Indexed OCR Text

Pages 41-60

ولم يذكر الإنس والجن عموماً. ولم تذكر الملائكة، مع أن الطاعة والعبادة
وقعت من الملائكة دون كثير من الإنس والجن .
و (أيضاً ) فإن سياق الآية يقتضى أن هذا ذم وتوبيخ لمن لم يعبد الله منهم
لأن الله خلقه لشىء فلم يفعل ما خلق له، ولهذا عقبها بقوله: (مَآ أُرِيدُمِنْهُم
مِّن رِزْقٍ وَمَآ أُرِدُ أَن يُطْعِمُونِ ) فإثبات العبادة ونفى هذا يبين أنه خلقهم للعبادة،
ولم يرد منهم ما يريده السادة من عبيدهم من الإعانة لهم بالرزق والإطعام؛ ولهذا
قال بعد ذلك: ( فَإِنَّ ◌ِلَّذِينَ ظَمُو أْذَنُوبًا ) أي نصيباً ( مِثْلَ ذَنُوبٍ أَصْخَيْهِمْ)
أي المتقدمين من الكفار . أي نصيباً من العذاب وهذا وعيد لمن لم يعبده من
الإنس والجن؛ فذكر هذا الوعيد عقيب هذه الآية من أولها إلى آخرها
يتضمن وعيد من لم يعبده .
وذكر عقابه لهم فى الدنيا والآخرة فقال تعالى فى أولها: (وَالنَّارِيَتِ ذَرْوًا
ثم ذكر قوله: (إِنَّكُنْ
٨
- إلى قوله - إِنََّ تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ * وَإِنَّالِدِينَ لَوَفِعٌ)
لَفِى قَوْلٍ تُخْتَلِفِ * يُؤْفَُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ ) ثم ذكر وعيد الآخرة بقوله: (قُئِلَ
اُلْخَّصُونَ * الَّذِينَهُمْ فِ غَمْرَةِسَاهُونَ * يَسْتَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الَّذِينِ * يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ
يُقْنَنُونَ ) ثم ذكر وعده للمؤمنين فقال: (إِنَّالْمُتَّقِينَ فِى جَنَّتٍ وَعُيُونٍ - إلى قوله -
وَفِ اُلْأَرْضِءَايَتٌ لِلْمُوقِنِينَ * وَفِ أَنْفُسِكُمْ أَفَلَ ◌ُبْصِرُونَ * وَفِ السَّمَاءِ رِزْقُّكُمْ وَمَاتُوعَدُونَ *
فَوَرَبِّ السَّمَاءِوَالْأَرْضِ إِنَُّ لَحَقٌ فِثْلَ مَا أَنَّكُمْ نَنطِقُونَ ) ثم ذكر قصص من آمن فنفعه
إيمانه ، ومن كفر فعذبه بكفره. فذكر قصة إبراهيم ولوط وقومه وعذابهم .
٤١

ثم قال: (وَرَّكْتَ فِيهَاَءَايَّةٌ لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ * وَفِى مُوسَى إِذْأَرْ سَلْنَهُ إِلَى
أي فى قصة موسى آية أيضاً : هذا قول الأكثرين،
فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ تُبِينٍ )
ومنهم من لم يذكر غيره كأبى الفرج، وقيل: هو عطف على قوله: (وَفِ
اُلْأَرْضِءَايَتُ لِّلْمُوقِنِينَ ) (وَفِ مُوسَى) وهو ضعيف ؛ لأن قصة فرعون وعاد هي
من جنس قوم لوط، فيها ذكر الأنبياء ومن اتبعهم ومن خالفهم، يدل بها على
إثبات النبوة، وعاقبة المطيعين والعصاة.
وأما قوله: (وَفِ الْأَرْضِ ) (وَبِ أَنفُسِكُمْ ) فتلك آيات على الصانع جل
جلاله ، وقد تقدمت ؛ ولأنه لا يفصل بين المعطوف والمعطوف عليه بمثل هذا
الكلام الكثير، مع أن قبله لا يصلح العطف عليه، وهو قوله: (وَتَرَّكْتَافِيهَا
ءَايَّةً لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ ) ثم قال: (وَفِعَادٍ)، (وَفِ ثَمُودَ). ثم
ذكر أنه بنى السماء بأيد، وفرش الأرض، وخلق من كل شيء زوجين لعلكم
تذكرون ، فلما بين الآيات الدالة على ما يجب من الإيمان وعبادته أمر بذلك،
فقال: ( فَفِرُّواْ إِلَى الَّهِ إِلَكُمْمِنْهُ نَذِيْرٌمُّبِينٌ وَلَا تَجْعَلُواْ مَعَ اللَّهِ إِلَهَاءَاخَرَ)
الآية. ثم بين أن هؤلاء المكذبين من جنس من قبلهم ليتأسى الرسول والمؤمنون
ويصبروا على ماينالهم من أذى الكفار، فقال ( كَذَلِكَ مَآ أَى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم
مِّن رَّسُولٍ إِلَّا قَالُواْسَلِ أَوْبَحْنُونَ * أَتَوَصَوْبِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَائُونَ) .
فهذا كله يتضمن أمر الإنس والجن بعبادته وطاعته وطاعة رسله،
واستحقاق من يفعل العقوبة فى الدنيا والآخرة. فإذا قال بعد ذلك: (وَمَا خَلَقْتُ
٤٢

کان
الْجِنَ وَاُلْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ)
هذا مناسباً لما تقدم مؤلفاً معه: أي هؤلاء الذين أمر تهم، إنما خلقتهم لعبادتى
ما أريد منهم غير ذلك، لا رزقاً ولا طعاماً .
فإذا قيل : لم يرد بذلك إلا المؤمنين، كان هذا مناقضاً لما تقدم يعني فى
السورة وصار هذا كالعذر لمن لا يعبده ممن ذمه الله ووبخه ، وغايته يقول: أنت
لم يخلقي لعبادتك وطاعتك، ولو خلقتني لها لكنت عابداً، وإنما خلقت هؤلاء
فقط لعبادتك ، وأنا خلقتنى لأ كفر بك وأشرك بك، وأ كذب رسلك، وأعبد
الشيطان وأطيعه، وقد فعلت ما خلقتني له كما فعل أولئك المؤمنون ما خلقتهم
له ، فلا ذنب لي ولا أستحق العقوبة ؛ فهذا وأمثاله مما يلزم أصحاب هذا القول
وكلام الله منزه عن هذا، وهم إنما قالوا هذا؛ لأن الله تعالى فعال لما يريد، قالوا
فلو كان أراد منهم أن يطيعوه لجعلهم مطيعين ، كما جعل المؤمنين.
والقدرية يقولون: لم يرد من هؤلاء ولا هؤلاء إلا الطاعة؛ لكن هو لم يجعل
لاهؤلاء ولا هؤلاء مطيعين؛ بل الإرادة بمعنى الأمر يأمربها الطائفتين، فهؤلاء عبدوه
بأن أحدثوا إرادتهم وطاعتهم وهؤلاء عصوه بأن أحدثوا إرادتهم ، ومعصيتهم.
وأولئك علموا فسادقول القدرية من جهة أن الله خالق كل شيء وربه
ومليكه، وما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، فلا يكون في ملكه إلا ما شاءه ،
ولا يكون فى ملكه شىء إلا بقدرته وخلقه ومشيئته ، كما دل على ذلك السمع
٤٣

والعقل، وهذا مذهب الصحابة قاطبة ، وأئمة المسلمين وجمهورهم، وهو مذهب
أهل السنة ؛ فلأجل هذا عدل أولئك فى تفسير الآية إلى الخصوص ، فإنهم لم
يمكنهم الجمع بين الإيمان بالقدر وبين أن يكون خلقهم لعبادته ، فلم تقع منهم
العبادة له، وقالوا : من ذرأه لجهنم لم يخلقه لعبادته، فمن قال خلق الخلق ليعبده
المؤمنون منهم سلك هذا المسلك .
وأما ((نفاة الحكمة)): كالأشعري وأتباعه كالقاضي أبى بكر وأبى يعلى
وغيرهم، فهؤلاء أصلهم أن الله لا يخلق شيئا لشىء، فلم يخلق أحداً لا لعبادة
ولا لغيرها، وعندم ليس فى القرآن لام كي، لكن قد يقولون فى القرآن لام
العاقبة ، كقوله: (فَالْنَقَطَهُ: ءَالْ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا) وكذلك يقولون
فى قوله: (وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًامِنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ ) يعنون كان عاقبة هؤلاء
جهنم، وعاقبة المؤمنين العبادة من غير أن يكون الخالق قصد أن يخلقهم لا لهذا
ولا لهذا، ولكن أراد خلق كل ما خلقه، لا لشيء آخر فهذا قولهم، وهو
ضعيف لوجوه :
(أحدها ) أن لام العاقبة التى لم يقصد فيها الفعل لأجل العاقبة إنما تكون
من جاهل أو عاجز، فالجاهل كقوله: (فَالْنَقَطَهُ: ءَالْ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا
وَحَزَكًا) لم يعلم فرعون بهذه العاقبة ، والعاجز كقولهم: لدوا للموت، وابنوا
للخراب . فإنهم يعلمون هذه العاقبة؛ لكنهم عاجزون عن دفعها ، والله تعالى عليم
قدير ، فلا يقال : إن فعله كفعل الجاهل العاجز .
٤٤

(الثاني) : أن الله أراد هذه الغاية بالاتفاق. فالعبادة التى خلق الخلق لأجلها
هي مرادة له بالاتفاق، وم يسلمون أن الله أرادها، وحيث تكون اللام العاقبة
لا يكون الفاعل أراد العاقبة ، وهؤلاء يقولون خلقهم وأراد أفعالهم، وأراد
عقابهم عليها فكلما وقع فهو مراد له؛ ولكنه عندم لا يفعل مراداً لمراد أصلا
لأن الفعل للعلة يستلزم الحاجة، وهذا ضعيف بين الضعف ، وأهل الخصوص
قالوا : مثل هذا الجواب .
وطائفة أخرى قالوا : هي على العموم لكن المراد بالعبادة تعبيده لهم، وقهره
لهم، ونفوذ قدرته ومشيئته فيهم ، وأنه أصارم إلى ما خلقهم له، من السعادة
والشقاوة ، هذا جواب زيد بن أسلم وطائفة ، وهذا القول الثاني فى تفسير الآية.
وروى ابن أبى حاتم عن ابن جريج، عن زيد بن أسلم فى قوله :
( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ) قال جبلهم على الشقاوة والسعادة
وقال وهب بن منبه: جبلهم على الطاعة، وجبلهم على المعصية، وهذا يشبه قول
من قال فى تفسير قول النبى صلى الله عليه وسلم: ((كل مولود يولد على الفطرة))
أي على ما كتب له من سعادة وشقاوة، كما قال ذلك طائفة منهم : ابن المبارك
وأحمد بن حنبل فى إحدى الروايتين عنه، وقد قيل لمالك: أهل القدر يحتجون
علينا بهذا الحديث، فقال احتجوا عليهم بآخره، وهو قوله. («الله أعلم بما كانوا
عاملين)). وهذا الجواب يصلح أن يجاب به من أنكر العلم كما كان على ذلك
طائفة من القدماء وهم المعروفون بالقدرية فى لغة مالك.
٤٥

إلى أن قال: ومن فسر هذه الآية بأن المراد : (يعبدون) هو ما جبلهم
عليه، وما قدره عليهم من السعادة والشقاوة وأن ذلك هو معنى الحديث ، فإن
هؤلاء جعلوا معنى يعبدون بمعنى يستسلمون لمشيئتى وقدرتى، فيكونون مُعَبَّدين
مذلين كي يجرى عليهم حكمي ومشيئتى لا يخرجون عن قضائى وقدري، فهذا
معنى صحيح فى نفسه، وإن كانت القدرية تنكره . فبإنكارهم لذلك صاروا من
أهل البدع ، بل الله خالق كل شيء وما شاء كان وما لم يشأ لم يكن وفى استعاذة
النبى صلى الله عليه وسلم ((أعوذ بكلمات الله التامة التى لا يجاوزها برولا فاجر من
شر ماذرأوبراً وأعوذ بكلمات الله التامة من غضبه وعقابه وشر عباده)).
فكلماته التامة هى التى كون بها الأشياء كما قال تعالى. (إِنَّمَآ أَمْرُهُ، إِذآ
أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ,كُنْ فَيَكُونُ ) لا يجاوزها بر ولا فاجر ولا يخرج أحد
عن القدر المقدور ولا يتجاوز ما خط له فى اللوح المسطور وهذا المعنى قد
دل عليه القرآن فى غير موضع كقوله: (وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ) الآية وقوله: (مَّا كَانُواْ
لِيُؤْمِنُواْ إِلَّ أَن يَشَآءَاللّهُ ) . (أَلَمْتَعْلَمْ أَنَّ الَّهَيَعْلَمُ مَا فِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ
فِي كِتَبِ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ) وقوله فى السحر: (وَمَاهُمْ بِضَآرِّينَ بِهِ، مِنْ أَحَدٍ إِلَّا
بِإِذْنِ اللَّهِ) (فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُلِلْإِسْلَمِّ وَمَن يُرِدُ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ
صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا ) ونحو ذلك.
) لم يرد به هذا
ولكن قوله. ( وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ
المعنى الذي ذهبوا إليه وحاموا حوله - من أنالمخلوقات كلها محت مشيئتهوقهره
٤٦

وحكمه. فالمخلوقات كلها داخلة فى هذا لا يشذ منها شىء عن هذا. وقد قال
تعالى: (أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَبَنِيّءَادَمَ أَنْ لَّا تَعْبُدُ واْلشَّيْطَنَّ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّمُّبِينٌ * وَأَنِ
أُعْبُدُونِى) الآية. وقوله: ( وَأَعْبُدُواْاللّهَ وَلَا تُشْرِكُواْبِهِ، شَيْئًا) ( وَالَّذِينَ أَجْتَنَبُواْ
الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَبُوَ إِلَى اللَّهِ) (وَالَّذِينَ أَّخَذُواْ مِنْ دُونِ، أَوْلِيَآءَ مَا نَعْبُدُهُمْ
إِلَّا لِيُقَرُِّونَآ إِلَى اللَّهِ زُلْفَ) وقال: (وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ
وَلَا يَنَفَعُهُمْ ) .
فهذا ونحوه كثير في القرآن. لم يرد بعبادة الله إلا العبادة التي أمرت بها
الرسل ، وهي عبادته وحده لا شريك له، والمشركون لا يعبدون الله ، بل
يعبدون الشيطان وما يدعونه من دون الله . سواء عبدوا الملائكة أو الأنبياء
والصالحين، أو التماثيل والأصنام المصنوعة ؛ فهؤلاء المشركون قد عبدوا غير
الله تعالى ، كما أخبر الله بذلك. فكيف يقال: إن جميع الإنس والجن عبدوا
الله؟ لكون قدر الله جارياً عليهم، والفرق ظاهر بين عبادتهم إياه التى تحصل
بإرادتهم واختيارهم وإخلاصهم الدين له وطاعة رسوله، وبين أن يعبدهم هو
وينفذ فيهم مشيئته، وتكون عبادتهم لغيره: للشيطان والأصنام، من المقدور.
وهذا يشبه قول من يقول من المتأخرين : أنا كافر برب بعصى، فيجعل
كلما يقع طاعة، كما جعله هؤلاء عبادة لله تعالى، لكونهم تحت المشيئة، وكان
بعض شيوخهم يقول عن إبليس : إن كان عصى الأمر ، فقد أطاع المشيئة ،
لكن هؤلاء مباحية، يسقطون الأمر.
٤٧

وأما زيد بن أسلم، ووهب بن منبه، ونحوم، فحاشام من مثل هذا؛
فإنهم كانوا من أعظم الناس تعظيماً للأمر والنهي، والوعد والوعيد، ولكن
قصدوا الرد على المكذبين بالقدر . القائلين: بأنه يشاء ما لا يكون، ويكون
ما لا يشاء. وهؤلاء حقيقة قولهم : إنه لا يقدر على تعبيدم، وتصريفهم
تحت مشيئته ، فأرادوا إبطال قول هؤلاء، ونعم ما أرادوا ! لكن الكلام
فيما أُريد بالآية .
١
وقول أولئك الإباحية يشبه قول من قال: إن العارف إذا شهد المشيئة
سقط عنه الملام، وإنه إذا شهد الحكم - يعني المشيئة - لم يستحسن ولم
يستقبح سببه، ويحو هذا من أقوال هؤلاء الذين تشبه أقوالهم أقوال المشركين
الذين قالوا : (لَوْشَآءَ اللَّهُ مَآ أَشْرَكْنَا وَلَآ ءَابَآؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِن شَىْءٍ) كما قد بسط
الكلام عليه ، وبين أن إثبات القدر السابق حق ، لكن ذلك هو الذي يصير
العبد إليه، ليس هو الذي فطر عليه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((كل
مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، كما تنتج البهيمة
بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء)). فقد بين النبى صلى الله عليه وسلم
يمثل ضربه أن البهيمة تولد سليمة ثم تجدع ، والجدع كان مقدراً عليها، كذلك
العبد يولد على الفطرة سليماً ، ثم يفسد بالتهود والتنصير ، وذلك كان
مكتوباً أن يكون.
وصاحب هذا القول إنما قاله ليبين ما خلقوا له، وقد قصد هذا طائفة
٤٨

فسروا العبادة بأمر واقع عام، وليست هي العبادة المأمور بها على ألسن
الرسل ، ففي تفسير ابن أبي طلحة المضاف إلى ابن عباس: إلا ليقروا بالعبودية
طوعاً وكرهاً، وهذه العبودية كقوله: ( وَلَهُ: أَسْلَمَ مَن فِى السَّمَوَتِ وَاْلْأَرْضِ
طَوَّعًا وَكَرْهًا ) وقوله: ( وَلِِّيَسْجُ مَنْ فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهَا )
وفسرت طائفة ((الكره )) بأنه جريان حكم القدر ، فيكون كالقول قبله،
والصحيح أنه انقيادهم لحكمه القدري بغير اختيارهم. كاستسلامهم عند المصائب
وانقيادهم لما يكرهون من أحكامه الشرعية، فكل أحد لابد له من
انقياده لحكمه القدري والشرعي ، فهذا معنى صحيح. قد بسط فى غير هذا
الموضع، لكن ليس هو العبادة.
وكذلك قال بعضهم: إلا ليخضعوا لي ويتذللوا، قالوا: ومعنى العبادة في
اللغة - التذلل والانقياد ، وكل مخلوق من الجن والإنس خاضع لقضاء الله
تعالى ، متذلل لمشيئته. لا يملك أحد لنفسه خروجاً عما خلق.
وقد ذكر أبو الفرج قول ابن عباس هذا . قال: وبيان هذا قوله: (وَلَين
سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّاللَّهُ ) وهذه الآية توافق من قال: إلا ليعرفون؛ كما
سيأتى. وهؤلاء الذين أقروا بأن الله خالقهم لم بقروا بذلك كرهاً، بخلاف
إسلامهم وخضوعهم له فإنه يكون كرهاً ، وأما نفس الإقرار فهو فطري فطروا
عليه، وبذلوه طوعاً .
٤٩

وقيل «قول رابع)»: روى ابن أبى حاتم عن زائدة عن السدي: (وَمَا
خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلََّ لِيَعْبُدُونِ ) قال: خلقهم للعبادة، فمن العبادة عبادة تنفع
ومن العبادة عبادة لا تنفع (وَلَيْنِ سَأَلْتَّهُمْ مَّنْ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ
اللَّهُ) هذا منهم عبادة وليس ينفعهم مع شركهم، وهذا المعنى صحيح، لكن
المشرك يعبد الشيطان، وما عدل به اللّه لا يعبد، ولا يسمى مجرد الإقرار
بالصانع عبادة لله مع الشرك بالله، ولكن يقال كما قال: (وَمَايُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم
بِاللهِلَّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ) فإيمانهم بالخالق مقرون بشركهم به، وأما العبادة ففي
الحديث ((يقول الله : أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك فيه
غيري فأنا منه بريء ، وهو كله للذي أشرك)) فعبادة المشركين وإن جعلوا
بعضها لله لا يقبل منها شيئاً، بل كلها لمن أشركوه. فلا يكونون قد عبدوا الله
سبحانه ، ومثل هذا قول من قال: إلا ليوحدون ، فأما المؤمن فيوحده فى الشدة
والرخاء ، وأما الكافر فيوحده في الشدة والبلاء ، دون النعمة والرخاء ، بيانه
في قوله : (فَإِذَارَكِبُواْ فِي الْفُلْكِ دَعَواْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الْذِينَ).
وقيل ((قول خامس»: ذكره ابن أبى حاتم عن ابن جريج، قال :
ليعرفون ، قال: وروي عن قتادة، وذكره البغوي عن مجاهد. قال : وقال
مجاهد إلا ليعرفون. قال : وهذا قول حسن ؛ لأنه لو لم يخلقهم لم يعرف
وجوده وتوحيده، ودليله قوله: ( وَلَيْن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ
لَيَقُولُنَّاللَّهُ ) فيقال : هذا المعنى صحيح؛ وكونه إنما عرف بخلقهم يقتضي أن
٥٠

خلقهم شرط فى معرفتهم، لا يقتضي أن يكون ما حصل لهم من المعرفة هو
الغاية التى خلقوا لها ، وهذا من جنس قول السدي فإن هذا الإقرار العام هم
لكن
مشركون فيه ، كما قال: (وَإِذْأَخَذَرَبُّكَ مِنْ بَنِىّءَآدَمَ)
ليس هذا هو العبادة.
فهذه ((الأقوال الأربعة)): قول من عرف أن الآية عامة فأراد أن يفسرها
بعبادة تعم الإنس والجن ، واعتقد أنه ( إن) فسرها بالعبادة المعروفة، وهي
الطاعة لله والطاعة لرسله، لزم أن تكون واقعة منهم، ولم تقع؛ فأراد أن
يفسرها بعبادة واقعة ، وظن أنه إذا فسرها بعبادة لم تقع لزمه قول القدرية،
وأنه خلقهم لعبادته فعصوه بغير مشيئته وغير قدرته ، ففروا من قول القدرية
وم معذورون فى هذا الفرار ؟ لكن فسرها بما لم يرد بها ، كما يصيب كثير
من الناس فى الآيات التى يحتج أهل البدع بظاهرها ، كاحتجاج الرافضة بقوله :
(وَأَمْسَحُواْبِرُءُ وسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ) على مسح ظهر القدمين، فترى المخالفين
لهم يذكرون أقوالاً ضعيفة ، هذا يقول مجروراً بالمجاورة، كقولهم جحر ضب
خرب، ونحو هذا من الأقوال الضعيفة، وكذلك ما قالوه فى قوله ((فحج آدم
موسی)» وأمثال ذلك .
و ((القول السادس)» - وإن كان أبو الفرج لم يذكر فيها إلا أربعة
أقوال - وهو الذي عليه جمهور المسلمين، أن الله خلقهم لعبادته وهو فعل
ما أمروا به، ولهذا يوجد المسلمون قديماً وحديثاً يحتجون بهذه الآية على هذا
٥١

المعنى حتى في وعظهم وتذكيرم وحكاياتهم ، كما في حكاية إبراهيم بن أدهم ؛ مالهذا
خلقت ، ولا بهذا أمرت ؛ وفى حديث إسرائيلي: يا ابن آدم خلقتك لعباد تى فلا
تلعب ، وتكفلت برزقك فلا تتعب ، فاطلببي مجدنى ؛ فإن وجدتني وجدت كل
شيء ؛ وإن فتك فاتك كل شيء ، وأنا أحب إليك من كل شيء، وهذا هو
المأثور عن أمير المؤمنين علي بن أبى طالب؛ وغيره من السلف فذكروا عن
علي بن أبى طالب أنه قال : إلا لآمريم أن يعبدون، وأدعوهم إلى عبادتى.
قالوا: ويؤيده قوله تعالى ( وَمَا أُمِرُ وَاْ إِلَّا لِيَعْبُدُ واْاللَّهَ مُخْلِصِينَ ) وقوله:
(وَمَا أُمِرُوَ إِلَّا لِيَعْبُدُواْ إِلَهَا وَحِدًا) وهذا اختيار الزجاج وغيره. وهذا هو
المعروف عن مجاهد بالإسناد الثابت ؛ قال ابن أبي حاتم : ثنا أبو سعيد الأشج،
تنا أبو أسامة عن شبل، عن ابن أبي نجيح عن مجاهد ( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَاُلْإِنسَ
إِلَّ لِيَعْبُدُونِ ) ((لآمريم وأنهام)) كذلك روي عن الربيع بن أنس قال:
«ما خلقتها إلا للعبادة)).
) یغنی
أَيَحْسَبُ الْإِنسَنُ أَنْ يُتْرَسُدَى
ويدل على هذا مثل قوله: (
لا يؤمر ولا ينهى، وقوله: (قُلْ مَا يَعْبَؤُ اْبِكُتْرَبِّ لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ) اي لولا عبادتكم،
وقوله: (مَّا يَفْعَلُ اللهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَءَامَنتُمْ) وقوله: (يَمَعْشَرَ المِنْ
وَاُلْإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنَكُمْ يَقُصُونَ عَلَيْكُمْ ءَايَتِ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا)؟
إلى قوله: ( وَأَهْلُهَا غَفِلُونَ ) وقوله: (أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَبَنِىّءَادَمَ أَنْ لَّا تَعْبُدُواْ
الشَّيْطَنَّ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّمُّبِينٌ * وَأَنِ أَعْبُدُونِ هَذَا صِرَّطٌ مُسْتَقِيمُ ) الآيات .
٥٢

وما بعدها . وقالت الجن لما سمعوا القرآن: (يَقَوْمَنَآ إِنَّا سَمِعْنَا كِتَبًا أُنزِلَ مِنْ
بَعْدِمُوسَى مُصَدِّ قًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِىّإِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِقٍ مُسْتَفِيمٍ * يَقَوْمَنَا أَجِيبُواْ
دَاعِىَ الَّهِ وَءَامِنُواْبِهِ ) الآية. وما بعدها. وقالت الجن: ( وَأَنَّامِنَّا الْمُسْلِمُونَ
وَمِنَّا الْقَسِطُونِّ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُوْلَئِكَ تَحَرَّوْرَشَدًا ) الآية. وما بعدها .
وقد قال في القرآن فى غير موضع: ( يَأَيُّهَا النَّاسُ أَعْبُدُ وارَبَّكُمْ) (يَأَيُّهَا
النَّاسُ اتَّقُواْرَّكُمُ ) فقد أمرم بما خلقهم له وأرسل الرسل إلى الإنس والجن،
ومحمد أرسل إلى الثقلين، وقرأ القرآن على الجن، وقد روي أنه لما قرأ عليهم
سورة الرحمن . وجعل يقرأ: (فَبِأَيِّءَ الَآءِ رَبِّكُمَا تُكَّذِّبَانِ) يقولون: ولا بشيءٍ
من آلائك ربنا نكذب فلك الحمد. فهذا هو المعنى الذي قصد بالآية قطعاً، وهو
الذي تفهمه جماهير المسلمين، ويحتجون بالآية عليه ؛ ويعترفون بأن الله خلقهم
ليعبدوه، لا ليضيعوا حقه ، وفى الصحيحين عن معاذبن جبل أن النبى صلى الله
عليه وسلم قال له:(يامعاذ! أتدري ماحق الله على عباده؟ قال: الله ورسوله أعلم
قال: فإن حق الله على عباده أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، أتدري ماحق
العباد على الله إذا فعلوا ذلك؟ قلت : الله ورسوله أعلم، قال: فإن حقهم عليه
أن لا يعذبهم)). وفى المسند عن ابن عمر عن النبى صلى الله عليه وسلم قال:
«بعثت بالسيف بين يدي الساعة حتى يعبد الله وحده لاشريك له، وجعل رزقى
تحت ظل رمحي . وجعل الذل والصغار على من خالف أمري ، ومن تشبه
يقوم فهو منهم)) .
٥٣

ثم للناس على هذا القول قولان :
قول أهل السنة المثبتة للقدر، وقول نفاته فصارت الأقوال فى الآبة
((سبعة)). وفى الحكمة ((خمسة)):
فأما أهل السنة المثبتون للقدر فيقولون: قوله: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ
إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ) لا يستلزم وقوع العبادة منهم، كما قال أصحاب هذه الأقوال
المتقدمة ، ولا يستلزم نفى المقدور أن يكون فى ملكه ما لايشاء أو يشاء مالا
يكون، كما قالت القدرية، فهؤلاء يقولون: لم يقع ما خلقهم له لكونه يشاء مالا
يكون، ويكون مالا يشاء. أولئك قالوا : إذا كان ما يشاء كان ، ومالم يشأ لم يكن
فما لم يقع لم يشأه. فما لم يقع من العبادة لم يشأها، وهذا معنى صحيح، ثم
قالوا : وما خلقهم له فلا بد أن يشاء أن يخلقه ، فلما لم يشأه أن يخلق هذا
لم يخلقهم له .
فالطائفتان أصل غلطهم ظنهم أنما خلقهم له يشاء وقوعه ، وأولئك يقولون
بشاء أن يخلقه، وهؤلاء يقولون يشاء وقوعه منهم، بمعنى يأمرم به، وما عندم
أن له مشيئة فى أفعال العباد غير الأمر، ولم يعصون أمره؛ فلهذا قالوا: يكون
مالا يشاء ، ويشاء مالا يكون، كما يقولون: يفعلون مانهاه عنه، ويتركون
ما أمرهم به، وهذا المعنى صحيح إذا أريد الأمر الشرعي ؛ لكن القدرية النفاة
لايقولون: إنه شاء إلا بمعنى أمر، فعندم ما ليس طاعة من أفعال العباد مالا
٥٤

يشاؤه، فإنه لا يخلقه عنده، وإذا لم يخلقه لم يشأه فإنه ماشاء أن يخلقه خلقه
باتفاق المسلمين .
والقدرية لاتنازع فى هذا، لا ينازعون فى أنه ماشاء أن يفعله هو فعله، وأنه قادر على
أن يفعل ما يشاء أن يفعله، لكن عندهم أن أفعال العبادلا تدخل فى خلقه، ولافى قدرته، ولا
فى مشيئته، ولا فى مشيئته أن يفعل، لكن المشيئة المتعلقة بها بمعنى الأمر فقط. فيقولون:
خلقهم لعبادته أن يفعلوهام، وقد أمرم بها، فإذا لم يفعلوها كان ذلك
بمنزلة عصيان أمره .
وأما المثبتون للقدر فيقولون : إنه ما شاء كان ومالم يشأ لم يكن، وهو سبحانه
خالق كل شيء (وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ ◌َجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَحِدَةً) ( وَلَوْشَآءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُواْ) ( وَلَوْ
شَآءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ ) وأمثال ذلك، فإذا خلقهم للعبادة المأمور بها ولم يفعلوها لم
يكن قد شاء أن تكون، إذلو شاء أن تكون لكونها، لكن أمرم بها، وأحب
أن يفعلوها، ورضى أن يفعلوها، وأراد أن يفعلوها، إرادة شرعية تضمنها
أمره بالعبادة.
ومن هنا يتبين معنى الآية، فإن قوله: ( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَاُلْإِنسَ إِلَّا
لِيَعْبُدُونِ ) يشبه قوله: (وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُ واْ اللَّهَ عَلَى مَاهَدَنكُمْ) وقوله:
(كَذَلِكَ سَخَرَ هَا لَكُمْ لِتُكَبِرُواْ اللَّهَ عَلَى مَاهَدَنَّكُمْ) وقوله: (كَى لَا يَكُونَ دُوْلَةٌ بَيْنَ
اُلْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ ) وقوله: ( ذَلِكَ لِتَعْلَمُوْ أَنَّ اللَّهَيَعْلَمُ مَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ
٥٥

( اللَّهُ الَّذِى خَقَ سَبْعَ سَمَوَتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ
وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍعَلِيهُ ) وقوله:
مِثْلَهُنَّ) الآية. وكذلك قوله: (وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن ◌َّسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ)
فهو لم يرسله إلا ليطاع، ثم قد يطاع وقد بعصى .
وكذلك ما خلقهم إلا للعبادة، ثم قد يعبدون وقد لا يعبدون. ومثل هذا
كثير فى القرآن ، يبين أنه فعل مافعل ليكبروه وليعدلوا، ولا يظلموا ، وليعلموا
ماهو متصف به، وغيره مما أمر الله به العباد ، وأحبه لهم ورضيه منهم ، وفيه
سعادتهم وكما لهم وصلاحهم وفلاحهم إذا فعلوه. ثم منهم من يفعل ذلك
ومنهم من لا يفعله.
وهو سبحانه لم يقل إنه فعل الأول ليفعل هو الثاني، ولا ليفعل بهم الثاني
فلم يذكر أنه خلقهم ليجعلهم ثم عابدين ؛ فإن ما فعله من الأسباب لما يفعله هو
من الغايات يجب أن يفعله لا محالة، ويمتنع أن يفعل أمراً ليفعل أمراً ثانياً ولا
يفعل الأمر الثاني، ولكن ذكر أنه فعل الأول ليفعلوا م الثاني ؛ فيكونون
ثم الفاعلين له فيحصل بفعلهم سعادتهم ، وما يحبه ويرضاه لهم، فيحصل ما يحبه
هو وما يحبونهم، كما تقدم أن كل ما خلقه وأمر به غايته محبوبة لله ولعباده.
وفيه حكمة له، وفيه رحمة لعباده .
فهذا الذي خلقهم له لو فعلوه لكان فيه ما يحبه وما يحبونه ، ولكن لم
يفعلوه فاستحقوا ما يستحقه العاصى المخالف لأمره، التارك فعل ماخلق لأجله من
٥٦

عذاب الدنيا والآخرة ، وهو سبحانه قد شاء أن تكون العبادة ممن فعلها ،
فجعلهم عابدين مسلمين بمشيشه وهداه لهم ، وتحبيبه إليهم الإيمان ؛ كما قال تعالى:
(وَلَكِنَّاللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَنَ وَزَيَّنَهُ فِ قُلُوبِكُمْ وَكَّهَ إِلَيْكُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَاَلْعِصْيَانُّ
فه ؤلاء [أراد ] العبادة منهم خلقاً وأمراً أمرهم
أُوْلَئِكَ هُمُ الَّشِدُونَ)
بها ؛ وخلقاً جعلهم فاعلين .
والصنف الثاني لم يشأ هو أن يخلقهم عابدين وإن كان قد أمرم بالعبادة.
والله سبحانه أعلم .
٥٧

وسئل رحم الله :-
عن تفصيل ((الإرادة)) و((الإذن)) و((الكتاب)) و((الحكم))
و((القضاء)) و((التحريم)» وغير ذلك؛ مما هو ديني موافق لمحبة الله ورضاه
وأمره الشرعي ؛ وما هو كوني موافق لمشيئته الكونية ؟
فأجاب: الحمدلله. هذه الأمور المذكورة وهي الإرادة والإذن والكتاب والحكم
والقضاء والتحريم وغيرها كالأمر والبحث والإرسال ينقسم فى كتاب الله إلى نوعين:
(أحدهما ) ما يتعلق بالأمور الدينية التى يحبها الله تعالى ويرضاها . ويثيب
أصحابها ويدخلهم الجنة وينصرهم فى الحياة الدنيا وفي الآخرة. وينصر بها العبادمن
أوليائه المتقين . وحز به المفلحين وعباده الصالحين .
و (الثانى) ما يتعلق بالحوادث الكونية التى قدرها الله وقضاها مما يشترك
فيها المؤمن والكافر والبر والفاجر. وأهل الجنة وأهل النار وأولياء الله
وأعداؤه ، وأهل طاعته الذين يحبهم ويحبونه، ويصلى عليهم هو وملائكته،
وأهل معصيته الذين يبغضهم ويمقتهم ويلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون.
٥٨

فمن نظر إليها من هذا الوجه شهد الحقيقة الكونية الوجودية ، فرأى
الأشياء كلها مخلوقة لله، مديرة بمشيئته، مقهورة بحكمته، فما شاء الله كان وإن
لم يشأ الناس، ومالم يشأ لم يكن وإن شاء الناس لامعقب لحكمه ولاراد لأمره
ورأى أنه سبحانه رب كل شيء ومليكه، له الخلق والأمر: وكل ما سواه
حبوب له مدبَّر مقهور لا يملك لنفسه ضراً ولا نفعاً، ولا موناً ولا حياة ولا
نشوراً، بل هو عبد فقير إلى الله تعالى من جميع الجهات ، والله غني عنه، كما
أنه الغني عن جميع المخلوقات، وهذا الشهود فى نفسه حق، لكن ((طائفة))
قصرت عنه: وم القدرية المجوسية و ((طائفة)) وقفت عنده وهم
القدرية المشركية .
أما الأولون: فهم الذين زعموا أن فى المخلوقات مالا تتعلق به قدرة الله
ومشيئته وخلقه، كأفعال العباد، وغلاتهم أنكروا علمه القديم، وكتابه السابق
وهؤلاء هم أول من حدث من القدرية فى هذه الأمة فرد عليهم الصحابة وسلف
الأمة ، وتبرؤوا منهم .
وأما ((الطائفة الثانية)) فهم شر منهم ومطوائف من أهل السلوك والإرادة
والتأله والتصوف والفقر ونحوهم، يشهدون هذه الحقيقة ورأوا أن الله خالق
المخلوقات كلها، فهو خالق أفعال العباد ومريد جميع الكائنات ، ولم يميزوا بعد
ذلك بين إيمان وكفر، ولا يعرفان ولا نكر ، ولا حق ولا باطل ، ولا مهتدي
ولاضال، ولا راشد ولا غوي ولانى ولا متنئ، ولا ولي الله ولا عدو ؛
٥٩

ولا مرضي لله ولا مسخوط ؛ ولا محبوب لله ولا ممقوت؛ ولا بين العدل والظلم
ولا بين البر والعقوق، ولا بين أعمال أهل الجنة وأعمال أهل النار، ولابين
الأبرار والفجار حيث شهدوا ما تجتمع فيه الكائنات من القضاء السابق
والمشيئة النافذة والقدرة الشاملة والخلق العام ؛ فشهدوا المشترك بين المخلوقات
وعموا عن الفارق بينهما؛ وصاروا ممن يخاطب بقوله تعالى: (أَفَتَجْعَلُ الْسُسْلِمِينَ
كَالْْرِمِينَ * مَالَكُمْكَيْفَ تَّحْكُمُونَ ) وبقوله تعالى: (أَمْ تَجْعَلُ الَّذِينَءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ
وبقوله تعالى :
الصَّلِحَتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِ اْلْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَارِ)
(أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ أُجْتَرَحُوْلِسَِّّئَاتِ أَنْ تَجْعَلَهُمْ كَلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْالصَّلِحَتِ ) (١)
(وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِّ إِسْرَِّيلَ بِمَا صَبَرُواْ ) ومنه قول النبى
صلى الله عليه وسلم: (( أعوذ بكلمات الله التامات التى لا يتجاوزهن برولا فاجر
من شر ما خلق وذراً، وبرأ، ومن شر ما ينزل من السماء وما يعرج فيها،
ومن شر ما ذرأ فى الأرض وما يخرج منها، ومن شر فتن الليل والنهار؛ ومن
شر كل طارق إلا طارقا يطرق بخير يا رحمن )) فالكلمات التى لا يجاوزهن
برولا فاجر ليست هي أمره ونهيه الشرعيين، فإن الفجار عصوا أمره ونهيه،
بل هي التى بها يكون الكائنات . وأما الكلمات الدينية المتضمنة لأمره ونهيه
الشرعيين فمثل الكتب الإلهية: التوراة والإنجيل والزبور والقرآن ، وقال
تعالى: (وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّفْلَىُّ وَكَلِمَةُ اللَّهِ
(١) يظهر ان في الاصل سقطا
٦٠