Indexed OCR Text
Pages 241-260
ومن احتج بالقدر على المعاصي مجته داحضة ، ومن اعتذر به فعذره غیر مقبول ، بل هؤلاء الضالون . كما قال فيهم بعض العلماء : أنت عند الطاعة قدري وعند المعصية جبري ، أي مذهب وافق هواك تمذهبت به . فإن هؤلاء إذا ظلمهم ظالم ، بل لو فعل الإنسان ما يكرهونه، وإن كان حقاً لم يعذروه بالقدر ، بل يقابلوه بالحق والباطل ، فإن كان القدر حجة لهم فهو حجة لهؤلاء ، وإن لميكن حجة لهؤلاء لم يكن حجة لهم؛ وإنما يحتج أحدم بالقدر عند هواه ومعصية مولاه، لا عند ما يؤذبه الناس ويظلمونه . وأما المؤمن فهو بالعكس فى ذلك إذا آذاه الناس نظر إلى القدر ، فصبر واحتسب ، وإذا أساء هو تاب واستغفر. كما قال تعالى: (فَأَصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأُسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ ) فالمؤمن يصبر على المصائب ويستغفر من الذنوب والمعايب، والمنافق بالعكس لا يستغفر من ذنبه بل يحتج بالقدر ، ولا يصبر على ما أصابه ، فلهذا يكون شقياً فى الدنيا والآخرة؛ والمؤمن سعيداً فى الدنيا والآخرة . والله سبحانه أعلى. ٢٤١ سئل أبو العباس بن تيمية عن الخير والشر ، والقدر الكوني، والأمر والنهي الشرعي . فأجاب: الحمد لله . اعلم أن الله خالق كل شيء وربه ومليكه لارب غيره ولا خالق سواه ؛ ماشاء كان ومالم يشأ لم يكن ؛ وهو على كل شيء قدير ، وبكل شيء عليم؛ والعبد مأمور بطاعة الله ؛ وطاعة رسوله ؛ منهي عن معصية الله؛ ومعصية رسوله ؛ فإن أطاع كان ذلك نعمة من الله أنعم بها عليه؛ وكان له الأجر والثواب بفضل الله ورحمته، وإن عصى كان مستحقاً للذم والعقاب؛ وكان لله عليه الحجة البالغة؛ ولا حجة لأحد على الله؛ وكل ذلك كائن بقضاء الله وقدره ومشيئته وقدرته؛ لكنه يحب الطاعة ويأمر بها؛ ويثيب أهلها عليها ويكرمهم ؛ ويبغض المعصية وينهي عنها ؛ ويعاقب أهلها عليها ويهينهم. وما يصيب العبد من النعم فإن الله أنعم بها عليه؛ وما يصيبه من الشر فبذنوبه ومعاصيه. كما قال تعالى: (وَمَا أَصَبَكُمْ مِّن قُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيَكُمْ ) وقال تعالى: (مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَنَ اللَّهِوَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنِ نَّفْسِكَ ): أي ما أصابك من خصب ونصر وهدى فالله أنعم بها عليك؛ وما أصابك من جدب وذل وشر فيذنوبك وخطاياك ؛ وكل الأشياء كائنة بمشيئته وقدرته وخلقه ٢٤٢ فلا بد أن يؤمن العبد بقضاء الله وقدره؛ وأن يؤمن بشرع الله وأمره. فمن نظر إلى الحقيقة القدرية وأعرض عن الأمر والنهي والوعد والوعيد كان مشابها للمشركين؛ ومن نظر إلى الأمر والنهي وكذب بالقضاء والقدر كان مشابها للمجوسيين، ومن آمن بهذا وهذا، وإذا أحسن حمد الله؛ وإذا أساء استغفر الله؛ وعلى أن ذلك كله بقضاء الله وقدره فهو من المؤمنين. فإن آدم - عليه السلام - لما أُذنب تاب فاجتباه ربه وهداه ، وإبليس أصر واستكبر واحتج بالقدر ؛ فلعنه وأقصاه، فمن تاب كان آدمياً، ومن أصر واحتج بالقدر كان إبليسياً ، فالسعداء يتبعون أبا آدم، والأشقياء يتبعون عدوم إبليس. فنسأل الله العظيم أن يهدينا الصراط المستقيم. صراط الذين أنعم عليهم من النبيين والصديقين. والشهداء والصالحين . والله أعلم. ٢٤٣ وقال الشيخ رحم الله حديث علي رضي الله عنه المخرج فى الصحيح لما طرقه النبى صلى الله عليه وسلم وفاطمة ــ وهما نائمان - فقال ((ألا تصليان)) فقال علي يارسول اللّه إنما أنفسنا بيد الله إن شاء أن يمسكها وإن شاء أن يرسلها ؛ فولى النبى صلى الله عليه وسلم وهو يضرب بيده على مفخذه وهو يقول (وَكَانَ الْإِنسَنُ أَكْثَرَشَىْءٍ جَدَلاً)، هذا الحديث نص فى ذم من عارض الأمر بالقدر، فإن قوله: ((إنما أنفسنا بيد الله)) إلى آخره. استناد إلى القدر فى ترك امتثال الأمر، وهي فى نفسها كلمة حق، لكن لاتصلح لمعارضة الأمربل معارضة الأمر فيها من باب الجدل المذموم الذي قال الله فيه: (وَكَانَ آلْإِنسَنُ أَكْثَرَشَىْءٍ جَدَلًا) وهؤلاء أحد أقسام (القدرية)) وقد وصفهم الله فى غير هذا الموضع بالمجادلة الباطلة. ٢٤٤ سؤال عن القدر أورده أحد علماء الذميين فقال : تحير داوه بأوضح حجة أيا علماء الدين ، فمي دينكم ولم يرضه من، فما وجه حيلتى ؟ إذا ما قضى ربي بكفري بزعمكم دخولى سبيل ؟ بينوا لى قضيتى دعانی ، وسد الباب عنی فهل إلى فما أنا راض بالذى فيه شقوتى قضی بضلالی، ثمقال:ارض بالقضا فربى لا يرضى بشؤم بليتى فإن كنت بالمقضى ياقوم راضياً فقدحرتدلونیعلی کشفحيرتى فهل لى رضاً، ما ليس يرضاه سيدى فهل أنا عاص فى اتباع المشيئة ؟ إذا شاء ربى الكفر من مشيئة فبالله فاشفوا بالبراهين غلتى وهل لی اختیار أن أخالف حكمه؟ فأجاب شيخ الإسلام الشيخ الإمام العالم العلامة أحمد بن تيمية مرتجلا الحمد لله رب العالمين: ٢٤٥ مخاصم رب العرش ، باری البرية سؤالك ياهذا ، سؤال معاند فهذا سؤال ، خاصم الملأ العلا قديما به إبليس ، أصل البلية على أم رأس هاويا فى الحفيرة ومن يك خصما للمهيمن يرجعن إلى النار طرا ، معشر القدرية ويدعى خصوم الله يوم معادم به الله ، أو ماروا به للشريعة سواء نفوه ، أو سعوا ليخاصموا هو الخوض في فعل الإله بعلة وأصل ضلال الخلق من كل فرقة فصاروا على نوع من الجاهلية مشيئة رب الخلق بارى الخليقة فإن جميع الكون أوجب فعله فإنهمو لم يفهموا حكمة له لها من صفات واجبات قديمة وذات إله الخلق واجبة بما لوازم ذات الله قاضى القضية مشيئته مع علمه ، ثم قدرة وإبداعه ما شاء من مبدعاته بها حكمة فيه وأنواع رحمة من المنكري آياته المستقيمة له الخلق والأمر الذي في الشريعة ولسنا إذا قلنا جرت بمشيئة بل الحق أن الحكم لله وحده له الملك من غير انتقاص بشركة هو الملك المحمود فى كل حالة يكون. ومالا لا يكون بحيلة فما شاء مولانا الإ له ، فإنه يعم . فلا تخصيص فى ذي القضية وقدرته لا نقص فيها ، وحكمه ٢٤٦ بقدرنه كانت ، ومحض المشيئة أريد بذا أن الحوادث كلها له الحمد حمداً يعتلى كل مدحة ومالكنا فى كل ما قد أراده ومن حكم فوق العقول الحكيمة فإن له فى الخلق رحمته سرت من الحكم العليا وكل عجيبة أموراً بحار العقل فيها إذا رأى فنؤمن أن الله عز بقدرة فنثبت هذا كله لإلهنا وهذا مقام طالما عجز الأولى وتحقيق ما فيه بتبيين غوره وخلق وإبرام لحكم المشيئة ونثبت ما فى ذاك من كل حكمة نفوه وكروا راجعين بحيرة وتحرير حق الحق فى ذي الحقيقة وذا عسر في نظم هذى القصيدة هو المطلب الأقصى لوراد بحره الأوصاف مولانا الإله الكريمة لحاجته إلى بيان محقق وأفعاله في كل هذى الخليقة وأسمائه الحسنى ، وأحكام دينه وإلهامه للخلق أفضل نعمة وهذا بحمد الله قد بان ظاهراً بيان شفاء للنفوس السقيمة وقد قيل فى هذا وخط كتابه يقول : فلم قد كان فى الأزلية؛ فقولك: لم قد شاء؟مثل سؤال من وتحريمه قد جاء فى كل شرعة وذاك سؤال يبطل العقل وجهه وفى الكون تخصيص كثير يدل من له نوع عقل : أنه بإرادة ٢٤٧ أو القول بالتجويز رمية حيرة وإصداره عن واحد بعد واحد بما قبله من علة موجبية ولا ريب فی تعلیق کل مسبب بل الشأن فى الأسباب ، أسباب ما ترى وإصدارها عن حكم محض المشيئة أزل عقول الخلق فى قعر حفرة وقولك : لم شاء الإله ؟ هو الذي فإن المجوس القائلين بخالق لنفع، ورب مبدع للمضرة أوائلهم فى شبهة الثنوية سؤالهم عن علة السر ، أوقعت يقولون بالفعل القديم لعلة وإن ملاحيد الفلاسفة الأولى بغوا علة للكون بعد انعدامه وإن مبادى الشر فى كل أمة نخوضهمو فى ذاكم ، صار شركهم ويكفيك نقضاً أن ما قد سألته فأنت تعيب الطاعنين جميعهم وتنحل من والاك صفو مودة فلم يجدوا ذاكم ، فضلوا بضلة ذوى ملة ميمونة نبوية وجاء دروس البينات بفترة من العذر مردود لدى كل فطرة عليك ، وترميهم بكل مذمة وتبغض من ناواك من كل فرقة كمالك يا هذا بأرجح حجة وحالهم فى كل قول وفعلة وهبك کففت اللوم عن کل کافر وكل غوى خارج عن محجة فيلزمك الإعراض عن كل ظالم على الناس فى نفس ، ومال ، وحرمة ٢٤٨ ولا تغضبن يوماً على سافك دما ولا سارق مالا لصاحب فاقة ولا ناكح فرجا على وجه غية ولا شاتم عرضا مصونا، وإن علا ولا قاطع للناس نهج سبيلهم ولا مفسد فى الأرض فى كل وجهة ولا شاهد بالزور إفكا وفرية ولا قاذف للمحصنات بزنية ولا مهلك الحرث والنسل عامدا ولا حاكم للعالمين برشوة وكف لسان اللوم عن كل مفسد ولا تأخذن ذا جرمة بعقوبة وسهل سبيل الكاذبين تعمدا على ربهم ، من كل جاء بفرية وإن قصدوا إضلال من يستجيبهم بروم فساد النوع ، ثم الرياسة وجادل عن الملعون ، فرعون ، إذ طغى فأغرق فى اليم انتقاماً بغضية وكل كفور مشرك بالهه وآخر طاغ كافر بنبوة كعاد ، ونروذ ، وقوم لصالح وقوم لنوح، ثم أصحاب الايكة وخاصم لموسى ، ثم سائر من أتى من الأنبياء محيباً للشريعة علی کونهم قد جاهدوا الناس إذ بغوا ونالوا من المعاصي بليغ العقوبة ٢٤٩ ولحظة عين ، أو تحرك شعرة وإلا فكل الخلق فى كل لفظة وكل حراك، بل وكل سكينة وبطشة كف، أو تخطى قديمة همو تحت أقدار الإله وحكمه كما أنت فيما قد أتيت بحجة وهبك رفعت اللوم عن كل فاعل فعال ردى ، طردا لهذى المقيسة فهل يمكن رفع الملام جميعه عن الناس طراً عندكل قبيحة؟ وترك عقوبات الذین قد اعتدوا وترك الورى الإنصاف بين الرعية فلا تُضْمَنَنْ نفس ومال بمثله ولا يُعقبِنْ عادٍ بمثل الجريمة وهل فى عقول الناس ، أو فى طباعهم قبول لقول النذل : ماوجه حيلتى ؟ ويكفيك نقضاً : ما يجسم ابن آدم صى ، ومجنون ، وكل بهيمة : وفيما يشاء الله أكمل حكمة من الألم المقضى فى غير حيلة إذا کان فی هذا له حكمة ، فما يُظن بخلق الفعل ، ثم العقوبة؟ وكيف ، ومن هذا عذاب مولد عن الفعل. فعل العبد عند الطبيعة؟ كآكل سم ، أوجب الموت أكله وكل بتقدير لرب البرية ٢٥٠ فكفرك يا هذا ؛ كسم أكلته وتعذيب نار . مثل جرعة غصة ألست ترى فى هذه الدار من جنى يعاقب . إما بالقضا . أو بشرعة ؟ ولا عذر للجاني بتقدير خالق كذلك في الأخرى بلا مثنوية وتقدير رب الخلق للذنب موجب لتقدير عقبى الذنب إلا بتوبة وما كان من جنس المتاب لرفعه عواقب أفعال العباد الخبيثة تجاب من الجاني. ورب شفاعة كيربه تمحى الذنوب . ودعوة وقول حليف الشر : إنى مقدر علي . كقول الذئب: هذى طبيعتى وتقديره للفعل يجلب نقمة كتقديره الأشياء طراً بعلة فهل ينفعن عذر الملوم . بأنه كذا طبعه. أم هل يقال لعثرة ؟ أم النم والتعذيب أوكد للذي طبيعته فعل الشرور الشيعة ؟ فإن كنت ترجو أن تجاب بما عسى ينجيك من نار الإله العظيمة ٢٥١ فدونك رب الخلق، فاقصده ضارعا مريداً لأن يهديك نحو الحقيقة وذلل قياد النفس للحق ، واسمعن ولا تعرضن عن فكرة مستقيمة وما بان من حق فلا تتركنه ولا تعص من يدعو لأقوم شرعة ودع دين ذا العادات ، لاتتبعنه وعج عن سبيل الأمة الغضبية وزن ما عليه الناس بالمعدلية ومن ضل عن حق فلا تقفونه هنالك تبدو طالعات من الهدى تبشر من قد جاء بالخنيفية ملة إبراهيم ذاك إمامنا ودين رسول الله خير البرية فلا يقبل الرحمن دينا سوى الذى به جاءت الرسل الكرام السجية وقد جاء هذا الحاشر الخاتم الذي حوى كل خير في عموم الرسالة غدا عنه فى الأخرى بأقبح خيبة وأخبر عن رب العباد بأن من فهذى دلالات العباد لحاثر وأما هداه فهو فعل الربوية وفقد الهدى عند الوری لا يفيدمن غدا عنه ، بل يجزى بلا وجه حجة ٢٥٢ تزيد عذاباً، كاحتجاج مريضة وحجة محتج بتقدير ربه أمرنا بأن نرضى بمثل المصيبة وأما رضانا بالقضاء فإنما وما كان من مؤذ، بدون جريمة كسقم ، وفقر، ثم ذل ، وغربة فأما الأفاعيل التى كرهت لنا فلا ترتضى ، مسخوطة لمشيئة وقد قال قوم من أولى العلم: لارضاً بفعل المعاصي والذنوب الكبيرة ولا ترتضي المقضى أقبح خصلة وقال فريق : نرتضى بقضائه إليه . وما فينا فنلقى بسخطة وقال فريق ترتضي بإضافة كما أنها للرب خلق ، وأنها المخلوقة ، ليست كفعل الغريزة فترضى من الوجه الذي هو خلقه ونسخط من وجه اكتساب الخطيئة ومعصية العبد المكلف تركه لما أمر المولى ، وإن بمشيئة بأن العباد فى جحيم وجنة فإن إله الخلق حق مقاله كما أنهم فى هذه الدار هكذا بل البهم فى الآلام أيضاً ونعمة وحكمته العليا اقتضت مااقتضت من الـ أيد ورحمة فروق بعلم يسوق أولى التعذيب بالسبب الذي يقدره نحو العذاب بعزة ٢٥٣ بأعمال صدق ، في رجاء وخشية ويهدي أولى التنعيم نحو نعيمهم يسوق أولى التنعيم محو السعادة وأمر إله الخلق بين مابه فمن كان من أهل السعادة أثرت أوامره فيه بتيسير صنعة ومن كان من أهل الشقاوة لم ينل بأمر ولا نهى بتقدير شقوة ولا مخرج للعبد عما به قضى ولكنه مختار حسن وسوأة فليس بمجبور عديم الإرادة ولكنه شاء بخلق الإرادة ومن أعجب الأشياء : خلق مشيئة بها صار مختار الهدى بالضلالة فقولك : هل أختار تركا لحكمة ؟ كقولك : هل أختار ترك المشيئة ؟ ولو قلت هذا الترك فزت بتوبة وأختار أن لا أختار فعل ضلالة على ما يشاء الله من ذي المشيئة وذا ممكن ، لكنه متوقف ٢٥٤ فدونك ، فافهم مابه قد أجبت من معان ، إذا انحلت بفهم غريزة أشارت إلى أصل يشير إلى الهدى ولله رب الخلق أكمل مدحة وصلى إله الخلق، جل جلاله على المصطفى المختار خير البرية ٢٥٥ قال شيخ الإسلام فصل قد ذكرت في غير موضع أن القدرية (( ثلاثة أصناف)): ((قدرية مشركية)) و((قدرية مجوسية))، و ((قدرية إبليسية)). فأما الأولون فهم الذين اعترفوا بالقضاء والقدر، وزعموا أن ذلك يوافق الأمر والنهي، وقالوا: ( لَوْشَآءَ اللّهُ مَآ أَشْرَكْنَا وَلَآ ءَابَآؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِن شَىْءٍ) إلى آخر الكلام في سورة الأنعام. (لَوْشَآءَ اللَّهُ مَاعَبَدْنَا مِن دُونِهِ، مِن شَىْءٍ ) ( وَقَالُواْ لَوْشَآءَ الرَّحْمَنُ في سورة النحل ، وفى سورة الزخرف . ( مَاعَبَدْنَهُم فهؤلاء يؤول أمرهم إلى تعطيل الشرائع والأمر والنهي، مع الاعتراف بالربوبية العامة لكل مخلوق، وأنه ما من دابة إلا ربي آخذ بناصيتها، وهو الذي يبتلي به كثيراً ــ إما اعتقاداً، وإما حالا - طوائف من الصوفية والفقراء حتى يخرج من يخرج منهم إلى الإباحة للمحرمات ، وإسقاط الواجبات ورفع ٢٥٦ العقوبات وإن كان ذلك لا يستتب لهم وإنما يفعلونه عند موافقة أهوائهم كفعل المشركين من العرب، ثم إذا خولف هوی أحد منهم قام فى دفع ذلك متعديا للحدود غير واقف عند حد، كما كانت تفعل المشركون أيضاً. إذ هذه الطريقة تتناقض عند تعارض إرادات البشر. فهذا يريد أمراً والآخر يريد ضده ، وكل من الإرادتين مقدرة فلا بد من ترجيح إحداهما أو غيرهما، أو كل منهما من وجه ، والا لزم الفساد . وقد يغلو أصحاب هذا الطريق حتى يجعلوا عين الموجودات هي الله ، كما قد ذكر فى غير هذا الموضع. ويتمسكون بموافقة الإرادة القدرية فى السيئات الواقعة منهم ومن غيرم، كقول الحريري : أنا كافر برب يعصى، وقول بعض أصحابه لما دعاه مكاس فقيل له هو مكاس ، فقال : إن كان قد عصى الأمر فقد أطاع الإرادة ، وقول ابن إسرائيل : أصبحت منفعلا لما يختاره منى ؛ ففعلي كله طاعات وقد يسمون هذا حقيقة باعتبار أنه حقيقة الربوبية، والحقيقة الموجودة الكائنة، أو الحقيقة الخبرية، ولما كان فى هؤلاء شوب من النصارى والنصارى فيهم شوب من الشرك تابعوا المشركين فى ما كانوا عليه من التمسك بالقدر المخالف للشرع. هذا مع أنهم يعبدون غير الله الذي قدر الكائنات كما أن هؤلاء فيهم شوب من ذلك . ٢٥٧ وإذا اتسع زناد قتهم الذين هم رؤساؤهم قالوا: ما نعبد إلا الله إذلاموجود غيره . وقال رئيس لهم إنما كفر النصارى لأنهم خصصوا ، فيشرعون عبادة كل موجود بهذا الاعتبار ، ويقررون ما كان عليه المشركون من عبادة الأوثان ، والأحجار؛ لكنهم يستقصرونهم حيث خصصوا العبادة ببعض المظاهر والأعيان. ومعلوم أن هذا حاصل في جميع المشركين؛ فإنهم متفتنون فى الآلهة التى يعبدونها وإن اشتركوا فى الشرك؛ هذا يعبد الشمس وهذا يعبد القمر، وهذا يعبد اللات وهذا يعبد العزى وهذا يعبد مناة الثالثة الأخرى ، فكل منهم يتخذ إلهه هواه ويعبد ما يستحسن وكذلك فى عبادة قبور البشر كل يعلق على تمثال من أحسن به الظن . و ((القدرية الثانية)) المجوسية: الذين يجعلون لله شركاء في خلقه كما جعل الأولون لله شركاء فى عبادته. فيقولون : خالق الخير غير خالق الشر، ويقول من كان منهم فى ملتنا : إن الذنوب الواقعة ليست واقعة بمشيئة الله تعالى، وربما قالوا : ولا يعلمها أيضاً ، ويقولون : إن جميع أفعال الحيوان واقع بغير قدرته ولا صنعه فيجحدون مشيئته النافذة، وقدرته الشاملة ؛ ولهذا قال ابن عباس : القدر نظام التوحيد فمن وحد الله وآمن بالقدر تم توحيده ومن وحد الله وكذب بالقدر نقض تكذيبه توحيده . ويزعمون أن هذا هو العدل ويضمون إلى ذلك سلب الصفات ويسمونه التوحيد ، كما يسمى الأولون التلحيد التوحيد، فيلحد كل منها فى أسماء الله وصفاته، وهذا يقع كثيراً إما اعتقاداًوإما ٢٥٨ حالا فى كثير من المتفقهة والمتكلمة. كما وقع اعتقاد ذلك فى المعتزلة والشيعة المتأخرين، وابتلى ببعض ذلك طوائف من المتقدمين من البصريين والشاميين، وقد يبتلي به حالا لا اعتقاداً بعض من يغلب عليه تعظيم الأمر والنهي من غير ملاحظة للقضاء والقدر . ولما بين الطائفتين من التنافي نجد المعتزلة أبعد الناس عن الصوفية، ويميلون إلى اليهود، وينفرون عن النصارى. ويجعلون إثبات الصفات هو قول النصارى بالأقانيم. ولهذا تجدم يذمون النصارى أكثر كما يفعل الجاحظ وغيره، كما أن الأولين يميلون إلى النصارى أكثر . ولهذا كان هؤلاء فى الحروف والكلام المبتدع كما كان الأولون فى الأصوات والعمل المبتدع ، كما اقتسم ذلك اليهود والنصارى واليهود غالبهم قدرية بهذا الاعتبار ؛ فإنهم أصحاب شريعة وم معرضون عن الحقيقة القدرية. ولهذا نجد أرباب الحروف والكلام المبتدع كالمعتزلة يوجبون طريقتهم ويحرمون ما سواها، ويعتقدون أن العقوبة الشديدة لاحقة من خالفها، حتى إنهم يقولون : بتخليد فساق أهل الملل ، ويكفرون من خرج عنهم من فرق الأمة ، وهذا التشديد والآصار والأغلال شبه دين اليهود. وتجد أرباب الصوت والعمل المبتدع لا يوجبون ولا يحرمون؛ وإنما يستحبون ويكرهون، فيعظمون طريقهم ويفضلونه ويرغبون فيه حتى يرفعوه ٢٥٩ فوق قدره بدرجات . فطريقهم رغبة بلا رهبة إلا قليلا، كما أن الأول رهبة فى الغالب برغبة يسيرة وهذا يشبه ما عليه النصارى من الغلو فى العبادات التى يفعلونها مع انحلالهم من الإيجاب والاستحباب لكنهم يتعبدون بعبادات كثيرة ويبقون أزماناً كثيرة على سبيل الاستحباب. والفلاسفة يغلب عليهم هذا الطريق ، كما أن المتكلمين يغلب عليهم الطريق الأول. و (القسم الثالث ): القدرية الإبليسية الذين صدقوا بأن الله صدر عنه الأمران . لكن عندم هذا تناقض، وم خصماء الله كما جاء فى الحديث. وهؤلاء كثير فى أهل الأقوال والأفعال من سفهاء الشعراء ونحوهم من الزنادقة، كقول أبى العلاء المعري . وزعمت أن لها معاداً آتياً أنهيت عن قتل النفوس تعمداً ما كان أغناها عن الحالين (١). وقول بعض السفهاء الزنادقة: يخلق نجوما ويخلق بينها أقمار. يقول ياقوم غضوا عنهم الأبصار. ترمي النسوان، وتزعق معشر الحضار . اطفوا الحريق، وبيدك قد رميت النار . ونحو ذلك مما يوجب كفر صاحبه وقتله. (١) سقط بعض قول المعرى لخرم في الأصل ٢٦٠