Indexed OCR Text

Pages 261-280

فتدبر كيف كانت الملل الصحيحة الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى
والصابئون، ليس فيها فى الأصل قدرية؛ وإنما حدثت القدرية من الملتين
الباطلتين : المجوس ، والذين أشركوا. لكن النصارى ومن ضارعهم مالوا إلى
الصابئة، واليهود ومن ضارعهم(١) .
(١) خرم في الأصل
٢٦١

سئل شيخ الإسلام
مفتى الأنام بقية السلف: أبو العباس أحمد بن تيمية - رحمه الله تعالى -
عن أقوام يحتجون بسابق القدر. ويقولون: إنه قد مضى الأمر ، والشقى
شقي، والسعيد سعيد، محتجين بقول الله سبحانه: (إِنَّالَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا
الْحُسْنَ أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ ) قائلين بأن اللّه قدر الخير والشر، والزنا مكتوب
علينا، ومالنا فى الأفعال قدرة، وإنما القدرة للّه، ونحن نتوقى ما كتب لنا، وإن
آدم ما عصى ، وإن من قال: لا إله إلا الله دخل الجنة، محتجين بقوله صلى الله
عليه وسلم: ((من قال: لا إله إلا الله دخل الجنة. وإن زنى وإن سرق)) فبينوا
لنا فساد قول هذه الطائفة بالبراهين القاطعة ؟.
فأجاب : - رحمه الله تعالى - الحمد لله رب العالمين: هؤلاء القوم إذا
أصروا على هذا الاعتقاد كانوا أكفر من اليهود والنصارى ؛ فإن اليهود
والنصارى يؤمنون بالأمر والنهي ، والوعد والوعيد، والثواب والعقاب، لكن
حرفوا وبدلوا وآمنوا ببعض وكفروا ببعض. كما قال الله تعالى: (إِنَّالَّذِينَ
يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ، وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُواْ بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ، وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ
بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا * أُوْلَئِكَ هُمُ
٢٦٢

الْكَفِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَفِينَ عَذَابًا مُهِينًا * وَالَّذِينَءَامَنُواْ بِلّهِ وَرُسُلِهِ، وَلَمْ يُفَرِّقُواْ
بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُوْلَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِهِمْ أُجُورَ هُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا زَّحِيمًا ) .
فإذا كان من آمن ببعض وكفر ببعض فهو كافر حقاً، فكيف بمن كفر بالجميع .
ولم يقر بأمر الله ونهيه ووعده ووعيده؛ بل ترك ذلك محتجاً بالقدر، فهو أكفر
ممن آمن ببعض وكفر ببعض .
وقول هؤلاء يظهر بطلانه من وجوه :
(أحدها ): أن الواحد من هؤلاء إما أن يرى القدر حجة للعبد، وإما أن
لا يراه حجة للعبد، فإن كان القدر حجة للعبد، فهو حجة جميع الناس ، فإنهم
كلهم مشتركون فى القدر، وحينئذ فيلزم أن لا ينكر على من يظلمه ويشتمه
ويأخذ ماله ويفسد حريمه ويضرب عنقه ويهلك الحرث والنسل، وهؤلاء
جميعهم كذابون متناقضون ؛ فإن أحدم لايزال يذم هذا، ويبغض هذا ويخالف
هذا ، حتى إن الذي ینکر عليهم يبغضونه ويعادونه وينكرون عليه، فإن كان
القدر حجة لمن فعل المحرمات وترك الواجبات لزمهم أن لا يذموا أحداً ، ولا
يبغضوا أحداً ، ولا يقولوا في أحد : إنه ظالم، ولو فعل ما فعل. ومعلوم أن هذا
لا يمكن أحداً فعله ، ولو فعل الناس هذا لهلك العالم، فتبين أن قولهم فاسد
فى العقل، كما أنه كفر فى الشرع، وأنهم كذابون مفترون فى قولهم: إن
القدر حجة العبد .
( الوجه الثاني ): إن هذا يلزم منه أن يكون إبليس وفرعون وقوم نوح
٢٦٣

وعاد وكل من أهلكه الله بذنوبه معذوراً ، وهذا من الكفر الذي اتفق عليه
أرباب الملل .
( الوجه الثالث ): أن هذا يلزم منه أن لا يفرق بين أولياء الله
وأعداء الله، ولا بين المؤمنين والكفار، ولا أهل الجنة وأهل النار . وقد
قال تعالى: ( وَمَا يَسْتَوِى الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ * وَلَ الظُّلُمَتُ وَلَ النُّورُ * وَلَا الظِّلُّ وَلَا
الْخَرُورُ * وَمَا يَسْتَوِىِ الْأَخْيَةُ وَلَ اْأَمْوَتُ) وقال تعالى: ( أَمْنَجْعَلُ الَّذِينَءَامَنُواْ
وقال
وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِ اُلْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ اَلْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ
تعالى: (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ أُجْتَرَحُواْالسَّيِّئَاتِ أَن ◌َّجْعَلَهُمْ كَلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ
سَوَآءَ مَحْيَاهُمْ وَمَمَانُهُمُّسَآءَ مَا يَحْكُمُونَ
وذلك أن هؤلاء جميعهم سبقت لهم عند الله السوابق، وكتب الله
مقاديرهم قبل أن يخلقهم. وهم مع هذا قد انقسموا إلى سعيد بالإيمان والعمل
الصالح ، وإلى شقي بالكفر والفسق والعصيان ، فعلم بذلك أن القضاء والقدر
ليس بحجة لأحد على معاصي الله .
( الوجه الرابع ): أن القدر تؤمن به ولا يحتج به، فمن احتج بالقدر
فحجته داحضة ، ومن اعتذر بالقدر فعذره غير مقبول ، ولو كان الاحتجاج
مقبولا لقبل من إبليس وغيره من العصاة ، ولو كان القدرحجة للعباد لم يعذب
أحد من الخلق، لا فى الدنيا ولا فى الآخرة ، ولو كان القدر حجة لم تقطع يد
٢٦٤

سارق. ولا قتل قاتل ، ولا أقيم حد على ذي جريمة ، ولا جوهد فى سبيل الله
ولا أمر بالمعروف، ولا نهي عن المنكر .
( الوجه الخامس ) : أن النبى صلى الله عليه وسلم سئل عن هذا
فإنه قال: ((ما منكم من أحد إلا وقد كتب مقعده من الجنة ، ومقعده من النار))
فقيل: يا رسول الله! أفلا ندع العمل ونتكل على الكتاب؟ قال: ((لا. اعملوا
فكل ميسر لما خلق له)). رواه البخاري ومسلم. وفى حديث آخر فى الصحيح
(( أنه قيل: يا رسول الله! أرأيت ما يعمل الناس فيه ويكدحون، أفيما جفت
به الأقلام وطويت به الصحف: أم فيما يستأنفون ما جاءهم به؟ - أو كما قيل ..
فقال : بل فيما جفت به الأقلام، وطويت به الصحف ، فقيل ففيم العمل ؟
فقال : اعملوا فكل ميسر لما خلق له)).
( الوجه السادس ) : أن يقال : إن الله على الأمور وكتبها على ماهي عليه؛
فهو سبحانه قد كتب أن فلاناً يؤمن، ويعمل صالحاً فيدخل الجنة، وفلاناً يعصي
ويفسق فيدخل النار ؛ كما علم وكتب أن فلاناً يتزوج امرأة ويطؤها فيأتيه ولد
وأن فلاناً يأكل ويشرب فيشبح ويروى ، وأن فلاناً يبذر البذر فينبت الزرع.
فمن قال: إن كنت من أهل الجنة فأنا أدخلها بلا عمل صالح ، كان قوله قولا
باطلاً متناقضاً؛ لأنه علم أنه يدخل الجنة بعمله الصالح ، فلو دخلها بلا عمل كان
هذا مناقضاً لما علمه الله وقدره.
٢٦٥

ومثال ذلك من يقول: أنا لا أطأ امرأة، فإن كان قد قضى الله لي بولد
فهو يولد، فهذا جاهل ، فإن الله إذا قضى بالولد قضى أن أباه يطأ امرأة فتحبل
فتلد، وأما الولد بلا حبل ولا وطء فإن الله لم يقدره ولم يكتبه، كذلك الجنة
إنما أعدها الله للمؤمنين، فمن ظن انه يدخل الجنة بلا إيمان كان ظنه باطلاً، وإذا
اعتقد أن الأعمال التى أمر الله بها لا يحتاج إليها، ولا فرق بين أن يعملها أو
لا يعملها، كان كافراً، والله قد حرم الجنة على الكافرين، فهذا الاعتقاد
يناقض الإيمان الذي لا يدخل صاحبه النار .
فصل
وأما قوله تعالى: (إِنَّالَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَا الْحُسْنَ أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ)
فمن سبقت له من الله الحسنى: فلا بد أن يصير مؤمناً تقياً، فمن لم يكن من
المؤمنين لم يسبق له من الله حسنى ، ولكن إذا سبقت للعبدمن اللّه سابقة استعمله
بالعمل الذي يصل به إلى تلك السابقة ، كمن سبق له من الله أن يولد له ولد .
فلا بد أن يطأ امرأة يحبلها، فإن الله سبحانه قدر الأسباب والمسببات، فسبق
منه هذا وهذا ؛ فمن ظن أن أحداً سبق له من الله حسنى بلا سبب فقد
ضل ، بل هو سبحانه ميسر الأسباب والمسببات ، وهو قد قدر فيما
مضى هذا وهذا .
٢٦٦

فصل
وأما قول القائل : مالنا في جميع أفعالنا قدرة فقد كذب ، فإن الله سبحانه
فرق بين المستطيع القادر وغير المستطيع ، فقال: (فَأَنَّقُواْاللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ )
وقال: ( وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُ الْبَيْتِ مَنِ أَسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً ) وقال تعالى: (اللَّهُ
الَّذِى خَلَقَكُمْ مِّنْ ضَعْفِ ثُمَّجَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفِ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَةِ ضَعْفًا
وَشَيْبَةً ). والله قد أثبت للعبد مشيئة وفعلاً. كما قال تعالى: (لِمَن شَآءَ
) وقال: ( جَزَآءُ بِمَا
مِنَكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَآءُونَ إِلَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَلَمِينَ
كَانُوا يَعْمَلُونَ )؛ لكن الله سبحانه خالقه وخالق كل ما فيه من قدرة
ومشيئة وعمل ، فإنه لا رب غيره ، ولا إله سواه ، وهو خالق كل شيء
وربه ومليكه.
٢٦٧

وأما قول القائل: الزنا وغيره من المعاصي مكتوب علينا ؛ فهو كلام
صحيح، لكن هذا لا ينفعه الاحتجاج به ؛ فإن الله كتب أفعال العباد خيرها
وشرها، وكتب ما يصيرون إليه من الشقاوة والسعادة. وجعل الأعمال سبباً
للثواب والعقاب، وكتب ذلك، كما كتب الأمراض وجعلها سبباً للموت
وكما كتب أكل السم وجعله سبباً للمرض والموت، فمن أكل السم فإنه يمرض
أو يموت. والله قدر وكتب هذا وهذا؛ كذلك من فعل ما نهى عنه من
الكفر والفسق والعصيان فإنه يعمل ما كتب عليه، وهو مستحق لما كتبه الله
من الجزاء لمن عمل ذلك .
وحجة هؤلاء بالقدر على المعاصى من جنس حجة المشركين، الذين قال
الله عنهم: (وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَّكُوْلَوْشَآءَ اللَّهُ مَاعَبَدْنَا مِن دُونِهِ، مِن شَىْءٍ نَّحْنُ وَلَآّ
ءَابَآ ؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِن دُونِهِ، مِن شَىْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ) وقال تعالى:
سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَآءَ اللَّهُ مَآ أَشْرَكْنَا وَلَآءَابَآؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَىْءٍ )
)
قال الله تعالى: (كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ حَقَّى ذَا قُواْبَأْسَنَّا قُلْ هَلْ
عِنْدَ كُمْ مِنْ عِلٍّ فَتُخْرِجُوهُلَا إِن تَنَِّعُونَ إِلَّا الَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَّخْرُصُونَ * قُلْ فَلَّهِ
اُْجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَآءَ لَهَدَ لَكُمْ أَجْمَعِينَ ).
٢٦٨

فصل
ومن قال: إن آدم ما عصى فهو مكذب للقرآن ، ويستتاب فإن تاب
وإلا قتل؛ فإن الله قال: (وَعَصَىّ ءَادَمُ رَبَّهُ فَغَوَى) والمعصية: هي مخالفة الأمر
الشرعي ، فمن خالف أمر الله الذي أرسل به رسله ، وأنزل به كتبه فقدعصی.
وإن كان داخلاً فيما قدره الله وقضاه، وهؤلاء ظنوا أن المعصية هي الخروج
عن قدر الله، وهذا لا يمكن، فإن أحداً من المخلوقات لا يخرج عن قدر الله،
فان لم تكن المعصية إلا هذا فلا يكون إبليس وفرعون وقوم نوح وعاد ومود
٨
وجميع الكفار عصاة أيضاً ؛ لأنهم داخلون فى قدر الله ، ثم قائل هذا يضرب
ويهان، وإذا تظلم من فعل هذا به قيل له : هذا الذي فعل هذا ليس بعاص
فإنه داخل فى قدر الله كسائر الخلق، وقائل هذا القول متناقض لا
يثبت على حال .
٢٦٩

فصل
وأما قول القائل : من قال: لا إله إلا الله دخل الجنة؟ واحتجاجه
بالحديث المذكور .
فيقال له : لا ريب أن الكتاب والسنة فيهما وعد ووعيد ، وقد قال الله
تعالى: (إِنَّالَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَلَ اُلْيَتَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًاً
وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا) وقال الله تعالى: (يَأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُواْ لَا تَأْكُلُواْ
ج
أَمْوَ لَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَطِلِ إِلَّ أَن تَكُونَ تِجَرَةً عَن تَرَاضٍ مِّنْكُمْ وَلَا نَقْتُلُواْأَنفُسَكُمْ
إِنَّاللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا * وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ
ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا). ومثل هذا كثير فى الكتاب والسنة، والعبد عليه أن
يصدق بهذا وبهذا، لايؤمن ببعض ويكفر ببعض ، فهؤلاء المشركون أرادوا أن
يصدقوا بالوعد ، ويكذبوا بالوعيد .
((والحرورية والمعتزلة)): أرادوا أن يصدقوا بالوعيد دون الوعد ، وكلاهما
أخطأ، والذي عليه أهل السنة والجماعة الإيمان بالوعد والوعيد، فكما أن ما توعد
الله به العبد من العقاب، قد بين سبحانه أنه بشروط: بأن لايتوب ، فإن تاب
تاب الله عليه. وبأ لا يكون له حسنات تمحو ذنوبه ؛ فإن الحسنات يذهبن
٢٧٠

السيئات وبأ لا يشاء الله أن يغفر له ( إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُأَن يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ
مَادُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ ). فهكذا الوعد له تفسير وبيان . فمن قال
بلسانه : لا إله إلا الله، وكذب الرسول فهو كافر باتفاق المسلمين، وكذلك إن
جحد شيئاً مما أنزل الله.
فلا بد من الإيمان بكل ما جاء به الرسول ، ثم إن كان من أهل الكبائر
فأمره إلى الله إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له ؛ فإن ارتد عن الإسلام ومات
مرتداً كان فى النار ، فالسيئات تحبطها التوبة، والحسنات تحبطها الردة، ومن
كان له حسنات وسيئات فإن الله لا يظلمه ، بل من يعمل مثقال ذرة
خيراً يره، ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره. والله تعالى قد يتفضل عليه، ويحسن
إليه بمغفرته ورحمته .
ومن مات على الإيمان فإنه لا يخلد فى النار . فالزاني والسارق لا يخلد فى
النار، بل لا بد أن يدخل الجنة . فإن النار يخرج منها من كان في قلبه مثقال
ذرة من إيمان ، وهؤلاء المسؤول عنهم يسمون : القدرية المباحية
المشركين . وقد جاء فى ذمهم من الآثار ما يضيق عنه هذا المكان
والله سبحانه وتعالى أعلم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه
وسلم وحسبنا الله ونعم الوكيل.
٢٧١

سئل شيخ الإسلام قدس اللّروهم
عن قوم قد خصوا بالسعادة، وقوم قد خصوا بالشقاوة ، والسعيد لايشقى
والشقي لا يسعد، وفى الأعمال لاتراد لذاتها ، بل لجلب السعادة ، ودفع الشقاوة
وقد سبقنا وجود الأعمال ، فلا وجه لإتعاب النفس فى عمل، ولا كفها عن
ملذوذ، فإن المكتوب في القدم واقع لا محالة بينوا ذلك ؟؟
فأجاب رحمه الله: الحمد لله.
هذه ((المسألة)) قد أجاب فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم في غير
حديث ففي الصحيحين عن عمران بن حصين قال: (( قيل يا رسول الله ! أعلى
أهل الجنة من أهل النار ؟ قال: نعم. قيل: فضيم يعمل العاملون ؟
قال: كل ميسر لما خلق له)) وفى رواية البخاري ((قلت: يا رسول اللّه كل
يعمل لما خلق له أو لما يسر له)) رواه مسلم فى صحيحه عن أبي الأسودالدؤلي
قال : قال لي عمران بن حصين : أرأيت ما يعمل الناس اليوم ويكدحون فيه،
أشيء قضي عليهم ومضى عليهم من قدر سابق، أو فيما يستقبلون به مما أنام
به نبيهم وثبتت الحجة عليهم؟ فقلت : بل شيء قضى عليهم ومضى عليهم، قال:
فقال : أفلا يكون ذلك ظلماً . قال : ففزعت من ذلك فزعاً شديداً. وقلت :
٢٧٢

كل شيء خلق الله وملك بده فلا يسأل عما يفعل وهم يسألون . فقال: يرحمك
الله! إني لم أرد بما سألتك إلا لأجود عقلك، إن رجلين من مزينة أتيا رسول الله
صلى الله عليه وسلم فقالا: يا رسول الله أرأيت ما يعمل الناس اليوم ويكدحون فيه أشيء
قضى عليهم ومضى فيهم من قدر سابق أو فيما يستقبلون به مما أتاح به نبيهم
وثبتت الحجة عليهم؟ فقال: لا ، بل شيء قضى عليهم، ومضى فيهم . وتصديق
ذلك في كتاب الله ( وَنَفْسِ وَمَاسَوَّنَهَا * فَأَنْهَمَهَا فُورَهَا وَتَقْوَنُهَا ) .
وروى مسلم فى صحيحه عن زهير عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله قال:
جاء سراقة بن مالك بن جعشم فقال: ((يا رسول الله! بين لنا ديننا كأنا خلقنا
الآن، فيم العمل اليوم؟ أفيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير؟ أم فيما
يستقبل؟ قال: لا ؛ بل فيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير ، قال : ففيم
العمل؟ قال زهير : ثم تكلم أبو الزبير بشيء لم أفهمه فسألت : عما قال؟
فقال: اعملوا فكل ميسر)) وفي لفظ آخر (فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم
كل عامل ميسر بعمله )) .
وفى الصحيحين عن علي بن أبى طالب رضي الله عنه قال ((كنا في جنازة فى
بقيع الغرقد فأتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقعد وقعدنا حوله، ومعه
مخصرة فنكس فجعل ينكت بمخصرته، ثم قال : ما منكم من أحد، ما من نفس
منفوسة إلا وقد كتب الله مكانها من الجنة والنار، إلا وقد كتبت شقية أو سعيدة
فقال : رجل يا رسول الله ! أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل ، من كان
٢٧٣

من أهل السعادة فسيصير إلى عمل أهل السعادة ومن كان من أهل الشقاوة
فسيصير إلى عمل أهل الشقاوة فقال : اعملوا فكل ميسر ، أما أهل السعادة
فيسرون لعمل أهل السعادة ، وأما أهل الشقاوة فييسرون إلى عمل أهل
الشقاوة. ثم قرأ (فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَنَّفَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَيَسِرُ لْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ
وفى رواية البخاري
◌َخِلَ وَأَسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُولِلْعُسْرَى)
(( أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل؛ فمن كان منا من أهل السعادة سيصير إلى
عمل أهل السعادة ومن كان من أهل الشقاوة سيصير إلى عمل أهل الشقاوة .
وقال : أما عمل أهل السعادة)) الحديث.
وفى رواية فى الصحيحين عن علي قال: ((كان رسول الله صلى الله عليه
وسلم ذات يوم وفى يده عود ينكت به فرفع رأسه فقال: ما منكم من نفس إلا
وقد على منزلها من الجنة والنار، فقالوا: يا رسول الله! فلم نعمل، أو لا نتكل؟
قال: لا! اعملوا، فكل ميسر لما خلق له، ثم قرأ (
فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَأَنَّقَى *
وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى) إلى قوله: (فَسَنْيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى).
فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم فى هذه الأحاديث وغيرها بما دل عليه
القرآن أيضاً من أن الله سبحانه وتعالى تقدم علمه وكتابه وقضاؤه بما سيصير إليه
العباد من السعادة والشقاوة، كما تقدم علمه وكتابه بغير ذلك من أحوال العباد
وغيرهم كما فى الصحيحين عن عبد الله بن مسعود قال: ((حدثنا رسول الله
صلى الله عليه وسلم ـ وهو الصادق المصدوق -: إن أحدكم يجمع خلقه فى
٢٧٤

بطن أمه أربعين يوماً نطفة ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك
ثم يبعث الله ملكا بأربع كلمات فيكتب عمله وأجله ورزقه وشقي أو سعيد،
ثم ينفخ فيه الروح، فوالذي لا إله غيره! إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة
حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار
فيدخلها ، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا
ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها )» وفى
الصحيحين عن أنس بن مالك ورفع الحديث قال: ((إن الله وكل بالرحم
ملكا فيقول : أي رب نطفة ! أي رب علقة ! أي رب مضغة ! فإذا
أراد أن يقضي خلقه قال الملك أي رب! ذكر أو أنثى ؟ شقي أو سعيد؟
فما الرزق ؟ فما الأجل ؟ فيكتب ذلك في بطن أمه )) .
وهذا المعنى فى صحيح مسلم من حديث حذيفة بن أسيد الغفاري أيضاً .
والنصوص والآثار فى تقدم على الله وكتابته وقضائه وتقديره الأشياء قبل
خلقها ، وأنواعها كثيرة جداً .
وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم أن ذلك لاینافى وجود الأعمال التى بها
تكون السعادة والشقاوة، وأن من كان من أهل السعادة فإنه ييسر لعمل
أهل السعادة ، ومن كان من أهل الشقاوة فإنه ييسر لعمل أهل الشقاوة، وقد
نهى أن يتكل الإنسان على القدر السابق ويدع العمل؛ ولهذا كان من اتكل
٢٧٥

على القدر السابق وترك ما أمر به من الأعمال هو من الأخسرين أعمالا ،
الذين ضل سعيهم فى الحياة الدنيا، وكان تركهم لما يجب عليهم من العمل من
جملة المقدور الذي يسروا به لعمل أهل الشقاوة، فإن أهل السعادة هم الذين
يفعلون المأمور ويتركون المحظور ، فمن ترك العمل الواجب الذي أمر به وفعل
المحظور متكلا على القدر كان من جملة أهل الشقاوة الميسرين لعمل
أهل الشقاوة .
وهذا الجواب الذي أجاب به النبى صلى الله عليه وسلم فى غاية السداد
والاستقامة، وهو نظير ما أجاب به فى الحديث الذي رواه الترمذي (( أنه قيل:
يارسول الله: أرأيت أدوية نتداوى بها؟ ورقى نسترقي بها؟ وتقاة نتقيها ، هل
ترد من قدر الله شيئاً؟ فقال: هي من قدر الله)). وذلك لأن الله سبحانه
وتعالى هو يعلم الأشياء على ماهي عليه وكذلك يكتبها، فإذا كان قد على أنها تكون
بأسباب من عمل وغيره وقضى أنها تكون كذلك وقدر ذلك لم يجز أن يظن
أن تلك الأمور تكون بدون الأسباب التى جعلها الله أسبابا، وهذا عام فى
جميع الحوادث.
مثال ذلك : إذا على الله وكتب أنه سيولد لهذين ولد ، وجعل الله سبحانه
ذلك معلقا باجتماع الأبوين على النكاح وإنزال الماء المهين الذي ينعقد منه الولد،
فلا يجوز أن يكون وجود الولد بدون السبب الذي علق به وجود الولد ،
والأسباب وإن كانت ((نوعين)) معتادة، وغريبة .
٢٧٦

فالمعتادة: كولادة الآدمي من أبوين، والغريبة: كولادة الإنسان من أم فقط كما
ولدعيسى، أو من أب فقط كما ولدت حواء، أو من غير أبوين كما خلق آدم أبو البشر من طين.
تجميع الأسباب قد تقدم على الله بها وكتابته لها، وتقديره إياها، وقضاؤه
بها، كما تقدم [ربط] ذلك بالمسببات، كذلك أيضا الأسباب التى بها يخلق
النبات من إنزال المطر وغيره من هذا الباب، كما قال تعالى: (وَمَا أَنْزَلَ اللّهُ مِنَ
السَّمَاءِ مِن ◌َآءٍ فَأَحْيَابِهِ اُلْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَ فِيهَا مِن كُلّ دَآبَةٍ ) وقال:
(فَأَنزَلْنَا بِهِالْمَآءَ فَخْرَجْنَاِهِ، مِنْ كُلِّ الثَّمَرَتِ). وقال: (وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَآءِ كُلَّ
شَىْءٍ حَيٍّ ) وأمثال ذلك . جميع ذلك مقدر معلوم، مقضى مكتوب قبل
تكوينه؛ فمن ظن أن الشىء إذا علم وكتب أنه يكفي ذلك فى وجوده
ولا يحتاج إلى مابه يكون من الفاعل الذي يفعله وسائر الأسباب ؛ فهو جاهل
ضال ضلالامبينا ؛ من وجهين .
( أحدهما ) من جهة كونه جعل العلم جهلا ؛ فإن العلم يطابق المعلوم؛
ويتعلق به على ماهو عليه ؛ وهو سبحانه قد علم أن المكونات تكون بما يخلقه من
الأسباب لأن ذلك هو الواقع فمن قال : إنه يعلم شيئاً بدون الأسباب ؛ فقد
قال على الله الباطل، وهو بمنزلة من قال: إن الله يعلم أن هذا الولد ولدبلا أبوين،
وأن هذا النبات نبت بلا ماء ، فإن تعلق العلم بالماضي والمستقبل سواء، فكما أن
من أخبر عن الماضي بعلم الله بوقوعه بدون الأسباب يكون مبطلا ؛ فكذلك
من أخبر عن المستقبل كقول القائل: إن الله على أنه خلق آدم من غير طين، وعلم
٢٧٧

أنه يتناسل الناس من غير تناكح؛ وأنه أنبت الزروع من غير ماء ولا تراب
فهو باطل ظاهر بطلانه لكل أحد ، وكذلك إخباره عن المستقبل .
وكذلك («الأعمال)» هي سبب فى الثواب والعقاب . فلو قال قائل: إن
اللّه أخرج آدم من الجنة بلا ذنب، وأنه قدر ذلك أو قال : إنه غفر لآدم بلا
توبة وإنه على ذلك، كان هذا كذبا وبهتانا بخلاف ما إذا قال: (فَلَقَّقَءَادَمُ مِنَّبِّهِ،
كَلِمَتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ ) ( فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَاسَوْءَاتُهُمَا وَطَّفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن
وَرَقِ الْجَنَّةِ ) فإنه يكون صادقا فى ذلك. واللّه سبحانه علم ما يكون من آدم
قبل أن يكون وهو عالم به بعد أن كان .
وكذلك كل ما أخبر به من «قصص الأنبياء)» فإنه علم أنه أهلك قوم نوح
وعاد وثمود وفرعون ولوط ومدين وغيرهم بذنوبهم ، وأنه نجى الأنبياء ومن
اتبعهم بإيمانهم وتقواه، كما قال: (فَمَّا نَسُواْ مَاذُكِرُ واْبِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ
) وقال: (فَكُلَّا
اُلُوْءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُواْبِعَذَابٍ بَيِ بِمَا كَانُوايَفْسُقُونَ
أَخَذْ نَابِذَئِةٍ، فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُممَنْ
خَسَفْنَابِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا) الآية وقال: (ذَلِكَ جَزَيْنَهُمِ بِبَغْيِهِمْ) وقال:
) وقال: ( فَأَهْلَكْنَهُم
فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اَللَّهِ مِنْوَاقٍ
)
◌ِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِ هِمْ قَرْنَا ءَاخَرِينَ) وقال: ( فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوَأْ
إِنَّ فِى ذَلِكَ لَيَةُ لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ * وَأَنَجَيْنَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَكَانُوايَنَّقُونَ)
وقال: (وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَيِّكَ إِذَا أَخَذَاَ لْقُرَى وَهِىَ ظَلِمَّةُ إِنَّأَخْذَهُ، أَلِيمٌ شَدِيدٌ) وقال :
٢٧٨

وَكَذَلِكَ مَكَّنَالِيُوسُفَ فِ الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَّشَآءُ
)
وَلَا تُضِيعُ أَجْرَالْمُحْسِنِينَ ) وقال: (ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوجَّ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا
شَكُورًا ) وقال: ( إِلَّ ءَالَ لُوطٍ نََّيْنَهُمْ بِسَحَرٍ * نِعْمَةُ مِّنْ عِندِنَا كَذَلِكَ نَجْزِى مَن شَكَرَ )
وقال: ( وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِىّ إِسْرَِّ يلَ بِمَا صَبَرُواْ ) وأمثال ذلك
فى القرآن كثير .
وكذلك خبره عما يكون من السعادة والشقاوة بالأعمال كقوله: (كُلُواْ
وَاشْرَبُوْهَذِيَا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَلِيَةِ) وقوله تعالى: (وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِىّ
أُوْرِثْتُمُوهَا بِمَا كُتُمْ تَعْمَلُونَ) وقوله: (وَالَّذِينَ ءَامَنُواْوَانَّعَنْهُمْ ذُرِّيَّنُهُمْ بِمَنٍ أَلْحَقْنَا
بِهِمْ ذُرِّيَّنَهُمْ وَمَآ أَنْتَهُمْ مِنْ عَمَلِهِم مِّن شَىْءٍ ) وقوله: (إِنِّى جَزَيْتُهُمُ اَلْيَوْمَ بِمَا صَبَرُواْ أَنَّهُمْ
) الآيات. وقوله :
هُمُ الْفَآِزُونَ) وقوله: ( وَجَزَهُمْ بِمَا صَبَرُواْجَنَّةً وَحَرِيرًا
(هَلْ تُوَّبَ الْكُفَارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ) وقوله: (مَاسَلَكَكُمْ فِ سَقَرَ * قَالُوْلَنَّكُ مِنَ
اُلْمُصَلِّينَ * وَلَمْتَلُكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا تَخُوضُ مَعَ الْخَبِضِينَ * وَكَنَاتُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ
حَّ أَتَنَا الْيَقِينُ * فَمَانَفَعُهُمْ شَفَعَةُ الشَِّفِعِينَ ) وأمثال هذا فى القرآن
كثير جداً .
بين سبحانه فيما يذكره من سعادة الآخرة ، وشقاوتها : ان ذلك كان
بالأعمال المأمور بها والمنهي عنها، كما يذكر نحو ذلك فيما يقضيه من العقوبات
والمثوبات فى الدنيا أيضا .
٢٧٩

و (الوجه الثاني): أن العلم بأن الشيء سيكون والخبر عنه بذلك وكتابة
ذلك لا يوجب استغناء ذلك عما به يكون من الأسباب التى لايتم إلا بها ،
كالفاعل وقدرته ومشيئته؛ فإن اعتقاد هذا غاية فى الجهل ، إذ هذا العلم ليس
موجبا بنفسه لوجود المعلوم باتفاق العلماء ؛ بل هو مطابق له على ماهو عليه
لا يكسبه صفة ولا يكتسب منه صفة بمنزلة علمنا بالأمور التى [ قبلنا ]
كالموجودات التى كانت قبل وجودنا مثل علمنا بالله وأسمائه وصفاته ، فإن
هذا العلم ليس مؤثراً فى وجود المعلوم باتفاق العلماء، وإن كان من علومنا
ما يكون له تأثير فى وجود المعلوم كعلمنا بما يدعونا إلى الفعل ويعرفنا صفته
وقدره ؛ فإن الأفعال الاختيارية لاتصدر إلا ممن له شعور وعلم، إذ الإرادة
مشروطة بوجود العلم ، وهذا التفصيل الموجود فى علمنا بحيث ينقسم إلى على
فعلي له تأثير فى المعلوم ، وعلم انفعالي لا تأثير له فى وجود المعلوم، هو
فصل الخطاب في العلم .
فإن من الناس من يقول: ((العلم)) صفة انفعالية لا تأثير له فى المعلوم؛ كما
يقوله طوائف من أهل الكلام ، ومنهم من يقول بل هو صفة فعلية له
تأثير فى المعلوم كما يقوله طوائف من أهل الفلسفة والكلام .
والصواب أنه ((نوعان)) كما بيناه - وهكذا على الرب تبارك وتعالى ،
فإن علمه بنفسه سبحانه لا تأثير له فى وجود المعلوم ، وأما علمه بمخلوقاته
التى خلقها بمشيئته وإرادته فهو مماله تأثير فى وجود معلوماته ، والقول في
٢٨٠