Indexed OCR Text
Pages 221-240
فإذا أمر غيره بمثل ذلك أحبه وأعانه وسر به ؛ وإذا أحسن إلى الناس فإنما يحسن إليهم ابتغاء وجه ربه الأعلى؛ ويعلم أن اللّه قد منَّ عليه بأن جعله محسناً فيرى أن عمله للّه وبالله؛ وهذا مذكور فى الفاتحة: (إِيَاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِيُ) فلا يطلب ممن أحسن إليه جزاء ولا شكورا؛ ولا يمن عليه بذلك ؛ فإنه قد على أن الله هو المان عليه إذ استعماله فى الإحسان؛ فعليه أن يشكر الله إذ يسره لليسرى وعلى ذلك أن يشكر الله إذ يسر له ما ينفعه، ومن الناس من يحسن إلى غيره ليمن عليه ؛ أو ليجزيه بطاعته له وتعظيمه إياه أو نفع آخر ؛ وقد يمن عليه فيقول : أنا فعلت وفعلت بفلان فلم يشكر ونحو ذلك، فهذا لم يعبد الله ولم يستعنه فلا عمل لله ولا عمل به ، فهو كالمرائي . وقد أبطل اللّه صدقة المنان وصدقة المرائى، فقال تعالى: (يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نُبْطِلُواْ صَدَ قَتِكُمْ بِالْمَنِّ وَاَلْأَذَى كَلَّذِى يُنفِقُ مَالَهُرِينَآءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاَلْيَّوْمِ اُلْآَخِرِ فَمَثَلُهُ، كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ، وَابِلٌ فَتَكَهُ صَلْدَّ الََّ يَقْدِرُونَ عَلَى ے شَىْءٍ مِّمَّا كَسَبُواْ وَاللَّهُلَ يَهْدِى الْقَوْمَ الْكَفِرِينَ * وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَلَهُمُ أَبْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَقْبِيْتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثْلِ جَنَّةِ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَائِلٌ فَكَانَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ) قال قتادة: تثبيتاً من أنفسهم احتساباً من عند أنفسهم . وقال الشعبي: يقيناً وتصديقاً من أنفسهم . وقيل يخرجونها طيبة بها أنفسهم على يقين بالثواب وتصديق بوعد الله يعلمون أن ما أخرجوهخير لهم مما تركوه. قلت: إذا كان المعطي محتسباًللأجر من اللّه لا من الذي أعطاه فلا يمن عليه. ٢٢١ ( الفرق السادس ): إنما يبتلى به من الذنوب وإن كان خلقا لله فهو عقوبة له على عدم فعل ما خلقه الله له وفطره عليه ، فإنه خلقه لعبادته وحده ، ودل عليه الفطرة ، فلما لم يفعل ما خلق له وما فطر عليه عوقب على ذلك، بأن زين له الشيطان ما يفعله من الشرك والمعاصى . قال تعالى ( اذْهَبْ فَمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَآءَ مَوْفُورًا - إلى قوله ـ- إِنَّعِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ) وقال تعالى: (إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانُّ عَلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * إِنَّمَا سُلْطَانُهُ( عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ) الآية. وقال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ أَتَّقَوْ إِذَا مَسَّهُمْ طَبْفٌ مِّنَ الشَّيْطَنِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ * وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِى الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ ). فتبين أن الإخلاص يمنع من تسلط الشيطان. كما قال تعالى: (كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوْءَ وَالْفَحْشَآءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ ) فكان إلهامه لفجوره عقوبة له وعدم فعل الحسنات ليس أمراً موجوداً حتى يقال: إن الله خلقه، ومن تدبر القرآن تبين له أن عامة ما يذكر الله فى خلق الكفر والمعاصي يجعله جزاء لذلك العمل، كقوله تعالى: (فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَمِّ وَمَن يُرِدُ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا) الآية. وقال تعالى: (فَلَمَّا زَاغُوَأْ أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ ) وقال: ( وَأَمَّا مَنَّ ◌َخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنْيَسُِّ. لِلْعُسْرَى ) وهذا وأمثاله يذكر فيه أعمالا عاقبهم بها على فعل محظور وترك مأمور، ولا بد لهم من حركة وإرادة؛ فلما لم يتحركوا بالحسنات حركوا ٢٢٢ بالسيئات عدلا من الله، كما قيل: نفسك إن لم تشغلها بالحق شغلتك بالباطل . وهذا الوجه إذا حقق يقطع مادة كلام طائفتى القدرية المكذبة والمجبرة . الذين يقولون : خلقها لذلك، والتعذيب لهم ظلم . يقال لهم: إنما أوقعهم فيها وطبع على قلوبهم عقوبة لهم ، فما ظلمهم ولكن ظلموا أنفسهم، يقال ظلمته إذا نقصه حقه ، قال تعالى: ( كِنَا الْجَنََّيْنِءَانَتْ أُكْلَهَا وَلَمْ تَظْلِ مِنْهُ شَيْئًا). وكثير منهم يسلمون أن الله خلق من الأعمال ما يكون جزاء على عمل متقدم، ويقولون: خلق طاعة المطيح ؛ لكن ما خلق شيئاً من الذنوب ابتداء ؛ بل جزاء. فيقولون: أول ما يفعل العبد لم يحدثه الله، وما ذكرنا يوجب أن يكون الله خالق كل شيء، لكن أولها عقوبة على عدم فعله لما خلق له، والعدم لايضاف إلى اللّه، فما أحدثه فأوله عقوبة على هذا العدم، وسائرها قد يكون عقوبة على ما وجد، وقد يكون عقوبة على استمراره على العدم ، فما دام لا يخلص الله لا يزال مشركا، والشيطان مسلط عليه . ٨ ثم تخصيصه سبحانه لمن هداه بأن استعمله ابتداء فيما خلق له تخصيص بفضله، وهذا منه لا يوجب الظلم ولا يمنع العدل، ولهذا يقول تعالى: (وَاللَّهُ يَخْنَصُ بِرَحْمَتِهِ، مَن يَشَآءُ) وكذلك الفضل هو أعلم به، كما خص بعض الأبدان ٢٢٣ بقوى لا توجد فى غيرها ، وبسبب عدم القوة قد تحصل له أمراض وجودية ، وغير ذلك من حكمته ، وتحقيق هذا يدفع شبهات هذا الباب . ومما ذكر فيه العقوبة على عدم الإيمان قوله تعالى: (وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَرَهُمْ كَمَالَمْ يُؤْمِنُواْبِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ) هذا من تمام قوله: (وَمَا يُشْعِزُّكُمْ أَنَّهَآ إِذَا جَآءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ ) فذكر أن هذا التقليب يكون لمن لم يؤمنوا به أول مرة، وهذا عدم الإيمان؛ لكن يقال : هذا بعد دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم لهم. وقد كذبوا وتركوا الإيمان، وهذه أمور وجودية ؛ لكن الموجب هو عدم الإيمان، وما ذكر شرط فى التعذيب ، كإرسال الرسول ، فإنه قد يشتغل عن الإيمان بما جنسه مباح لا يستحق به العقوبة إلا لأنه شغله عن الإيمان، ومن الناس من يقول ضد الإيمان هو تركه ، وهو أمر وجودي لاضد له إلا ذلك. ( الفرق السابع ) : أن السيئات التى هي المصائب ليس لها سبب إلاذنبه الذي من نفسه ، ومايصير من الخير لا تنحصر أسبابه ؛ لأنه من فضل الله يحصل بعمله وبغير عمله، وعمله من إنعام الله عليه ، وهو سبحانه لا يجزيه بقدر العمل بل يضاعفه فلا يتوكل إلا على الله ولا يرجع إلا إليه ، فهو يستحق الشكر المطلق العام التام، وإنما يستحق غيره من الشكر ما يكون جزاء على ما يسره الله على يديه من الخير ، كشكر الوالدين ؛ فإنه لا يشكر الله من لا يشكر الناس ؛ لكن لا يبلغ من قول أحد وإنعامه أن يشكر بمعصية الله أو يطاع بمعصيته ؛ فإنه هو ٢٢٤ المنعم، قال تعالى: (وَمَابِكُمْ مِّن نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ) وقال: ( وَسَخََّلَكُمَّا فِى السَّمَوَتِ وَمَا فِ الْأَرْضِ جَمِيعًامِّنْهُ ) وجزاؤه على الطاعة والشكر وعلى المعصية والكفر لايقدر أحد على مثله، فلهذا لم يجز أن يطاع مخلوق في معصية الخالق، (وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَنَ بِوَلِدَيْهِ حُسْنَّاً وَ إِن جَهَدَاَ لِتُشْرِكَبِ وقال تعالی : مَالَيْسَ لَكَ بِهِ، عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَاً ) الآية. وفى الآية الأخرى: ( وَإِن جَهَدَالَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ، عِلْمٌ فَلَا تُطِعُهُ مَا وَصَاحِبُهُمَا فِ الدُّنْيَا مَعْرُوفًا ). والمقصود أنه إذا عرف أن النعم كلها من اللهصار توكله ورجاؤه لهسبحانه، وإذا على ما يستحقه من الشكر الذي لا يستحقه غيره صا(١) والشر انحصر سببه فى النفس فعلم من أين يأتى فاستغفر واستعان بالله واستعاذ به مما لم يعمل بعد؛ كما قال من قال من السلف: لا يرجون عبد إلاربه ولا يخافن إلا ذنبه ، وهذا خلاف قول الجهمية الذين يقولون : يعذب بلا ذنب، ويخافونه ولو لم يذنبوا، فإذا صدق بقوله: (مَآ أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَنَ اللَّهِوَمَا أَصَابَكَ مِن سَبِّئَةٍ فَن نَّفْسِكَ ) على بطلان هذا القول . وقدتقدم قول ابن عباس وغيره : إنما أصابهم يوم أحد كان بذنوبهم؛ لم يستثن من ذلك أحداً ؛ وهذامن فوائد تخصيص الخطاب لئلا يظن أنه عام مخصوص. (١) بياض بالأصل ٢٢٥ ( الفرق الثامن ) : أن السيئة إذا كانت من النفس ، والسيئة خبيئة مذمومة؛ ووصفها بالحبث في مثل قوله: ( الْخَبِيشَتُ لِلْخَبِيثِنَ ). قال جمهور السلف: الكلمات الخبيثة للخبيثين ؛ وقال بعضهم الأقوال والأفعال الخبيثة للخبيثين ، وقال تعالى: (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً - إلى قوله - وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ ) وقال: ( إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُالطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّلِحُ بَرْفَعُهُ) والأقوال والأفعال صفات القائل الفاعل ؛ فإذا كانت النفس متصفة بالسوء والخبث لم يكن محلها إلا ما يناسبها ؛ فمن أراد أن يجعل الحيات والعقارب يعاشرون الناس كالسنانير لم يصلح؛ ومن أراد أن يجعل الكذاب شاهداً لم يصلح، وكذلك من أراد أن يجعل الجاهل معلماً؛ أو الأحمق سائساً؛ فالنفوس الخبيثة لا تصلح أن تكون في الجنة الطيبة ، بل إذا كان فى النفس خبث طهرت وهذبت ، كما فى الصحيح ((إن المؤمنين إذا نجوا من النار وقفوا على قنطرة)) الحديث . وإذا علم أن السيئة من نفسه لم يطمع في السعادة التامة مع ما فيه من الشر؛ بل على تحقيق قوله: (مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَبِهِ ) وقوله: (فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرَايَرَهُ, * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرَّيَرَهُ). وعلى أن الرب جارية أفعاله على قانون العدل والإحسان، وفى الصحيح ((يمين اللّه ملأى)) الحديث. وعلى فساد قول الجهمية الذين يجعلون الثواب والعقاب بلا حكمة ، وهو سبحانه قد شهد أن لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائماً بالقسط ؛ وم قصدوا مناقضة ٢٢٦ المعتزلة فى القدر والوعيد؛ فلهذاسلك مسلك جهم من ينتسب إلى السنة والحديث واتباع السلف. وكذلك سلكوا فى ((الإيمان والوعيد)) مسلك المرجئة الغلاة جهم وأتباعه؛ وجهم اشتهر عنه ((نوعان)) من البدعة : نوع فى ( الأسماء والصفات ) فغلا فى النفى؛ ووافقه على ذلك الباطنية والفلاسفة ونحوم ؛ والمعتزلة فى الصفات دون الأسماء. والكلابية ومن وافقهم من الفقهاء وأهل الحديث فى نفى الصفات الاختيارية ، والكرامية ونحوم وافقوه على أصل ذلك؛ وهو امتناع دوام ما لا يتناهى وأنه يمتنع أن يكون لم يزل متكلماً إذا شاء ؛ وفعالا إذا بشاء ؛ لامتناع حوادث لا أول لها ، وعن هذا الأصل نفى وجود ما لا يتناهى في المستقبل ؛ وقال بفناء الجنة والنار ، ووافقه أبو الهذيل إمام المعتزلة على هذا ؛ لكن قال تتناهى الحركات . فالمعتزلة فى الصفات مخانيث الجهمية ، وأما الكلابية في الصفات (١) وكذلك الأشعرية؛ ولكنهم كما قال أبو إسماعيل الأنصاري: الأشعرية الإناث م مخانيث المعتزلة ، ومن الناس من يقول: المعتزلة مخانيث الفلاسفة ؛ لأنه لم يعلم أن جهما سبقهم إلى هذا الأصل . أو لأنهم مخانيثهم من بعض الوجوه ، والشهرستانى يذكر أنهم أخذوا ما أخذوا عن الفلاسفة ؛ لأنه إنما يرى مناظرة أصحابه الأشعرية معهم بخلاف أئمة السنة ؛ فإن مناظر تهم إنما كانت مع الجهمية، وم المشهورون عند (١) بياض بالاصل ٢٢٧ السلف بنفي الصفات ؛ وبهذا تميزوا عند السلف عن سائر الطوائف. وأما المعتزلة فامتازوا بالمنزلة بين المنزلتين لما أحدثه عمرو بن عبيد؛ وكان هو وأصحابه يجلسون معتزلين للجماعة . فيقول قتادة وغيره: أولئك المعتزلة ، وكان ذلك بعد موت الحسن . وبدعة القدرية حدثت قبل ذلك بعد موت معاوية ؛ ولهذا تكلم فيهم ابن عمر وابن عباس وغيرهما ؛ وابن عباس مات قبل ابن الزبير ؛ وابن عمرمات عقب موته ، وعقب ذلك تولى الحجاج العراق سنة بضع وسبعين ؛ فبقي الناس يخوضون فى القدر بالحجاز والشام والعراق، وأكثره كان بالشام والعراق والبصرة ،وأقله كان بالحجاز ؛ فلما حدثت المعتزلة وتكلموا بالمنزلة بين المنزلتين . وقالوا : بإنفاذ الوعيد وخلود أهل التوحيد ، وإن النار لا يخرج منها من دخلها ضموا إلى ذلك القدر ، فإنه به یتم. ولم يكن الناس إذ ذاك أحدثوا شيئاً من نفي الصفات، إلى أن ظهر ((الجعد ابن درهم)) وهو أولهم، فضحى به خالد بن عبد الله القسري ، وقال أيها الناس ضحوا تقبل الله ضحاياكم فإني مضح بالجعد بن درهم ، إنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلا، ولم يكلم موسى تكليما - تعالى الله عما يقول الجعد علواً كبيراً - ثم نزل فذبحه وهذا كان بالعراق. ٢٢٨ ثم ظهر ((جهم)) من ناحية المشرق من ترمذ، ومنها ظهر رأي جهم، ولهذا كان علماء السنة بالمشرق أكثر كلاما فى رد مذهبهم من أهل الحجاز والشام والعراق، مثل إبراهيم بن طهان ، وخارجة بن مصعب ، ومثل عبد الله بن المبارك، وأمثالهم ، وقد تكلم فى ذمهم مالك وابن الماجشون وغيرهما ، وكذلك الأوزاعي، وحماد بن زيد وغيرهم، وإنما اشتهرت مقالتهم من حين محنة الإمام أحمد وغيره ، من علماء السنة فإنهم في إمارة المأمون قووا وكثروا، فإنه قد كان بخراسان مدة واجتمع بهم ثم كتب بالمحنة من طر سوس سنة ثمانية عشرة ومائتين. وفيها مات، وردوا أحمد إلى الحبس ببغداد إلى سنة عشرين ومائتين ، وفيها كانت محنته مع المعتصم، ومناظرته لهم؛ فلما رد عليهم ما احتجوا به؛ وذكر أن طلبهم من الناس أن يوافقوم وامتحانهم إيام جهل وظلم؛ وأراد المعتصم إطلاقه أشار عليه من أشار بأن المصلحة ضربه لئلا تنكسر حرمة الخلافة؛ فلما ضربوه قامت الشناعة فى العامة ؛ وخافوا فأطلقوه؛ وكان ابن أبى دؤاد قد جمع له نفاة الصفات من جميع الطوائف. وعلماء السنة: كابن المبارك وأحمد وإسحاق والبخاري بسمون هؤلاء جميعهم جهمية؛ وصار كثير من المتأخرين من أصحاب أحمد وغيرم يظنون أن خصومه كانوا م المعتزلة ، وليس كذلك؛ بل المعتزلة نوع منهم. والمقصود هنا : أن جهما اشتهر عنه بدعتان : (إحداهما ) : نفى الصفات؛ (والثانية ): الغلو في القدر والإرجاء . جعل ٢٢٩ الايمان مجرد معرفة القلب. وجعل العباد لا فعل لهم ولا قدرة ؛ وهذان مما غلت المعتزلة فى خلافه فيهما؛ وأما الأشعري فوافقه على أصل قوله ، ولكن قد ينازعه منازعات لفظية . وجهم لا يثبت شيئاً من الصفات؛ لا الإرادة ولا غيرها، فإذا قال إن الله يحب الطاعات ويبغض المعاصى ؛ فمعناه الثواب والعقاب ، والأشعري يثبت الصفات كالإرادة فاحتاج إلى الكلام فيها هل هي المحبة أم لا ؟ فقال: المعاصي يحبها الله ويرضاها كما يريدها: وذكر أبو المعالي أنه أول من قال ذلك. وأهل السنة قبله على أن الله لا يحب المعاصي . وشاع هذا القول فى كثير من الصوفية فوافقوا جهما فى مسائل الأفعال والقدر ؛ وخالفوه فى الصفات كأبي إسماعيل الأنصاري صاحب ذم الكلام؛ فإنه من المبالغين فى ذم الجهمية فى نفي الصفات، وله كتاب فى تكفير الجهمية؛ ويبالغ فى ذم الأشعرية مع أنهم من أقرب هذه الطوائف إلى السنة ؛ وربما كان يلعنهم ؛ وقال بعض الناس بحضرة نظام الملك: أتلعن الأشعرية؟ فقال ألعن من يقول ليس فى السموات إله ؛ ولا فى المصحف قرآن. ولا فى القبر نى؛ وقام من عنده مغضباً. وهو مع هذا فى مسألة إرادة الكائنات وخلق الأفعال أبلغ من الأشعرية؛ لايثبت سبيا ولا حكمة ، بل يقول إن مشاهدة العارف الحكم لا يبقى له استحسان حسنة ولا استقباح سيئة؛ والحكم عنده هو المشيئة ؛ لأن العارف عنده من يصل إلى مقام الفناء، والحسنة والسيئة يفترقان فى حظ العبد ٢٣٠ لكونه ينعم بهذه ويعذب بهذه؛ والالتفات إلى هذا من حظوظ النفس ؛ ومقام الفناء ليس فيه إلا مشاهدة مراد الحق. والأشعري لما أثبت الفرق بين هذا وهذا من جهة المخلوق كان أعقل منهم؛ فإنهم يدعون أن العارف لايفرق ؛ وغلطوا فى حق العبد وحق الرب ؛ أما العبد فيلزمهم أن يستوي عنده جميع الحوادث؛ وهذا محال قطعاً ، فعزلوا الفرق الرحماني؛ وفرقوا بالطبعي الهوائى الشيطانى؛ ومن هنا وقع خلق منهم في المعاصي، وآخرون فى الفسوق؛ وآخرون في الكفر حتى جوزوا عبادة الأصنام؛ ثم كثير منهم ينتقل إلى الوحدة ويصرحون بعبادة كل موجود. والمقصود الكلام على من نفى الحكم والأسباب والعدل فى القدر موافقة لجهم؛ - وهي بدعته الثانية بخلاف الإرجاء فإنه منسوب إلى طوائف غيره .. فهؤلاء يقولون : إن الرب يجوز أن يفعل كل ما يقدر عليه، ولهذا نجد من اتبعهم غير معظم للأمر والنهي، والوعد والوعيد؛ بل ينحل عنه أو عن بعضه ، ويتكلف لما يعتقده، فإنهم إذا وافقوا جها والأشعري فى أن الحسن والقبيح كونه مأموراً أو محظوراً ؛ وذلك فرق يعود إلى حظ العبد؛ وهم يدعون الفناء عن الحظوظ ؛ فتارة يقولون : في امتثال الأمر والنهي إنه من مقام التلبيس ؛ وتارة يقولون : يفعل هذا لأجل أهل المارستان أي العامة - كما يقوله: الشيخ المغربى؛ إلى أنواع أخر . ٢٣١ ومن سلك مسلكهم إذا عظم الأمر والنهي غايته أن يقول كما نقل عن الشاذلي: يكون الجمع في قلبك مشهوداً ؛ والفرق على لسانك موجوداً؛ كما يوجد فى كلامه وكلام غيره أقوال وأدعية ، وأحزاب تستلزم تعطيل الأمر والنهي مثل دعوى أن الله يعطيه على المعصية أعظم مما يعطيه على الطاعة، ونحو هذا مما يوجب أنه يجوز عنده أن يجعل الذين اجترحوا السيئات كالذين آمنوا وعملوا الصالحات أو أفضل ، ويدعون بأدعية فيها اعتداء كما يوجد فى حزب الشاذلي . وآخرون من عوامهم يجوزون أن يكرم الله بكرامات أكبر الأولياء من يكون فاجراً ؛ بل كافراً، ويقولون: هذه موهبة وعطية ، ويظنون أن تلك من كرامات الأولياء، وتكون من الأحوال الشيطانية التى يكون مثلها للسحرة والكهان، قال تعالى: (وَلَمَاجَآءَ هُمْ رَسُولٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِنَبَ كِتَبَ اُللَّهِ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ كَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ * وَأَتَّبَعُواْ مَا تَثْلُواْالشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَنَّ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَنُ وَلَكِنَّ الشَّيَطِينَ كَفَرُ وا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَرُوتَ وَمَرُونَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَاً إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ، بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ، وَمَاهُمْ يِضَآرِّينَ بِهِ، مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَ يَنَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِّمُواْ لَمَنْ أَشْتَرَنُ مَالَهُ. فِ الْآَخِرَةِ مِنْ خَلَقٍ وَلَبِْسَ مَا شَرَوْابِهِ: أَنفُسَهُمْ لَوْكَانُواْ يَعْلَمُونَ * وَلَوْ أَنَّهُمْ ءَامَنُواْ وَأَثَّقَوْاْ لَمَثُوبَةٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْكَانُوا ◌ْيَعْلَمُونَ ). ٢٣٢ وقد قال صلى الله عليه وسلم: ((لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه)) الحديث . والمسلمون الذين جاءهم كتاب الله القرآن عدل كثير ممن أضاه الشيطان من المنتسبين إليهم إلى أن نبذ كتاب الله وراء ظهره، واتبع ماتلوه الشياطين فلا يعظم من أمر القرآن بموالاته. ولا يعادى من أمر القرآن بمعاداته، بل يعظم من رآه بأني ببعض الخوارق التى تأتي بمثلها السحرة والكهان بإعانة الشياطين لهم ، وهي يحصل بما تتلوه الشياطين . ثم منهم من يعرف أن هذا من الشياطين . ولكن يعظمه لهواه ويفضله على طريقة القرآن، وهؤلاء كفار، كالذين قال اللّه تعالى فيهم: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ اُلْكِتَبِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ ءَامَنُوْسَبِيلًا * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَّهُمُ اللّهُ وَ مَن يَلْعَنِ الَهُ قَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا ) وهؤلاء ضاهوا الذين قال الله تعالى فيهم: (وَلَمَاجَآءَ هُمْ رَسُولٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ - إلى قوله ــ وَلَكِنَّ الشَّيَطِينَ كَفَرُواْ). ومنهم من لا يعرف أنه من الشياطين ، وقد يقع فى هذا طوائف من أهل الكلام والعلم، وأهل العبادة والتصوف، حتى جوزوا عبادة الكواكب والأصنام لما رأوه فيها من الأحوال العجيبة التى تعينهم عليها الشياطين لما يحصل بها بعض أغراضهم من الظلم والفواحش، فلم يبالوا بشركهم بالله وبكفرهم به وبكتابه إذا ٢٣٣ نالوا ذلك، ولم يبالوا بتعليم ذلك للناس وتعظيمهم له لرئاسة أو مال ينالونه . وإن كانوا قد علموا الكفر والشرك ودعوا إليه، بل حصل عندهم ريب وشك فيما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم واعتقاد أنه خاطب الجمهور بمالا حقيقة له فى الباطن للمصلحة، كما يقول ذلك من يقوله من الملاحدة الباطنية، ودخل في رأي هؤلاء طائفة من هؤلاء وهؤلاء، وهذا مما ضاهوا به فارس والروم . فإن فارس كانت تعظم الأنوار، وتسجد للشمس والنار ، والروم كانوا قبل النصرانية مشركين: يعبدون الكواكب والأصنام، فهؤلاء شر من الذين أشبهوا اليهود والنصارى ؛ فإن هؤلاء ضاهوا أهل الكتاب فيما بدل أو نسخ وهؤلاء ضاهوا من لاكتاب له . وقال رحمه الله تعالى: فالنفوس مفطورة على علم ضروري موجود فيها بالخالق الذي خلق السموات ، وأنه خلق السموات والأرض ليس شيء منها خلق الناس، كما قال موسى لفرعون - لما قال له: (وَمَارَبُّ الْعَلَمِينَ * قَالَ رَبُّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَمَا ◌َلْنَهُمَا إِن كُنتُ مُوقِنِينَ ( فَمَن رَّبُّكُمَا ) وقال: يَمُوسَى * قَالَ رَبُّنَا الَّذِىّ أَعْطَى كُلَّ شَىْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّهَدَى). ٢٣٤ سئل رحم الله تعالى عمن يعتقد أن الخير من اللّه والشر من الشيطان؟ وأن الشر هو بيد العبد، إن شاء فعله ، وإن شاء لم يفعله، فإذا أنكر عليه فى هذه يقول: قال الله تعالى: ( إِنَّ اللّهَ لَا يَأْمُ بِالْفَحْشَآءِ) (فَإِنَّ اللَّهَ غَنِىُّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِاَلْكُفْرَ) وإن عقيدة هذا، أن الخير من الله وأن الشر بيده، فإذا أراد أن يفعل الشر فعله ؛ فإنه قال: إن لي مشيئة فإذا أردت أن أفعل الشر فعلته، فهل له مشيئة فعالة أم لا ؟. فأجاب : الحمد لله - أصل هذا الكلام له مقدمتان: ( إحداهما): أن يعلم العبد أن اللّه يأمر بالإيمان والعمل الصالح، ويحب الحسنات ويرضاها، ويكرم أهلها، وينيهم ويواليهم، ويرضى عنهم، ويجبهم ويحبونه، وهم جند الله المنصورون، وحزب الله الغالبون، وم أولياؤه المتقون، وحزبه المفلحون، وعباده الصالحون أهل الجنة، وهم النبيون والصديقون والشهداء والصالحون، وم أهل الصراط المستقيم . صراط الذين أنعم عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين. وإن الله نهى عن السيئات من الكفر والفسوق والعصيان، وهو يبغض ذلك ويمقت أهله ، ويلعنهم ويغضب عليهم، ويعاقبهم ويعاديهم، وهم أعداء الله ورسوله، وم أولياء الشيطان. وهم أهل النار ٢٣٥ وم الأشقياء . لكنهم يتقاربون في هذا مابين كافر وفاسق ، وعاص ليس بكافر ولا فاسق . و (المقدمه الثانية): أن يعلم العبد أن الله رب كل شيء وخالقه ومليكه . لارب غيره ؛ ولا خالق سواه ، وأنه ماشاء كان؛ وما لم يشأ لم يكن؛ لا حول ولا قوة إلا به ؛ ولا ملجأ منه إلا إليه؛ وأنه على كل شيء قدير. تجميع ما فى السموات والأرض : من الأعيان وصفاتها ؛ وحركاتها ؛ فهي مخلوقة له ؛ مقدورة له ؛ مصرفة بمشيئته ، لا يخرج شيء منها عن قدرنه وملكه ؛ ولا يشركه فى شىء من ذلك غيره ؛ بل هو سبحانه لا إله إلا هو وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، فالعبد فقير إلى اللّه فى كل شيء، يحتاج إليه فى كل شىء لا يستغنى عن الله طرفة عين؛ فمن يهده الله فلا مضل له؛ ومن يضلل فلا هادي له . فإذا ثبتت هاتان ((المقدمتان)). فنقول: إذا ألهم العبد أن يسأل الله الهداية ويستعينه على طاعته ، أعانه وهداه ، وكان ذلك سبب سعادته فى الدنيا والآخرة، وإذا خذل العبد فلم يعبد الله؛ ولم يستعن به، ولم يتوكل عليه ، وكل إلى حوله وقوته . فيوليه الشيطان، وصد عن السبيل ، وشقي فى الدنيا والآخرة وكل ما يكون في الوجود هو بقضاء الله وقدره ؛ لا يخرج أحد عن القدر المقدور، ولا يتجاوز ما خط له فى اللوح المحفوظ، وليس لأحد على الله ٢٣٦ حجة؛ بل (قُلْ فَلِلَِّ الْحُجَّةُ الْبَلِغَةُ فَلَوْشَآءَ لَهَدَ نَكُمْ أَجْمَعِينَ) كل نعمة منه فضل، وكل نقمة منه عدل . وعلى العبد أن يؤمن بالقدر ، وليس له أن يحتج به على الله؛ فالإيمان به هدى ؛ والاحتجاج به على الله ضلال وغي ، بل الإيمان بالقدر يوجب أن يكون العبد صباراً شكوراً ؛ صبوراً على البلاء، شكوراً على الرخاء ، إذا أصابته نعمة على أنها من عند الله فشكره ، سواء كانت النعمة حسنة فعلها، أو كانت خيراً حصل بسبب سعيها ، فإن الله هو الذي يسر عمل الحسنات، وهو الذي تفضل بالثواب عليها ، فله الحمد فى ذلك كله . وإذا أصابته مصيبة صبر عليها ، وإن كانت تلك المصيبة قد جرت على يد غيره ، فالله هو الذي سلط ذلك الشخص، وهو الذي خلق أفعاله، وكانت مكتوبة على العبد؛ كما قال تعالى: (مَآأَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِ اْأَرْضِ وَلَا فِ أَنْفُسِكُمْإِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * لِكَيْلَا تَأْسَوْاْ عَلَى مَافَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُواْبِمَآءَ اتَنكُمْ) وقال تعالى: (مَآ أَصَابَ مِن مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ الَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ). قالوا: هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويسلم. وعليه إذا أذنب أن يستغفر ويتوب ، ولا يحتج على الله بالقدر، ولا يقول: أي ذنب لي وقد قدر علي هذا الذنب ؛ بل يعلم أنه هو المذنب العاصي الفاعل للذنب، وإن كان ذلك كله بقضاء الله وقدره ومشيئته، إذ لا يكون شيء إلا بمشيئته وقدرته وخلقه ؛ لكن العبد هو الذي أكل الحرام ، وفعل الفاحشة ، ٢٣٧ وهو الذي ظلم نفسه ؛ كما أنه هو الذي صلى وصام وحج وجاهد . فهو الموصوف بهذه الأفعال ؛ وهو المتحرك بهذه الحركات، وهو الكاسب بهذه المحدثات ، له ما كسب وعليه ما اكتسب، والله خالق ذلك وغيره من الأشياء لماله فى ذلك من الحكمة البالغة بقدرته التامة ومشيئته النافذة . قال تعالى: (فَأَصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌ وَاُسْتَغْفِرْ لِذَنْكَ ) . فعلى العبد أن يصبر على المصائب ، وأن يستغفر من المعائب . واللّه تعالى لا يأمر بالفحشاء، ولا يرضى لعباده الكفر؛ ولا يحب الفساد، وهو سبحانه خالق كل شيء؛ وربه ومليكه، ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن . فمن يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له، ومشيئة العبد للخير والشر موجودة، فإن العبد له مشيئة للخير والشر، وله قدرة على هذا وهذا. وهو العامل لهذا وهذا، والله خالق ذلك كله وربه ومليكه؛ لا خالق غيره ؛ ولا رب سواه؛ ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن. وقد أثبت الله ((المشيئتين)) مشيئة الرب، ومشيئة العبد؛ وبين أن مشيئة العبد تابعة لمشيئة الرب فى قوله تعالى: (إِنَّ هَذِهِ، تَذْكِرَةٌ فَمَن شَآءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ، سَبِيلًا * وَمَا تَشَآءُ ونَ إِلَّ أَن يَشَآءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا ) وقال تعالى: ( إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَلَمِينَ * لِمَن شَآءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ * وَمَاتَشَآءُ ونَ إِلَّ أَنْ يَشَآءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَلَمِينَ ) وقد قال تعالى: ( أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِكِكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُمْفِى بُرُوچِ ◌ُشَّيَّدَةٍ وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُواْ هَذِهِ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُواْ هَذِهِ مِنْ عِندِكْ ٢٣٨ قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِاللّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا * مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِوَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ ) . وبعض الناس يظن أن المراد هنا بالحسنات والسيئات الطاعات والمعاصي؛ فيتنازعون . هذا يقول : قل كل من عند الله، وهذا يقول الحسنة من الله، والسيئة من نفسك، وكلاهما أخطأ في فهم الآية ؛ فإن المراد هنا بالحسنات والسيئات، النعم والمصائب. كما في قوله: ( وَبَلَوْنَهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ): أي امتحنام واختبرنام بالسراء والضراء. ومعنى الآية فى المنافقين: كانوا إذا أصابتهم حسنة مثل النصر والرزق والعافية . قالوا: هذا من الله، وإذا أصابتهم سيئة ــ مثل ضرب ومرض وخوف من العدو - قالوا : هذا من عندك يا محمد ! أنت الذي جئت بهذا الدين الذي عادانا لأجله الناس ، وابتلينا لأجله بهذه المصائب ، فقال الله تعالى: ( ◌َلِ هَؤُلاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا ) أنت إنما أمر تهم بالمعروف ونهيتهم عن المنكر ، وما أصابك من نعمة: نصر وعافية ورزق فمن الله، نعمة أنعم الله بها عليك، وما أصابك من سيئة: فقر وذل وخوف ومرض وغير ذلك، فمن نفسك وذنوبك وخطاياك . كما قال فى الآية الأخرى: (وَمَا أَصَبَكُم مِّن مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيَكُمْ ) وقال تعالى: (أَوَلَمَّا أَصَبَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْأَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلّئُمْ ٢٣٩ أَّ هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ) وقال تعالى: ( وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّاُلْإِنْسَنَ كَفُورٌ ). فالإنسان إذا أصابته المصائب بذنوبه وخطاياه كان هو الظالم لنفسه ، فإذا تاب واستغفر جعل الله له من كل هم فرجاً ومن كل ضيق مخرجاً، ورزقه من حيث لا يحتسب، والذنوب مثل أكل السم. فهو إذا أكل السم مرض أومات فهو الذي يمرض ويتألم ويتعذب ويموت ، والله خالق ذلك كله، وإنما مرض بسبب أكله، وهو الذي ظلم نفسه بأ كل السم. فإن شرب الترياق النافع عافاه الله . فالذنوب كأكل السم. والترياق النافع كالتوبة النافعة، والعبد فقير إلى الله تعالى فى كل حال، فهو بفضله ورحمته يلهمه التوبة ، فإذا تاب تاب عليه ، فإذا سأله العبد ودعاه استجاب دعاءه. كما قال: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِى عَنِى فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الذَّاعِ إِذَا دَعَانٍ فَلْيَسْتَجِيبُواْلِى وَلْيُؤْمِنُواْ بِى لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ) . ومن قال : لا مشيئة له فى الخير ولا فى الشر فقد كذب. ومن قال: إنه بشاء شيئاً من الخير أو الشر بدون مشيئة الله فقد كذب ؛ بل له مشيئة لكل ما يفعله باختياره من خير وشر، وكل ذلك إنما يكون بمشيئة الله وقدرته فلا بد من الإيمان بهذا وهذا، ليحصل الإيمان بالأمر والنهي والوعد والوعيد، والإيمان بالقدر خيره وشره، وأنَّ ما أصاب العبد لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه . ٢٤٠