Indexed OCR Text
Pages 461-480
وقال الشيخ العالم العامل الورع الناسك؛ شيخ الإسلام، بقية السلف الكرام ((أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام الشامي - رحمه الله -: (١) فصل تضمن حديث سؤال النبى صلى الله عليه وسلم عن ((الإسلام))، و ((الإيمان))، و «الإحسان))؛ وجوابه عن ذلك، وقوله في آخر الحديث : ((هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم)) . فجعل هذا كله من الدين . وللناس في ((الإسلام)). و((الإيمان)» من الكلام الكثير : مختلفين قارة ، ومتفقين أخرى. ما يحتاج الناس معه إلى معرفة الحق في ذلك؛ وهذا يكون بأن تبين الأصول المعلومة المتفق عليها. ثم بذلك يتوصل إلى معرفة الحقيقة المتنازع فيها ؛ فنقول: ما على [ب] الكتاب، والسنة، والإجماع، وهو من المنقول نقلا متواترا (٢) (١) هذا «كتاب الإيمان الأوسط)). (٢) أضيفت الباء حسب مفهوم السياق ٤٦١ عن النبى صلى الله عليه وسلم؛ بل هو من المعلوم بالاضطرار من دين الإسلام - دين النبي صلى الله عليه وسلم - أن الناس كانوا على عهده بالمدينة ((ثلاثة أصناف)»: مؤمن ، وكافر مظهر للكفر، ومنافق ظاهره الإسلام وهو فى الباطن كافر ولهذا التقسيم أنزل الله في أول سورة البقرة ذكر الأصناف الثلاثة، فأنزل أربع آيات في صفة المؤمنين ، وآيتين في صفة الكافرين. وبضع عشرة آية في صفة المنافقين. فقوله تعالى: (هُدَى لِلْمِنَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيِْ وَيُقِيمُونَ الصَّلَوَةَ وَمَمَّارَزَقْهُمْ يُفِقُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْأَخِرَةِ هُمْبُوقِنُونَ * أُوْلَئِكَ عَلَى هُدَّى مِّن رَبِّهِمَّ وَأُوْلَبِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ): في صفة المؤمنين . وقوله : (إِنَّالَّذِينَ كَفَرُ واْ سَوَاءُ عَلَيْهِمْ ءَ أَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ نُنْذِرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ) الآيتين : في صفة الكفار الذين يموتون كفاراً . وقوله: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآَخِ وَمَاهُم بِمُؤْمِنِينَ). الآيات، في صفة المنافقين؛ إلى أن ضرب لهم مثلين: أحدهما بالنار، والآخر بالماء ؛ كما ضرب المثل بهذين للمؤمنين في قوله تعالى: (أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَآءَ فَسَالَتْ أَوْدِيَةُ بِقَدَرِهَا ) الآية. ٤٦٢ وأما قبل الهجرة فلم يكن الناس إلا مؤمن أو كافر، لم يكن هناك منافق فإن المسلمين كانوا مستضعفين، فكان من آمن آمن باطنا وظاهراً، ومن لم يؤمن فهو كافر. فلما هاجر النبى صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، وصار للمؤمنين بها عز وأنصار ، ودخل جمهور أهلها فى الإسلام طوعا واختياراً : كان بينهم من أقاربهم ومن غير أقاربهم من أظهر الإسلام موافقة، رهبة أو رغبة وهو فى الباطن كافر . وكان رأس هؤلاء عبد الله بن أبي بن سلول، وقد نزل فيه وفى أمثاله من المنافقين آيات . والقرآن يذكر المؤمنين والمنافقين فى غير موضع، كما ذكرم فى سورة البقرة، وآل عمران، والنساء. والمائدة، وسورة العنكبوت، والأحزاب. وكان هؤلاء فى أهل المدينة والبادية كما قال تعالى: (وَمِمَّنْ حَوْلَكُ مِّنَ الْأَعْرَابِ ) . وكان مُنَفِقُونٌ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ فى المنافقين من هو فى الأصل من المشركين، وفيهم من هو فى الأصل من أهل الكتاب . وسورة الفتح، والقتال، والحديد، والمجادلة ، والحشر، والمنافقين . بل عامة السور المدنية: يذكر فيها المنافقين . قال تعالى فى سورة آل عمران : (يََّيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَكُونُواْ كَلَّذِينَ كَفَرُواْ وَقَالُواْ لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُواْ فِى الْأَرْضِ أَوْ كَانُواْ غُزَّى لَّوْكَانُواْ عِندَنَا مَا مَاتُوَأُ وَمَا قُتِلُواْ ) إلى قوله : (وَلِيَعْلَمَّ الَّذِينَ نَافَقُواْ وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْ قَاتِلُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ أَدْفَعُواْ ) الآيات . ٤٦٣ وقال فيها أيضاً : ( يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَنَّخِذُ واْبِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُواْ مَاعَنِتُمُّ )، إلى قوله: (وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوَاْءَامَنَا وَ إِذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيَطِ قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ إِنَّاللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ * إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَّةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُواْ بِهَا وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّاللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ). وقال تعالى فى سورة النساء: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ ءَامَنُواْبِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُ واْ أَنْ يَكْفُرُواْ بِهِ، وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَآ أَنزَلَ إلى قوله : اللَّهُ وَ إِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَفِقِينَ يَصُدُونَ عَنكَ صُدُودًا ) (فَلَ وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُ واْفِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوْتَسْلِيمًا) وقال: (فَمَا لَكُمْ فِى الْمُنَفِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُم بِمَا كَسَبُواْ أَتْرِيدُونَ أَن تَهْدُ وا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا * وَدُوْلَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَاءٌ فَلا ◌َتَّخِذُ واْ مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُواْفِسَبِيلِ اللَّهِ فَإِن تَوَلَّوْ فَخُذُ وهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْ تُمُوهُمِّ وَلَا نَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ وَلِيًا وَلَا نَصِيًّا * إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَّكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيْتَقُّ ) الآيات. وقال: (بَشِّرِ الْمُنَفِقِينَ بِأَنَّلَهُمْ عَذَابَا أَلِيمًا * الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ اُلْكَفِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ الْمُؤْ مِنِينَّ أَيَبْنَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا ) إلى قوله: ٤٦٤ ( إِنَّاللَّهَ جَامِعُ الْمُنَفِقِينَ وَالْكَفِرِينَ فِ جَهَنَّمَ جَمِيعًا * الَّذِينَ يَتَرَّبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنِ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِّنَ اَللَّهِ قَالُواْأَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِن كَانَ لِلْكَفِرِينَ نَصِيبٌ قَالُواْأَلَمَ نَسْتَحْوِذْ (إِنَّ إلى قوله : عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعَّكُمْ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ ) اُلْمُنَفِقِينَ يُخَدِ عُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَدِعُهُمْ وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلَوةِ قَامُواْ كُسَالَى يُرَآءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهِلَّا قَلِيلًا * مُذَبِّذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءٍ وَمَن يُضْلِلِ (إِنَّ الْفِقِينَ إلى قوله : اُللَّهُ فَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا ) فِي الدَّرْكِ اُلْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَلَهُمْ نَصِيرًا * إِلَّ الَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَأَعْتَصَمُوْبِاللَّهِ وَأَخْلَصُواْ دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَّ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ اُلْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا ). يَأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُّنِكَ الَّذِينَ وقال تعالى فى سورة المائدة: ( يُسَرِعُونَ فِى الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوَاْءَامَنَّا بِأَفْوَهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُ وْأُسَمَّعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّعُونَ لِقَوْمٍ ءَاخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ ) وقال تعالى: ( يَتُهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نَتَّخِذُواْ أَلْيَهُودَ وَالنَّصَرَىّ أَوْلِيَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضِ وَمَن ) إلى قوله: ( فَتَرَى الَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم ◌َّرَضُ يُسَرِعُونَ فِهِمْ يَتَوَُّ مِّنْكُمْ فَإِنَّهُمِنْهُمْ ج يَقُولُونَ نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَابِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِىَ بِالْفَتْحِ أَوْأَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ، فَيُصْبِحُواْ عَلَى مَآ أَسَرُواْ فِي أَنْفُسِهِمْ تَدِمِينَ * وَيَقُولُ الَّذِينَءَامَنُوَأَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَفْسَمُواْبِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَنِهِمْ إِنَّهُمْ ◌َعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَلُهُمْ فَأَصْبَحُواْ خَسِرِينَ ). ٤٦٥ وقال تعالى: (وَإِذَا جَآءُ وكُمْ قَالُوَاْءَامَنَا وَقَدَ دَّخَلُواْ بِالْكُفْرِوَهُمْ قَدْ خَرَ جُواْبٍِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ * وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَرِعُونَ فِ الْإِثْمِ وَالْعُدْوَنِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا ) وقال تعالى: (يَأَهْلَ الْكِتَبِ لَا تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ غَيْرَ كَانُواْيَعْمَلُونَ اُلْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوْ أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِن قَبْلُ وَأَضَلُواْ كَثِيرًا وَضَلُواْعَن سَوَآءِ السَّبِيلِ )، إلى قوله: (تَرَى كَثِيرًامِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَ فِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ * وَلَوْكَانُوْيُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِ مَا أَتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَسِقُونَ وأما ((سورة براءة)) فأكثرها في وصف المنافقين وذمهم ولهذا سميت: الفاضحة ، والمبعثرة ، وهي نزلت عام تبوك . وكانت تبوك سنة تسع من الهجرة ، وكانت غزوة تبوك آخر مغازي النبى صلى الله عليه وسلم ، التى غزاها بنفسه. وتميز فيها من المنافقين من تميز . فذكر الله من صفاتهم ما ذكره فى هذه السورة. وقد قال تعالى فى سورة النور: (وَيَقُولُونَ ءَمَنَّابِاللَّهِ وَيِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَاثُمَّبَوَلَّى فَرِيقٌ مِّنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكٌّ وَمَا أُوْلَكَ بِالْمُؤْمِنِينَ) إلى قوله : ( إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَادُعُوْاْ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، لِيَحْكُمَبَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُواْسَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) الآيات . وقال تعالى فى سورة العنكبوت : ( وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَابِاللَّهِ فَإِذَا أُوْذِىَ فِ اُللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللّهِ وَلَيْنِ جَآءَ نَصْرٌ مِّن رَّبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّاكُنَّا مَعَكُمْ ٤٦٦ وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَيَعْلَمَنَ أَوَلَيْسَ اَللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِ صُدُورِ الْعَلَمِينَ * .( اُلْمُنَفِقِينَ وقال تعالى فى سورة الأحزاب : (يَأَيُّهَا النَِّىُّ أَتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَفِرِينَ ) وذكر فيه شأنهم فى الأحزاب. وَالْمُنَفِقِينَّإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا وذكر من أقوال المنافقين وجبنهم وهلعهم، كما قال تعالى: ( وَإِذْ يَقُولُ إلی قوله الْمُنَفِقُونَ وَالَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم ◌َرَضُ مَّا وَعَدَنَا ◌َللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلََّغُرُورًا) قَدْ يَعْلَمُ اللهُ الْمُعَوّقِينَ مِنْكُ وَالْقَابِلِينَ لِإِخْوَنِهِمْ هَلُّمَّ إِلَيْنَا وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِلًا * ) أَشِخَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَآءَ الْخَوْفُ رَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَلَّذِى يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ اُلْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ اُلْنَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولَئِكَ لَّ يُؤْمِنُواْ فَأَحْبَطَ اللَّهُأَعْمَلَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا * يَحْسَبُنَ اْأَخْزَ لَمْ يَذْهَبُواْ وَإِن يَأْتِ اُلْأَحْزَابُ يَوَدُوْ لَوْأَنَّهُمْ بَادُونَ فِ اُلْأَعْرَابِ يَسْتَلُونَ عَنْ أَنْبَابِكُمْ وَلَوْ كَانُواْ ) وقال تعالى: (لَّيِن لَّمْ يَنَهِ الْمُنَفِقُونَ وَالَّذِينَ فِ قُلُوبِهِم فِيكُمْ مَّا قَتَلُواْإِلَّا قَلِيلًا مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِى الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّلَايُحَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا * لَيْعَذِّبَ اَللَّهُ الْمُنَفِقِينَ مَّلْعُونِينٌ أَيْنَمَا نُفِفُواْأُخِذُواْ وَقُتِلُواْتَفْتِيلًا )إلى قوله:( وَالْمُنَفِقَتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَاُلْمُشْرِكَتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ). وقال تعالى فى سورة القتال: (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِى قُلُوبِهِمْ مَرَضُ أَن ◌َّن يُخْرِجَ اللَّهُأَضْغَنَهُمْ * وَلَوْنَشَاءُ لَأَرَ يْنَكَهُمْ فَلَعَّرَ فْنَهُمْ بِسِيمَهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِ لَحْنِ اَلْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَلَكُمْ ) إلى ما فى السورة من نحو ذلك . ٤٦٧ وقال تعالى في سورة الفتح: ( هُوَ الَّذِىّ أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِ قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوَاْإِيمَنَّا فَعَ إِيَمَنِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ وَ كَانَ اللّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا * لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحِها آلْأَنْهَرُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزَّاعَظِيمًا * وَيُعَذِبَ الْمُنَفِقِينَ وَالْمُنَفِقَتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَتِ اُلْطَّآنِينَ بِاللَّهِ ظَنّ السَّوْءْ عَلَيْهِمْ دَآئِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمٌ وَسَاءَتْ مَصِيرًا ) وقال تعالى في سورة الحديد: (يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ يَسْعَى نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِ يِهِمْ وَبِأَنِ بُشْرَئِكُمُالْيَوْمَ جَنَّتٌ تَجْرِى مِن ◌َِّهَا الْأَنْهُ خَلِينَ فِيَهَ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَفِقُونَ وَالْمُنَفِقَتُ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنْظُرُونَا نَقْنَبِسْ مِن نُّوْرِكُمْقِيلَ آَرْ جِعُواْ وَرَآءَ كُمْ * فَالْتَمِسُوْنُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍلَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ * يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ تَكُن مَّعَّكُمْقَالُواأَبَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَنتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَرَضْتُمْ وَأَرْتَبْتُمْ وَغَرَّتَّكُمُ الْأَمَانِىُّ حَّ جَاءَأَمْرُ اللَّهِ وَ غَرَّكُمْ بِاللَّهِالْغَرُ * قَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مَأْوَنَكُمُ النَّارِهِىَ مَوْلَنْكُمْ ) . وقال في سورة المجادلة : ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تُهُواْ عَنِ النَّجْوَى ثُمَ يَعُودُونَ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَيَتَجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَنِ وَ مَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَإِذَا جَاءُ وَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْيُخَيِّكَ بِهِ اللَّهُ ) . إلى قوله : (أَمْتَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْ قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَّاهُمْ مِنَكُمْ وَلَا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أَعَّاللَّهُ لَهُمْعَذَابًا شَدِيدًا إِنَّهُمْ سَآءَ مَاكَانُواْ يَعْمَلُونَ * اتَّخَذُوَاْأَيْمَتَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّواْعَن سَبِيلِ اللَّهِفَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ) . إلى آخر السورة. ٤٦٨ وقوله: ( مَّاهُمْ مِنَكُمْ وَلَا مِنْهُمْ) كقوله: ( مُّذَبَذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَآ إِلَى هَؤُلاءِ وَلَآَ إِلَى هَؤُلَاءِ ) وقال النبى صلى الله عليه وسلم: (( مثل المنافق كمثل الشاة العائرة بين الغنمين تغير إلى هذه مرة وإلى هذه مرة)). وقال تعالى: ( أَلَمََّرَإِلَى الَّذِينَ نَافَقُواْ يَقُولُونَ لِإِخْوَنِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ اُلْكِتَبِ لَيِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَرَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيَكُمْ أَحَدًا أَبَدًّا وَإِن قُوْتِلْتُمْ لَنَنَصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ * لَيِنْ أُخْرِجُواْ لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَيِن قُوْتِلُواْ لَايَنَصُرُونَهُمْ وَلَین نَّصَرُوهُمْ لَيُوَلْنَ اْلْأَدْبَرَ ثُمَّ لَا يُنصَرُونَ * لَأَنْتُمْ أَشَدُّرَهْبَةً فِي صُدُورِهِم مِّنَ اللَّهِ )، الآية . وقد ذكر فى سورة المنافقين فى قوله : ( إِذَا جَآءَكَ الْمُنَفِقُونَ قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ, وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَفِقِينَ لَكَذِبُونَ ) إلى آخر السورة . و (المقصود) بيان كثرة ما فى القرآن من ذكر المنافقين وأوصافهم . و ((المنافقون)) ثم فى الظاهر مسلمون وقد كان المنافقون على عهد النبى صلى الله عليه وسلم: يلتزمون أحكام الإسلام الظاهرة لا سيما فى آخر الأمر مالم يلتزمه كثير من المنافقين الذين من بعدم؛ لعز الإسلام وظهوره إذ ذاك بالحجة والسيف تحقيقاً لقوله تعالى: ( هُوَ اُلَّذِى أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ اَلْحَقّ ٤٦٩ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ ) ولهذا قال حذيفة بن اليمان: ــ وكان من أعلم الصحابة بصفات المنافقين وأعيانهم وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد أسر إليه عام تبوك أسماء جماعة من المنافقين بأعيانهم ، فلهذا كان يقال : هو صاحب السرالذي لا يعلمه غيره. ويروى أن عمر بن الخطاب لم يكن يصلى على أحد حتى يصلى عليه حذيفة؛ لئلا يكون من المنافقين الذين نهى عن الصلاة عليهم. قال حذيفة رضي الله عنه- النفاق اليوم أكثر منه على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفى رواية : كانوا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم بسرونه، واليوم يظهرونه. وذكر البخارى فى صحيحه عن ابن أبي مليكة قال : أدركت ثلاثين من أصحاب محمد كلهم يخاف النفاق على نفسه، وقد أخبر الله عن المنافقين أنهم يصلون ويزكون وأنه لا يقبل ذلك منهم. وقال تعالى: (إِنَّ اُلْمُنَفِقِينَ يُخَدِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَدِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوْ إِلَى الصَّلَوةِ قَامُواْ كُسَالَى يَُّآءُ ونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهِإِلَّا قَلِيلًا ). وقال تعالى: (قُلْ أَنفِقُواْ طَوْعًا أَوْكَرْهَا لَّنْ يُنَقَبَّلَ مِنكُمْ إِنَّكُمْ كُنتُمْ قَوْمًا فَسِقِينَ * وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُواْبِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ، وَلَا يَأْتُونَ الضَّلَوَةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَرِهُونَ ) وقد كانوا يشهدون مع النبى صلى الله عليه وسلم مغازيه، كما شهد عبد الله بن أبي ابن سلول وغيره من المنافقين ((الغزوة)) التى قال فيها عبد الله بن أبي: (لَيْن رَّجَعْنَآ إِلَى الْمَدِينَةِ ٤٧٠ لَيُخْرِجَ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَ). وأخبر بذلك زيد بن أرقم النبى صلى الله عليه وسلم. وكذبه قوم، حتى أنزل الله القرآن بتصديقه . والمقصود أن الناس ينقسمون فى الحقيقة إلى: ((مؤمن)) و ((منافق)) كافر فى الباطن مع كونه مسلماً فى الظاهر ، وإلى كافر باطناً وظاهراً . ولما كثرت الأعاجم فى المسلمين تكلموا بلفظ ((الزنديق)» وشاعت فى لسان الفقهاء، وتكلم الناس فى الزنديق : هل تقبل توبته؟ فى الظاهر: إذا عرف بالزندقة ، ودفع إلى ولي الأمر قبل توبته، فمذهب مالك وأحمد فى أشهر الروايتين عنه ، وطائفة من أصحاب الشافعى، وهو أحد القولين فى مذهب أبي حنيفة: أن توبته لاتقبل. والمشهور من مذهب الشافعي : قبولها، كالرواية الأخرى عن أحمد، وهو القول الآخر فى مذهب أبي حنيفة، ومنهم من فصل . والمقصودهنا: أن ((الزنديق)) فى عرف هؤلاء الفقهاء، هو المنافق الذي كان على عهد النبي صلى الله عليه وسلم. وهو أن يظهر الإسلام ويبطن غيره ، سواء أبطن دينا من الأديان: كدين اليهود والنصارى أو غيرم. أو كان معطلاً جاحداً للصانع ، والمعاد، والأعمال الصالحة . ومن الناس من يقول: ((الزنديق)) هو الجاحد المعطل. وهذا يسمى ٤٧١ الزنديق فى اصطلاح كثير من أهل الكلام والعامة ، ونقلة مقالات الناس ؛ ولكن الزنديق الذي تكلم الفقهاء فى حكمه: هو الأول ؛ لأن مقصودم هو التمييز بين الكافر وغير الكافر ، والمرتد وغير المرتد ، ومن أظهر ذلك أو أسره. وهذا الحكم يشترك فيه جميع أنواع الكفار والمرتدين، وإن تفاونت درجاتهم فى الكفر والردة فإن الله أخبر بزيادة الكفر كما أخبر بزيادة الإيمان، بقوله: (إِنَّمَا النَّسِّءُ زِيَادَةٌ فِى الْكُفْرِ) وتارك الصلاة وغيرها من الأركان ، أو مرتكبى الكبائر، كما أخبر بزيادة عذاب بعض الكفار على بعض فى الآخرة بقوله: ( الَّذِينَ كَفَرُوْ وَصَدُّ واْعَن سَبِيلِ اللَّهِزِدْنَهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ ) . فهذا ((أصل)) ينبغي معرفته فإنه مهم فى هذا الباب. فإن كثيراً ممن تكلم فى ((مسائل الإيمان والكفر)) - لتكفير أهل الأهواء ..... لم يلحظوا هذا الباب، ولم يميزوا بين الحكم الظاهر والباطن، مع أن الفرق بين هذا وهذا ثابت بالنصوص المتواترة، والإجماع المعلوم؛ بل هو معلوم بالاضطرار من دين الإسلام. ومن تدبر هذا، على أن كثيراً من أهل الأهواء والبدع: قد يكون مؤمناً مخطئاً جاهلاضالاً عن بعض ماجاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، وقد يكون منافقاً زنديقاً يظهر خلاف ما يبطن . وهنا ((أصل آخر)) وهو أنه قد جاء فى الكتاب والسنة وصف أقوام بالإسلام دون الإيمان. فقال تعالى: (قَالَتِ الْأَعْرَبُءَامَتَّاقُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ وَلَكِن ٤٧٢ قُولُواْ أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ آلْإِيَمَنُ فِى قُلُوبِكُمْ وَإِنِ تُطِيعُواْاللَّهَ وَرَسُولَهُ لَيَلِتَّكُمْ مِنْ أَعْمَلِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) وقال تعالى في قصة قوم لوط: ( فَأَخْرَحْنَا مَنْ كَانَ فِيَهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَا وَحَدْنَا فِيَهَا غَيْرَبَيْتٍ مِّنَ الْمُسْلِمِينَ) وقد ظن طائفة من الناس أن هذه الآية تقتضى أن مسمى الإيمان والإسلام واحد. وعارضوا بين الآيتين؛ وليس كذلك ؛ بل هذه الآية توافق الآية الأولى لأن الله أخبر أنه أخرج من كان فيها مؤمناً ، وأنه لم يجد إلا أهل بيت من المسلمين . وذلك لأن امرأة لوط كانت فى أهل البيت الموجودين، ولم تكن من المخرجين الذين نجوا ؛ بل كانت من الغابرين ، الباقين فى العذاب ، وكانت فى الظاهر مع زوجها على دينه ، وفى الباطن مع قومها على دينهم ، خائنة لزوجها تدل قومها على أضيافه. كما قال الله تعالى فيها: (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُواْ أَمْرَأَتَ نُوحٍ وَأَمْرَأَتَ لُوطٍ كَانَنَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِ نَاصَالِ حَيْنِ فَخَاتَتَاهُمَا). وكانت خيانتهما لهمافى الدين لا فى الفراش. فإنه مابغت امرأة نبى قط؛ إذ «نكاح الكافرة)) قد يجوز فى بعض الشرائع، ويجوز فى شريعتنا نكاح بعض الأنواع وهن الكتابيات وأما ((نكاح البغي)) فهو: دياتة. وقد صان اللّه النبي عن أن يكون ديوناً . ولهذا كان الصواب قول من قال من الفقهاء: بتحريم نكاح البغي حتى تتوب . ٤٧٣ و (المقصود) أن امرأة لوطلم تكن مؤمنة، ولم تكن من الناجين المخرجين، فلم تدخل فى قوله: ( فَأَخْرَحْنَامَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ) وكانت من أهل البيت المسلمين وممن وجد فيه، ولهذا قال تعالى: (فَا وَجَدْنَا فِيَهَا غَيْرَبَيْتٍ مِّنَ الْمُسْلِمِينَ ). وبهذا تظهر حكمة القرآن حيث ذكر الإيمان لما أخبر بالإخراج وذكر الإسلام لما أخبر بالوجود . وأيضاً فقد قال تعالى: (إِنَّالْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ ) ففرق بين هذا وهذا. فهذه ثلاثة مواضع فى القرآن. و ((أيضاً)) فقد ثبت فى الصحيحين عن سعد بن أبي وقاص قال: ((أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجالاً، ولم يعط رجلاً. فقلت: يا رسول الله! أعطيت فلاناً، وتركت فلاناً، وهو مؤمن. فقال: أو مسلم ؟ قال: ثم غلبني ما أجد ، فقلت: يا رسول الله! أعطيت فلاناً وفلاناً، وتركت فلاناً وهو مؤمن ! فقال أو مسلم ؟ مرتين أو ثلاثاً، وذكر فى تمام الحديث أنه يعطى رجالاً، ويدع من هو أحب إليه منهم ؛ خشية أن يكبهم الله فى النار على مناخرهم)). قال الزهرى: فكانوا يرون أن الإسلام الكلمة ، والإيمان العمل ، فأجاب سعداً بجوابين، ((أحدهما)): أن هذا الذي شهدت له بالإيمان ، قد يكون مسلماً لا مؤمناً. ((الثاني)): إن كان مؤمناً، وهو أفضل من أولئك فأنا قد أعطى من هو أضعف إيماناً ؛ لئلا يحمله الحرمان على الردة، فيكبه الله فى ٤٧٤ النار على وجهه . وهذا من إعطاء المؤلفة قلوبهم. وحينئذ فهؤلاء الذين أثبت لهم القرآن والسنة الإسلام؛ دون الإيمان هل م المنافقون الكفار في الباطن؟ أم يدخل فيهم قوم فيهم بعض الإيمان؟ هذا مما تنازع فيه أهل العلم على اختلاف أصنافهم. فقالت طائفة من أهل الحديث والكلام وغيرهم : بل م المنافقون الذين استسلموا، وانقادوا فى الظاهر ولميدخل إلى قلوبهم شيء من الإيمان . وأصحاب هذا القول قديقولون الإسلام المقبول هو الإيمان؛ ولكن هؤلاء أسلموا ظاهراً لاباطناًفلم يكونوامسلمين فى الباطن ولم يكونوامؤمنين. وقالوا: إن الله سبحانه يقول: (وَمَن يَبْتَعْ غَيْرَ الْإِسْلَِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ). بيانه كل مسلم مؤمن فما ليس من الإسلام ، فليس مقبولا يوجب أن يكون الإيمان منه. وهؤلاء يقولون: كل مؤمن مسلم ، وكل مسلم مؤمن ، إذا كان مسلماً في الباطن. وأما الكافر المنافق فى الباطن فإنه خارج عن المؤمنين المستحقين للثواب باتفاق المسلمين . ولا يسمون بمؤمنين عند أحد من سلف الأمة وأئمتها ، ولا عند أحد من طوائف المسلمين. إلا عند طائفة من المرجئة، وهم الكرامية الذين قالوا إن الإيمان هو مجرد التصديق فى الظاهر . فإذا فعل ذلك : كان مؤمناً وإن كان مكذباً في الباطن، وسلموا أنه معذب مخلد فى الآخرة. فنازعوا في اسمه لا فى ٤٧٥ حكمه. ومن الناس من يحكي عنهم أنهم جعلوم من أهل الجنة، وهو غلط عليهم. ومع هذا فتسميتهم له مؤمناً : بدعة ابتدعوها مخالفة للكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة ، وهذه البدعة الشنعاء هي التى انفرد بها الكرامية، دون سأر مقالاتهم. قال الجمهور من السلف والخلف : بل هؤلاء الذين وصفوا بالإسلام دون الإيمان، قد لايكونون كفاراً فى الباطن بل معهم بعض الإسلام المقبول. وهؤلاء يقولون: الإسلام أوسع من الإيمان فكل مؤمن مسلم وليس كل مسلم مؤمناً . ويقولون: فى قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ، ولا يسرق السارق - حين يسرق - وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر - حين بشربها - وهو مؤمن)) أنه يخرج من الإيمان إلى الإسلام، ودوروا للإسلام دارة ودوروا للإيمان دارة أصغر منها فى جوفها وقالوا: إذا زنى خرج من الإيمان إلى الإسلام ، ولا يخرجه من الإسلام الى الكفر . ودليل ذلك أن الله تبارك وتعالى قال: (قَالَتِ الْأَعْرَابُءَامَنَّأَقُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ وَلَكِن قُولُواْأَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْ خُلِ اَلْإِيمَنُ فِى قُلُوبِكُمْ وَإِن تُطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَ يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَلِكُمْ شَيْئًا إِنَّاللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ ءَامَنُواْبِلَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْقَابُواْ وَجَهَدُواْبِأَمْوَلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِ سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّحَدِقُونَ * ٤٧٦ قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِ الْأَرْضِّ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ يَمُتُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُل لَّا تَمُنُّواْ عَلَّ إِسْلَمَكُمْ بَلِ اللّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَنَكُمْ لِلْإِيمَانِ إِن كُنْتُمْ صَدِقِينَ). فقد قال تعالى: (لَّمْ تُؤْمِنُواْ وَلَكِنْ قُولُواْأَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ اَلْإِيمَنُ فِ قُلُوبِكُمْ ) . وهذا الحرف - أي ( لما)-ينفى به ما قرب وجوده، وانتظر وجوده، ولم يوجد بعد. فيقول لمن ينتظر غائباً: أي ((لما)). ويقول قد جاء لما يجىء بعد. فلما قالوا : (ءَامَنَا) قيل: ( لَّمْ تُؤْمِنُواْ) بعد ، بل الإيمان مرجو منتظر منهم. ثم ٨ قال: ( وَإِنْ تُطِيعُواْلَهُوَرَسُولَهُ لَا يَلِتَّكُم ) أي: لا ينقصكم من أعمالكم المثبتة ( شيئاً)، أي: فى هذه الحال ؛ فإنه لو أرادوا طاعة الله ورسوله بعد دخول الإيمان فى قلوبهم لم يكن فى ذلك فائدة لهم ولا لغيرهم؛ إذكان من المعلوم أن المؤمنين يثابون على طاعة الله ورسوله وهم كانوا مقرين به . فإذا قيل لهم: المطاع يثاب والمراد به المؤمن الذي يعرف أنه مؤمن لم يكن فيه فائدة جديدة. و ((أيضاً)) فالخطاب لهؤلاء المخاطبين قد أخبر عنهم: لما يدخل فى قلوبهم ) ؛ فلو لم وقيل لهم: ( وَإِنْ تُطِيعُواْاللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتُّكُمْمِنْ أَعْمَلِكُمْ شَيْئًا يكونوا فى هذه الحال مثابين على طاعة الله ورسوله لكان خلاف مدلول الخطاب، فبين ذلك أنه وصف المؤمنين الذين أخرج هؤلاء منهم فقال تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ ءَامَنُواْبِلَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّلَمْ يَرْتَابُواْ وَجَهَدُواْبِأَمْوَلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ ٤٧٧ فِي سَبِيلِ اَلَهِأُوْلَكَ هُمُ الصَّادِقُونَ)، وهذا نعت محقق الإيمان ؛ لا نعت من معه مثقال ذرة من إيمان، كما فى قوله تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْءَايَتُهُ زَادَتُهُمْ إِيمَنَّا وَ عَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَّكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَوةَ وَمِمَّارَزَقْنَهُمْ يُنفِقُونَ * أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا)، وقوله تعالى: ( إِنَّمَا ج اُلْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِلَّهِ وَرَسُولِهِ، وَ إِذَا كَانُوْ مَعَهُ, عَلَى أَمْيٍ جَامِعِ لَّمْيَذْهَبُواْ حَتَّى يَسْتَعْدِئُوهُ ومنه إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَذِنُونَكَ أُوْلَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالَّهِ وَ رَسُولِهِ)، قوله صلى الله عليه وسلم: ((لا يزنى الزانى حين يزنى وهو مؤمن)). وأمثال ذلك. فدل البيان على أن الإيمان المنفي عن هؤلاء الأعراب: هو هذا الإيمان الذي نفي عن فساق أهل القبلة الذين لا يخلدون فى النار . بل قد يكون مع أحدم مثقال ذرة من إيمان ، ونفي هذا الإيمان لايقتضي ثبوت الكفر الذي يخلد صاحبه في النار . وبتحقق «هذا المقام)» يزول الاشتباه فى هذا الموضع، ويعلم أن فى المسلمين قسما ليس هو منافقاً محضاً في الدرك الأسفل من النار ، وليس هو من المؤمنين الذين قيل فيهم: ( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الّذِينَ ءَامَنُواْ بِلّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّلَمْ يَرْتَابُواْ وَجَهَدُواْ بِأَمْوَلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الضَدِقُونَ). ولا من الذين قيل فيهم: (أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا ) فلام منافقون، ولاهم ٤٧٨ من هؤلاء الصادقين المؤمنين حقاً ، ولا من الذين يدخلون الجنة بلا عقاب . بل له طاعات ومعاص وحسنات وسيئات، ومعه من الإيمان مالا يخلد معه فى النار، وله من الكبائر ما يستوجب دخول النار . وهذا القسم قد يسميه بعض الناس : الفاسق الملي وهذا مما تنازع الناس فى اسمه وحكمه. والخلاف فيه أول خلاف ظهر فى الإسلام فى مسائل («أصول الدين)). فنقول : لما قتل أمير المؤمنين عثمان بن عفان، وسار على بن أبي طالب إلى العراق ، وحصل بين الأمة من الفتنة والفرقة يوم الجمل ، ثم يوم صفين، ماهو مشهور : خرجت ( الخوارج ) المارقون على الطائفتين جميعاً ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد أخبر بهم وذكر حكمهم ، قال الإمام أحمد: صح الحديث فى الخوارج من عشرة أوجه ، وهذه العشرة أخرجها مسلم فى صحيحه موافقة لأحمد ، وروى البخاري منها عدة أوجه ، وروى أحاديثهم أهل السنن والمسانيد من وجوه أخر . ومن أصح حديثهم حديث علي بن أبي طالب وأبي سعيد الخدري ففي الصحيحين عن علي بن أبي طالب أنه قال: إذا حدثتكم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثاً فوالله لأن أخر من السماء إلى الأرض أحب إلي من أن أكذب عليه، وإن حدثتكم فيما بيني وبينكم ، فإن الحرب خدعة، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (( سيخرج قوم فى آخر الزمان ٤٧٩ أحداث الأسنان ، سفهاء الأحلام ، يقولون من خير قول البرية ، لا يجاوز إيمانهم حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية . فأينما لقيمتوم فاقتلوهم فإن في قتلهم أجراً عند الله لمن قتلهم يوم القيامة)). وفي الصحيحين عن أبي سعيد قال: بعث علي بن أبي طالب إلى النبي صلى الله عليه وسلم من اليمن بذهيبة فى أدم مقروض لم تحصل من ترابها فقال : فقسمها بين أربعة نفر، فقال رجل من أصحابه كنا أحق بهذا من هؤلاء قال: فبلغ ذلك النبى صلى الله عليه وسلم فقال: ((ألاتأمنوني وأنا أمين من في السماء يأتيني خبر السماء صباحا ومساء )) قال : فقام رجل غائر العينين مشرف الوجنتين ، ناشز الجيهة ،كث اللحية. محلوق الرأس، مشمر الإزار، فقال: يارسول الله! اتق الله، فقال: ((ويلك ! أولست أحق أهل الأرض أن يتقي الله؟ !)) قال : ثم ولى الرجل ، فقال خالد بن الوليد ، يارسول الله ! ألا أضرب عنقه؟ فقال: ((لا: لعله أن يكون يصلي)) قال خالد: وكم من مصل يقول بلسانه ماليس فى قلبه. فقال رسول الله صلى عليه وسلم: (( إني لم أوحر أن أنقب عن قلوب الناس ؛ ولا أشق بطونهم )) قال ثم نظر إليه وهو مقف فقال: «إنه يخرج من ضئضىء هذا قوم يتلون كتاب الله رطباً لايجاوز حناجرهم ، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية قال : أظنه قال : لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد)). اللفظ لمسلم . ٤٨٠