Indexed OCR Text

Pages 201-220

صار الناس («ثلاثة أصناف)): إما مؤمن، وإما كافر مظهر للكفر، وإما منافق؛
بخلاف ما كانوا وهو مكة ؛ فإنه لم يكن هناك منافق ؛ ولهذا قال أحمد بن حنبل
وغيره: لم يكن من المهاجرين منافق، وإنما كان النفاق فى قبائل الأنصار ؛ فإن
مكة كانت للكفار مستولين عليها ، فلا يؤمن ويهاجر إلا من هو مؤمن
ليس هناك داع يدعو إلى النفاق، والمدينة آمن بها أهل الشوكة؛ فصار للمؤمنين
بها عن ومنعة بالأنصار، فمن لم يظهر الإيمان آذوه ؛ فاحتاج المنافقون إلى إظهار
الإيمان، مع أن قلوبهم لم تؤمن ، والله تعالى افتتح البقرة ووسط البقرة وختم
البقرة بالإيمان بجميع ما جاءت به الأنبياء ؛ فقال فى أولها ما تقدم ، وقال فى
وسطها: (قُولُوَأْءَامَنَا بِاللَّهِ وَمَآ أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَآ أَنْزِلَ إِلَى إِزَهِمَ وَ إِسْمَعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ
وَاْأَسْبَاطِ وَمَآ أُوْنِّيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِّتُونَ مِن رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ
وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ * فَإِنْ ءَامَنُواْبِمِثْلِ مَآءَا مَنْتُم بِهِ، فَقَدِ اهْتَدَواْ فَإِ نَوْفَنَّمَا هُمْ فِ شِقَاقٍ)
الآية: وقال فى آخرها: (ءَامَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّهِ، وَالْمُؤْمِنُونَ كُلُّءَامَنَ
بِاللَّهِ وَمَلَئِكَتِهِ، وَكُبِهِ، وَرُسُلِهِ، لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُسُلِهِ، وَقَالُواْسَمِعْنَا وَأَطَعْنَاً
غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ ) والآية الأخرى.
وفى ((الصحيحين)) عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((الآيتان من
آخر سورة البقرة: من قرأ بهما فى ليلة كفتاه )) والآية الوسطى قد ثبت فى
((الصحيح)) أنه كان يقرأ بها فى ركعتى الفجر: وبـ((قُلْ يَأَهْلَ الْكِنَبِ
تَعَالَوْاْ إِلَى كَلِمَةٍ سَوَآَمَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ) الآية، تارة. وبـ (قُلْ يَأَتُهَا الْكَفِرُونَ)
٢٠١

و(قُلْ هُوَ اللَّهُأَحَدُّ) تارة. فيقرأ بما فيه ذكر الإيمان والإسلام، أو بما فيه
ذكر التوحيد والإخلاص.
فعلى قول هؤلاء يقال : الأعمال الصالحة المعطوفة على الإيمان دخلت في
الإيمان، وعطف عليه عطف الخاص على العام؛ إما لذكره خصوصاً بعد عموم
وإما لكونه إذا عطف كان دليلاً على أنه لم يدخل فى العام . وقيل: بل الأعمال
فى الأصل ليست من الإيمان ؛ فإن أصل الإيمان هو ما فى القلب، ولكن هي
لازمة له، فمن لم يفعلها كان إيمانه منتفياً؛ لأن انتفاء اللازم يقتضي انتفاء الملزوم
لكن صارت بعرف الشارع داخلة فى اسم الإيمان إذا أطلق ، كما تقدم فى كلام
النبى صلى الله عليه وسلم، فإذا عطفت عليه ذكرت ، لئلا يظن الظان أن مجرد
إيمانه بدون الأعمال الصالحة اللازمة للإيمان يوجب الوعد ؛ فكان ذكرها
تخصيصاً وتنصيصاً ليعلم أن الثواب الموعود به فى الآخرة وهو الجنة بلا عذاب
لا يكون إلا لمن آمن وعمل صالحاً ؛ لا يكون لمن ادعى الإيمان ولم يعمل ، وقد
بين سبحانه فى غير موضع أن الصادق فى قوله : آمنت لا بد أن يقوم بالواجب
وحصر الإيمان فى هؤلاء يدل على انتفائه عمن سوام .
والجهمية هنا سؤال ذكره أبو الحسن فى كتاب ((الموجز)) وهو أن القرآن
نفى الإيمان عن غير هؤلاء، كقوله: ( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ
قُلُوبُهُمْ) ولم يقل: إن هذه الأعمال من الإيمان، قالوا: فنحن نقول: من لميعمل
هذه الأعمال لم يكن مؤمناً ، لأن انتفاءها دليل على انتفاء العلم من قلبه .
٢٠٢

والجواب عن هذا من وجوه :
(أحدها ): أنكم سلمتم أن هذه الأعمال لازمة لإيمان القلب ، فإذا
انتفت لم يبق فى القلب إيمان ، وهذا هو المطلوب ؛ وبعد هذا فكونها لازمة
أو جزءاً ، نزاع لفظي.
(الثاني): أن نصوصاً صرحت بأنها جزء، كقوله: ((الإيمان بضع وستون
أو بضع وسبعون شعبة)).
( الثالث): أنكم إن قلتم بأن من انتفى عنه هذه الأمور فهو كافر خال
من كل إِيمان ، كان قولكم قول الخوارج، وأنتم فى طرف، والخوارج فى
طرف؛ فكيف توافقونهم ومن هذه الأمور إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة ، وصوم
رمضان، والحج ، والجهاد ، والإجابة إلى حكم الله ورسوله ؛ وغير ذلك مما
لا تكفرون تاركه ، وإن كفرتموه كان قولكم قول الخوارج.
( الرابع ) : أن قول القائل: إن انتفاء بعض هذه الأعمال يستلزم أن
لا يكون فى قلب الإنسان شيء من التصديق بأن الرب حق ، قول يعلم
فساده بالاضطرار .
(الخامس ): أن هذا إذا ثبت فى هذه ثبت فى سائر الواجبات ، فيرتفع
النزاع المعنوي.
٤
٢٠٣

فصل
(الوجه الثاني) من غلط ((المرجئة)»: ظنهم أن ما فى القلب من الإيمان
ليس إلا التصديق فقط ، دون أعمال القلوب؛ كما تقدم عن جهمية المرجئة .
( الثالث) ظنهم أن الإيمان الذي فى القلب يكون تاماً بدون شيء من
الأعمال، ولهذا يجعلون الأعمال ثمرة الإيمان ومقتضاه ، بمنزلة السبب مع المسبب
ولا يجعلونها لازمة له، والتحقيق أن إيمان القلب التام يستلزم العمل الظاهر
ء
بحسبه لامحالة، ويمتنع ان يقوم بالقلب إيمان تام بدون عمل ظاهر ؛ ولهذا صاروا
يقدرون مسائل يمتنع وقوعها لعدم تحقق الارتباط الذي بين البدن والقلب
مثل أن يقولوا: رجل فى قلبه من الإيمان مثل ما فى قلب أبي بكر وعمر ، وهو
لا يسجد لله سجدة، ولا يصوم رمضان، ويزني بأمه وأخته، ويشرب الخمر
نهار رمضان ؛ يقولون: هذا مؤمن تام الإيمان ، فيبقى سائر المؤمنين ينكرون
ذلك غاية الإنكار .
قال أحمد بن حنبل : حدثنا خلف بن حيان ، حدثنا معقل بن عبيد الله
العبسي قال : قدم علينا سالم الأفطس بالأرجاء ، فنفر منه أصحابنا نفوراً شديداً
منهم ميمون بن مهران ، وعبد الكريم بن مالك ، فإنه عاهد الله أن
٢٠٤

الايؤويه وإياه سقف بيت إلا المسجد ، قال معقل: فحججت فدخلت على عطاء
ء س
ابن أبى رباح فى نفر من أصحابي وهو يقرأ: (حََّ إِذَا أَسْتَبْقَسَ الرُّسُلُ وَنُواْأَهُمْ قَّدْ
كُذِبُواْ) قلت : إن لنا حاجة فأخلنا، ففعل ؛ فأخبرته أن قوماً قبلنا قد أحدثوا
وتكلموا وقالوا : إن الصلاة والزكاة ليستا من الدين ؛ فقال: أوليس الله تعالى
يقول: (وَمَا أُمُِوّا إِلَّا لِيَعْبُدُ واْ اللَّهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الذِينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُواْالصَّلَوةَ وَيُؤْتُواْالزَّكَوَةَ
) . فالصلاة والزكاة من الدين، قال: فقلت: إنهم
وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ
يقولون: ليس فى الإيمان زيادة ، فقال : أوليس قد قال الله فيما أنزل :
( لِيَزْدَادُوَاْ إِيمَنَامَعَ إِيمَنِهِمْ) هذا الإيمان. فقلت: إنهم انتحلوك . وبلغنى أن
ابن ذر دخل عليك فى أصحاب له ، فعرضوا عليك قولهم فقبلته . فقلت هذا
الأمر، فقال: لا والله الذي لا إله إلا هو، مرتين أو ثلاثاً ثم قال: قدمت
المدينة جلست إلى نافع فقلت: ياأبا عبد الله! إن لي إليك حاجة ، فقال: سر
أم علانية ؟ فقلت : لا بل سر : قال : رب سر لا خير فيه ، فقلت : ليس من
ذلك، فلما صلينا العصر قام وأخذ بثوبي، ثم خرج من الخوخة ولم ينتظر القاص،
فقال : حاجتك؟ قال فقلت : أخلنى هذا. فقال: تنح ؛ قال : فذكرت له قولهم .
فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «أمرت أن أضربهم بالسيف
حتى يقولوا: لا إله إلا الله؛ فإذا قالوا: لا إله إلا الله عصموا منى دماءهم وأموالهم
إلا بحقها وحسابهم على الله)) قال: قلت : إنهم يقولون: نحن نقر بأن الصلاة
فرض ولا نصلى ؛ وبأن الخمر حرام ونشربها ، وأن نكاح الأمهات حرام ونحن
تنکح. فنثر يده من بدي وقال : من فعل هذا فهو كافر .
٢٠٥

قال معقل : فلقيت الزهري فأخبرته بقولهم. فقال : سبحان الله! وقد
أخذ الناس فى هذه الخصومات. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. ((لا يزني
الزاني حين يزني وهو مؤمن؛ ولا يشرب الخمر حين بشربها وهو مؤمن)).
قال معقل . فلقيت الحكم بن عتبة فقلت له : إن عبد الكريم وميموناً بلغهما
أنه دخل عليك ناس من المرجئة فعرضوا بقولهم عليك فقبلت قولهم ؛ قال.
فقبل ذلك علي ميمون ؛ وعبد الكريم ؟! لقد دخل علي اثنا عشر رجلاً وأنا
مريض فقالوا : ياأبا محمد بلغك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أناه رجل بأمة
سوداء ، أو حبشية، فقال: يارسول الله! على رقبة مؤمنة، أفترى هذه مؤمنة؟
فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أتشهدين أن لا إله إلا الله ؟)) : فقالت:
نعم. قال: ((وتشهدين أن محمداً رسول الله؟)): قالت: نعم، قال: ((وتشهدين
أن الجنة حق والنار حق)) قالت: نعم، قال: ((وتشهدين أن الله يبعثك من بعد
الموت؟)). قالت: نعم؛ قال: ((فأعتقها فإنها مؤمنة)): فخرجوا وهم ينتحلون ذلك.
قال معقل: ثم جلست إلى ميمون بن مهران، فقلت يا أبا أيوب لو قرأت
لنا سورة ففسرتها، قال: فقرأ: ( إِذَا الشَّمْسُ كُوْرَتْ ) حتى إذا بلغ: (قُطَاعِ
ثَّأَمِينٍ ) قال: ذاكم جبريل، والخيبة لمن يقول: إن إيمانه كإيمان جبريل، ورواه
حنبل عن أحمد ، ورواه أيضاً عن ابن أبي مليكة قال : لقد أتى علي برهة من
الدهر وما أراني أدرك قوماً يقول أحدم: «إنى مؤمن مستكمل الإيمان، ثم
ما رضى حتى قال : إيماني على إيمان جبريل وميكائيل ، وما زال بهم الشيطان
٢٠٦

حتى قال أحدم: إني مؤمن وإن نكح أخته وأمه وبنته، والله لقد أدركت كذا
وكذا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم؛ ما مات أحد منهم إلا وهو يخشى
النفاق على نفسه، وقد ذكر هذا المعنى عنه البخاري فى ((صحيحه)) قال: أدركت
ثلاثين من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم كلهم يخاف النفاق على نفسه، ما منهم
أحد يقول : إيمانه كإيمان جبريل.
وروى البغوي عن عبدالله بن محمد عن ابن مجاهد قال : كنت عند عطاء
ابن أبى رباح، فجاء ابنه يعقوب فقال: ياأبتاه إن أصحاباً لي يزعمون أن إيمانهم
كإيمان جبريل؛ فقال: يابني ليس إيمان من أطاع الله كإيمان من عصى الله.
قلت: قوله عن ((المرجئة)): إنهم يقولون: إن الصلاة والزكاة ليستا من
الدين، قد يكون قول بعضهم ، فإنهم كلهم يقولون: ليستا من الإيمان، وأما من
الدين فقد حكي عن بعضهم أنه يقول : ليستا من الدين ؛ ولا نفرق بين الإيمان
والدين ، ومنهم من يقول : بل هما من الدين ويفرق بين اسم الإيمان واسم
الدين، وهذا هو المعروف من أقوالهم التى يقولونها عن أنفسهم : ولم أر أنا فى
كتاب أحد منهم أنه قال : الأعمال ليست من الدين، بل يقولون ليست من
الإيمان ، وكذلك حكى أبو عبيد عمن ناظره منهم، فإن أبا عبيد وغيره يحتجون
بأن الأعمال من الدين؛ فذكر قوله: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ) إنها نزلت
فى حجة الوداع. قال أبو عبيد: فأخبر أنه إنما كمل الدين الآن فى آخر
الإسلام فى حجة النبي صلى الله عليه وسلم، وزعم هؤلاء أنه كان كاملاً قبل ذلك
٢٠٧

بعشرين سنة من أول ما نزل عليه الوحى بمكة حين دعا الناس إلى الإقرار، حتى
قال : لقد اضطر بعضهم حين أدخلت عليه هذه الحجة ... إلى أن قال: إن
الإيمان ليس بجميع الدين ، ولكن الدين ثلاثة أجزاء: الإيمان جزء؛ والفرائض
جزء ، والنوافل جزء .
قلت : هذا الذي قاله هذا هو مذهب القوم، قال أبو عبيد : وهذا غير
ما نطق به الكتاب ، ألا تسمع إلى قوله: (إِنَّاُلِّّينَ عِندَ اللّهِالْإِسْلَمُ، وقال
(وَمَن يَبْتَعْ غَيَّالْإِسْلَِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ ). وقال: (وَرَضِيتُ لَكُمْ اُلْإِسْلَمَ
دِينًا) فأخبر أن الإسلام هو الدين برمته؛ وزعم هؤلاء أنه ثلث الدين .
قلت : إنما قالوا : إن الإيمان ثلث ، ولم يقولوا إن الإيمان ثلث الدين
لكنهم فرقوا بين مسمى الإيمان ومسمى الدين، وسنذكر إن شاء الله تعالى
الكلام فى مسمى هذا ومسمى هذا، فقد يحكى عن بعضهم أنه يقول ليستا
من الدين ولا يفرق بين اسم الإيمان والدين ومنهم من يقول بل كلاهما من الدين
ويفرق بين اسم الإيمان واسم الدين ، والشافعي رضي الله عنه كان معظماً لعطاء
ابن أبي رباح ، ويقول: ليس فى التابعين أتبع للحديث منه، وكذلك أبو حنيفة
قال. ما رأيت مثل عطاء، وقد أخذ الشافعى هذه الحجة عن عطاء. فروى
ابن أبي حاتم فى مناقب الشافعي : حدثنا أبى ، حدثنا ميمون، حدثنا
أبو عثمان بن الشافعي ، سمعت أبي يقول ليلة للحميدي: ما يحتج عليهم ، يعني
٢٠٨

أهل الإرجاء بآية أحج من قوله: (وَمَا أُمِرُوَاْ إِلَّا لِيَعْبُدُ وا اللَه ◌ُخْصِينَ لَهُ الَّذِينَ حُنَفَآءَ
وَيُقِيمُواْ الصَّلَوةَ وَيُؤْتُواْالزَّكَوَةَ وَذَلِكَ دِيْنُ اَلْقَيِّمَةِ ) .
وقال الشافعي رضي الله عنه في كتاب ((الأم)) في (باب النية في الصلاة):
يحتج بأن لا يجزئ صلاة إلا بنية بحديث عمر بن الخطاب رضى الله عنه عن النبي
صلى الله عليه وسلم: ((إنما الأعمال بالنيات)) ثم قال : وكان الإجماع من الصحابة،
والتابعين من بعدهم ، ومن أدركنام يقولون: الإيمان قول وعمل ونية ؛ لا يجزئ
واحد من الثلاث إلا بالآخر .
وقال حنبل : حدثنا الحميدي قال : وأخبرت أن ناساً يقولون : من أقر
بالصلاة والزكاة والصوم والحج ولم يفعل من ذلك شيئاً حتى يموت ، ويصلي
مستدبر القبلة حتى يموت؛ فهو مؤمن ما لم يكن جاحداً إذا علم أن تركه ذلك
فيه إيمانه إذا كان مقرأ بالفرائض واستقبال القبلة ، فقلت : هذا الكفر
الصراح ، وخلاف كتاب الله وسنة رسوله وعلماء المسلمين . قال الله تعالى:
) الآية . وقال حنبل: سمعت
وَمَآ أُمِرُ وَاْإِلَّا لِيَعْبُدُواْ اللَّهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الَّذِينَ
)
أباعبد الله أحمد بن حنبل يقول : من قال هذا فقد كفر بالله ورد على أمره
وعلى الرسول ما جاء به عن الله .
قلت: وأما احتجاجهم بقوله للأمة ((اعتقها فإنها مؤمنة)) فهو من حججهم
المشهورة ، وبه احتج ابن كلاب، وكان يقول: الإيمان هو التصديق والقول
جميعاً، فكان قوله أقرب من قول جهم وأتباعه ، وهذا لا حجة فيه ؛ لأن
٢٠٩

الإيمان الظاهر الذي يجري عليه الأحكام فى الدنيا لا يستلزم الإيمان في الباطن
الذي يكون صاحبه من أهل السعادة فى الآخرة ، فإن المنافقين الذين قالوا :
(ءَامَنَّا بِاللَّهِ وَ بِالْيَوْمِ الْآَخِ وَمَاهُم بِمُؤْمِنِينَ ) ثم في الظاهر مؤمنون يصلون مع
الناس. ويصومون ويحجون ويغزون ، والمسلمون بنا كونهم ويوارثونهم كما
كان المنافقون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولم يحكم النبى صلى الله
عليه وسلم في المنافقين بحكم الكفار المظهرين للكفر ، لا في منا كمتهم
ولا موارثتهم ولا يحو ذلك؛ بل لما مات عبد الله بن أبي بن سلول ــ وهو
من أشهر الناس بالنفاق - ورثه ابنه عبد الله وهو من خيار المؤمنين، وكذلك
سائر من كان يموت منهم يرثه ورثته المؤمنون ؛ وإذا مات لأحدم وارث ورثوه
مع المسلمين .
وقد تنازع الفقهاء فى المنافق الزنديق الذي يكتم زندقته ، هل يرث
ويورث ؟ على قولين، والصحيح أنه يرث ويورث وإن علم فى الباطن أنه
منافق ، كما كان الصحابة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم لأن الميراث مبناه على
الموالاة الظاهرة ، لا على المحبة التى فى القلوب ، فإنه لو علق بذلك لم تمكن
معرفته، والحكمة إذا كانت خفية أو منتشرة علق الحكم بمظنتها ، وهو ما أظهره
من موالاة المسلمين ؛ فقول النبى صلى الله عليه وسلم: ((لا يرث المسلم الكافر
ولا الكافر المسلم» لم يدخل فيه المنافقون وإن كانوا فى الآخرة فى الدرك
الأسفل من النار ؛ بل كانوا يورثون ويرثون ؛ وكذلك كانوا فى الحقوق
والحدود كسائر المسلمين، وقد أخبر اللّه عنهم أنهم يصلون ويزكون ومع هذا
٢١٠

لم يتقبل ذلك منهم فقال: ( وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُواْ
بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ، وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَوةَ إِلَّ وَهُمْ حِكُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَرِهُونَ)
وقال (إِنَّالْمُنَفِقِينَ يُخَدِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَدِعُهُمْ وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلَوَةِ قَامُواْ كُسَالَىَ
يُرَآءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَإِلَّا قَلِيلًا).
وفي ((صحيح مسلم)) عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( تلك صلاة
المنافق ، تلك صلاة المنافق، تلك صلاة المنافق، يرقب الشمس حتى إذا كانت
بين قرني شيطان قام فنقر أربعاً لا يذكر الله فيها إلا قليلاً))، وكانوا يخرجون
مع النبي صلى الله عليه وسلم في المغازي، كما خرج ابن أبي فى غزوة بني المصطلق
وقال فيها: ( لَبِن رَّجَعْنَآ إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَ الْأَعَزُّمِنْهَا الْأَذَلَّ).
((وفي الصحيحين)) عن زيد بن أرقم قال : خرجنا مع النبي صلى الله عليه
وسلم فى سفر أصاب الناس فيها شدة ، فقال عبد الله بن أبي لأصحابه: لا تنفقوا
على من عند رسول الله حتى ينفضوا من حوله . وقال: (لَيِن رَّجَعْنَآ إِلَى الْمَدِينَةِ
لَيُخْرِجَنَ الْأَعْزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ) فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته ، فأرسل
إلى عبد الله بن أبي؛ فسأله فاجتهد يمينه ما فعل، وقالوا : كذب زيد يارسول الله
فوقع فى نفسي مما قالوا شدة ، حتى أنزل الله لصديقى فى (إِذَاجَاءَ كَ الْمُنَفِقُونَ)
فدعام النبى صلى الله عليه وسلم ليستغفر لهم . فلووا رؤوسهم. وفى غزوة تبوك
استنفرم النبي صلى الله عليه وسلم كما استنفر غيرهم، مخرج بعضهم معه وبعضهم
تخلفوا ، وكان فى الذين خرجوا معه من هم بقتله فى الطريق ، هموا بحل حزام
٢١١

ناقته ليقع فى واد هناك، فجاءه الوحى ، فأسر إلى حذيفة أسماءهم ، ولذلك يقال :
هو صاحب السر الذي لا يعلمه غيره، كما ثبت ذلك في ((الصحيح)) ومع هذا
ففى الظاهر تجري عليهم أحكام أهل الإيمان.
وبهذا يظهر الجواب عن شبهات كثيرة تورد فى هذا المقام؛ فإن كثيراً من
المتأخرين ما بقي فى المظهرين للإسلام عندم إلا عدل أو فاسق، وأعرضوا عن
حكم المنافقين، والمنافقون ما زالوا ولا يزالون إلى يوم القيامة ، والنفاق شعب
كثيرة، وقد كان الصحابة يخافون النفاق على أنفسهم .
ففي ((الصحيحين)) عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((آية المنافق ثلاث؛
إذا حدث كذب ، وإذا وعد أخلف وإذا اؤتمن خان)) وفى لفظ مسلم: (( وإن
صام وصلى وزعم أنه مسلم)» .
وفى ((الصحيحين)) عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه
قال. (( أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً ، ومن كانت فيه شعبة منهن كانت
فيه شعبة من النفاق حتى يدعها : إذا حدث كذب ، وإذا اؤتمن خان، وإذا عاهد
غدر ، وإذا خاصم فجر)) .
وكان النبى صلى الله عليه وسلم أولاً يصلي عليهم ويستغفر لهم، حتى نهاه
(
وَلَ تُصَلّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًّا وَلَا نَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ
الله عن ذلك فقال : (
وقال: (أُسْتَغْفِرْ هُمْ أَوْلَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَمُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَنْ يَغْفِرَ اَللَّهُلَهُمْ)
فلم يكن يصلي عليهم ولا يستغفر لهم، ولكن دماؤهم وأموالهم معصومة
٢١٢

لا يستحل منهم ما يستحله من الكفار الذين لا يظهرون أنهم مؤمنون، بل
يظهرون الكفردون الإيمان، فإنه صلى الله عليه وسلم قال: ((أمرت أن
أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأنى رسول الله ، فإذا قالوها عصموا
منى دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على اللّه)) ولما قال لأسامة بن زيد:
((أقتلته بعد ما قال: لا إله إلا الله؟)) قال: إنما قالها تعوذاً. قال: ((هلا
شققت عن قلبه؟)) وقال. ((إنى لم أومر أن أنقب عن قلوب الناس ولا أشق
بطونهم)) وكان إذا استؤذن فى قتل رجل يقول: ((أليس يصلي ، أليس
يتشهد؟)) فإذا قيل له: إنه منافق. قال: ((ذاك)).
فكان حكمه صلى الله عليه وسلم فى دمائهم وأموالهم كمحكمه فى دماء غيرم
لا يستحل منها شيئاً إلا بأمر ظاهر، مع أنه كان يعلم نفاق كثيرمنهم؛ وفيهم من
لم يكن يعلم نفاقه. قال تعالى: ( وَمِمَّنْ حَوْلَكُ مِنَ الْأَعْرَابِ مُتَفِقُونٌ وَمِنْ
أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى النِّفَاقِ لَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّ بُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّيُرَدُّونَ
سنـ
إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ ) وكان من مات منهم صلى عليه المسلمون الذين لا يعلمون أنه منافق
ومن على أنه منافق لم يصل عليه . وكان عمر إذا مات ميت لم يصل عليه حتى يصلى
عليه حذيفة ، لأن حذيفة كان قد على أعيانهم. وقد قال الله تعالى: (يَأَيُّهَا
الَّذِينَ ءَ امَنُواْإِذَا جَ حِكُمُ الْمُؤْمِنَثُ مُهَجِرَاتٍ فَامْتَحِتُوهُنَّاللّهُأَعْلَمُ إِمَنِنَّفَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّمُؤْمِنَاتٍ
فَلَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ ) فأمر بامتحانهن هنا وقال: (اُللَّهُأَعْلَمُ
بِإِيمَنِنَ).
٢١٣

والله تعالى لما أمر فى الكفارة بعتق رقبة مؤمنة، لم يكن على الناس
ألّ يعتقوا إلا من يعلمون أن الإيمان فى قلبه ؛ فإن هذا كما لو قيل لهم: اقتلوا إلا
من علمتم أن الإيمان فى قلبه. وم لم يؤمروا أن ينقبوا عن قلوب الناس ولا
يشقوا بطونهم ؛ فإذا رأوا رجلاً يظهر الإيمان جاز لهم عتقه ، وصاحب الجارية
لما سأل النبي صلى الله عليه وسلم هل هي مؤمنة؟ إنما أراد الإيمان الظاهر الذي
يفرق به بين المسلم والكافر، وكذلك من عليه نذر لم يلزمه أن يعتق إلا من علم
أن الإيمان فى قلبه ؛ فإنه لا يعلم ذلك مطلقاً؛ بل ولا أحد من الخلق يعلم ذلك
مطلقاً. وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلى الخلق والله يقول له: (وَمِمَّنْ
حَوْلَكُ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَفِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ
نَعْلَمُهُمَّ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ). فأولئك إنما كان النبى صلى الله عليه وسلم يحكم
فيهم حكمه فى سائر المؤمنين؛ ولو حضرت جنازة أحدم صلى عليها ، ولم يكن
منهياً عن الصلاة إلا على من علم نفاقه؛ وإلا لزم أن ينقب عن قلوب الناس ويعلم
سرائرهم ، وهذا لايقدر عليه بشر .
ولهذا لما كشفهم الله بسورة براءة بقوله: ( ومنهم)، (ومنهم) صاريعرف
تفاق ناس منهم لم يكن يعرف نفاقهم قبل ذلك ، فإن اللّه وصفهم بصفات علمها
الناس منهم ؛ وما كان الناس يجزمون بأنها مستلزمة لنفاقهم ، وإن كان بعضهم
يظن ذلك وبعضهم يعلمه ؛ فلم يكن نفاقهم معلوماً عند الجماعة، بخلاف حالهم
لما نزل القرآن؛ ولهذا لما نزلت سورة براءة كتموا النفاق وما بقى يمكنهم من
إظهاره أحياناً ما كان يمكنهم قبل ذلك ، وأنزل الله تعالى: ( لَِّن ◌َّْيَنَّهِ
٢١٤

الْمُتَفِقُونَ وَالَّذِينَ فِ قُلُوبِهِمْ قَّرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِ الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّلَا
يُحَاوِرُونَكَ فِيَهَا إِلََّقَلِيلًا * مَّلْعُونِينٌ أَيْنَمَا تُقِفُواْ أُخِذُواْ وَقُتِّلُواْتَفْتِيلاً *
سُنَّةَ اللَّهِ فِى الَّذِينَ خَلَوْ مِن قَبْلٌ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِتَبْدِيلًا) فلما توعدوا بالقتل
إذا أظهروا النفاق ، كتموه.
ولهذا تنازع الفقهاء فى استتابة الزنديق . فقيل : يستتاب . واستدل من
قال ذلك بالمنافقين الذين كان النبى صلى الله عليه وسلم يقبل علانيتهم وبكل
أمرهم إلى اللّه؛ فيقال له: هذا كان فى أول الأمر، وبعد هذا أنزل الله:
( ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا) فعلموا أنهم إن أظهروه كما كانوا
يظهرونه قتلوا، فكتموه .
والزنديق: هو المنافق، وإنما يقتله من يقتله إذا ظهر منه أنه يكتم النفاق ،
قالوا : ولا تعلم توبته ، لأن غاية ما عنده أنه يظهر ما كان يظهر ؛ وقد كان
يظهر الإيمان وهو منافق ؛ ولو قبلت توبة الزنادقة لم يكن سبيل إلى تقتيلهم ،
والقرآن قد توعدم بالتقتيل .
والمقصود أن النبى صلى الله عليه وسلم إنما أخبر عن تلك الأمة بالإيمان
الظاهر الذي علقت به الأحكام الظاهرة ، وإلا فقد ثبت عنه أن سعداً لما شهد
الرجل أنه مؤمن قال: ((أو مسل» وكان يظهر من الإيمان ما تظهره الأمة وزيادة
فيجب أن يفرق بين أحكام المؤمنين الظاهرة التى يحكم فيها الناس فى الدنيا ،
وبين حكمهم فى الآخرة بالثواب والعقاب ؛ فالمؤمن المستحق للجنة لا بد أن
٢١٥

يكون مؤمناً فى الباطن باتفاق جميع أهل القبلة ، حتى الكرامية الذين يسمون
المنافق مؤمناً ويقولون : الإيمان هو الكلمة، يقولون: إنه لا ينفع فى الآخرة
إلا الإيمان الباطن .
وقد حكى بعضهم عنهم أنهم يجعلون المنافقين من أهل الجنة ، وهو غلط
عليهم ؛ إنما نازعوا فى الاسم لا فى الحكم بسبب شبهة المرجئة في أن الإيمان
لا يتبعض ولا يتفاضل؛ ولهذا أكثر ما اشترط الفقهاء فى الرقبة التى يجزئ في
الكفارة العمل الظاهر ، فتنازعوا هل يجزئ الصغير ؟ على قولين معروفين
للسلف هما روايتان عن أحمد ؛ فقيل : لا يجزئ عتقه، لأن الإيمان قول وعمل
والصغير لم يؤمن بنفسه إنما إيمانه تبع لأبويه فى أحكام الدنيا ؛ ولم يشترط أحد
أن يعلم أنه مؤمن فى الباطن ؛ وقيل: بل يجزئ عتقه، لأن العتق من الأحكام
الظاهرة وهو تبع لأبويه ؛ فكما أنه يرث منهما ويصلى عليه ، ولا يصلى إلا على
مؤمن ، فإنه يعتق .
وكذلك المنافقون الذين لم يظهروا نفاقهم يصلى عليهم إذا ماتوا ، ويدفنون
فى مقابر المسلمين من عهد التى صلى الله عليه وسلم ، والمقبرة التى كانت للمسلمين
فى حياته وحياة خلفائه وأصحابه يدفن فيها كل من أظهر الإيمان وإن كان منافقاً
فى الباطن ، ولم يكن للمنافقين مقبرة يتميزون بها عن المسلمين فى شيء من ديار
الإسلام. كما تكون لليهود والنصارى مقبرة يتميزون بها، ومن دفن فى مقابر
المسلمين صلى عليه المسلمون، والصلاة لا يجوز على من على نفاقه بنص القرآن، فعلم أن
ذلك بناء على الإيمان الظاهر ، والله يتولى السرائر، وقد كان النبي صلى الله عليه
٢١٦

وسلم يصلى عليهم ويستغفر لهم حتى نهي عن ذلك . وعلل ذلك بالكفر، فكان
ذلك دليلاً على أن كل من لم يعلم أنه كافر بالباطن جازت الصلاة عليه والاستغفار
له وإن كانت فيه بدعة وإن كان له ذنوب .
وإذا ترك الإمام، أو أهل العلم والدين ((الصلاة)) على بعض المتظاهرين
ببدعة أو فجور زجراً عنها ، لم يكن ذلك محرماً للصلاة عليه والاستغفار له ، بل
قال النبى صلى الله عليه وسلم فيمن كان يمتنع عن الصلاة عليه وهو الغال وقائل
نفسه والمدين الذي لا وفاء له: ((صلوا على صاحبكم)) وروي أنه كان يستغفر
للرجل في الباطن وإن كان في الظاهر يدع ذلك زجراً عن مثل مذهبه، كما روي
فی حدیث محلم بن جثامة .
وليس فى الكتاب والسنة المظهرون للإسلام إلا قسمان : مؤمن أومنافق،
فالمنافق فى الدرك الأسفل من النار ، والآخر مؤمن ، ثم قد يكون ناقص
الإيمان فلا يتناوله الاسم المطلق ، وقد يكون تام الإيمان، وهذا يأتي الكلام
عليه إن شاء الله فى مسألة الإسلام والإيمان ، وأسماء الفساق من أهل الملة ؛
لكن المقصود هنا أنه لا يجعل أحد بمجرد ذنب يذنبه ولا ببدعة ابتدعها -
ولو دعا الناس إليها - كافراً فى الباطن ، إلا إذا كان منافقاً . فأما من كان فى
قلبه الإيمان بالرسول وما جاء به وقد غلط فى بعض ما تأوله من البدع ، فهذا
ليس بكافر أصلاً ، والخوارج كانوا من أظهر الناس بدعة وقتالاً للأمة وتكفيراً
لها ، ولم يكن فى الصحابة من يكفرم لا علي بن أبى طالب ولا غيره، بل حكموا
٢١٧

فيهم بحكمهم فى المسلمين الظالمين المعتدين كما ذكرت الآثار عنهم بذلك فى غير
هذا الموضع .
وكذلك سائر الثنتين والسبعين فرقة ، من كان منهم منافقاً فهو كافر فى
الباطن ، ومن لم يكن منافقاً بل كان مؤمناً بالله ورسوله فى الباطن ، لم يكن كافراً
فى الباطن ، وإن أخطأ في التأويل كائناً ما كان خطؤه ؛ وقد يكون في بعضهم
شعبة من شعب النفاق ولا يكون فيه النفاق الذي يكون صاحبه فى الدرك
الأسفل من النار. ومن قال : إن الثنتين والسبعين فرقة كل واحد منهم يكفر
كفراً ينقل عن الملة فقد خالف الكتاب والسنة وإجماع الصحابة رضوان الله
عليهم أجمعين ، بل وإجماع الأئمة الأربعة وغير الأربعة، فليس فيهم من كفركل
واحد من الثنتين والسبعين فرقة، وإنما يكفر بعضهم بعضاً ببعض المقالات، كماقد
بسط الكلام عليهم فى غير هذا الموضع .
وإنما قال الأئمة بكفر هذا ، لأن هذا فرض مالا يقع، فيمتنع أن يكون
الرجل لا يفعل شيئاً مما أمر به من الصلاة والزكاة والصيام والحج ، ويفعل
ما يقدر عليه من المحرمات ، مثل الصلاة بلا وضوء وإلى غير القبلة، ونكاح
الأمهات ، وهو مع ذلك مؤمن فى الباطن ؛ بل لا يفعل ذلك إلا لعدم الإيمان
الذي فى قلبه ، ولهذا كان أصحاب أبى حنيفة يكفرون أنواعاً ممن يقول كذا
وكذا : لما فيه من الاستخفاف ، ويجعلونه مرتداً ببعض هذه الأنواع مع النزاع
اللفظي الذى بين أصحابه وبين الجمهور فى العمل : هل هو داخل فى اسم الإيمان
٢١٨

أم لا؟ ولهذا فرض متأخروا الفقهاء مسألة يمتنع وقوعها وهو أن الرجل إذا
كان مقراً بوجوب الصلاة فدعي إليها وامتنع واستتيب ثلاثا مع تهديده بالقتل
فلم يصل حتى قتل ، هل يموت كافراً أو فاسقاً ؟ على قولين .
وهذا الفرض باطل ، فإنه يمتنع فى الفطرة أن يكون الرجل يعتقد أن الله
فرضها عليه، وأنه يعاقبه على تركها ويصبر على القتل ولا يسجد لله سجدة من
غير عذر له في ذلك، هذا لا يفعله بشر قط ، بل ولا يضرب أحد ممن يقر
بوجوب الصلاة إلا صلى، لا ينتهى الأمر به إلى القتل، وسبب ذلك أن القتل
ضرر عظيم لا يصبر عليه الإنسان إلا لأمر عظيم مثل لزومه لدين يعتقد أنه إن
فارقه هلك فيصبر عليه حتى يقتل ، وسواء كان الدين حقاً أو باطلاً ، أما مع
اعتقاده أن الفعل يجب عليه باطناً وظاهراً فلا يكون فعل الصلاة أصعب عليه
من احتمال القتل قط .
ونظير هذا لو قيل: إن رجلاً من أهل السنة قيل له : ترضَّ عن أبى بكر
وعمر فامتنع عن ذلك حتى قتل مع محبته لهما واعتقاده فضلها، ومع عدم الأعذار
المانعة من الترضي عنهما ، فهذا لا يقع قط. وكذلك لو قيل: إن رجلاً يشهدأن
محمداً رسول الله باطناً وظاهراً وقد طلب منه ذلك، وليس هناك رهبة ولارغبة
يمتنع لأجلها ، فامتنع منها حتى قتل ، فهذا يمتنع أن يكون فى الباطن يشهد أن
محمداً رسول الله؛ ولهذا كان القول الظاهر من الإيمان الذى لا تجاة للعبد إلا به
عند عامة السلف والخلف من الأولين والآخرين إلا الجهمية - جهماً ومن
وافقه - فإنه إذا قدر أنه معذور لكونه أخرس ، أو لكونه خائفا من قوم إن
٢١٩

أظهر الإسلام آذوه ونحو ذلك، فهذا يمكن ألا يتكلم مع إيمان فى قلبه ،
كالمكره على كلمة الكفر. قال الله تعالى: (إِلََّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَبِنٌّ بِالْإِيمَنِ
وَلَكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِصَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ
وهذه الآية مما يدل على فساد قول جهم ومن اتبعه ، فإنه جعل كل من تكلم
بالكفر ، من أهل وعيد الكفار ، إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان.
فإن قيل : فقد قال تعالى: (وَلَكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِصَدْرًا ) قيل: وهذا
موافق لأولها فإنه من كفر من غير إكراه فقد شرح بالكفر صدراً، وإلا
ناقض أول الآية آخرها ، ولو كان المراد بمن كفر هو الشارح صدره ، وذلك
يكون بلا إكراه، لم يستثن المكره فقط ، بل كان يجب أن يستثنى المكره وغير
المكره إذا لم يشرح صدره ، وإذا تكلم بكلمة الكفر طوعا فقد شرح بها
صدراً وهى كفر، وقد دل على ذلك قوله تعالى: ( يَحْذَرُ الْمُنَفِقُونَ أَنْ تُغَزَّلَ
عَلَيْهِمْ سُورَةٌ نُنَّبِّتُهُمْ بِمَا فِى قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِءُواْ إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَرُونَ :
*
وَلَبِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَءَايَتِهِ، وَرَسُولِهِ، كُنْتُمْ
تَسْتَهْزِءُونَ * لَا تَعْنَذِرُ وأَقَدْكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِمَنِكُمْإِن نَعْفُ عَن طَآئِفَةٍمِّنكُمْ ثُعَذِّبْ
طَاِفَةٌ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ). فقد أخبر أنهم كفروا بعد إيمانهم مع قولهم:
إنا تكلمنابالكفر من غير اعتقاد له، بل كنا نخوض ونلعب ، وبين أن الاستهزاء
بآيات الله كفر ، ولا يكون هذا إلا ممن شرح صدره بهذا الكلام، ولو كان
الإيمان فى قلبه منعه أن يتكلم بهذا الكلام.
٢٢٠