Indexed OCR Text

Pages 401-420

من زيادة الإيمان فى غير موضع ، مثل قوله: ( هُوَالَّذِىّ أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِى قُلُوبٍ
الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوَاْإِيمَنَامَّعَ إِيمَنِهِمْ ) وقال: ( لِيَسْتَقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَبَ وَيَزْدَادَ
اُلَّذِينَءَامَنُوْ إَِنَّا ) وقال: ( وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْءَنْتُهُ زَادَتْهُمْ إِيَمَنًا ) وقال
تعالى ( فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتَهُ هَذِهِ: إِيمَانًا فَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُوا فَزَادَ تْهُمْ إِيمَنًّا
وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ) وقال: ( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِلَّهِ وَرَسُولِهِ، ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُواْ
وَجَهَدُواْ بِأَمْوَلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِأُوْلَئِكَ هُمُ الصَدِقُونَ ) وقال تعالى:
(فَإِنِ تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلَوَةَ وَءَاتَوُا الزَّكَوَةَ فَخَلُّواْسَبِيلَهُمْ) وقال تعالى: (فَإِن
تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلَوةَ وَءَاتَواْ الزَّكَوَةَ فَإِخْوَتُكُمْ فِي الدِّينِ) وقال: (وَمَا أُمِرُوَأ
إِلَّا لِيَعْبُدُواْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُواْ الصَّلَوةَ وَيُؤْتُواْالزَّكَوَةَ وَذَلِكَ دِينُ اَلْقَيْمَةِ ).
قال أحمد : ويلزمه أن يقول : هو مؤمن بإقراره ، وإن أقر بالزكاة فى
الجملة ولم يجد فى كل مائتى درم خمسة ، أنه مؤمن ، فيلزمه أن يقول : إذا أقر
ثم شد الزنار فى وسطه وصلى للصليب وأتى الكنائس والبيع وعمل الكبائر
كلها إلا أنه فى ذلك مقر بالله؛ فيلزمه أن يكون عنده مؤمنا، وهذه الأشياء
من أشنع ما يلزمهم.
((قلت)): هذا الذي ذكره الإمام أحمد من أحسن ما احتج الناس به
عليهم ، جمع فى ذلك جملاً يقول غيره بعضها، وهذا الإلزام لا محيد لهم عنه .
ولهذا لما عرف متكلمهم مثل جهم ومن وافقه أنه لازم التزموه. وقالوا : لو فعل
٤٠١

[ما فعل] من الأفعال الظاهرة لم يكن بذلك كافراً فى الباطن ؛ لكن يكون دليلاً
على الكفر فى أحكام الدنيا ، فإذا احتج عليهم بنصوص تقتضي أنه يكون كافراً فى
الآخرة . قالوا : فهذه النصوص تدل على أنه فى الباطن ليس معه من معرفة الله
شيء ، فإنها عندم شيء واحد، مخالفوا صريح المعقول وصريح الشرع.
وهذا القول مع فساده عقلاً وشرعا ، ومع كونه عند التحقيق لا يثبت
إيمانا ؛ فإنهم جعلوا الإيمان شيئا واحداً لا حقيقة له، كما قالت الجهمية ومن
وافقهم مثل ذلك في وحدة الرب أنه ذات بلا صفات . وقالوا بأن القرآن
مخلوق وأن الله لا يرى فى الآخرة ، وما يقوله [ابن كلاب] من وحدة
الكلام وغيره من الصفات .
فقولهم فى الرب وصفاته وكلامه والإيمان به يرجع إلى تعطيل محض ، وهذا
قد وقع فيه طوائف كثيرة من المتأخرين المنتسبين إلى السنة والفقه والحديث
المتبعين للأئمة الأربعة، المتعصبين للجهمية والمعتزلة؛ بل وللمرجئة أيضا ؛لكن
لعدم معرفتهم بالحقائق التى نشأت منها البدع يجمعون بين الضدين ؛ ولكن من
رحمة الله بعباده المسلمين أن الأئمة الذين لهم فى الأمة لسان صدق ، مثل الأئمة
الأربعة وغيرهم كمالك ، والثوري، والأوزاعي ، والليث بن سعد، وكالشافعي
وأحمد ، وإسحاق، وأبى عبيد، وأبى حنيفة، وأبى يوسف، ومحمد ؛ كانوا
ينكرون على أهل الكلام من الجهمية قولهم فى القرآن والإيمان وصفات الرب
وكانوا متفقين على ما كان عليه السلف من أن الله يرى فى الآخرة، وأن
٤٠٢

القرآن كلام الله غير مخلوق ، وأن الإيمان لا بد فيه من تصديق القلب واللسان
فلو شتم الله ورسوله كان كافراً باطنا وظاهراً عندهم كلهم ، ومن كان موافقا
لقول جهم فى الإيمان بسبب انتصار أبى الحسن لقوله فى الإيمان ، يبقى تارة
يقول بقول السلف والأئمة ، وتارة يقول بقول المتكلمين الموافقين لجهم؛
حتى فى مسألة سب الله ورسوله رأيت طائفة من الحنبليين ، والشافعيين
والمالكيين، إذا تكلموا بكلام الأئمة قالوا: إن هذا كفر باطنا وظاهراً .
وإذا تكلموا بكلام أولئك قالوا : هذا كفر فى الظاهر ، وهو فى الباطن
يجوز أن يكون مؤمنا تام الإيمان ، فإن الإيمان عندم لا يتبعض . ولهذا لما
عرف القاضى عياض هذا من قول بعض أصحابه ، أنكره ونصر قول مالك
وأهل السنة ، وأحسن فى ذلك.
وقد ذكرت بعض ما يتعلق بهذا في كتاب ((الصارم المسلول على شاتم
الرسول)) وكذلك بجدم فى مسائل الإيمان يذكرون أقوال الأئمة، والسلف
ويبحثون بحثا يناسب قول الجهمية ، لأن البحث أخذوه من كتب أهل الكلام
الذين نصروا قول جهم فى مسائل الإيمان .
والرازي لما صنف («مناقب الشافعي)) ذكر قوله فى الإيمان . وقول
الشافعي قول الصحابة والتابعين ، وقد ذكر الشافعى أنه إجماع من الصحابة
والتابعين. ومن لقيه استشكل قول الشافعى جداً لأنه كان قد انعقد فى نفسه
شبهة أهل البدع فى الإيمان : من الخوارج والمعتزلة والجهمية والكرامية
٤٠٣

وسائر المرجئة، وهو أن الشىء المركب إذا زال بعض أجزائه لزم زواله كله ؛
لكن هو لم يذكر إلا ظاهر شبهتهم. والجواب عماذ كروه هو سهل، فإنه يسلم
له أن الهيئة الاجتماعية لم تبق مجتمعة كما كانت ؛ لكن لا يلزم من زوال بعضها
زوال سائر الأجزاء .
والشافعي مع الصحابة والتابعين وسائر السلف يقولون: إن الذنب يقدح
فى كمال الإيمان، ولهذا نفى الشارع الإيمان عن هؤلاء، فذلك المجموع الذي
هو الإيمان لم يبق مجموعا مع الذنوب ، لكن يقولون بقي بعضه: إما أصله وإما
أكثره وإما غير ذلك؛ فيعود الكلام إلى أنه يذهب بعضه ويبقى بعضه .
ولهذا كانت المرجئة تنفر من لفظ النقص أعظم من نفورها من لفظ
الزيادة ؛ لأنه إذا نقص لزم ذهابه كله عندم إن كان متبعضاً متعدداً عند من يقول
بذلك ، وم الخوارج والمعتزلة. وأما الجهمية فهو واحد عنده لا يقبل التعدد ؛
فيثبتون واحداً لا حقيقة له ؛ كما قالوا مثل ذلك فى وحدانية الرب ووحدانية
صفاته عند من أثبتها منهم .
ومن العجب أن الأصل الذي أوقعهم فى هذا ، اعتقادم أنه لا يجتمع
فى الإنسان بعض الإيمان وبعض الكفر، أو ما هو إيمان وما هو كفر،
واعتقدوا أن هذا متفق عليه بين المسلمين كما ذكر ذلك أبو الحسن وغيره،
فلأجل اعتقادم هذا الإجماع وقعوا فيما هو مخالف للإجماع الحقيقي، إجماع
٤٠٤

السلف الذي ذكره غير واحد من الأئمة؛ بل وصرح غير واحد منهم بكفر من
قال بقول جهم فى الإيمان .
ولهذا نظائر متعددة ؛ يقول الإنسان قولاً مخالفاً للنص والإجماع القديم
حقيقة ويكون معتقداً أنه متمسك بالنص والإجماع. وهذا إذا كان مبلغ علمه
واجتهاده ؛ فالله يتيبه على ما أطاع الله فيه من اجتهاده ويغفر له ما عجز عن معرفته
من الصواب الباطن ، وهم لما توهموا أن الإيمان الواجب على جميع الناس نوع
واحد ؛ صار بعضهم يظن أن ذلك النوع من حيث هو لا يقبل التفاضل . فقال
لي مرة بعضهم : الإيمان من حيث هو إيمان لا يقبل الزيادة والنقصان . فقلت له :
قولك من حيث هو؛ كما تقول: الإنسان من حيث هو إنسان ، والحيوان من
حيث هو حيوان ، والوجود من حيث هو وجود، والسوادمن حيث هو سواد
وأمثال ذلك لا يقبل الزيادة والنقصان والصفات ؛ فتثبت لهذه المسميات وجوداً
مطلقاً مجرداً عن جميع القيود والصفات وهذا لا حقيقة له فى الخارج ، وإنما هو
شيء يقدره الإنسان فى ذهنه كما يقدر موجوداً لا قديماً ولا حادثاً ولا قائماً بنفسه
ولا بغيره، ويقدر إنساناً لا موجوداً ولا معدوماً، ويقول : الماهية من حيث
هي هي لا توصف بوجود ولا عدم، والماهية من حيث هي هي شيء يقدره
الذهن ، وذلك موجود فى الذهن لا فى الخارج. وأما تقدير شيء لا يكون
فى الذهن ولا فى الخارج فممتنع، وهذا التقدير لا يكون إلا فى الذهن كسائر
تقدير الأمور الممتنعة ؛ مثل تقدير صدور العالم عن صانعين ونحو ذلك ؛ فإن
هذه المقدرات فى الذهن .
٤٠٥

فهكذا تقدیر إيمان لايتصف به مؤمن؛ بلهو مجردعن كل قید . وتقدير
إنسان لا يكون موجوداً ولا معدوماً؛ بل ما ثم إيمان إلا مع المؤمنين، ولا ثم
إنسانية إلا ما اتصف بها الإنسان ؛ فكل إنسان له إنسانية يخصه وكل مؤمن
له إيمان يخصه ؛ فإنسانية زيد تشبه إنسانية عمرو ليست هي هي. وإذا اشتركوا فى
نوع الإنسانية فمعنى ذلك أنهما يشتبهان فيما يوجد فى الخارج ويشتركان فى أمر
كلي مطلق يكون فى الذهن .
وكذلك إذا قيل : إيمان زيد مثل إيمان عمرو ؛ فإيمان كل واحد يخصه .
فلو قدر أن الإيمان يتماثل لكان لكل مؤمن إيمان يخصه وذلك الإيمان
مختص معين ليس هو الإيمان من حيث هو هو ؛ بل هو إيمان معين ، وذلك
الإيمان يقبل الزيادة. والذين ينفون التفاضل فى هذه الأمور يتصورون فى أنفسهم
إيماناً مطلقاً أو إنساناً مطلقا، أو وجوداً مطلقا مجردا عن جميع الصفات المعينة له
ثم يظنون أن هذا هو الإيمان الموجود فى الناس ، وذلك لا يقبل التفاضل ولا
يقبل فى نفسه التعدد ؛ إذ هو تصور معين قائم فى نفس متصوره.
ولهذا يظن كثير من هؤلاء أن الأمور المشتركة فى شيء واحد هي واحدة
بالشخص والعين ؛ حتى انتهى الأمر بطائفة من علمائهم علماً وعبادة إلى أن جعلوا
الوجود كذلك ؛ فتصوروا أن الموجودات مشتركة فى مسمى الوجود ، وتصوروا
هذا فى أنفسهم، فظنوه فى الخارج كما هو فى أنفسهم، ثم ظنوا أنه الله ؛
فجعلوا الرب هو هذا الوجود الذي لا يوجد قط إلا فى نفس متصوره ؛ ولا
يكون فى الخارج.
٤٠٦
:

وهكذا كثير من الفلاسفة تصوروا أعداداً مجردة وحقائق مجردة
ويسمونها المثل الأفلاطونية ، وزماناً مجرداً عن الحركة والمتحرك، وبعداً مجرداً
عن الأجسام وصفاتها ثم ظنوا وجود ذلك فى الخارج، وهؤلاء كلهم اشتبه
عليهم ما فى الأذهان بما فى الأعيان ، وهؤلاء قد يجعلون الواحد اثنين والاتنين
واحداً ؛ فتارة يجيئون إلى الأمور المتعددة المتفاضلة فى الخارج فيجعلونها واحدة
أو متماثلة ، وتارة يجيئون إلى ما فى الخارج من الحيوان والمكان والزمان
فيجعلون الواحد اثنين. والمتفلسفة والجهمية وقعوا فى هذا وهذا ، فجاءوا
إلى صفات الرب التى هي أنه عالم وقادر ، فجعلوا هذه الصفة هي عين الأخرى
وجعلوا الصفة هي الموصوف .
وهكذا القائلون بأن الإيمان شيء واحد وأنه متماثل فى بني آدم، غلطوا
فى كونه واحداً وفى كونه متماثلاً كما غلطوا فى أمثال ذلك من مسائل
((التوحيد)) و ((الصفات)) و ((القرآن)) ونحو ذلك؛ فكان غلط جهم وأتباعه
فى الإيمان كغلطهم فى صفات الرب الذي يؤمن به المؤمنون ، وفى كلامه وصفاته
سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علواً كبيراً .
وكذلك السواد والبياض يقبل الاشتداد والضعف ؛ بل عامة الصفات التى
يتصف بها الموصوفون تقبل التفاضل ؛ ولهذا كان العقل يقبل التفاضل ،
والإيجاب والتحريم يقبل التفاضل، فيكون إيجاب أقوى من إيجاب ،
وتحريم أقوى من تحريم. وكذلك المعرفة التى فى القلوب تقبل التفاضل
٤٠٧

على الصحيح عند أهل السنة ، وفى هذا كله زاع، فطائفة من المنتسبين إلى
السنة تنكر التفاضل فى هذا كله كما يختار ذلك القاضي أبو بكر وابن
عقيل ، وغيرها.
وقد حكى عن أحمد فى التفاضل في المعرفة روايتان . وإنكار التفاضل
فى هذه الصفات هو من جنس أصل قول المرجئة ، ولكن يقوله من يخالف
المرجئة ، وهؤلاء يقولون: التفاضل إنما هو في الأعمال ، وأما الإيمان الذي
فى القلوب فلا يتفاضل ، وليس الأمر كما قالوه ، بل جميع ذلك يتفاضل ، وقد
يقولون : إن أعمال القلب تتفاضل ؛ بخلاف معارف القلب ، وليس الأمر
كذلك، بل إيمان القلوب يتفاضل من جهة ما وجب على هذا، ومن جهة
ما وجب على هذا، فلا يستوون فى الوجوب. وأمة محمد وإن وجب عليهم
جميعهم الإيمان بعد استقرار الشرع، فوجوب الإيمان بالشيء المعين موقوف
على أن يبلغ العبد إن كان خبراً، وعلى أن يحتاج إلى العمل به إن كان أمراً ،
وعلى العلم به إن كان علماً ، وإلا فلا يجب على كل مسلم أن يعرف كل خبر
وكل أمر فى الكتاب والسنة ، ويعرف معناه ويعلمه ؛ فإن هذا لا يقدر
عليه أحد .
فالوجوب يتنوع بتنوع الناس فيه ؛ ثم قدرم فى أداء الواجب متفاوتة ؛ ثم
نفس المعرفة تختلف بالإجمال والتفصيل، والقوة والضعف، ودوام الحضور،
ومع الغفلة ، فليست المفصلة المستحضرة الثابتة التى يثبت الله صاحبها بالقول
٤٠٨

الثابت فى الحياة الدنيا وفى الآخرة ، كالمجملة التى غفل عنها ، وإذا حصل له
ما يريبه فيها وذكرها فى قلبه ثم رغب إلى الله فى كشف الريب . ثم أحوال
القلوب وأعمالها مثل محبة الله ورسوله، وخشية الله، والتوكل عليه، والصبر
على حكمه ، والشكر له والإنابة إليه ، واخلاص العمل له مما يتفاضل الناس فيها
تفاضلاً لا يعرف قدره الا الله عز وجل ، ومن أنكر تفاضلهم فى هذا فهو إما
جاهل لم يتصوره ، وإما معاند.
قال الإمام أحمد : فإن زعموا أنهم لا يقبلون زيادة الإيمان من أجل
أنهم لا يدرون ما زيادته، وأنها غير محدودة، فما يقولون في أنبياء الله
وكتبه ورسله ؟ هل يقرون بهم فى الجملة ؟ ويزعمون أنه من الإيمان ؛ فإذا
قالوا : نعم ؛ قيل لهم: هل تحدونهم وتعرفون عدده؟ أليس إنما بصيرون
فى ذلك إلى الإقرار بهم فى الجملة ثم يكفون عن عددم؟ فكذلك زيادة
الإيمان. وبين أحمد أن كونهم لم يعرفوا منتهى زيادته ، لا يمنعهم من الإقرار
بها فى الجملة؛ كما أنهم يؤمنون بالأنبياء والكتب وهم لا يعرفون عدد
الكتب والرسل .
وهذا الذي ذكره أحمد، وذكره محمد بن نصر ، وغيرهما، يبين أنهم لم
يعلموا عدد الكتب والرسل ، وأن حديث أبي ذر في ذلك لم يثبت عندهم.
وأما قول من سوى بين الإسلام والإيمان وقال : إن الله سمى الإيمان بما
سمى به الإسلام؛ وسمى الإسلام بما سمى به الإيمان ، فليس كذلك ، فإن الله
٤٠٩

ورسوله قد فسر الإيمان بأنه الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر.
وبين أيضاً أن العمل بما أمر به يدخل فى الإيمان، ولم يسم الله الإيمان بملائكته
وكتبه ورسله والبعث بعد الموت إسلاماً؛ بل إنما سمى الإسلام الاستسلام له
بقلبه وقصده وإخلاص الدين والعمل بما أمر به ، كالصلاة والزكاة خالصاً لوجهه
فهذا هو الذي سماه الله إسلاماً وجعله ديناً وقال: (وَمَن يَبْتَغْ غَيَّ اُلْإِسْلَِ دِينًا
فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ) ولم يدخل فيما خص به الإيمان، وهو الإيمان بالله وملائكته
وكتبه ورسله ؛ بل ولا أعمال القلوب ، مثل حب الله ورسوله ونحو ذلك ، فإن
هذه جعلها من الإيمان، والمسلم المؤمن يتصف بها ، وليس إذا اتصف بها المسلم
المؤمن يلزم أن تكون من الإسلام، بل هي من الإيمان ، والإسلام فرض.
والإيمان فرض ، والإسلام داخل فيه ؛ فمن أتى بالإيمان الذي أمر به ، فلا بد
أن يكون قد أتى بالإسلام المتناول لجميع الأعمال الواجبة، ومن أتى بما بسمي
إسلاماً لم يلزم أن يكون قد أتى بالإيمان الا بدليل منفصل ، كما على أن من أثنى
الله عليه بالإسلام من الأنبياء وأتباعهم إلى الحواربين كلهم كانوا مؤمنين كما كانوا
مسلمين، كما قال الحواريون: (ءَامَنَّا ◌ِللهِ وَاشْهَدْ بِأَنَا مُسْلِمُونَ) وقال: (وَإِذْ
أَوْحَيْثُ إِلَى الْحَوَارِبَ عْنَ أَنْ ءَامِنُواْبٍِ وَبِرَسُولِى قَالُوَاْءَامَنَا وَأَشْهَدْ بِأَتَنَا مُسْلِمُونَ
ولهذا أمرنا الله بهذا وبهذا فى خطاب واحد، كما قال: (قُولُوَاْءَامَنَا بِاللَّهِ وَمَآ
أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَآ أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَهِمَ وَإِسْمَعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى
وَعِيسَى وَمَا أُوْتِىَ النَّبِيُّونَ مِنْ زَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ * فَإِنْ
ءَامَنُواْ بِمِثْلِ مَآءَامَنْتُم بِهِ، فَقَدِ اهْتَدَواْ وَإِنْ نَوَلَّوْفَإنَّمَا هُمْ فِ شِقَافٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ
٤١٠

وَهُوَالسَّمِيعُ الْعَلِيمُ ) وقال فى الآية الأخرى : (وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَكِمِ دِينًا
فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِى الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَسِرِينَ ).
وهذا يقتضي أن كل من دان بغير دين الإسلام فعمله مردود ، وهو
خاسر في الآخرة ، فيقتضى وجوب دين الإسلام وبطلان ما سواه، لا يقتضي
أن مسمى الدين هو مسمى الإيمان؛ بل أمرنا أن نقول: (مَامَثَا بِاللَّهِ) وأمرنا
أن نقول ( وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ) ؛ فأمرنا باتنين ؛ فكيف نجعلهما واحداً !! ؟
وإذا جعلوا الإسلام والإيمان شيئاً واحداً . فإما أن يقولوا: اللفظ مترادف،
فيكون هذا تكريراً محضاً ثم مدلول هذا اللفظ عين مدلول هذا اللفظ ، وإما
أن يقولوا: بل أحد اللفظين يدل على صفة غير الصفة الأخرى ، كما في أسماء الله
وأسماء كتابه؛ لكن هذا لا يقتضي الأمر بهما جميعاً، ولكن يقتضي أن يذكر
تارة بهذا الوصف ، وتارة بهذا الوصف ؛ فلا يقول قائل قد فرض الله عليك
الصلوات الخمس، والصلاة المكتوبة، وهذا هو هذا . والعطف بالصفات
يكون إذا قصد بيان الصفات لما فيها من المدح أو النم؛ كقوله: (سَبِّحِ أسْمَرَبِّكَ
اُلْأَعْلَى * الَّذِى خَلَقَ فَسَوَى * وَالَّذِى قَدَّرَفَهَدَى) لا يقال: صل لربك الأعلى ولربك
الذي خلق فسوى .
وقال محمد بن نصر المروزي - رحمه الله - فقد بين الله فى كتابه وسنة
رسوله أن الإسلام والإيمان لا يفترقان ، فمن صدق بالله فقد آمن به، ومن آمن
بالله فقد خضع له، وقد أسلم له؛ ومن صام وصلى وقام بفرائض الله وانتهى عما
٤١١

نهى الله عنه فقد استكمل الإيمان والإسلام المفترض عليه، ومن ترك من ذلك
شيئاً فلن يزول عنه اسم الإيمان ولا الإسلام ، إلا أنه أنقص من غيره فى
الإسلام والإيمان من غير نقصان من الإقرار بأن اللّه حق، وما قال حق لاباطل
وصدق لا كذب، ولكن ينقص من الإيمان الذي هو تعظيم الله وخضوع للهيئة
والجلال والطاعة للمصدق به وهو الله، فمن ذلك يكون النقصان لا من إقرارم
بأن الله حق ، وما قال صدق .
فيقال: ما ذكره يدل على أن من أتى بالإيمان الواجب فقد أتى بالإسلام؛
وهذا حق، ولكن ليس فيه ما يدل عن أن من أتى بالإسلام الواجب فقد أتى
بالإيمان ، فقوله : من آمن بالله فقد خضع له وقد استسلم له حق ؛ لكن أي شيء
فى هذا يدل على أن من أسلم الله وخضع له ، فقد آمن به وملائكته وبكتبه
ورسله والبعث بعد الموت؟ وقوله : إن الله ورسوله قد بين أن الإسلام
والإيمان لا يفترقان ، إن أراد أن الله أوجبهما جميعاً ونهى عن التفريق بينهما،
فهذا حق؛ وإن أراد أن الله جعل مسمى هذا مسمى هذا، فنصوص الكتاب
والسنة تخالف ذلك ، وما ذكر قط نصاً واحداً يدل على اتفاق المسلمين .
وكذلك قوله : من فعل ما أمر به وانتهى عما نهي عنه فقد استكمل
الإيمان والإسلام، فهذا صحيح إذا فعل ما أمر به باطناً وظاهراً، ويكون قد
استكمل الإيمان والإسلام الواجب عليه، ولا يلزم أن يكون إيمانه وإسلامه مساوياً
للإيمان والإسلام الذى فعله أولو العزم من الرسل ، كالخليل إبراهيم ، ومحمد
٤١٢

خاتم النبيين ، عليهما الصلاة والسلام ، بل كان معه من الإيمان والإسلام مالا
يقدر عليه غيره ممن ليس كذلك ولم يؤمر به.
وقوله : من ترك من ذلك شيئاً فلن يزول عنه اسم الإسلام والإيمان
إلا أنه أنقص من غيره فى ذلك. فيقال: إن أريد بذلك أنه بقى معه شيء من
الإسلام والإيمان ، فهذا حق كما دلت عليه النصوص، خلافاً للخوارج والمعتزلة
وإن أراد أنه يطلق عليه بلا تقييد مؤمن ومسلم فى سياق الثناء والوعد بالجنة ؛
فهذا خلاف الكتاب والسنة، ولو كان كذلك لدخلوا فى قوله: (وَعَدَاللَّهُ
اٌلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْنِهَا الْأَنْهَرُ ) وأمثال ذلك مما وعدوافيه
بالجنة بلا عذاب.
وأيضاً : فصاحب الشرع قد نفى عنهم الاسم فى غير موضع ، بل قال :
((قتال المؤمن كفر))، وقال: ((لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب
بعض)) وإذا احتج بقوله : (وَإِنْ طَابِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ آَقْنَتَلُواْ ) ونحو ذلك ،
قيل : كل هؤلاء إنما سموا به مع التقييد بأنهم فعلوا هذه الأمور ليذكر
ما يؤمرون به هم وما يؤمر به غيرهم .
وكذلك قوله : لا يكون النقصان من إقرارهم بأن الله حق وما قاله صدق،
فيقال: بل النقصان يكون فى الإيمان الذى في القلوب من معرفتهم ومن علمهم
فلا تكون معرفتهم وتصديقهم بالله وأسمائه وصفاته، وما قاله من أمر ونهي .
ووعد ووعيد، كمعرفة غيرهم وتصديقه؛ لا من جهة الإجمال والتفصيل ، ولامن
٤١٣

جهة القوة والضعف ، ولا من جهة الذكر والغفلة، وهذه الأمور كلها داخلة
فى الإيمان بالله وبما أرسل به رسوله، وكيف يكون الإيمان بالله وأسمائه
وصفاته متماثلاً فى القلوب ؟! أم كيف يكون الإيمان بأنه بكل شيء عليم، وعلى
كل شيء قدير ، وأنه غفور رحيم، عزيز حكيم، شديد العقاب؛ ليس هو من
الإيمان به ؟! فلا يمكن مسلماً أن يقول : إن الإيمان بذلك ليس من الإيمان به
ولا يدعی تماثل الناس فيه .
وأما ما ذكره من أن الإسلام ينقص كما ينقص الإيمان ، فهذا أيضاً حق
كما دلت عليه الأحاديث الصحيحة ؛ فإن من نقص من الصلاة والزكاة أو الصوم
أو الحج شيئاً ، فقد نقص من إسلامه بحسب ذلك. ومن قال : إن الإسلام
هو الكلمة فقط ، وأراد بذلك أنه لا يزيد ولا ينقص، فقوله خطأ. ورد الذين
جعلوا الإسلام والإيمان سواء إنما يتوجه إلى هؤلاء ؛ فإن قولهم في الإسلام يشبه
قول المرجئة في الإيمان .
ولهذا صار الناس فى الإيمان والإسلام على ((ثلاثة أقوال)) فالمرجئة
يقولون : الإسلام أفضل ؛ فإنه يدخل فيه الإيمان . وآخرون يقولون : الإيمان
والإسلام سواء ، وهم المعتزلة والخوارج، وطائفة من أهل الحديث والسنة
وحكاه محمد بن نصر عن جمهورم ، وليس كذلك. والقول الثالث أن الإيمان
أكمل وأفضل، وهذا هو الذي دل عليه الكتاب والسنة فى غير موضع ، وهو
المأثور عن الصحابة والتابعين لهم بإحسان .
٤١٤

ثم هؤلاء منهم من يقول: الإسلام مجرد القول ، والأعمال ليست من
الإسلام. والصحيح أن الإسلام هو الأعمال الظاهرة كلها ، وأحمد إنما منع
الاستثناء فيه على قول الزهري: هو الكلمة. هكذا نقل الأثرم، والميمونى
وغيرهما عنه . وأما على جوابه الآخر الذي لم يختر فيه قول من قال : الإسلام
الكلمة ، فيستثنى فى الإسلام كما يستثنى فى الإيمان، فإن الإنسان لا يجزم
بأنه قد فعل كل ما أمر به من الإسلام . وإذا قال النبي صلى الله عليه وسلم:
((المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده)) و ((بنى الإسلام على خمس)) جزمه
بأنه فعل الخمس بلا نقص كما أمر جزمه بإيمانه. فقد قال تعالى: (ادْخُلُواْ فِى
السِّلْمِ كَافَةً ) أي الإسلام كافة ، أي فى جميع شرائع الإسلام.
وتعليل أحمد وغيره من السلف ما ذكروه فى اسم الإيمان يجىء فى اسم
الإسلام، فإذا أريد بالإسلام الكلمة فلا استثناء فيه ، كما نص عليه أحمد وغيره
وإذا أريد به من فعل الواجبات الظاهرة كلها ، فالاستثناء فيه كالاستثناء فى
الإيمان، ولما كان كل من أتى بالشهادتين صار مسلماً متميزاً عن اليهود والنصارى
جــ
يجري عليه أحكام الإسلام التى تجري على المسلمين، كان هذا مما يجزم به
بلا استثناء فيه، فلهذا قال الزهري: الإسلام الكلمة . وعلى ذلك وافقه أحمد
وغيره، وحين وافقه لم يرد أن الإسلام الواجب هو الكلمة وحدها ، فإن
الزهري أجل من أن يخفى عليه ذلك؛ ولهذا أحمد لم يجب بهذا فى جوابه الثانى
خوفاً من أن يظن أن الإسلام ليس هو إلا الكلمة ؛ ولهذا لما قال الأثرم
٤١٥

لأحمد : فإذا قال : أنا مسلم فلا يستثنى؟ قال نعم : لا يستثنى إذا قال :
أنا مسلم . فقلت له أقول: هذا مسلم،وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:
((المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده)) وأنا أعلم أنه لا يسلم الناس
منه ، فذكر حديث معمر عن الزهري قال : فيرى أن الإسلام الكلمة ،
والإيمان العمل .
فبين أحمد أن الإسلام إذا كان هو الكلمة فلا استثناء فيها ، فحيث كان
هو المفهوم من لفظ الإسلام فلا استثناء فيه، ولو أريد بالإيمان هذا، كما يراد
ذلك فى مثل قوله: ( فَتَحْرِرُرَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ ) فإنما أريد من أظهر الإسلام، فإن
الإيمان الذي علقت به أحكام الدنيا ، هو الإيمان الظاهر وهو الإسلام،
فالمسمى واحد فى الأحكام الظاهرة. ولهذا لما ذكر الأثرم لأحمد احتجاج
المرجئة بقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((أعتقها فإنها مؤمنة)) أجابه بأن المراد
حكمها فى الدنيا حكم المؤمنة؛ لم يرد أنها مؤمنة عند الله تستحق دخول الجنة بلا
نار إذا لقيته بمجرد هذا الإقرار ، وهذا هو المؤمن المطلق فی کتاب الله ، وهو
الموعود بالجنة بلا نار إذا مات على إيمانه ، ولهذا كان ابن مسعود وغيره من
السلف يلزمون من شهد لنفسه بالإيمان أن يشهد لها بالجنة ؛ يعنون إذا مات
على ذلك، فإنه قد عرف أن الجنة لا يدخلها إلا من مات مؤمناً .
فإذا قال الإنسان: أنا مؤمن قطعاً، وأنا مؤمن عند الله. قيل له: فاقطع
بأنك تدخل الجنة بلا عذاب إذا مت على هذا الحال ، فإن الله أخبر أن المؤمنين
٤١٦

في الجنة . وأذكر أحمد بن حنبل حديث ابن عميرة أن عبد اللهرجع عن الاستثناء؛
فإن ابن مسعود لما قيل له: إن قوماً يقولون: إنا مؤمنون، فقال: أفلا
سألتوم أفى الجنة م ؟ وفي رواية: أفلا قالوا : نحن أهل الجنة ، وفى رواية قيل له:
إن هذا يزعم أنه مؤمن ؛ قال : فاسألوه أفى الجنة هو أو فى النار ؛ فسألوه فقال:
الله أعلى، فقال له عبدالله: فهلا وكلت الأولى كما وكلت الثانية؟ من قال: أنا
مؤمن فهو كافر ، ومن قال : أنا عالم فهو جاهل ، ومن قال : هو فى الجنة فهو
فى النار . يروي عن عمر بن الخطاب من وجوه مرسلاً من حديث قتادة ونعيم
ابن أبي هند وغيرها.
والسؤال الذي تورده المرجئة على ابن مسعود ويقولون : إن يزيد بن
عميرة أورده عليه حتى رجع ، جعل هذا أن الإنسان يعلم حاله الآن ، وما يدري
ماذا يموت عليه، ولهذا السؤال صار طائفة كثيرة يقولون : المؤمن هو من سبق
في على اللّه أنه يختم له بالإيمان، والكافر من سبق في على اللّه أنه كافر، وأنه لا
اعتبار بما كان قبل ذلك ، وعلى هذا يجعلون الاستثناء، وهذا أحد قولى
الناس من أصحاب أحمد وغيرم وهو قول أبي الحسن وأصحابه.
ولكن أحمد وغيره من السلف لم يكن هذا مقصودهم وإنما مقصودم أن
الإيمان المطلق يتضمن فعل المأمورات. فقوله: أنا مؤمن . كقوله: أنا ولي الله
وأنا مؤمن تقي، وأنا من الأبرار، ونحو ذلك. وابن مسعود رضي الله عنه لم يكن يخفى
عليه أن الجنة لا تكون إلا لمن مات مؤمناً ، وأن الإنسان لا يعلم على ماذا يموت
٤١٧

فإن ابن مسعود أجل قدراً من هذا، وإنما أراد: سلوه هل هو فى الجنة
إن مات على هذه الحال ؟ كأنه قال: سلوه أيكون من أهل الجنة على هذه
الحال؟ فلما قال: الله ورسوله أعلم، قال: أفلا وكلت الأولى كما وكلت الثانية .
يقول : هذا التوقف يدل على أنك لا تشهد لنفسك بفعل الواجبات وترك
المحرمات . فإنه من شهد لنفسه بذلك شهد لنفسه أنه من أهل الجنة إن مات على
ذلك، ولهذا صار الذين لا يرون الاستثناء لأجل الحال الحاضر ، بل للموافاة ،
لا يقطعون بأن الله يقبل توبة تائب، كما لا يقطعون بأن الله تعالى يعاقب
مذنباً ، فإنهم لو قطعوا بقبول توبته، لزمهم أن يقطعوا له الجنة ، وهم لا يقطعون
لأحد من أهل القبلة لا يجنة ولا نار ؛ إلا من قطع له النص.
وإذا قيل : الجنة هي لمن أتى بالتوبة النصوح من جميع السيئات . قالوا :
ولو مات على هذه التوبة لم يقطع له بالجنة ، وهم لا يستثنون فى الأحوال ، بل
يجزمون بأن المؤمن مؤمن تام الإيمان، ولكن عندم الإيمان عند الله هو مايوافي
به ، فمن قطعوا له بأنه مات مؤمناً لا ذنب له قطعوا له بالجنة ، فلهذا لا يقطعون
بقبول التوبة لئلا يلزمهم أن يقطعوا بالجنة ، وأما أئمة السلف فإنما لم يقطعوا بالجنة
لأنهم لا يقطعون بأنه فعل المأمور وترك المحظور ، ولا أنه أتى بالتوبة النصوح،
وإلا فهم يقطعون بأن من تاب توبة نصوحاً ، قبل الله توبته .
وجماع الأمر أن الاسم الواحد ينفى ويثبت بحسب الأحكام المتعلقة به .
فلا يجب إذا أثبت أو نفي فى حكم أن يكون كذلك فى سائر الأحكام ، وهذا فى
٤١٨

كلام العرب وسائر الأمم ، لأن المعنى مفهوم . مثال ذلك المنافقون قد يجعلون
من المؤمنين في موضع ؛ وفى موضع آخر يقال: مام منهم . قال الله تعالى: (قَدْ
يَعْلَمُ الَّهُالْمُعَوِّقِينَ مِنْكُ وَالْعَائِلِينَ لِإِخْوَذِهِمْ هَلُمَّإِلَيْنَا وَلَا يَأْنُونَ الْبَأْسَ إِلَّافِلًا * أَشِحَّةً
عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُمْ كَلَّذِى يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْنِّ فَإِذَا
ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلِّنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُوْلَئِكَ لَ يُؤْمِنُواْ فَأَحْبَطَ اللَّهُ
) فهنالك جعل هؤلاء المنافقين الخائفين من
أَعْمَلَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا
العدو ، النا كلين عن الجهاد ، الناهين لغيره ، الذامين للمؤمنين: منهم .
وقال فى آية أخرى (وَيَحْلِفُونَ بِلَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ
يَفْرَقُونَ * لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَنَّا أَوْ مَغَرَاتٍ أَوْ مُدَّخَلًا لَّوَلَّوْاْ إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ )
وهؤلاء ذنبهم أخف ، فإنهم لم يؤذوا المؤمنين لا بنهى ولا سلق
بألسنة حداد، ولكن حلفوا بالله إنهم من المؤمنين فى الباطن بقلوبهم ، وإلا فقد
علم المؤمنون أنهم منهم فى الظاهر، فكذبهم الله وقال: (وَمَاهُمْ مِنْكُؤْ) وهناك
قال: ( قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوَّقِينَ مِنْكُرُ ) فالخطاب لمن كان فى الظاهر مسلماً مؤمناً
وليس مؤمناً، بأن منكم من هو بهذه الصفة، وليس مؤمناً بل أحبط اللّه عمله،
فهو منكم فى الظاهر لا الباطن .
ولهذا لما استؤذن النبى صلى الله عليه وسلم في قتل بعض المنافقين قال :
((لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه)) فإنهم من أصحابه فى الظاهر عند من
لا يعرف حقائق الأمور ، وأصحابه الذين م أصحابه ليس فيهم نفاق
٤١٩

كالذين علموا سنته الناس وبلغوها إليهم وقاتلوا المرتدين بعد موته، والذين
بايعوه تحت الشجرة وأهل بدر وغيرهم ، بل الذين كانوا منافقين غمرتهم
الناس .
وكذلك الأنساب مثل كون الإنسان أباً لآخر أو أخاه ، يثبت فى بعض
الأحكام دون بعض؛ فإنه قد ثبت فى ((الصحيحين)) أنه لما اختصم إلى النبي
صلى الله عليه وسلم سعد بن أبي وقاص وعبد بن زمعة بن الأسود ، في ابن
وليدة زمعة ، وكان عتبة بن أبي وقاص قد فر بها فى الجاهلية وولدت منه ولداً
فقال عتبة لأخيه سعد: إذا قدمت مكة فانظر ابن وليدة زمعة فإنه ابني،
فاختصم فيه هو وعبد بن زمعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال سعد :
يارسول الله! ابن أخي عتبة، عهد إليَّ أخي عتبة فيه، إذا قدمت مكة انظر
إلى ابن وليدة زمعة فإنه ابني ، ألا ترى يا رسول الله شبهه بعتبة؟ فقال عبد :
يا رسول الله أخي وابن وليدة أبي ؛ ولد على فراش أبى ، فرأى النبي
صلى الله عليه وسلم شبهاً بيناً بعتبة فقال: ((هو لك يا عبد بن زمعة،
الولد للفراش وللعاهر الحجر ، واحتجى منه يا سودة)» لما رأى من شبهه
البين بعتبة .
فقد جعله النبى صلى الله عليه وسلم ابن زمعة لأنه ولد على فراشه وجعله
أخاً لولده بقوله: ((فهو لك يا عبد بن زمعة)) وقد صارت سودة أخته يرتها
وترئه ؛ لأنه ابن أبيها زمعة ولد على فراشه. ومع هذا فأمرها النبي صلى الله
٤٢٠