Indexed OCR Text

Pages 101-120

إذا قرنوا به توحيد أهل الكلام المئبتين للقدر والمشيئة من غير إثبات المحبة
والبغض والرضى والسخط، الذين يقولون: ((التوحيد)) هو توحيد الربوبية.
و((الإلهية)) عندهم هي القدرة على الاختراع، ولا يعرفون توحيد الإلهية، ولا
يعلمون أن الإله هو المألوه المعبود، وأن مجرد الإقرار بأن الله رب كل شيء
لا يكون توحيداً حتى يشهد أن لا إله إلا الله، كما قال تعالى: (وَمَايُؤْمِنُ
أَكْثَرُهُمْ بِاللهِإِلَّ وَهُم ◌ُشْرِكُونَ). قال عكرمة: تسألهم من خلق السموات
والأرض فيقولون الله، وهم يعبدون غيره، وهؤلاء يدعون التحقيق والفناء فى
التوحيد، ويقولون إن هذا نهاية المعرفة ، وإن العارف إذا صار فى هذا المقام
لا يستحسن حسنة ولا يستقبح سيئة لشهوده الربوبية العامة والقيومية
الشاملة. وهذا الموضع وقع فيه من الشيوخ الكبار من شاء الله، ولا حول ولا
قوة إلا بالله .
وهؤلاء غابة توحيده هو توحيد المشركين الذين كانوا يعبدون الأصنام
الذين قال الله عنهم : (قُل لِّمَنِ الْأَرْضُ وَمَن فِيهَآ إِن كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ
لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَّكَّرُونَ * قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَوَتِ السَّيْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ
*
سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا ◌َنَّقُونَ * قُلْ مَنْ بِيَدِهِ، مَلَكُوتُ كُلِّ شَىْءٍ وَهُوَ يُحِبُرُ
وَ يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِقُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ). وقال تعالى
( وَلَيِنِ سَأَلْتَّهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَسَخََّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّاللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ *
اللَّهُيَبْسُطُ الْرِزْقَ لِمَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَيَقْدِرُ لَهُ: إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ * وَلَيِنِ سَأَلْتَهُم
١٠١

مَّن نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَآءَ فَأَحْيَابِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّالَهُ قُلِ اَلْحَمْدُ لِلَّهِيَلْ
أَكْثَرُهُمْلَا يَعْقِلُونَ ) ، وقال تعالى (وَلَيْنِ سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ السَّمَوَتِ
وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّاللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِبَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ
. (
وقال تعالى: ( وَلَيِنِ سَأَلْتَهُم مَّنْ خَفَهُمْ لَيَقُولُنَّاللَّهُ فَنَّى يُؤْفَكُونَ ) وقال تعالى: (قُلْ
مَنْ يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَرَ وَ مَن يُخْرِجُ الْحَىَّ مِنَ الْمَيِّتِ
وَيُخْرِجُ الْمَيْتَ مِنَ الْحَىّ وَمَن يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا نَنَّقُونَ * فَذَلِكُمُ اللهُ
رَبُّكُوْلَنَّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَلُ فَّ تُصْرَفُونَ * كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى
الَّذِينَ فَسَقُواْأَنَهُمْ لَايُؤْمِنُونَ * قُلْ هَلْ مِنْ شُرَّكَبِكُ مَّنْ يَبْدَوُ اْخَلْقَ ثُمَيُعِيدُ هُعُلِ اللّهُبْدَؤُأْ
الْخَلْقَ ثُمَ يُعِيدٌُ فَنَّ تُؤْفَكُونَ * قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَبِكُمَن يَهْدِىّ إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُيَهْدِى لِلْحَقّ ◌َفَنَ
يَهْدِىّ إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُنَّبَعَ أَمَّنْ لََّهِدّىٍ إِلَّ أَنْ يُهْدَىّ فَا لَكُمْكَيْفَ تَحْكُمُونَ ) وقال
تعالى: ( أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِّنَ السَّمَاءِ مَآءَ فَأَنْبَتْنَا بِهِ، حَدَابِقَ
ذَاتَ بَهْجَةٍ مَّا كَانَ لَكُنْ أَنْ تُتِبِئُواْ شَجَرَهَاْ أَوَِةٌ مَعَالَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ *
أَمَّنْ جَعَلَ اُلْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَلَهَا أَنْهَرًا وَجَعَلَ لهَا رَوَسِىَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ
حَاجِزَاْ أَعِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ * أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ
وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَآءَ الْأَرْضِ أَءِلَـهٌ مَعَ اللّهِ قَلِيلاً مَّا نَذَكَّرُونَ
* أَمَّنِ يَهْدِ يكُمْ فِى ظُلُمَتِ الْبَرِّوَاَلْبَحْرِ وَ مَن يُرْسِلُ الرِّيَحَ بُشْرًابَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهِ:
أَِلَةٌ مَعَ اللَّهِ تَعَلَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ * أَمَّنْ يَبْدَؤُ اْ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ، وَ مَن يَرْزُقُكُمْمِنَ
السَّمَاءِ وَالْأَرْضِّ أَوِلَهٌ مَعَ الَّهِ قُلْ هَاتُواْبُرْهَنَّكُمْ إِنْ كُمْ صَدِقِينَ).
١٠٢

فإن هؤلاء المشركين كانوا مقرين بأن الله خالق السموات والأرض وخالقهم
وبيده ملكوت كل شيء، بل كانوا مقرين بالقدر أيضاً ، فإن العرب كانوا يثبتون
القدر فى الجاهلية ،وهو معروف عنهم فى النظم والنثر ، ومع هذا فلما لم يكونوا
يعبدون الله وحده لا شريك له، بل عبدوا غيره كانوا مشركين شراً من
اليهود والنصارى . فمن كان غاية توحيده وتحقيقه هو هذا التوحيد كان غاية
توحيده توحيد المشركين.
وهذا المقام مقام وأي مقام ! !! زلت فيه أقدام، وضلت فيه أفهام، وبدل
فيه دين المسلمين ، والتبس فيه أهل التوحيد بعباد الأصنام، على كثير ممن
يدعون نهاية التوحيد والتحقيق والمعرفة والكلام.
ومعلوم عند كل من يؤمن بالله ورسوله أن المعتزلة والشيعة القدرية المثبتين
للأمر والنهي والوعد والوعيد خير ممن يسوي بين المؤمن والكافر. والبر
والفاجر، والنبى الصادق ، والمتنىء الكاذب، وأولياء الله وأعدائه، ويجعل هذا
غاية التحقيق، ونهاية التوحيد، وهؤلاء يدخلون في مسمى ((القدرية)) الذين
ذمهم السلف ، بل هم أحق بالذم من المعتزلة ونحوهم ، كما قال أبو بكر الخلال فى
((كتاب السنة)): الرد على القدرية، وقولهم إن الله أجبر العباد على المعاصي،
وذكر عن المروذي قال قلت لأبي عبد الله: رجل يقول إن الله أجبر العباد،
فقال: هكذا لا تقول، وأنكر ذلك، وقال ( يُضِلُّ اللهُمَن يَشَاءُ وَيَهْدِى مَن
يَشَآءُ ) وذكر عن المروذي أن رجلاً قال إن الله لم يجبر العباد على المعاصي،
١٠٣

فرد عليه آخر فقال إن الله جبر العباد ، أراد بذلك إثبات القدر ، فسألوا عن
ذلك أحمد بن حنبل فأنكر عليهما جميعاً على الذي قال جبر ، وعلى الذي قال
. (
يُضِلُّ اللهُ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِى مَن يَشَآءُ
لم يجبر حتى تاب، وأمر أن يقال : -(
وذكر عن عبد الرحمن بن مهدي قال أنكر سفيان الثوري (( جبر))
وقال إن الله جبل العباد. قال المروذي أراد قول النبى صلى الله عليه وسلم
لأشج عبد القيس: يعني قوله ((إن فيك لخلقين يحبها الله: الحلم والأناة))
فقال: أخلقين تخلقت بهما أم خلقين جبلت عليها؟ فقال ((بل خلقين جبلت
عليهما)) فقال : الحمد لله الذي جبلنى على خلقين يحبها.
وذكر عن أبي إسحاق الفزاري قال قال الأوزاعي : أتانى رجلان فسألانى
عن القدر فأحببت أن آتيك بهما تسمع كلامها وتجيبهما: قلت رحمك الله أنت
أولى بالجواب ، قال: فأتانى الأوزاعى ومعه الرجلان فقال تكلما . فقالا: قدم
علينا ناس من أهل القدر ، فنازعونا فى القدر وناز عناهم فيه ، حتى بلغ بنا وبهم
إلى أن قلنا: إن الله جبرنا على ما نهانا عنه، وحال بيننا وبين ما أمرنا به، ورزقنا
ما حرم علينا، فقلت: ياهؤلاء! إن الذين أتوكم بما أنوكم به قد ابتدعوا بدعة
وأحدثوا حدثاً، وإنى أراكم قد خرجتم من البدعة إلى مثل ما خرجوا إليه.
فقال : أصبت وأحسنت يا أبا إسحاق !!.
وذكر عن بقية بن الوليد قال سألت الزبيدي والأوزاعي عن ((الجمبر))
١٠٤

فقال الزبيدي أمر الله أعظم وقدرته أعظم من أن يجبر أو يعضل ، ولكن يقضى
ويقدر ويخلق ويجبل عبده على ما أحب. وقال الأوزاعي: ما أعرف للجبر
أصلاً من القرآن والسنة فأهاب أن أقول ذلك ولكن القضاء والقدر والخلق
والجبل ، فهذا يعرف في القرآن والحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقد قال مطرف بن الشخير: لم نوكل إلى القدر، وإليه نصير. وقال ضمرة
ابن ربيعة: لم نؤمر أن نتكل على القدر، وإليه نصير .
وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((مامنكم من أحد
إلا وقد على مقعده من الجنة ومقعده من النار )) قالوا يا رسول الله! أفلا ندع
العمل ونتكل على الكتاب؟ فقال: ((لا، اعملوا فكل ميسر لما خلق له)).
وهذا باب واسع .
والمقصود هنا أن الخلال وغيره من أهل العلم أدخلوا القائلين بالجبر في
مسمى ((القدرية)) وإن كانوا لا يحتجون بالقدر على المعاصي، فكيف بمن يحتج
به على المعاصي ؟ ومعلوم أنه يدخل فى ذم من ذم الله من القدرية من يحتج به
على إسقاط الأمر والنهى أعظم مما يدخل فيه المنكر له ؛ فإن ضلال هذا أعظم
ولهذا قرنت القدرية بالمرجئة فى كلام غير واحد من السلف، وروي فى ذلك
حديث مرفوع ؛ لأن كلا من هاتين البدعتين تفسد الأمر والنهي والوعد
والوعيد ؛ فإلارجاء يضعف الإيمان بالوعيد، ويهون أمر الفرائض والمحارم ،
١٠٥

والقدري إن احتج به كان عوناً للمرجئ ، وإن كذب به كان هو والمرجى قد
تقابلا ، هذا يبالغ في التشديد حتى لا يجعل العبد يستعين باللّه على فعل ما أمر
به وترك ما نهى عنه، وهذا يبالغ فى الناحية الأخرى .
ومن المعلوم أن الله تعالى أرسل الرسل وأنزل الكتب لتصدق الرسل فيما
أخبرت، وتطاع فيما أمرت، كما قال تعالى: (وَمَآ أَزْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ
بِإِذْنِ اللَّهِ) وقال تعالى ( مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ) والإِيمان
بالقدر من تمام ذلك . فمن أثبت القدر وجعل ذلك معارضاً للأمر
فقد أذهب الأصل .
ومعلوم أن من أسقط الأمر والنهي الذي بعث الله به رسله فهو كافر
باتفاق المسلمين واليهود والنصارى ؛ بل هؤلاء قولهم متناقض لا يمكن أحداً
منهم أن يعيش به، ولا تقوم به مصلحة أحد من الخلق، ولا يتعاشر عليه اثنان :
فإن القدر إن كان حجة فهو حجة لكل أحد ، وإلا فليس حجة لأحد . فاذا
قدر أن الرجل ظلمه ظالم أو شتمه شاتم أو أخذ ماله أو أفسد أهله أو غير ذلك
فمتى لامه أو ذمه أو طلب عقوبته أبطل الاحتجاج بالقدر. ومن ادعى أن
العارف إذا شهد القدر سقط عنه الأمر كان هذا الكلام من الكفر الذي
لا يرضاه لا اليهود ولا النصارى ، بل ذلك ممتنع فى العقل محال فى الشرع ؛ فإن
الجائع يفرق بين الخبز والتراب، والعطشان يفرق بين الماء والسراب، فيحب
ما يشبعه ويرويه ؛ دون ما لا ينفعه، والجميع مخلوق لله تعالى، فالحي - وإن
١٠٦

كان من كان - لابد أن يفرق بين ماينفعه وينعمه ويسره ، وبين ما يضره
ويشقيه ويؤلمه. وهذا حقيقة الأمر والنهى فإن الله تعالى أمر العباد بما ينفعهم
ونهاهم عما يضرهم.
والناس فى الشرع والقدر على ((أربعة أنواع)) فشر الخلق من يحتج بالقدر
لنفسه ولا يراه حجة لغيره، يستند إليه فى الذنوب والمعائب، ولا يطمئن إليه
في المصائب ، كما قال بعض العلماء: أنت عند الطاعة قدري وعند المعصية جبري،
أي مذهب وافق هواك تمذهبت به . وبإزاء هؤلاء خير الخلق الذين يصبرون
على المصائب ويستغفرون من المعائب، كما قال تعالى: (فَأَصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌ
وَاُسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ) وقال تعالى: ( مَا أَصَابَ مِن مُصِيبَةٍ فِ اُلْأَرْضِ وَلَا فِى أَنفُسِكُمْ إِلَّا
فِي كِتَبٍ مِّن قَبْلِ أَن نَبْرَأَهَاْ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * لِكَيْلَا تَأْسَوْ عَلَى مَافَاتَكُمْ
وَلَا تَفْرَحُواْبِمَآءَاتَنْكُمْ) وقال تعالى (مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ
وَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ ) قال بعض السلف: هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم
أنها من عند الله فيرضى ويسلم. قال تعالى ( وَاُلَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوْاْ
أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّ اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُوا عَلَى
مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ).
وقد ذكر الله تعالى عن آدم عليه السلام أنه لما فعل ما فعل قال (رَبَّنَا
ظَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِن ◌َّْتَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَسِرِينَ ) وعن إبليس أنه
) فمن تاب أشبه
قال ( بِمَآ أَغْوَيْثَنِى لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِى الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَّهُمْ أَجْمَعِينَ
١٠٧

أباه آدم ، ومن أصر واحتج بالقدر أشبه إبليس. والحديث الذي في الصحيحين
فى احتجاج آدم وموسى عليهما السلام لما قال له موسى: ((أنت آدم أبو البشر
خلقك الله بيده ، ونفخ فيك من روحه ، وعلمك أسماء كل شىء ، لماذا أخرجتنا
ونفسك من الجنة؟ فقال له آدم: أنت موسى الذي اصطفاك الله برسالته
وبكلامه ، وخط لك التوراة بيده ، فبكم وجدت مكتوباً علي قبل أن أخلق
(وَعَصَّءَدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى) قال: بكذا وكذا سنة، قال لحج آدم موسى)).
وهذا الحديث فى الصحیحین من حديث أبى هريرة وقد روي بإسناد جيد من
حديث عمر رضي الله عنه .
فآدم عليه السلام إنما حج موسى لأن موسى لامه على ما فعل لأجل ما
حصل لهم من المصيبة بسبب أكله من الشجرة . لم يكن لومه له لأجل حق الله
فى الذنب . فإن آدم كان قد تاب من الذنب كما قال تعالى (فَلَقَّقَ ءَادَمُ مِن ◌َّيِّهِ كَلِمَتٍ
فَنَابَ عَلَيْهِ ) وقال تعالى ( ثُمَّأَجْنَبَهُ رَبُّهُفَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى ) وموسى-ومن
هو دون موسى - عليه السلام يعلم أنه بعد التوبة والمغفرة لا يبقى ملام على
الذنب ، وآدم أعلم بالله من أن يحتج بالقدر على الذنب ، وموسى عليه السلام
أعلى بالله تعالى من أن يقبل هذه الحجة، فإن هذه لو كانت حجة على الذنب
لكانت حجة لإبليس عدو آدم، وحجة لفرعون عدو موسى ، وحجة لكل
كافر وفاجر ، وبطل أمر الله ونهيه ؛ بل إنما كان القدر حجة لآدم على
موسى لأنه لام غيره لأجل المصيبة التى حصلت له بفعل ذلك ، وتلك المصيبة
كانت مكتوبة عليه .
١٠٨

وقد قال تعالى: (مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ يَهْدِ
قَلْبَهُ( ). وقال أنس: خدمت النبى صلى الله عليه وسلم عشر سنين فما قال لي: أف
قط ، ولا قال لشيء فعلته: لم فعلته ؟ ولا لشيء لم أفعله: لم لا فعلته؟ وكان
بعض أهله إذا عاتني على شيء يقول ((دعوه فلو قضي شيء لكان)) وفى
الصحيحين عن عائشة رضى الله عنها قالت ((ما ضرب رسول الله صلى الله عليه
وسلم بيده خادماً ولا امرأة ولا دابة ولا شيئاً قط إلا أن يجاهد في سبيل الله،
ولا نيل منه شيء قط فانتقم لنفسه إلا أن تنتهك محارم الله ، فإذا انتهكت محارم
الله لم يقم لغضبه شيء حتى ينتقم لله)). وقد قال صلى الله عليه وسلم: ((لو أن
فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها )). ففي أمر الله ونهيه يسارع إلى الطاعة،
ويقيم الحدود على من تعدى حدود الله ، ولا تأخذه فى الله لومة لائم، وإذا آذاه
مؤذ أو قصر مقصر فى حقه عفا عنه ولم يؤاخذه نظراً إلى القدر .
فهذا سبيل الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء
والصالحين وحسن أولئك رفيقاً . وهذا واجب فيما قدر من المصائب بغير فعل
آدمي كالمصائب السماوية، أو بفعل لا سبيل فيه إلى العقوبة كفعل آدم عليه السلام
فإنه لا سبيل إلى لومه شرعا - لأجل التوبة ــ ولا قدراً؛ لأجل القضاء
والقدر . وأما إذا ظلم رجل رجلاً فله أن يستوفى مظلمته على وجه العدل،
وإن عفا عنه كان أفضل له، كما قال تعالى (وَالْجُرُوحَ قِصَاصُ فَمَن
تَصَدَّقَ بِهِ، فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ ) .
١٠٩

وأما ((الصنف الثالث)) فهم الذين لا ينظرون إلى القدر لا فى المعائب ولا
فى المصائب التى هي من أفعال العباد ، بل يضيفون ذلك كله إلى العبد ، وإذا
أساؤا استغفروا ، وهذا حسن ؛ لكن إذا أصابتهم مصيبة بفعل العبد لم ينظروا
إلى القدر الذي مضى به عليهم ، ولا يقولون لمن قصر فى حقهم دعوه فلو قضى
شيء لكان ، لا سيما وقد تكون تلك المصيبة بسبب ذنوبهم فلا ينظرون إليها
وقد قال تعالى ( أَوَلَمَّا أَصَبَتَّكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْأَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّ هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ
◌ِندٍ أَنفُسِكُمْ ) وقال تعالى (وَمَا أَصَبَكُمْ مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيَكُمْ )
وقال تعالى (وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّ مَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّاُلْإِنسَنَ كَفُورٌ ) .
ومن هذا قوله تعالى (أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِكِكُمُ الْمَوْثُ وَلَوْ كُمْ فِى بُرُوِ مُشَيِّدَةٍ وَإِن
تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُواْ هَذِهِ، مِنْ عِندِ اللَّهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُواْ هَذِهِ مِنْ عِندِكَ قُلْكُلٌ مِنْ
عِندِاللَّهِ فَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا * مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَن ◌َللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن
فإن هذه الآية تنازع فيها كثير من مثبتى القدر
سَيِّئَةٍ فَن نَّفْسِكَ ).
ونفاته: هؤلاء يقولون الأفعال كلها من الله لقوله تعالى: (قُلْكُلُّ مِّنْ عِندِ اللَّهِ).
وهؤلاء يقولون: الحسنة من الله والسيئة من نفسك لقوله (مَآ أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ
فَيْنَ اَللَّهِ وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ ).
وقد يجيبهم الأولون بقراءة مكذوبة (فَنَّفْسِكَ ) بالفتح على معنى
الاستفهام، وربما قدر بعضهم تقديراً: أي أمن نفسك؟ وربما قدر بعضهم القول
فى قوله تعالى: (مَآ أَصَابَكَ) فيقولون: تقدير الآية ( فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ
١١٠

يَفْقَهُونَ حَدِيثًا ) يقولون. فيحرفون لفظ القرآن ومعناه، ويجعلون ما هو من
قول الله - قول الصدق - من قول المنافقين الذين أنكر الله قولهم،
ويضمرون فى القرآن ما لا دليل على ثبوته بل سياق الكلام ينفيه ؛ فكل من
هاتين الطائفتين جاهلة بمعنى القرآن وبحقيقة المذهب الذي تنصره .
وأما القرآن فالمراد منه هنا بالحسنات والسيئات النعم والمصائب؛ ليس المراد
الطاعات والمعاصى ، وهذا كقوله تعالى: (إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَّةُ نَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمُ
سَيِّئَةٌ يَفْرَحُواْ بِهَا وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُواْ لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا) وكقوله: ( إِن
تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمٌ وَإِن تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُواْقَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِن
قُل لَّنْ يُصِيبَنَآ إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَاهُوَ
*
قَبْلُ وَيَتَوَلَّواْ وَهُمْ فَرِحُونَ
مَوْلَئِنَا) الآية. ومنه قوله تعالى: (وَبَلَوْنَهُم بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّتِئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ)
صيـ
كما قال تعالى: (وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّوَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ ) أي بالنعم والمصائب .
وهذا بخلاف قوله ( مَن جَاءَ بِالْحَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَ مَن جَاءَ بِالسَّنِشَةِ فَلَا
يُجْزَىَ إِلَّا مِثْلَهَا ) وأمثال ذلك، فإن المراد بها الطاعة والمعصية، وفى كل موضع
ما يبين المراد باللفظ، فليس في القرآن العزيز بحمد الله تعالى إشكال؛ بل هو
مبين. وذلك أنه إذا قال: (مَآ أَصَابَكَ ) وما ( مسك) ونحو ذلك، كان من فعل
غيرك بك كما قال (مَآ أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِوَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَن نَّفْسِكَ )
وكما قال تعالى (إِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌ نَسُؤُهُمْ ) وقال تعالى ( وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ
بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ).
١١١

وإذا قال (مَنْ جَآءَ بِالْحَسَنَةِ ) كانت من فعله ، لأنه هو الجائي بها ، فهذا
يكون فيما فعله العبد لا فيما فعل به . وسياق الآ ية یبین ذلك ، فإنه ذكر هذا فى
سياق الحض على الجهاد وذم المتخلفين عنه فقال تعالى ( يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ
خُذُ واْحِذْرَكُمْ فَانِفِرُ واْثُّبَاتٍ أَوِ أَنِفِرُواْ جَمِيعًا * وَإِنَّ مِنْكُمْلَمَنْ لَيْبَطِأَنَّ فَإِنْ أَصَبَتَّكُ
مُّصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعُمَ اَللَّهُ عَلَىَ إِذْ لَمْ أَكُن مَعَهُمْ شَهِيدًا * وَلَبِنْ أَصَبَّكُمْ فَضْلٌ مِّنَ اَللَّهِ
لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَلَيْتَنِ كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا
عَظِيمًا ) .
فأمر سبحانه بالجهاد وذم المثبطين ، وذكر ما يصيب المؤمنين تارة من
من المصيبة فيه، وتارة من فضل الله فيه ، كما أصابهم يوم أحد مصيبة فقال:
(أَوَلَمَّا أَصَبَتَّكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْأَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَ هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ ).
وأصابهم يوم بدر فضل من الله بنصره لهم وتأييده كما قال تعالى: (وَلَقَدْ نَصَرَّكُمُ
اَللَّهُبِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ ) ثم إنه سبحانه قال: (فَلْيُقَتِلْ فِى سَبِيلِ اللَّهِالَّذِينَ
يَشْرُونَ الْحَيَوَةَ الدُّنْيَا بِالْآَخِرَةَ وَمَن يُقَتِلْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبٌ
فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرَا عَظِيمًا * وَمَا لَكُمْ لَا تُقَتِلُونَ فِى سَبِيلِ اللّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ
وَالنِّسَآءِ وَالْوِلْدَنِ) إلى قوله (أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِكِكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُمْ فِ بُرُوجِ مُشَّيِّدَةٍ وَإِن
تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُواْ هَذِهِ مِنْ عِندِ اللّهِ وَ إِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُواْ هَذِهِ، مِنْ عِندِكَ) فهذا من
كلام الكفار والمنافقين، إذا أصابهم نصر وغيره من النعم
قالوا هذا من عند الله ، وإن أصابهم ذل وخوف وغير ذلك من المصائب قالوا:
١١٢

هذا من عند محمد بسبب الدين الذي جاء به، فإن الكفار يضفون ما أصابهم
من المصائب إلى فعل أهل الإيمان .
وقد ذكر نظير ذلك فى قصة موسى وفرعون، قال تعالى: ( وَلَقَدْ أَ خَذْنَاءَالَ
فِرْعَوْنَ بِاَلْسِنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ * فَإِذَا جَآءَ تْهُمُ الْحَسَنَةُ
قَالُواْلَنَاهَذِهِ، وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيِّرُ واْبِمُوسَى وَمَن مَّعَهُوَأَلَا إِنَّمَا طَِّرُهُمْ عِندَ اللَّهِ).
ونظيره قوله تعالى. في سورة بس (قَالُواْرَبُنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ * وَمَا عَلَيْنَآ
إِلَّا الْبَغُ الْمُبِينُ * قَالُوا إِنَّاتَطَرْنَا بِكُمْلَيِن لَّْتَنْتَهُوْلَّجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ
أَلِيمٌ ) فأخبر الله تعالى أن الكفار كانوا يتطيرون بالمؤمنين فإذا أصابهم بلاء
جعلوه بسبب أهل الإيمان، وما أصابهم من الخير جعلوه لهم من الله عز وجل
فقال تعالى ( فَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِلَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا ) واللّه تعالى نزل أحسن
الحديث، فلو فهموا القرآن لعلموا أن الله أمرم بالمعروف ونهام عن المنكر،
أمر بالخير ونهى عن الشر، فليس فيما بعث الله به رسله ما يكون سباً للشر،
بل الشر حصل بذنوب العباد، فقال تعالى ( مَآ أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ) أي
ما أصابك من نصر ورزق وعافية فمن الله نعمة أنعم بها عليك، وإن كانت بسبب
أعمالك الصالحة، فهو الذي هداك وأعانك ويسرك لليسرى، ومن عليك بالإيمان
وزينه فى قلبك وكره إليك الكفر والفسوق والعصيان .
وفى آخر الحديث الصحيح الإلهي حديث أبي ذر عن النبى صلى الله عليه
وسلم فيما يروي عن ربه تبارك وتعالى ((يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم
١١٣

ثم أوفيكم إياها فمن وجد خيراً فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا
نفسه)) وفى الحديث الصحيح (( سيد الاستغفار أن يقول العبد: اللهم أنت ربى
لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت ، أعوذ
بك من شر ماصنعت ، أبوء لك بنعمتك علي، وأبوء بذنى، فاغفر لي إنه لا يغفر
الذنوب إلا أنت. من قالها إذا أصبح موقناً بها فمات من يومه ذلك دخل
الجنة ، ومن قالها إذا أمسى موقنا بهافمات من ليلته دخل الجنة)).
ثم قال تعالى (وَمَآ أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ ) من ذل وخوف وهزيمة كما أصابهم
يوم أحد ( فَينِ نَّفْسِكَ ) أي بذنوبك وخطاياك، وإن كان ذلك مكتوبا مقدراً
عليك، فإن القدر ليس حجة لأحد ، لا على الله ولا على خلقه، ولو جاز لأحد
أن يحتج بالقدر على مايفعله من السيئات لم يعاقب ظالم، ولم يقاتل مشرك، ولم
يقم حد، ولم يكف أحد عن ظلم أحد، وهذا من الفساد فى الدين والدنيا المعلوم
ضرورة فساده العالم بصريح المعقول ، المطابق لما جاء به الرسول .
فالقدر يؤمن به ولا يحتج به ، فمن لم يؤمن بالقدر ضارع المجوس، ومن
احتج به ضارع المشركين، ومن أقر بالأمر والقدر وطعن فى عدل الله وحكمته
كان شبيها بإبليس ، فإن الله ذكر عنه أنه طعن في حكمته وعارضه برأيه وهواه،
وأنه قال ( ◌ِمَآ أَغْوَيْنَنِى لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِ الْأَرْضِ ).
وقد ذكر طائفة من أهل الكتاب وبعض المصنفين فى المقالات كالشهر ستانى
١١٤

أنه ناظر الملائكة فى ذلك معارضاً لله تعالى في خلقه وأمره ؛ لكن هذه المناظرة
بين إبليس والملائكة التى ذكرها الشهر ستانى فى أول المقالات ونقلها عن بعض
أهل الكتاب ليس لها إسناد يعتمد عليه، ولو وجدناها فى كتب أهل الكتاب لم
يجز أن نصدقها لمجرد ذلك، فإن النبى صلى الله عليه وسلم ثبت عنه فى الصحيح
أنه قال ((إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوم ولا تكذبوم، فإما أن يحدثوكم
يحق فتكذبونه وإما أن يحدثوكم بباطل فتصدقونه)).
ويشبه - والله أعلم - أن تكون تلك المناظرة من وضع بعض المكذبين
بالقدر إما من أهل الكتاب وإما من المسلمين . والشهرستانى نقلها من كتب
المقالات، والمصنفون في المقالات ينقلون كثيراً من المقالات من كتب المعتزلة كما
نقل الأشعري وغيره مانقله فى المقالات من كتب المعتزلة ، فإنهم من أكثر
الطوائف وأولها تصنيفاً فى هذا الباب ، ولهذا توجد المقالات منقولة بعباراتهم
فوضعوا هذه المناظرة على لسان إبليس، كما رأينا كثيراً منهم يضع كتابا أو قصيدة
على لسان بعض اليهود أو غيرهم ، ومقصود بذلك الرد على المثبتين للقدر ،
يقولون إن حجة الله على خلقه لاتتم إلا بالتكذيب بالقدر؛ كما وضعوا في مثالب
ابن كلاب أنه كان نصرانيا، لأنه أثبت الصفات، وعنده من أثبت الصفات فقد أشبه النصارى
وتتلقى أمثال هذه الحكايات بالقبول من المنتسبين إلى السنة ممن لم يعرف حقيقة أمرها .
والمقصود هنا أن الآية الكريمة حجة على هؤلاء، وهؤلاء: حجة على من
يحتج بالقدر فإن الله تعالى أخبر أنه عذبهم بذنوبهم، فلو كانت حجتهم مقبولة
١١٥

لم يعذبهم بذنوبهم، وحجة على من كذب بالقدر ، فإنه سبحانه أخبر أن الحسنة
من الله وأن السيئة من نفس العبد، والقدرية متفقون على أن العبد هو المحدث
للمعصية كما هو المحدث للطاعة، والله عنده ما أحدث لا هذا ولا هذا؛
بل أمر بهذا ونهى عن هذا.
وليس عندهم لله نعمة أنعمها على عباده المؤمنين فى الدين إلا وقد أنعم
بمثلها على الكفار، فعندم أن علي بن أبى طالب رضى الله عنه وأبا لهب مستويان
فى نعمة الله الدينية، إذ كل منهما أرسل إليه الرسول وأقدر على الفعل وأزيحت
علته، لكن هذا فعل الإيمان بنفسه من غير أن يخصه بنعمة آمن بها ، وهذا فعل
الكفر بنفسه من غير أن يفضل الله عليه ذلك المؤمن ولاخصه بنعمة آمن لأجلها
وعندهم أن الله حبب الإيمان إلى الكفار كأبي لهب وأمثاله، كما حببه إلى المؤمنين
كعلي رضي الله عنه وأمثاله، وزينه فى قلوب الطائفتين ، وكره الكفر والفسوق
والعصيان إلى الطائفتين سواء ، لكن هؤلاء كرهوا ماكرهه الله إليهم بغير نعمة
خصهم بها وهؤلاء لميكرهوا ماكرهه الله إليهم.
ومن توم عنهم أو من نقل عنهم أن الطاعة من الله والمعصية من العبد فهو
جاهل بمذهبهم؛ فإن هذا لم يقله أحد من علماء القدرية ولا يمكن أن يقوله، فإن
أصل قولهم إن فعل العبد للطاعة كفعله للمعصية، كلاهما فعله بقدرة تحصل له
من غير أن يخصه الله بإرادة خلقها فيه ، ولا قوة جعلها فيه تختص بأحدهما، فإذا
احتجوا بهذه الآية على مذهبهم كانوا جاهلين بمذهبهم وكانت الآية حجة عليهم
١١٦

لا لهم؛ لأنه تعالى قال: (قُلْ كُلُّ مِنْ عِندِ اللَّهِ ) وعندم ليس الحسنات المفعولة
ولا السيئات المفعولة من عند الله بل كلاهما من العبد، وقوله تعالى (مَآ أَصَابَكَ
مِنْ حَسَنَةٍفَنَ اللَّهِوَمَآ أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَينِ نَّفْسِكَ )
مخالف لقولهم ، فإن عندهم
الحسنة المفعولة والسيئة المفعولة من العبد لا من الله سبحانه .
وكذلك من احتج من مثبتة القدر بالآية على إثباته إذا احتج بقوله تعالى
)
قُلْكُلٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ) كان مخطئا: فإن اللّه ذكر هذه الآية رداً على من يقول
الحسنة من الله والسيئة من العبد، ولم يقل أحد من طوائف الناس؛ ان الحسنة
المفعولة من الله والسيئة المفعولة من العبد .
وأيضاً فإن نفس فعل العبد وإن قال أهل الإثبات: أن الله خلقه، وهو مخلوق
له ومفعول له ؛ فإنهم لا ينكرون أن العبد هو المتحرك بالأفعال، وبه قامت ،
ومنه نشأت ، وإن كان الله خلقها .
وأيضا فإن قوله بعد هذا ( مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَنَ اللّهِوَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَين
يمتنع أن يفسر بالطاعة والمعصية؛ فإن أهل الإثبات لا يقولون:
نَّفْسِكَ )
إن الله خالق إحداهما دون الأخرى ؛ بل يقولون إن الله خالق لجميع الأفعال
وكل الحوادث.
وما ينبغي أن يعلم أن مذهب سلف الأمة - مع قولهم: الله خالق كل
١١٧

شيء وربه ومليكه، وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن ، وأنه على كل شيء قدير
وأنه هو الذي خلق العبد هلوعا، إذا مسه الشر جزوعا ، وإذا مسه الخير منوعا
ونحو ذلك - إن العبد فاعل حقيقة وله مشيئة وقدرة، قال تعالى: (لِمَنْ شَآءَ
مِنكُمْ أَنْ يَسْتَقِيَمَ * وَمَا تَشَآءُونَ إِلَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَلَمِينَ) وقال تعالى (إِنَّ
هَذِهِ، تَذْكِرَةٌ فَمَن شَآءَ أَتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً * وَمَا تَشَآءُ ونَ إِلَّا أَنْ يَشَآءَ الَّهُ) وقال
تعالى : ( كَلَّ إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ * فَمَن شَآءَ ذَكَرَهُ, * وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّ أَن يَشَاءَ اللَّهُ هُوَ أَهْلُ
النَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ ).
وهذا الموضع اضطرب فيه الخائضون فى القدر ، فقالت المعتزلة ومحوم
من النفاة: الكفر والفسوق والعصيان أفعال قبيحة، والله منزه عن فعل القبيح
باتفاق المسلمین فلا تكون فعلا له .
وقال من رد عليهم من المائلين إلى الجبر بل هي فعله وليست أفعالا للعباد
بل هي كسب للعبد : وقالوا : إن قدرة العبد لا تأثير لها فى حدوث مقدورها
ولا فى صفة من صفاتها، وإن اللّه أجرى العادة يخلق مقدورها مقارنا لها،
فيكون الفعل خلقا من الله إبداعا وإحداثاً ، وكسبا من العبد لوقوعه مقارناً
لقدرته ، وقالوا : إن العبد ليس محدثاً لأفعاله ولا موجداً لها، ومع هذا فقد
يقولون : إنا لا نقول بالجبر المحض ، بل ثبت للعبد قدرة حادثة والجبري المحض
الذي لا يثبت للعبد قدرة .
١١٨

وأخذوا يفرقون بين الكسب الذي أثبتوه وبين الخلق ، فقالوا: الكسب
عبارة عن اقتران المقدور بالقدرة الحادثة ، والخلق هو المقدور بالقدرة القديمة ،
وقالو : أيضا الكسب هو الفعل القائم بمحل القدرة عليه والخلق هو الفعل الخارج
عن محل القدرة عليه .
فقال لهم الناس : هذا لا يوجب فرقا بين كون العبدكسب وبين كونه
فعل وأوجد وأحدث وصنع وعمل ونحو ذلك؛ فإن فعله وإحداثه وعمله وصنعه
هو أيضا مقدور بالقدرة الحادثة وهو قائم فى محل القدرة الحادثة .
و (أيضاً ) فهذا فرق لا حقيقة له ، فإن كون المقدور فى محل القدرة أو
خارجاً عن محلها لا يعود إلى نفس تأثير القدرة فيه: وهو مبني على ((أصلين))
إن الله لا يقدر على فعل يقوم بنفسه، وإن خلقه للعالم هو نفس العالم، وأكثر
العقلاء من المسلمين وغيرهم على خلاف ذلك .
و (الثاني) إن قدرة العبد لا يكون مقدورها إلافي محل وجودها ولا يكون
شيء من مقدورها خارجا عن محلها . وفى ذلك نزاع طويل ليس هذا موضعه .
و (أيضاً) فإذا فسر التأثير بمجرد الاقتران فلا فرق بين أن يكون الفارق
في المحل أو خارجا عن المحل.
و ( أيضاً ) قال لهم المنازعون : من المستقر فى فطر الناس أن من فعل
١١٩

العدل فهو عادل، ومن فعل الظلم فهو ظالم، ومن فعل الكذب فهو كاذب ،
فإذا لم يكن العبد فاعلا لكذبه وظلمه وعدله بل اللّه فاعل ذلك لزم أن يكون
هو المتصف بالكذب والظلم، قالوا: وهذا كما قلتم أنتم وسار الصفاتية: من
المستقر فى فطر الناس أن من قام به العلم فهو عالم ، ومن قامت به القدرة فهو
قادر، ومن قامت به الحركة فهو متحرك ومن قام به التكلم فهو متكلم، ومن
قامت به الإرادة فهو مريد ، وقلتم إذا كان الكلام مخلوقا كان كلاما للمحل
الذي خلقه فيه كسائر الصفات ، فهذه القاعدة المطردة فيمن قامت به الصفات
نظيرها أيضا من فعل الأفعال .
وقالوا أيضا: القرآن مملوء يذكر إضافة هذه الأفعال إلى العباد كقوله تعالى:
ـلے
( جَزَاءُ بِمَا كَانُوْ يَعْمَلُونَ) وقوله: (أَعْمَلُواْ مَاشِئْتُمْ) وقوله: (وَقُلِ أَعْمَلُواْ
فَسَيَرَىَ اللَّهُ عَمَلَكُمْ ) وقوله: (إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَِّحَتِ) وأمثال ذلك.
وقالوا ( أيضاً ) إن الشرع والعقل متفقان على أن العبد يحمد ويذم على
فعله ويكون حسنة له أو سيئة ، فلو لم يكن إلا فعل غيره لكان ذلك الغير
هو المحمود المذموم عليها .
وفى ((المسألة)) كلام ليس هذا موضع بسطه لكن ننبه على نكت نافعة فى
هذا الموضع المشكل ، فنقول:
١٢٠