Indexed OCR Text

Pages 61-80

هِى الْعُلْيَا). وقال صلى الله عليه وسلم ((واستحللتم فروجهن
بكلمة الله)) وأما قوله تعالى: ( وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا ) فإنه يعم
النوعين .
وأما ((البعث)) بالمعنى الأول ففي مثل قوله تعالى: ( فَإِذَاجَاءَ وَعْدُ أُولَنْهُمَا
بَعَثْنَ عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّا أَوْلِ بَأْسِ شَدِيدٍ ) والثاني في مثل قوله تعالى: (هُوَالَّذِى
بَعَثَ فِ اَلْأُمَّيِّئِنَ رَسُولًا مِنْهُمْ ) وقوله تعالى: (رَبَّنَا وَأَبْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ )
وقوله تعالى: ( وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِى كُلّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ أَعْبُدُ واْاللَّهَ وَاجْتَنِبُواْ
الطَّاغُوتَ ).
وأما ((الإرسال)) بالمعنى الأول ففى مثل قوله تعالى: (أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَطِينَ
وقوله تعالى: (وَأَرْسَلْنَا الْرِّبَحَ لَوَقِحَ ).
عَلَى الْكَفِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزَا)
وبالمعنى الثاني: فى مثل قوله تعالى ( إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ ) وقوله تعالى:
( إِنَّا أَرْسَلْنَكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا) وقوله تعالى: (وَسْتَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ
مِن ◌ُسُلِنَآ) وقوله تعالى: ( وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن ◌َّسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ ) وقوله
تعالى: (وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِىّ إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّ أَنَاْ فَاعْبُدُونِ )
وقوله تعالى: ( إِنَّا أَرْسَلْنَآ إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَهِدًا عَلَيْكُمْ كَ أَزْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا * فَعَصَى
فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَهُ أَخْذَاوَبِيلًا ).
٦١

سئل رحمه اللّه تعالى
عن أقوام يقولون : المشيئة مشيئة الله فى الماضي والمستقبل. وأقوام
يقولون : المشيئة فى المستقبل لا فى الماضي. ما الصواب؟
فأجاب : الماضي مضى بمشيئة الله، والمستقبل لا يكون إلا أن يشاء الله.
فمن قال فى الماضي: إن الله خلق السموات إن شاء اللّه، وأرسل محمداً فله إن
شاء الله فقد أخطأ. ومن قال: خلق الله السموات بمشيئة الله، وأرسل محمداً ليه
بمشيئته ونحو ذلك فقد أصاب.
ومن قال: إنه يكون فى الوجود شيء بدون مشيئة الله فقد أخطأ. ومن
قال: ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن فقد أصاب، وكل ما تقدم فقد كان بمشيئة
الله قطعاً: فالله خلق السموات بمشيئته قطعاً، وأرسل محمداً له بمشيئته قطعاً.
والإنسان الموجود خلقه الله بمشيئته قطعاً، وإن شاء الله أن يغير المخلوق من
حال إلى حال فهو قادر على ذلك ، فما خلقه فقد كان بمشيئته قطعاً ، وإن شاء الله
أن يغيره غيره بمشيئته قطعاً. والله أعلم.
٦٢

ما تقول السادة أئمة المسلمين
فى جماعة اختلفوا فى قضاء الله وقدره: خيره وشره، منهم من
يرى أن الخير من الله تعالى والشر من النفس خاصة ؟
أفتونا مأجورين.
فأجاب الشيخ - رضي الله عنه:
مذهب أهل السنة والجماعة أن اللّه تعالى خالق كل شيء ، وربه ومليكه
لا رب غيره ولا خالق سواه، ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وهو على كل
شيء قدير ، وبكل شيء عليم، والعبد مأمور بطاعة الله ، وطاعة رسوله، منهي
عن معصية الله ، ومعصية رسوله ؛ فإن أطاع كان ذلك نعمة وإن عصى كان مستحقاً
للذم والعقاب ، وكان لله عليه الحجة البالغة، ولا حجة لأحد على الله تعالى ، وكل
ذلك كائن بقضاء الله وقدره ومشيئته وقدرته؛ لكن يحب الطاعة ويأمر بها،
ويثيب أهلها على فعلها ويكرمهم، ويبغض المعصية وينهي عنها ، ويعاقب
أهلها ويهينهم .
وما يصيب العبد من النعم فالله أنعم بها عليه، وما يصيبه من الشر فبذنوبه
٦٣

ومعاصيه، كما قال تعالى: (وَمَآ أَضَبَكُمْ مِّن مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيَكُمْ)
وقال تعالى: ( مَآ أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَنَ اللَّهِوَمَا أَصَابَكَ مِن سَبِّئَةٍ فَن نَّفْسِكَ ) أي
ما أصابك من خصب ونصر وهدى فالله أنعم به عليك، وما أصابك من حزن
وذل وشر فبذنوبك وخطاياك، وكل الأشياء كائنة بمشيئة الله وقدرته وخلقه ،
فلا بد أن يؤمن العبد بقضاء الله وقدره ، وأن يوقن العبد بشرع
الله وأمره.
فمن نظر إلى الحقيقة القدرية وأعرض عن الأمر والنهى والوعد والوعيد
كان مشابهاً للمشركين، ومن نظر إلى الأمر والنهي ، وكذب بالقضاء والقدر
كان مشابهاً للمجوسيين، ومن آمن بهذا وبهذا، فإذا أحسن حمد الله تعالى،
وإذا أساء استغفر الله تعالى، وعلى أن ذلك بقضاء الله وقدره ، فهو من المؤمنين،
فإن آدم - عليه السلام - لما أذنب تاب فاجتباه ربه وهداه، وإبليس أصر
واحتج فلعنه الله وأقصاه، فمن تاب كان آدمياً ومن أصر واحتج بالقدر
كان إبليسياً ، فالسعداء يتبعون أباه، والأشقياء يتبعون عدوم إبليس.
فنسأل الله أن يهدينا الصراط المستقيم ، صراط الذين أنعم عليهم من
النبيين والصديقين والشهداء والصالحين . آمين يا رب العالمين!
٦٤

سئل شيخ الإسلام
تقى الدين أبو العباس
عن الحديث الذي ورد ((إن الله قبض قبضتين ، فقال: هذه للجنة ولا أبالي
وهذه للنار ولا أبالي) فهل هذا الحديث صحيح؟ والله قبضها بنفسه، أو أمر أحداً
من الملائكة بقبضها؟ والحديث الآخر فى (( أن الله لما خلق آدم أراه ذريته عن
اليمين والشمال ، ثم قال هؤلاء إلى النار ولا أبالي، وهؤلاء إلى الجنة ولا أبالي»
وهذا فى الصحيح ؟.
فأجاب - رضي الله عنه - نعم! هذا المعنى مشهور عن النبي صلى
الله عليه وسلم من وجوه متعددة، مثل مافى موطأ مالك ، وسنن أبي داود
والنسائى، وغيره عن مسلم بن يسار وفى لفظ عن نعيم بن ربيعة ((أن عمر بن
الخطاب سئل عن هذه الآية (وَإِذْأَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِىّءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ) الآية
فقال عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم - وفى لفظ سمعت رسول الله
صلى الله عليه وسلم سئل عنها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله خلق
آدم، ثم مسح ظهره بيمينه فاستخرج منه ذرية، فقال خلقت هؤلاء للجنة ،
وبعمل أهل الجنة يعملون، ثم مسح ظهره فاستخرج منه ذرية ، فقال: خلقت
٦٥

هؤلاء للنار وبعمل أهل النار يعملون، فقال رجل يارسول الله ! ففيم العمل؟
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الله إذا خلق الرجل للجنة استعمله بعمل
أهل الجنة حتى يموت على عمل من أعمال أهل الجنة، فيدخله به الجنة . وإذا
خلق الرجل للنار استعمله بعمل أهل النار حتى يموت على عمل من أعمال أهل النار،
فيدخله به النار )) .
وفى حديث الحكم بن سفيان عن ثابت عن أنس بن مالك قال : قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( إن الله قبض قبضة فقال: إلى الجنة برحمتى
وقبض قبضة فقال : إلى النار ولا أبالي )) وهذا الحديث ونحوه فيه فصلان.
(أحدهما ): القدر السابق ، وهو أن الله سبحانه على أهل الجنة من أهل
النار من قبل أن يعملوا الأعمال ، وهذا حق يجب الإيمان به؛ بل قد نص
الأئمة : كمالك والشافعي وأحمد ، أن من جحد هذا فقد كفر؛ بل يجب
الإيمان أن الله على ما سيكون كله قبل أن يكون، ويجب الإيمان بما أخبر به من
أنه كتب ذلك ، وأخبر به قبل أن يكون، كما فى صحيح مسلم عن عبد الله بن
عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إن اللّه قدر مقادير الخلائق قبل
أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء )» وفى
صحيح البخاري وغيره عن عمران بن حصين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه
قال: (( كان الله ولا شيء غيره وكان عرشه على الماء، وكتب فى الذكر كل
شيء، وخلق السموات والأرض - وفي لفظ - ثم خلق السموات والأرض)).
٦٦

وفى المسند عن العرباض بن سارية عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:
(إنى عند الله مكتوب بخاتم النبيين، وإن آدم لمنجدل فى طينته، وسأنشكم بأول
ذلك، دعوة أبي إبراهيم، وبشرى عيسى، ورؤيا أمي ، رأت حين ولدتني أنه
خرج منها نور أضاءت له قصور الشام )» وفى حديث ميسرة الحر قلت:
يارسول الله! متى كتبت نبياً؟ - وفى لفظ - متى كنت نبياً؟ قال: ((وآدم بين
الروح والجسد)) .
وفى الصحيحين عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: ((حدثنارسول
الله صلى الله عليه وسلم- وهو الصادق المصدوق - إن خلق أحدكم يجمع فى بطن
أمه أربعين يوما نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك.
ثم يبعث إليه الملك فيؤمر بأربع كلمات فيقال: اكتب رزقه وعمله وأجله وشقي
أو سعيد ثم ينفخ فيه الروح - قال : فوالذي نفسي بيده أو قال فوالذي
لا إله غيره - إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا
ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخل النار))(١).
وفى الصحيحين عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: ((كنا مع
رسول الله صلى الله عليه وسلم يبقيع الغرقد في جنازة. فقال: ما منكم أحد إلا
قد كتب مقعده من النار ومقعده من الجنة . فقالوا: يارسول الله ! أفلا نتكل
على الكتاب وندع العمل ؟ قال : اعملوا فكل ميسر لما خلق له ، أما من كان
من أهل السعادة فسييسر لعمل أهل السعادة ، وأما من كان من أهل الشقاوة
(١) الحديث مروى بالمعنى وقد أخرجه البخاري كما في فتح الباري ج ٦ ص ٣٠٣ رقم
٢٢٠٨ (بلفظ مختلف) ورواه مسلم في صحيحه ج ٤ ص ٢٠٣٦ رقم ٢٦٤٣ ( بلفظ مختلف ).
٦٧

فسييسر لعمل أهل الشقاوة، ثم قرأ قوله تعالى: (فَأَمَّامَنْ أَعْطَى وَنَّفَى * وَصَدَّقَ
فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَأَسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى
*
بِالْحُسْنَى
فَسَتْيَسُِّ لِلْعُسْرَى).
*
وفى الصحيح أيضاً (( أنه قيل له: يارسول الله! أعلم أهل الجنة من أهل
النار؟ فقال: نعم ! فقيل له: ففيم العمل ؟ قال : اعملوا فكل ميسر لما خلق له))
فبين النبى صلى الله عليه وسلم أن الله على أهل الجنة من أهل النار، وأنه كتب
ذلك ونهاهم أن يتكلوا على هذا الكتاب، ويدعوا العمل كما يفعله الملحدون.
وقال: كل ميسر لما خلق له، وإن أهل السعادة ميسرون لعمل أهل السعادة، وأهل
الشقاوة ميسرون لعمل أهل الشقاوة ، وهذا من أحسن ما يكون من البيان .
وذلك أن الله سبحانه وتعالى يعلم الأمور على ماهي عليه ، وهو قد جعل
للأشياء أسبابا تكون بها، فيعلم أنها تكون بتلك الأسباب، كما يعلم أن هذا يولد
له بأن يطأ امرأة فيحبلها، فلو قال هذا: إذا على الله أنه يولد لي فلا حاجة إلى
الوطء كان أحمق؛ لأن الله على أن سيكون بما يقدره من الوطء، وكذلك إذا علم
أن هذا ينبت له الزرع بما يسقيه من الماء ويبذره من الحب، فلو قال : إذا علم
أن سيكون فلا حاجة إلى البذر، كان جاهلا ضالا؛ لأن الله على أن سيكون بذلك
وكذلك إذا علم الله أن هذا يشبع بالأ كل، وهذا يروي بالشرب، وهذا يموت
بالقتل، فلا بد من الأسباب التى على الله أن هذه الأمور تكون بها .
٦٨

وكذلك إذا علم أن هذا يكون سعيداً فى الآخرة ، وهذا شقياً فى الآخرة
قلنا: ذلك لأنه يعمل بعمل الأشقياء، فالله على أنه يشقى بهذا العمل، فلو قيل:
هو شقي، وإن لم يعمل كان باطلاً؛ لأن الله لا يدخل النار أحداً إلا بذنبه كما
قال تعالى: (لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ ). فأقسم أنه يملؤها من
إبليس وأتباعه، ومن اتبع إبليس فقد عصى الله تعالى، ولا يعاقب الله العبد
على ما علم أنه يعمله حتى يعمله .
ولهذا لما سئل النبى صلى الله عليه وسلم عن أطفال المشركين. ((قال:
الله أعلم بما كانوا عاملين)) يعني أن الله يعلم مايعملون لو بلغوا. وقدروى
أنهم فى القيامة يبعث إليهم رسول فمن أطاعه دخل الجنة ، ومن عصاه دخل
النار ، فيظهر ما علمه فيهم من الطاعة والمعصية .
وكذلك الجنة خلقها الله لأهل الإيمان به وطاعته، فمن قدر أن يكون منهم
يسره للإيمان والطاعة . فمن قال: أنا أدخل الجنة سواء كنت مؤمناً أو كافراً
إذا علم أنى من أهلها ، كان مفتريا على الله في ذلك ، فإن الله إنما علم أنه يدخلها
بالإيمان، فإذا لم يكن معه إيمان، لم يكن هذا هو الذي على الله أنه يدخل الجنة
بل من لم يكن مؤمناً بل كافراً، فإن الله يعلم أنه من أهل النار، لا من أهل الجنة.
ولهذا أمر الناس بالدعاء والاستعانة بالله وغير ذلك من الأسباب. ومن قال:
أنا لا أدعو ولا أسأل اتكالا على القدر، كان مخطئاً أيضاً ؛ لأن الله جعل الدعاء
٦٩

والسؤال من الأسباب التى ينال بها مغفرته ورحمته وهداه ونصره ورزقه .
وإذا قدر للعبد خيراً يناله بالدعاء لم يحصل بدون الدعاء، وما قدره الله وعلمه
من أحوال العباد وعواقبهم فإنما قدره الله بأسباب يسوق المقادير إلى المواقيت،
فليس فى الدنيا والاخرة شىء إلا بسبب ، والله خالق الأسباب والمسببات.
ولهذا قال بعضهم : الالتفات إلى الأسباب شرك فى التوحيد، ومحو
الأسباب أن تكون أسباباً نقص فى العقل ، والإعراض عن الأسباب بالكلية
قدح فى الشرع. ومجرد الأسباب لا يوجب حصول المسبب ؛ فإن المطر إذا نزل
وبذر الحب لم يكن ذلك [ كافياً ] فى حصول النبات بل لابد من ريح عربية
بإذن الله، ولابد من صرف الانتفاء عنه؛ فلا بد من تمام الشروط ، وزوال
الموانع وكل ذلك بقضاء الله وقدره، وكذلك الولد لا يولد بمجرد إنزال الماء فى
الفرج، بل كم من أنزل ولم يولد له؛ بل لابد من أن الله شاء خلقه فتحبل المرأة
وتربيه فى الرحم ، وسأر مايتم به خلقه من الشروط وزوال الموانع .
وكذلك أمر الآخرة ليس بمجرد العمل ينال الإنسان السعادة، بل هي سبب
ولهذا قال النبى صلى الله عليه وسلم: «إنه لن يدخل أحدكم الجنة بعمله قالوا: ولا
أنت يارسول الله! قال: ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله رحمة منه وفضل)). وقد
قال: ( أَدْخُلُواْالْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) فهذه باء السبب، أي: بسبب أعمالكم.
والذي نفاه النبى صلى الله عليه وسلم باء المقابلة كما يقال: اشتريت هذا بهذا، أي :
ليس العمل عوضاً وثمنا كافيا فى دخول الجنة، بل لا بد من عفو الله
٧٠

وفضله ورحمته فيعفوه يمحو السيئات، وبرحمته يأتى بالخيرات، وبفضله
يضاعف البركات.
وفي هذا الموضع ضل طائفتان من الناس :
((فريق)) آمنوا بالقدر، وظنوا أن ذلك كاف فى حصول المقصود ، فأعرضوا
عن الأسباب الشرعية ، والأعمال الصالحة، وهؤلاء يؤول بهم الأمر إلى أن
یکفروا بکتب الله ورسله، ودينه .
و (فريق) أخذوا يطلبون الجزاء من الله كما يطلبه الأخير من المستأجر،
متكلين على حولهم وقوتهم وعملهم، وكما يطلبه الماليك ، وهؤلاء جهال خلال
فإن الله لم يأمر العباد بما أمرم به حاجة إليه، ولانهاهم عما نهام عنه بخلاله،
ولكن أمرج بما فيه صلاحهم ، ونهام عما فيه فسادهم، وهو سبحانه كما قال:
((ياعبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروبي ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني)) فالملك
إذا أمر ملوكيه بأمر أحرم لحاجته إليهم وم فعلوه بقوتهم التى لم يخلقها لهم ،
فيطالبون بجزاء ذلك، والله تعالى غني عن العالمين، فإن أحسنوا أحسنوا لأنفسهم
وإن أساؤا فلها، لهم ماكسبوا وعليهم ما اكتسبوا، (مَّنْ عَمِلَ صَلِحًا فَلَنَفْسِهِ.
وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَأْ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّمِ لِلْعَبِيدِ ) .
وفى الحديث الصحيح عن الله تعالى أنه قال: «ياعبادي ! إني حرمت
الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا ، ياعبادي ! إنكم تخطئون بالليل
١٨

والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعاً ولا أبالي ، فاستغفروني أغفر لكم، ياعبادي!
كلكم ضال إلا من هديته فاستهدونى أهدكم. ياعبادي! كلكم جائع إلا من أطعمته
فاستطعمونى اطعمكم، ياعبادي! إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني ولن تبلغوا نفعي
فتنفعوني ، ياعبادي ! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أنفى قلب
رجل منكم مازاد ذلك فى ملكي شيئا، ياعبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم
وجنكم كانوا على آفجر قلب رجل منكم مانقص ذلك من ملكي شيئا ، ياعبادي!
لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم اجتمعوا فى صعيد واحد فسألونى فأعطيت
كل إنسان منهم مسألته مانقص ذلك فى ملكي شيئا ، إلا كما ينقص البحر أن
يغمس فيه المخيط غمسة واحدة، يا عبادي! إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم
أوفيكم إياها ، فمن وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن
إلا نفسه )) .
وهو سبحانه مع غناه عن العالمين، خلقهم وأرسل إليهم رسولا يبين لهم
ما يسعدهم وما يشقيهم، ثم إنه هدى عباده المؤمنين لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه
ثمن عليهم بالإيمان والعمل الصالح خلقه بفضله، وإرساله الرسول بفضله،
وهدايته لهم بفضله، وجميع ماينالون به الخيرات من قوام وغير قوام هي بفضله،
فكذلك الثواب والجزاء هو بفضله، وإن كان أوجب ذلك على نفسه، كما حرم على
نفسه الظلم، ووعد بذلك كما قال: (كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ) وقال تعالى:
(وَكَانَ حَقَّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ) فهو واقع لامحالة واجب بحكم إيجابه ووعده
٧٢

لأن الخلق لايوجبون على الله شيئا. أو يحرمون عليه شيئا، بل هم أعجز من ذلك
وأقل من ذلك وكل نعمة منه فضل ، وكل نقمة منه عدل، كما فى الحديث
المتقدم ((إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها فمن وجد خيرا فليحمد
الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه)) .
وفى الحديث الصحيح « سيد الاستغفار أن يقول العبد: اللهم؛ أنت ربي
لا إله إلا أنت ، خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك، ما استطعت أعوذ
بك من شر ماصنعت ، أبوء لك بنعمتك علي، وأبوء بذنى فاغفر لي إنه لا يغفر
الذنوب إلا أنت ، من قالها إذا أصبح موقنا بها فمات من ليلته دخل الجنة)).
فقوله أبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبى ؛ اعتراف بإنعام الرب وذنب العبد، كما
قال بعض السلف: إنى أصبح بين نعمة تنزل من الله علي وبين ذنب يصعد
مني إلى الله، فأريد أن أحدث للنعمة شكراً، وللذنب استغفاراً.
فمن أعرض عن الأمر والنهي والوعد والوعيد ناظراً إلى القدر فقد ضل،
ومن طلب القيام بالأمر والنهي معرضا عن القدر فقد ضل؛ بل المؤمن كما قال
تعالى: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) فنعبده اتباعا للأمر، ونستعينه إيماناً بالقدر
وفى الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((المؤمن القوي
خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفى كل خير احرص على ما ينفعك
واستعن بالله ولا تعجزن، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أتى فعلت لكان كذا
وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل فإن لو تفتح عمل الشيطان)).
٧٣

فأمره التى صلى الله عليه وسلم بشيئين : أن يحرص على ما ينفعه ، وهو
امتثال الأمر، وهو العبادة ، وهو طاعة الله ورسوله، وأن يستعين بالله، وهو
يتضمن الإيمان بالقدر : أنه لا حول ولا قوة إلا بالله، وأنه ما شاء الله كان ،
ومالم يشأ لم يكن.
فمن ظن أنه يطيع الله بلا معونته، كما يزعم القدرية والمجوسية فقد جحد
قدرة الله التامة ومشيئته النافذة، وخلقه لكل شىء. ومن ظن أنه إذا أعين
على ما يريد ، ويسر له ذلك كان محموداً سواء وافق الأمر الشرعي أو خالفه،
فقد جحد دين الله وكذب بكتبه ورسله ووعده ووعيده، واستحق من غضبه
وعقابه أعظم ما يستحقه الأول .
فإن العبد قد يريد ما يرضاه ويحبه ويأمر به ويقرب إليه، وقد يريد
ما يبغضه الله ويكرهه ويسخطه ، وينهى عنه ويعذب صاحبه ، فكل من هذين
قد يسرله ذلك، كما قال النبى صلى الله عليه وسلم: ((كل ميسر لما خلق له أمامن
كان من أهل السعادة فسييسر لعمل أهل السعادة، وأما من كان من أهل الشقاوة
فسيبسر لعمل أهل الشقاوة) وقد قال تعالى: ( مَّنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا
وَمَنْ أَرَادَ
لَهُ رِفِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَن نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَئِهَا مَذْهُومًا مَّدْحُورًا
اُلْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم ◌َشْكُورًا * كُلاَ نُمِدٌ
هَؤُلَاءٍ وَهَكَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَّ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَيِِّكَ مَحْظُورًا) وقال تعالى: ( فَأَمَّا الْإِنسَنُ
٧٤

إِذَا مَا أَبْئَلَنْهُ رَبّهُ فَأَكْرَمَهُ، وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَّتْ أَكْرَمَنِ * وَأَمَّا إِذَا مَاأَبْثَئُهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ.
فَيَقُولُ رَبِ أَهَنَنِ ) .
بين سبحانه أنه ليس كل من ابتلاه فى الدنيا يكون قد أهانه، بل هو يبتلى عبده
بالسراء والضراء، فالمؤمن يكون صباراً شكوراً ، فيكون هذا وهذا خيراً له .
كما فى الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لا يقضى الله للمؤمن
قضاء إلا كان خيراً له، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر،
فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له)). والمنافق هلوع
جزوع، كما قال تعالى: ( إِنَّالْإِنسَنَ خُلِقَ هَلُوعًا * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّجُزُوعًا * وَإِذَامَسَّهُ
اُلْخَيْرُ مَنُوعًا * إِلَّا الْمُصَلِينَ * الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَّتِهِمْ دَآئِمُونَ * وَالَّذِينَ فِيِّ أَمَّوَهِمْ حَقٌ
مَّعْلُومُ * لِلسَّآَيِلِ وَالْمَحْرُومِ - إلى قوله - جَّتٍ مُّكْرَمُونَ).
ولما كان العبد ميسراً لمالا ينفعه بل يضره من معصية الله والبطروالطغيان
وقد يقصد عبادة الله وطاعته والعمل الصالح فلا يتأتى له ذلك، أمر فى كل
صلاة بأن يقول: ( إِيَّكَ نَعْبُهُ وَإِنََّكَ نَسْتَعِينُ) وقد صح عن النبي صلى الله عليه
وسلم أنه قال: «يقول الله عز وجل: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين
نصفها لي، ونصفها لعبدي، ولعبدي ما سأل فإذا قال: (الْعَمْدُ بِّهِرَبِ الْعَلَمِينَ)
قال : حمدني عبدي ؛ فإذا قال: ( الزَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) قال: أثنى على عبدي ، فإذا
قال : (مَلِكِ يَوَمِ الَّذِينِ) قال: مجدنى عبدي، فإذا قال: (إِنََّ نَعْبُدُ وَإِنََّكَ نَسْتَعِينُ)
قال : هذه الآية بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل، فإذا قال: ( أَهْدِنَا الْضِرَاطَ
٧٥

صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمَتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَ الضَّآلِينَ ) قال:
الْمُسْتَقِيمَ *
فهؤلاء لعبدى ولعبدي ما سأل)). وقال بعض السلف، أنزل الله عز وجل مائة
كتاب ، وأربعة كتب جمع علمها فى الكتب الأربعة: التوراة والإنجيل والزبور
والفرقان وجمع الأربعة فى القرآن، وعلم القرآن في المفصل، وعلم المفصل فى
الفاتحة، وعلى الفاتحة في قوله : ( إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِيرٌ).
فكل عمل يعمله العبد ، ولا يكون طاعة لله وعبادة ، وعملا صالحا فهو
باطل، فإن الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ما كان لله وإن نال بذلك العمل
رئاسة ومالا، فغاية المترئس أن يكون كفرعون، وغاية المتمول أن يكون كقارون.
وقد ذكر الله فى سورة القصص من قصة فرعون وقارون ما فيه عبرة لأولي
الألباب ، وكل عمل لا يعين الله العبد عليه فإنه لا يكون ولا ينفع، فما لا يكون
به لا يكون، وما لا يكون له لا ينفع ولا يدوم، فلذلك أمر العبد أن يقول:
(إِيَاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ).
والعبد له في المقدور ((حالان)) حال قبل القدر. و((حال)) بعده ، فعليه
قبل المقدور أن يستعين باللّه ويتوكل عليه ويدعوه، فإذا قدر المقدور بغير فعله
فعليه أن يصبر عليه أو يرضى به ، وإن كان بفعله وهو نعمة حمد الله على ذلك،
وإن كان ذنباً استغفر إليه من ذلك .
وله فى المأمور ((حالان)): حال قبل الفعل وهو العزم على الامتثال
٧٦

والاستعانة بالله على ذلك. وحال بعد الفعل وهو الاستغفار من التقصير وشكر
الله على ما أنعم به من الخير ، وقال تعالى: (فَأَصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌ وَاُسْتَغْفِرُ
◌ِدَئِكَ ) أمره أن يصبر على المصائب المقدرة ويستغفر من الذنب ، وإن كان
استغفار كل عبد بحسبه ، فإن حسنات الأبرار سيئات المقربين ، وقال تعالى:
(وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ) وقال يوسف: ( إِنَّهُ مَن يَتَّقِ
وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ) فذكر الصبر على المصائب والتقوى
بترك المعائب ، وقال النبى صلى الله عليه وسلم: ((احرص على ماينفعك واستعن
بالله ولا تعجزن وإن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت كان كذا وكذا. ولكن
قل: قدر الله وما شاء فعل فإن لو تفتح عمل الشيطان)).
فأمره إذا أصابته المصائب أن ينظر إلى القدر. ولا يتحسر على الماضي .
بل يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه. وإن ما أخطأه لم يكن ليصيبه. فالنظر إلى
القدر عند المصائب . والاستغفار عند المعائب؛ قال تعالى: (مَا أَصَابَ مِن مُصِيبَةٍ
فِ الْأَرْضِ وَلَا فِى أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِىِ كِتَبٍ مِّن قَبْلِ أَنْ نَّبْرَأَهَاْ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى الَهِيَسِيرٌ
لِكَيْلَا تَأْسَوْ عَلَى مَافَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُواْبِمَآءَ اتَنْكُمْ) وقال تعالى: (مَآ أَصَابَ
مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَ مَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ يَهْدِقَلْبَهُ. ) قال علقمة: وغيره هو الرجل
تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويسلم . والله سبحانه وتعالى أعلم.
٧٧

وسل
عن الباري سبحانه : هل يضل ويهدي ؟
فأجاب :
إن كل ما فى الوجود فهو مخلوق له ، خلقه بمشيئه وقدرته، وما شاء
كان وما لم يشأ لم يكن ، وهو الذي يعطى ويمنع، ويخفض ويرفع، ويعزويذل
ويغنى ويفقر ، ويضل ويهدى ، ويسعد ويشقى، ويولى الملك من يشاء وينزعه
ممن يشاء، ويشرح صدر من يشاء للإسلام، ويجعل صدر من يشاء ضيقا
كأنما يصعد فى السماء، وهو يقلب القلوب؛ ما من قلب من قلوب العباد إلا
وهو بين أصبعين من أصابع الرحمن إن شاء أن يقيمه أقامه ، وإن شاء أن يزيغه
أزاغه ، وهو الذي حبب إلى المؤمنين الإيمان وزينه فى قلوبهم وكره إليهم الكفر
والفسوق والعصيان ، أولئك هم الراشدون .
وهو الذي جعل المسلم مسلماً والمصلي مصلياً. قال الخليل: (رَبَّنَاوَأُجْعَلْنَا
مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةً مُسْلِمَةً لَّكَ) وقال: (رَبِّ اجْعَلْنِى مُقِيمَ الصَّلَوْةِ وَمِن
ذُرِّيَّتِى) وقال تعالى: (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَبِعَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُواْ) وقال عن آل
فرعون: (وَجَعَلْنَهُمْ أَسِمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ) وقال تعالى: (إِنَّاُلْإِنْسَنَ خُلِقَ
٧٨

هَلُوَعًا * إِذَامَسَّةُ الشَّرُّجُزُوعًا * وَإِذَامَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا ) وقال: ( وَأَصْنَعِ اَلْفُلْكَ
بِأَعْيُذِنَا وَوَحْيِنَا) وقال: ( وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ ) .
والفلك مصنوعة لبني آدم وقد أخبر الله تبارك وتعالى أنه خلقها بقوله :
(وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِّنِمِثْلِهِ، مَاتَّكَبُونَ ) وقال: (وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ يُوتِكُمْ سَكَنَا
وَجَعَلَ لَكُمِّنْ جُلُودِ آلْأَنْعَمِّ بُيُوتًّا تَسْتَخِفُونَهَا يَوْمَ طَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا
وَأَوْبَارِهَا ) الآيات . وهذه كلها مصنوعة لبني آدم .
وقال تعالى: ( أَتَعْبُدُونَ مَانَتْحِنُونَ * وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ ) فما بمعنى
((الذي)) ومن جعلها مصدرية فقدغلط، لكن إذا خلق المنحوت كما خلق المصنوع
والملبوس ، والمبني دل على أنه خالق كل صانع وصنعته، وقال تعالى: (مَنيَهْدِ
اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِّ وَمَن يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيَّا قُرْشِدًا) وقال ( فَمَن يُرِدِ اللَّهُ
أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَعْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَمِ وَمَن يُرِدُ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا)
وهو سبحانه خالق كل شيء وربه ومليكه ، وله فيما خلقه حكمة بالغة ، ونعمة
سابغة، ورحمة عامة وخاصة ، وهو لا يسأل عما يفعل وهم يسألون ، لا لمجرد
قدرته وقهره، بل لکال علمه وقدرته ورحمته وحكمته .
فإنه سبحانه وتعالى أحكم الحاكمين، وأرحم الراحمين، وهو أرحم بعباده
من الوالدة بولدها، وقد أحسن كل شيء خلقه. وقال تعالى: ( وَتَرَى الْجِبَالَ
٧٩

تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِىَ تَهُرُّهَنَّالسَّحَابِّ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِىَ أَنْقَنَ كُلَّ شَىْءٍ ) وقد خلق الأشياء
بأسباب، كما قال تعالى: (وَمَآ أَنزَلَ اللهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَآءٍ فَأَحْيَابِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ
مَوْتِهَا ) وقال: ( فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَآءَ فَأَخْرَجْنَابِهِ، مِن كُلِّ الثَّمَرَتِ ) وقال تعالى:
(يَهْدِى بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ( سُبُلَ السَّلَمِ).
٨٠