام وقعود.
وأظن السائل فهم هذا وتشبث بقول من يقول : إن فعل العبد يحصل
بخلق الله عز وجل ، وكسب العبد.
وتحقيق الكلام أن يقال : فعل العبد خلق الله عز وجل وكسب للعبد؛
إلا أن يراد أن أفعال بدنه تحصل بكسبه : أي بقصده وتأخيه. وكأنه قال:
أفعاله الظاهرة تحصل بأفعاله الباطنة ؛ وغير مستنكر عدم تجديد هذا السؤال،
فإنه مزلة أقدام، ومضلة أفهام. وحسن المسألة نصف العلم. إذا كان السائل
قد تصور السؤال. وإنما يطلب إثبات الشيء أو نفيه، ولو حصل التصور التام
لعلى أحد الطرفين .
٣٨٨
:

و (المقام الثاني ): فى تحرير السؤال وجوابه - وهو أن يقال هل
قدرة العبد المخلوقة مؤثرة فى وجود فعله، فإن كانت مؤثرة لزم الشرك؛ وإلا
لزم الجبر ، والمقام مقام معروف ؛ وقف فيه خلق من الفاحصين والباحثين
والبصراء والمكاشفين ، وعامتهم فهموا صحيحاً . ولكن قل منهم من
عبر فصيحاً .
فنقول : التأثير اسم مشترك قد يراد بالتأثير الانفراد بالابتداع والتوحيد
بالاختراع فإن أريد بتأثير قدرة العبد هذه القدرة فحاشا لله لم يقله سني وإنما
هو المعزو إلى أهل الضلال .
وإن أريد بالتأثير نوع معاونة إما فى صفة من صفات الفعل . أو فى
وجه من وجوهه كما قاله كثير من متكلمي أهل الإثبات. فهو أيضاً باطل بما
به بطل التأثير فى ذات الفعل ؛ إذ لافرق بين إضافة الانفراد بالتأثير إلى
غير الله سبحانه فى ذرة أو فيل. وهل هو الا شرك دون شرك وإن كان قائل
هذه المقالة ما نحا إلا نحو الحق .
وإن أريد بالتأثير أن خروج الفعل من العدم إلى الوجود كان بتوسط
القدرة المحدثة . بمعنى أن القدرة المخلوقة هي سبب وواسطة فى خلق الله
سبحانه وتعالى الفعل بهذه القدرة . كما خلق النبات بالماء وكما خلق الغيث
بالسحاب. وكما خلق جميع المسببات والمخلوقات بوسائط وأسباب فهذا حق
٣٨٩

وهذا شأن جميع الأسباب والمسبات . وليس إضافة التأثير بهذا التفسير
إلى قدرة العبد شركا، وإلا فيكون إثبات جميع الأسباب شركا . وقد قال
الحكيم الخبير: ( فَأَلْنَا بِهِالْمَآءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ، مِن كُلِّ الثَّمَرَتِ). (فَأَنْبَتْنَا
بِهِ، حَدَابِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ) وقال تعالى: (قَتِلُوهُمْ يُعَذِّبُهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ) .
فبين أنه المعذب ، وأن أيدينا أسباب وآلات وأوساط وأدوات فى
وصول العذاب إليهم، وقال صلى الله عليه وسلم ((لايموتن أحد منكم إلا
آذنتموني حتى أصلي عليه، فإن الله جاعل بصلاتي عليه بركة ورحمة). فالله
سبحانه هو الذي يجعل الرحمة ، وذلك إنما يجعله بصلاة نبينا صلى الله عليه
وسلم، وعلى هذا التحرير فنقول :
خلق الله سبحانه أعمال الأبدان بأعمال القلوب ، ويكون لأحد الكسبين
تأثير فى الكسب الآخر بهذا الاعتبار ، ويكون ذلك الكسب من جملة القدرة
المعتبرة فى الكسب الثانى ؛ فإن القدرة هنا ليست إلا عبارة عما يكون الفعل به
لامحالة : من قصد وإرادة وسلامة الأعضاء والقوى المخلوقة فى الجوارح
وغير ذلك ، ولهذا وجب أن تكون مقارنة للفعل ، وامتنع تقديمها على
الفعل بالزمان .
وأما القدرة التى هي مناط الأمر والنهي فذاك حديث آخر ليس هذا
موضعه .
٣٩٠

وبالتمييز بين هاتين القدرتين يظهر لك قول من قال : القدرة مع الفعل
ومن قال: قبله ، ومن قال ؛ الأفعال كلها تكليف مالا يطاق ، ومن منع
ذلك ؛ وتقف على أسرار المقالات ، وإذا أشكل عليك هذا البيان فخذ مثلا
من نفسك: أنت إذا كتبت بالعلم وضربت بالعصا ونجرت بالقدوم ، هل يكون
القلم شريكك أو يضاف إليه شيء من نفس الفعل وصفاته؟ أم هل يصلح أن
تلغى أثره وتقطع خبره وتجعل وجوده كعدمه ؟ أم يقال : به فعل وبه صنع
- ولله المثل الأعلى - فإن الأسباب بيد العبد ليست من فعله وهو محتاج
إليها لا يتمكن إلا بها ، والله سبحانه خلق الأسباب ومسبباتها ، وجعل خلق
البعض شرطا وسبباً فى خلق غيره ، وهو مع ذلك غني عن الاشتراط
والتسبب، ونظم بعضها ببعض، لكن لحكمة تتعلق بالأسباب، وتعود إليها
والله عزيز حكيم.
وأما قوله: إذا نفينا التأثير لزم انفراد الله سبحانه بالفعل. ولزم الجبر.
وطي بساط الشرع الأمر والنهي .
فنقول : إن أردت بالتأثير المنفى التأثير على سبيل الانفراد فى نفس الفعل
أو فى شيء من صفاته، فلقد قلت الحق ، وإن كان بعض أهل الاستنان
يخالفك فى القسم الثاني .
وإن أردت به أن القدرة وجودها كعدمها ، وأن الفعل لم يكن بها
٣٩١

ولم يصنع بها ، فهذا باطل كما تقدم بيانه ، وحينئذ لا يلزم الجبر بل ينبسط
بساط الشرع ، وينشر على الأمر والنهي ، ويكون لله الحجة البالغة.
فقد بان لك أن إطلاق القول بإثبات التأثير أو نفيه دون الاستفصال ،
وبيان معنى التأثير ركوب جهالات واعتقاد ضلالات ، ولقد صدق القائل :
أكثر اختلاف العقلاء من جهة اشتراك الأسماء وبأن لك ارتباط الفعل المخلوق
بالقدرة المخلوقة، ارتباط الأسباب بمسبباتها. ويدخل فى عموم ذلك جميع
ما خلقه الله تعالى فى السموات والأرض والدنيا والآخرة ، فإن اعتقاد تأثير
الأسباب على الاستقلال ، دخول فى الضلال، واعتقاد نفى أثرها وإلغاؤه
ركوب المحال. وإن كان لقدرة الإنسان شأن ليس لغيرها كماسنومي إليه إن شاء
الله تعالى .
فلعلك أن تقول بعد هذا البيان : أنا لا أفهم الأسباب، ولا أخرج عن
دائرة التقسيم والمطالبة بأحد القسمين، وما أنت إن قلت هذا: إلا مسبوق
يخلق من الضلال : (كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمُ تَشَبَهَتْ
قُلُوبُهُمْ ) وموقفك هذا مفرق طرق، إما إلى الجنة وإما إلى النار ، فيعاد
عليك البيان بأن لها تأثيرا من حيث هي سبب ، كتأثير القلم وليس لها تأثير
من حيث الابتداع والاختراع ، ونضرب لك الأمثال، لعلك تفهم صورة
الحال ، ويبين لك أن إثبات الأسباب مبتدعات هو الإشراك، وإثباتها أسباباً
موصولات هو عين تحقيق التوحيد . عسى الله أن يقذف بقلبك نورا ترى هذا
٣٩٢

البيان (وَمَن ◌َّيَجْعَلِ اله ◌َهُنُورًا فَمَالَهُ مِن نُورٍ )
فإن قلت : إثبات القدرة سبب نفي للتأثير في الحقيقة ، فما بال الفعل
يضاف إلى العبد ؟ وما باله يؤمر وينهى ؟ ويثاب ويعاقب وهل هذا إلا
محض الجبر ؟ وإذا كنت مشبهاً لقدرة الإنسان بقلم الكاتب وعصا الضارب،
فهل رأيت القلم يثاب أو العصا تعاقب؟ وأقول لك الآن إن شاء الله وجب
هداك بمعونة مولاك، وإن لم تطلع من أسرار القدر إلا على مثل ضرب الأثر
وألق السمع وأنت شهيد، عسى الله أن يمدك بالتأييد :
اعلم أن العبد فاعل على الحقيقة وله مشيئة ثابتة ، وله إرادة جازمة وقوة
صالحة ، وقد نطق القرآن بإثبات مشيئة العباد فى غير ما آية كقوله: (لِمَن
شَآءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَآءُ ونَ إِلَّ أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَلَمِينَ) (فَمَن شَآءَ أَتَّخَذَ إلَى
رَبِّهِ سَبِيلاً ) (فَمَنْ شَآءَ ذَكَرَهُ, * وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّ أَن يَشَآءَ اللَّهُ هُوَأَهْلُ النَّقْوَى وَأَهْلُ
اٌلْمَغْفِرَةِ )
ونطق بإثبات فعله فى عامة آيات القرآن: ( يَعْمَلُونَ ) (يَفْعَلُونَ )
( يُؤْمِنُونَ ) (يَكْفُرُونَ) (يَتَفَكَّرُونَ) (يُحَافِظُونَ) (يَتَّقُونَ ).
وكما أنا فارقنا مجوس الأمة بإثبات أنه تعالى خالق ، فارقنا الجبرية بإثبات
أن العبد كاسب فاعل صانع عامل، والجبر المعقول الذي أنكره سلف الأمة
وعلماء السنة هو أن يكون الفعل صادراً على الشيء من غير إرادة ولا مشيئة
٣٩٣

ولا اختيار، مثل حركة الأشجار بهبوب الرياح ، وحركة (١) بإطباق
الأيدي ، ومثله فى الأماسي حركة المحموم والمفلوج والمرتعش فإن كل عاقل يجد
تفرقة بديهية بين قيام الإنسان وقعوده وصلاته وجهاده ، وزناه وسرقته
وبين انتعاش المفلوج وانتفاض المحموم ، ونعلم أن الأول قادر على الفعل مريد
له مختار ، وأن الثانى غير قادر عليه ولا مريد له ولا مختار.
والمحكي عن جهم وشيعته ((الجبرية)) أنهم زعموا : أن جميع أفاعيل
العباد قسم واحد ، وهو قول ظاهر الفساد ، وبما بين القسمين من الفرقان
انقسمت الأفعال : إلى اختياري ، واضطراري واختص المختار منها بإثبات
الأمر والنهي عليه ، ولم يجيء فى الشرائع ولا فى كلام حكيم أمر الأعمى بنقط
المصحف ، والمقعد بالاشتداد أو المحموم بالسكون، وشبه ذلك ، وإن اختلفوا
فى تجويزه عقلاً أو سمعاً فإنما منع وقوعه بإجماع العقلاء أولى العقل من جميع
الأصناف .
فإن قيل: هب أن فعلي الذي أردته واخترته هو واقع بمشيئتى وإرادتي
أليست تلك الإرادة وتلك المشيئة من خلق اللّه تعالى؟ وإذا خلق الأمر
الموجب للفعل . فهل يتأتى ترك الفعل معه ؛ أقصى ما فى الباب أن الأول جبر
بغير توسط الإرادة من العبد، وهذا جبر بتوسط الإرادة .
(١) بياض بالأصل
٣٩٤

فنقول : الجبر المنفي هو الأول كما فسرناه ، وأما إثبات القسم الثاني
فلا ريب فيه عند أهل الاستنان والآثار وأولي الألباب والأبصار، لكن لا
يطلق عليه اسم الجبر خشية الالتباس بالقسم الأول ، وفراراً من تبادر الأفهام
إليه وربما سمي ( جبراً ] إذا أمن من اللبس وعلى القصد، قال علي رضي الله عنه فى
الدعاء المشهور عنه فى الصلاة على النبى صلى الله عليه وسلم: اللهم داحي
المدحوات ، وباري المسموكات جبار القلوب على فطراتها شقاها أو سعدها .
فبين أنه سبحانه جبر القلوب على مافطرها عليه : من شقاوة أو سعادة
وهذه الفطرة الثانية ليست الفطرة الأولى، وبكلا الفطرتين فسر قوله صلى
الله عليه وسلم: ((كل مولود يولد على الفطرة)). وتفسيره بالأولى واضح
قاله محمد بن كعب القرظي - وهو من أفاضل تابعي أهل المدينة وأعيانهم
وربما فضل على أكثرم - فى قوله (الجيار) ، قال جبر العباد على ما أراد،
وروي ذلك عن غيره، وشهادة القرآن والأحاديث ورؤية أهل البصائر
والاستدلال التام لتقليب الله سبحانه وتعالى قلوب العباد، وتصريفه إياها
وإلهامه فجورها وتقواها ، وتنزيل القضاء النافذ من عند العزيز الحكيم ، فى
أدنى من لمح البصر على قلوب العالمين ، حتى تتحرك الجوارح بما قضى لها
وعليها بين غاية البيان ، إلا لمن أعمى الله بصره وقلبه .
فإن قلت : أنا أسألك على هذا التقدير بعد خروجي عن تقدير الجبر
الذي نفوه وأبطلوه وثباتي على ما قالوه وبينوه كيف انى الثواب والعقاب
٣٩٥

على فعله . وصح تسميته فاعلاً على حقيقته . واننى فعله على قدرته ؟ .
فأقول : - والله الهادي إلى سواء الصراط - اعلم أن الله تعالى خلق
فعل العبد سباً مقتضياً لآثار محمودة أو مذمومة، والعمل الصالح مثل صلاة
أقبل عليها بقلبه ووجهه وأخلص فيها وراقب، وفقه ما بنيت عليه من
الكلمات الطيبات ، والأعمال الصالحات ، يعقبه في عاجل الأمر نور فى قلبه ،
وانشراح فى صدره ، وطمأنينة في نفسه ومزيد فى علمه ، وتثبيت فى يقينه ،
وقوة فى عقله إلى غير ذلك من قوة بدنه ، وبهاء وجهه ، وانتهائه عن الفحشاء
والمنكر والقاء المحبة له فى قلوب الخلق، ودفع البلاء عنه وغير ذلك مما يعلمه
ولا نعلمه .
ثم هذه الآثار التى حصلت له من النور والعلم واليقين وغير ذلك أسباب
مفضية إلى آثار أخر من جنسها ومن غير جنسها أرفع منها وهلم جرا. ولهذا
قيل: إن من ثواب الحسنة الحسنة بعدها، وإن من عقوبة السيئة السيئة بعدها، وكذلك
العمل السيء مثل الكذب - مثلاً - يعاقب صاحبه في الحال بظلمة فى القلب
وقسوة وضيق في صدره ونفاق واضطراب ونسيان ماتعلمه وانسداد باب علم كان
يطلبه ونقص فى يقينه وعقله، واسوداد وجهه وبغضه فى قلوب الخلق واجتزائه
على ذنب آخر من جنسه أو غير جنسه، وهلم جرا. إلا أن يتداركه
الله برحمته .
٣٩٦

فهذه الآثار هي التى تورثها الأعمال هي الثواب والعقاب وإفضاء العمل
إليها واقتضاؤه إياها كإفضاء جميع الأسباب التى جعلها الله سبحانه وتعالى
[ أسبابا إلى ] مسبباتها، والإنسان إذا أكل أو شرب حصل له الري والشبع
وقد ربط الله سبحانه وتعالى الري والشبع بالشرب والأ كل ربطاً محكماً ، ولو
شاء أن لا يشبعه ويرويه مع وجود الأكل والشرب فعل ، إما أن لا يجعل فى
الطعام قوة ، أو يجعل فى المحل قوة مانعة، أو بما يشاء سبحانه وتعالى، ولو
شاء أن يشبعه ويرويه بلا أكل ولا شرب أو بأكل شيء غير معتاد فعل .
كذلك فى الأعمال: المثوبات والعقوبات حذو القذة بالقذة، فإنه إنما سمي الثواب
ثوابا؛ لأنه يثوب إلى العامل من عمله: أي يرجع والعقاب عقابا لأنه يعقب
العمل: أي يكون بعده، ولو شاء الله أن لا يثيبه على ذلك العمل، إما بأن
لا يجعل فى العمل خاصة تفضي إلى الثواب، أو لوجود أسباب تنفي ذلك الثواب
أو غير ذلك لفعل سبحانه وتعالى وكذلك في العقوبات .
وبيان ذلك أن نفس الأكل والشرب باختيار العبد ومشيئته. التى هي
من فعل الله سبحانه وتعالى أيضا، وحصول الشبع عقب الأكل ليس للعبد
فيه صنع ألبتة ، حتى لو أراد دفع الشبع بعد تعاطي الأسباب الموجبة له لم
يطق، وكذلك نفس العمل هو بإرادته واختياره، فلو شاء أن يدفع أثر
ذلك العمل وتوابه بعد وجود موجبه لم يقدر .
٣٩٧

فهذه حكمة الله تعالى ومشيئته فى جميع الأسباب في الدنيا والآخرة، لكن
العلم بالأعمال النافعة في الدار الآخرة ، والأعمال الضارة أكثرهغيب عن عقول
الخلق ، وكذلك مصير العباد ومنقلبهم بعد فراق هذه الدار. فبعث الله سبحانه
وتعالى رسله وأنزل كتبه مبشرين ومنذرين ؛ لئلا يكون للناس على الله حجة
بعد الرسل، وحكمته فى ذلك تضارع حكمته فى جميع خلق الأسباب والمسببات .
وما ذاك إلا أن علمه الأزلي ومشيئته النافذة وقدرته القاهرة اقتضت ما اقتضته
وأوجبت ما أوجبته من مصير أقوام إلى الجنة، بأعمال موجبة لذلك منهم .
وخلق أعمالهم وساقهم بتلك الأعمال إلى رضوانه، وكذلك أهل النار كما قال:
الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم لما قيل: له «ألاندع العمل ونتكل على
الكتاب؟ فقال : لا، اعملوا فكل ميسر لما خلق له. أما من كان من أهل
السعادة فييسر لعمل أهل السعادة ، وأما من كان من أهل الشقاوة
فييسر لعمل أهل الشقاوة)).
فبين صلى الله عليه وسلم أن السعيد قد ييسر للعمل الذي يسوقه الله
تعالى به إلى السعادة ، وكذلك الشقى. وتيسيره له هو نفس إلهامه ذلك العمل
وتهيئة أسبابه، وهذا هو تفسير خلق أفعال العباد ، فنفس خلق ذلك العمل
هو السبب المفضي إلى السعادة أو الشقاوة . ولو شاء لفعله بلا عمل بل هو
فاعله ، فإنه ينشيء للجنة خلقاً لما يبقى فيها من الفضل .
يبقى أن يقال : فالحكمة الكلية التى اقتضت ما اقتضته من الأسباب الأول
٣٩٨

وحقائق ما الأمر صائر إليه فى العواقب، والتخصيصات والتمييزات الواقعة فى
الأشخاص والأعيان ، إلى غير ذلك من كليات القدر، التى لا تختص بمسألة
خلق أفعال العباد . وليس هذا الاستفتاء معقوداً لها، وتفسير جمل ذلك لا
يليق بهذا الموضع. فضلا عن بعض تفصيله .
ويكفى العاقل أن يعلم أن الله عز وجل عليم حكيم رحيم، بهرت
الألباب حكمته ووسعت كل شيء رحمته. وأحاط بكل شيء علمه، وأحصاه
لوحه وقيمه وأن الله تعالى فى قدره سراً مصوناً ، وعلماً مخزوناً احترز به دون
جميع خلقه ، واستأثر به على جميع بربته؛ وإنما يصل به أهل العلم وأرباب ولايته
إلى جمل من ذلك، وقد لايؤذن لهم فى ذكر ما ، وربما كلم الناس في ذلك
على قدر عقولهم ، وقد سأل موسى وعيسى وعزير ربنا تبارك وتعالى عن
شيء من سر القدر، وأنه لو شاء أن يطاع لأطيع وأنه مع ذلك يعصى،
فأخبرم سبحانه وتعالى أن هذا سره .
وفى هذا المقام تاهت عقول كثير من الخلائق ، وفيه ضل القائلون [ بقدم
العالم ] ، وأن صانعه موجب بذاته ، ومقتضى بنفسه اقتضاء العلمة للمعلول ، وأنه
ليس فى الإمكان أبدع مما صنع ، ودب بعض هذا الداء إلى بعض أهل الكتاب
ء
وأتباع الرسل فقد قرروا انحصار الممكن فى الموجود وكل ذلك طلباً للاستراحة من
مؤمنة تعليل الأفعال الإلهية ووجود الأسباب الحادثة للأمور الحادثة ، وعلله
أهل القدر بعلهم العائلة فى التعديل والتجويز ووجوب رعاية الصالح أو
٣٩٩

الأصلح ؛ ولم يستقم لواحد من الفريقين أصلهم ، ولم يطرد لهم .
ومن هنا ذهب أهل التثنية والتمجس إلى الأصلين، والقول بقدم
النور والظلمة، وسلم بعض السلامة - وإن كان فيه نوع من ظن السوء بالله
وضرب من الجفاء - أكثر متكلي أهل الإثبات حيث ردوا الأمر إلى
محض المشيئة ، وصرف الإرادة، وأن إنشاءها جميع الجائزات واقتضاءها
كل الممكنات على نحو واحد ووتيرة واحدة وأنها بذاتها
تخصص وتميز .
ولو خلط بهذا الكلام ضرب من وجوه الرحمة ، وأنواع الحكمة
علمناها أو جهلناها - لكان أقرب إلى القبول .
وبكل حال فلام التعليل في فعله سبحانه وتعالى ليست على مايعقله أكثر
الخلق من لام التعليل فى أفعالهم ، ووراء ما يعلمه هؤلاء ويقولون : مما أنار
الله سبحانه وتعالى به قلوب أوليائه، وقذف فى أفئدة أصفيائه، ممن استمسك
فيما يظهر من الكلام بسبيل أهل الآثار ، واعتصم فيما يبطن عن الأفهام ،
بحبل أهل الأبصار .
وفي هذا المقام تعرف أولوا الألباب سر قوله: ((سبقت رحمتی غضى))
وقوله: ((الشر ليس إليك)) وقوله: ((بِيَدَِّ الْخَيْرُ))، وقوله: (مِن شَرِّمَا
٤٠٠