Indexed OCR Text
Pages 61-80
وجهاً ولاينشرن شعراً، ولا يشققن ثوباً. وقد قال بعضهم: هو جميع ما يأمرهم به الرسول من شرائع الإسلام وأدلته كما قاله أبو سليمان الدمشقي ولفظ الآية عام أنهن لا يعصينه فى معروف. ومعصيته لا تكون إلا فى معروف ؛ فإنه لا يأمر بمنكر، لكن هذا كما قيل: فيه دلالة على أن طاعة أولي الأمر، إنما تلزم فى المعروف كما ثبت فى ((الصحيح)) عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إنما الطاعة فى المعروف» ونظير هذا قوله: (أُسْتَجِيبُوْلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَكُمْ لِمَا يُحِيكُمْ) وهو لا يدعو إلا إلى ذلك. والتقييد هنا لامفهوم له ؛ فإنه لا يقع دعاء لغير ذلك. ولا أمر بغير معروف وهذا كقوله تعالى: (وَلَا تُكْرِهُواْ فَنَيَتِّكُمْ عَلَى اَلْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنَا). فإنهن إذا لم يردن تحصناً؛ امتنع الإكراه. ولكن فى هذا بيان الوصف المناسب للحكم، ومنه قوله تعالى: (وَمَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَ هَا ءَاخَرَ لَبُرْهَانَ لَهُ بِهِ، فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَرَبِِّّ: إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ اُلْكَافِرُونَ ). وقوله: (وَيَقْتُلُونَ النَّبِنَ بِغَيْرِالْحَقِّ). فالتقييد فى جميع هذا البيان والإيضاح، لا لإخراج فى وصف آخر؛ ولهذا يقول من يقول من النحاة: الصفات فى المعارف للتوضيح لا للتخصيص، وفى النكرات للتخصيص يغنى فى المعارف التى لا تحتاج إلى تخصيص، كقوله : ( سَبِحِ أَسْمَرَبِّكَ الْأَعْلَى * الَّذِىِ خَقَ فَسَوَّى). وقوله: ( الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِىَّ اُلْأُمِىَّ الَّذِى يَجِدُ ونَهُ مَكْنُوبًا عِندَهُمْ فِىِ التَّوْرَكَةِ وَآلْإِنِيلِ). وقوله: (الْحَمْدُ لِلِّرَبِّ الْعَلَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ). والصفات فى النكرات إذا تميزت تكون للتوضيح أيضاً ، ومع هذا فقد عطف المعصية على الكفر والفسوق فى قوله : ومعلوم أن الفاسق عاص أيضاً . (وَكَرَّهَ إِلَيْكُ الْكُفْرَ وَاُلْفُسُوقَ وَاَلْعِصْيَانَ ). ٦١ فصل ومن هذا الباب ((ظلم النفس)): فإنه إذا أطلق تناول جميع الذنوب ، فإنها ظلم العبد نفسه، قال تعالى: (ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَآبِمٌ وَحَصِيدٌ * وَمَا ظَلَمْتَهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمِّ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْءَ الِهَتُهُمُ الَّتِى يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مِن شَىْءٍ لَّمَّا جَآءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَنْبِيبٍ ). وقال تعالى: (وَ إِذْقَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُمْ بِتَخَاذِ كُمْ اٌلْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِبَّكُمْ ) . وقال في قتل النفس: (رَبِّ إِنِى ظَلَمْتُ نَفْسِى فَأَغْفِرْلِ ) . وقالت بلقيس : ( رَبِّ إِنِّى ظَلَمْتُ نَفْسِى وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ). وقال آدم عليه السلام: ( رَبَّنَظَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِن لَّمْتَغْفِرْلَنَا ) . ثم قد يقرن ببعض الذنوب، كقوله تعالى: وَتَرْحَمْنَا لَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَسِرِينَ ( وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَّةً أَوْظَلَمُوَ أْأَنْفُسَهُمْ). وقوله: (وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا). وأما لفظ ((الظلم المطلق)). فيدخل فيه الكفر وسائر الذنوب ، قال تعالى: ( أُحْشُرُواْالَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزْوَجَهُمْ وَمَا كَانُواْ يَعْبُدُونَ * مِن دُونِ اللَّهِ فَأَهْدُوهُمْ إِلَى صِرَطِ ٦٢ الْجَحِيمِ * وَقِقُوُهُمْإِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ). قال عمر بن الخطاب: ونظراؤم . وهذا ثابت عن عمر، وروى ذلك عنه مرفوعاً. وكذلك قال ابن عباس : وأشباههم. وكذلك قال قتادة والكلى: كل من عمل بمثل عملهم؛ فأهل الخمر مع أهل الخمر ، وأهل الزنا مع أهل الزنا. وعن الضحاك ومقاتل: قرناؤم من الشياطين؛ كل كافر معه شيطانه في سلسلة، وهذا كقوله: (وَإِذَا اُلْتُّفُوسُ زُوِّجَتْ ). قال عمر بن الخطاب رضى الله عنه : الفاجر مع الفاجر، والصالح مع الصالح. قال ابن عباس: وذلك حين يكون الناس أزواجاً ثلاثة. وقال الحسن وقتادة : ألحق كل امرئٍ بشيعته؛ اليهودي مع اليهود ، والنصراني مع النصارى . وقال الربيع بن خيثم: يحشر المرء مع صاحب عمله، وهذا كما ثبت فى ((الصحيح)) عن النبى صلى الله عليه وسلم لما قيل له : الرجل يحب القوم ولما يلحق بهم، قال: ((المرء مع من أحب)). وقال: ((الأرواح جنود مجندة؛ فما تعارف منها اتتلف، وما تناكر منها اختلف)). وقال: ((المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل)). وزوج الشيء نظيره ، وسمي الصنف زوجاً ؛ لتشابه أفراده، كقوله: (فَأَنْبَنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجِكَرِيمٍ ). وقال: ( وَمِن كُلِّ شَىْءٍ خَفْنَازَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ نَذَكَّرُونَ ). قال غير واحد من المفسرين : صنفين ونوعين مختلفين: السماء والأرض، والشمس والقمر، والليل والنهار؛ والبر والبحر ، والسهل والجبل والشتاء والصيف، والجن والإنس؛ والكفر والإيمان، والسعادة والشقاوة والحق والباطل، والذكر والأنثى، والنور والظلمة والحلو والمر، وأشباه ذلك ٦٣ (لَعَلَّكُمْنَذَكَّرُونَ ) فتعلمون أن خالق الأزواج واحد . وليس المراد أنه يحشر معهم زوجاتهم مطلقاً؛ فإن المرأة الصالحة قد يكون زوجها فاجراً ؛ بل كافراً، كامرأة فرعون . وكذلك الرجل الصالح ، قد تكون امرأته فاجرة ، بل كافرة ، كامرأة نوح ولوط . لكن إذا كانت المرأة على دين زوجها؛ دخلت فى عموم الأزواج، ولهذا قال الحسن البصري: وأزواجهم المشركات. م فلا ريب أن هذه الآية تناولت الكفار، كما دل عليه سياق الآية . وقد تقدم كلام المفسرين : أنه يدخل فيها الزناة مع الزناة ، وأهل الخمر مع أهل الخمر . وكذلك الأثر المروي: ((إذا كان يوم القيامة قيل: أين الظلمة وأعوانهم؟ - أو قال: وأشباههم - فيجمعون فى توابيت من نار ثم يقذف بهم فى النار)). وقد قال غير واحد من السلف: أعوان الظلمة من أعانهم ، ولو أنه لاق لهم دواة أو برى لهم قلماً ، ومنهم من كان يقول : بل من يغسل ثيابهم من أعوانهم. وأعوانهم: م من أزواجهم المذكورين فى الآية؛ فإن المعين على البر والتقوى من أهل ذلك ، والمعين على الإثم والعدوان من أهل ذلك . قال تعالى: ( مَّن يَشْفَعْ شَفَعَةً حَسَنَةً يَكُن لَّهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَن يَشْفَعْ شَفَعَةٌ سَيِّئَةً يَكُن لَّهُ كِفْلٌ مِّنْهَا ) والشافع الذي يعين غيره، فيصير معه شفعا بعد أن كان وتراً؛ ولهذا فسرت ((الشفاعة الحسنة)) بإعانة المؤمنين على الجهاد، و((الشفاعة السيئة)) بإعانة الكفار على قتال المؤمنين، كما ذكر ذلك ابن جرير، وأبو سليمان . وفسرت ((الشفاعة الحسنة)) بشفاعة الإنسان للإنسان ليجتلب له نفعاً، ٦٤ أو يخلصه من بلاء ، كما قال الحسن ومجاهد، وقتادة وابن زيد ؛ فالشفاعة الحسنة إعانة على خير يحبه الله ورسوله؛ من نفع من يستحق النفع ودفع الضر عمن يستحق دفع الضرر عنه. و ((الشفاعة السيئة)) إعانته على ما يكرهه الله ورسوله، كالشفاعة التى فيها ظلم الإنسان، أو منح الإحسان الذي يستحقه. وفسرت الشفاعة الحسنة بالدعاء للمؤمنين ، والسيئة بالدعاء عليهم ، وفسرت الشفاعة الحسنة بالإصلاح بين اثنين ، وكل هذا صحيح. فالشافع زوج المشفوع له إذ المشفوع عنده من الخلق إما أن يعينه على بر ونقوى ، وإما أن يعينه على إثم وعدوان. وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أتاه طالب حاجة قال لأصحابه: (( اشفعوا تؤجروا ويقضي الله على لسان نبيه ما شاء)). وتمام الكلام يبين أن الآية - وإن تناولت الظالم الذي ظلم بكفره - فهى أيضاً متناولة مادون ذلك، وإن قيل فيها: (وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ ) فقد ثبت في ((الصحيح)) عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((تعس عبد الدينار، نعس عبد الدرهم ، تعس عبد القطيفة تعس عبد الخميصة، تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش)). وثبت عنه فى ((الصحيح)) أنه قال: (( ما من صاحب كنز إلا جعل له كنزه يوم القيامة شجاعاً أقرع يأخذ بلهزمته أنا مالك، أنا كنزك)). وفي لفظ: (( إلا مثل له يوم القيامة شجاعاً أفرع يفر منه وهو يتبعه ، حتى بطوقه في عنقه))، وقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية: (سَيُطَوَّقُونَ مَا ◌َخْلُوْ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ). وفي حديث آخر: (( مثل له يوم القيامة شجاعاً أفرع يتبع صاحبه حيثما ذهب، وهو يفر منه: هذا مالك الذي كنت تبخل به ، ٦٥ فإذا رأى أنه لابد له منه، أدخل يده فى فيه، فيقضمها كما يقضم الفحل)). وفي رواية: (( فلا يزال يتبعه فيلقمه يده فيقضمها ، ثم يلقمه سائر جسده)). وقد قال تعالى في الآية الأخرى: (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَاَلْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرُهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِ نَارِجَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا حِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمّ هَذَا مَا كَتَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْفَذُوقُواْ مَاكُمْ تَكْفِرُونَ) وقد ثبت فى ((الصحيح)) وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ((ما من صاحب كنز لا يؤدى زكاته إلا أحمي عليها في نار جهنم ، فيجعل صفائح فيكوى بها جبينه وجنباه حتى يحكم الله بين عباده في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة مما تعدون، ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار)). وفى حديث أبي ذر: ((بشر الكلزين برضف يحمى عليها فى نار جهنم، فتوضع على حلمة ثدي أحدهم حتى يخرج من نغض كتفيه، ويوضع على نغض كتفيه، حتى يخرج من حلمة تدبيه ، يتزلزل وتكوى الجياه والجنوب والظهور حتى يلتقي الحر فى أجوافهم)). وهذا كما فى القرآن ، ويدل على أنه بعد دخول النار، فيكون هذا لمن دخل النار ممن فعل به ذلك أولاً في الموقف . فهذا الظالم لما منح الزكاة محشر مع أشباهه وماله الذى صار عبداً له من دون الله، فيعذب به، وإن لم يكن هذا من أهل الشرك الأكبر الذين يخلدون فى النار. ولهذا قال في آخر الحديث: ((ثم يرى سبيله إما إلى الجنة، وإما إلى النار)). فهذا بعد تعذيبه خمسين ألف سنة مما تعدون، ثم يدخل الجنة. وقد قال النبى صلى الله عليه وسلم؛ (( الشرك فى هذه الأمة أخفى من دبيب ٦٦ النمل)) قال ابن عباس وأصحابه: كفر دون كفر، وظلم دون ظلم، وفسق دون فسق. وكذلك قال أهل السنة كأحمد بن حنبل وغيره، كما سنذكره - إن شاء الله -. وقد قال الله تعالى: ( اتَّخَذُواْأَخْبَارَهُمْ وَرُهْبَنَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ وَالْمَسِيحَ أَبْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْإِلَّا لِيَعْبُدُواْ إِلَهَا وَاحِدًاٌ لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَّسُبْحَنَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ). وفى حديث عدي بن حاتم - وهو حديث حسن طويل رواه أحمد والترمذى وغيرها - وكان قد قدم على النبى صلى الله عليه وسلم، وهو نصراني فسمعه يقرأ هذه الآية، قال: فقلت له إنا لسنا نعبدم؛ قال: ((أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه ، ويحلون ما حرم الله فتحلونه ؟! )) قال : فقلت : بلى . قال: ((فتلك عبادتهم)). وكذلك قال أبو البختري: أما إنهم لم يصلوا لهم، ولو أمروم أن يعبدوم من دون الله ما أطاعوم، ولكن أمروم فجعلوا حلال الله حرامه وحرامه حلاله ؛ فأطاعوم فكانت تلك الربوبية . وقال الربيع بن أنس: قلت لأبى العالية : كيف كانت تلك الربوبية فى بنى إسرائيل؟ قال : كانت الربوبية أنهم وجدوا فى كتاب الله ما أمروا به ونهوا عنه فقالوا : لن نسبق أحبارنا بشىء ؛ فما أمرونا به انتمرنا ، وما نهونا عنه انتهينا لقولهم : فاستنصحوا الرجال ، ونبذوا كتاب الله وراء ظهورهم، فقد بين النبى صلى الله عليه وسلم أن عبادتهم إياهم كانت فى تحليل الحرام وتحريم الحلال ، لا أنهم صلوا لهم، وصاموالهم، ودعوم من دون الله فهذه عبادة للرجال، وتلك عبادة للأموال، وقد بينها النبى صلى الله عليه وسلم، وقد ذكر الله أن ذلك شرك بقوله: (لَآ إِلَهَ إِلَّا هُوَّسُبْحَنَهُ عَمَا يُشْرِكُونَ). فهذا من الظلم الذى ٦٧ يدخل فى قوله: ( أَحْشُرُواْالَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ * مِن دُونِ اللَّهِ ) . فإن هؤلاء والذين أمروم بهذا م جميعاً معذبون، وقال: (إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَرِدُونَ ). وإنما يخرج من هذا من عبد مع كراهته لأن يعبد ويطاع فى معصية الله. فهم الذين سبقت لهم الحسنى، كالمسيح والعزير وغيرهما، فأولئك ( مبعدون). وأما من رضي بأن يعبد ويطاع فى معصية الله، فهو مستحق للوعيد ، ولو لم يأمر بذلك، فكيف إذا أمر؟! وكذلك من أمر غيره بأن يعبد غير الله، وهذا من ((أزواجهم)) فإن ((أزواجهم)) قد يكونون رؤساء لهم، وقد يكونون أتباعاً ، وهم أزواج وأشباه لتشابهم في الدين ، وسياق الآية يدل على ذلك، فإنه سبحانه قال: ( أَحْشُرُواْالَّذِينَ ظَمُواْ وَأَزْوَجَهُمْ وَمَا كَانُواْ يَعْبُدُونَ * مِن دُونِ اللَّهِ فَأَهْدُوهُمْ إِلَى صِرَّطِ الْجَحِيمِ) . قال ابن عباس : دلوهم. وقال الضحاك مثله . وقال ابن كيسان : قدموم . والمعنى : قودوم كما يقود الهادى لمن يهديه، ولهذا تسمى الأعناق الهوادي ، لأنها تقود سائر البدن ، وتسمى أوائل الوحش الهوادي . (وَقِفُوُمْلَهُمْ مَسْتُولُونَ * مَالَكُمْلَا نَنَاصَرُونَ ). أى: كما كنتم تتناصرون في الدنيا على الباطل . (بَلْ هُمُالْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ * وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَى بَعْضٍ يَتَسَآءَ لُونَ * قَالُواْإِنَّكُمَّكُمُ تَأْتُونَنَاعَنِ الْيَمِينِ * قَالُواْبَلِ لَّمْتَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ * وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِن سُلْطَانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طَِينَ * فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِنَا إِنَّا لَذَآ بِقُونَ * فَأَغْوَيْنَكُمْإِنَّا كُنَا غَوِينَ * فَإِنَّهُمْ بَوْمَيِدٍ فِى الْعَذَابِ ٦٨ مُشْتِكُونَ * إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ * إِنَّهُمْ كَانُواْ إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَآ إِلَهَإِلََّ اللَّهُ يَسْتَكْبُونَ ، وَيَقُولُونَ أَبِنَّا لَتَرِكُوْءَالِهَتِنَا لِشَاعِتَحْنُونِ ) . * وقال تعالى: (قَالَ ادْخُلُواْ فِيَ أُمَمٍ قَدْ خَتْ مِن قَبْلِكُمْ مِّنَ الْجِنِّ وَاُلْإِنسِ فِ النَّارِكُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا آدَّارَكُواْفِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَهُمْ لِأُولَهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُونَا فَاتِهِمْ عَذَابَاضِعْفًّا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلِ ضِعْفٌ وَلَكِن لََّ نَعْلَمُونَ * وَقَالَتْ أُولَنْهُمْ لِأُخْرَبُهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ ). وقال تعالى: ( وَإِذْ يَتَحَاجُونَ فِى النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَوُاْ لِلَّذِينَ أَسْتَكْبَرُ وْاإِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّانَصِيبًا مِّنَ النَّارِ * قَالَ الَّذِينَ أُسْتَكْبَرُوْإِنَّا كُلُّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ). وقال تعالى: ( وَلَوْتَرَىّ إِذِالظَّالِمُونَ مَوْقُوُفُونَ عِندَ رَتِهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضِ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوْلِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوْ لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَا مُؤْمِنِينَ * قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوْ لِلَّذِينَ أَسْتُضْعِفُواْ أَنَحْنُ صَدَدْنَكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَ كُبَلْ كُنْتُمْ تُجْرِمِينَ * وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُواْ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ بَلْ مَكْرُالَّيَّلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ تَّكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ، أَنْدَادًاً وَسَرُواْالنَّدَامَةَ لَمَّارَأَوْ اَلْعَذَابَ وَجَعَلْنَا ◌ُلْأََْلَ فِى أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُواْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّ مَا كَانُوْيَعْمَلُونَ ). وقوله فى سياق الآية: ( إِنَّهُمْ كَانُواْإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَآ إِلَهَ إِلَّ اللَّهُ يَسْتَكْبُونَ ) ٦٩ ولا ريب أنها تتناول ((الشركين)): الأصغر والأكبر، وتتناول أيضاً من استكبر عما أمره الله به من طاعته؛ فإن ذلك من تحقيق قول لا إله إلا الله ؛ فإن الإله هو المستحق للعبادة، فكل ما يعبد به الله فهو من تمام تآله العباد له فمن استكبر عن بعض عبادته سامعاً مطيعاً فى ذلك لغيره؛ لم يحقق قول: لا إله إلا الله فى هذا المقام. وهؤلاء الذين اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا - حيث أطاعوم فى تحليل ما حرم الله وتحريم ما أحل الله، يكونون على وجهين : (أحدهما ): أن يعلموا أنهم بدلوا دين الله فيتبعونهم على التبديل، فيعتقدون تحليل ما حرم الله، وتحريم ما أحل الله اتباعاً لرؤسائهم، مع علمهم أنهم خالفوا دين الرسل،؛ فهذا كفر، وقد جعله الله ورسوله شركاً - وإن لم يكونوا يصلون لهم ويسجدون لهم - فكان من اتبح غيره فى خلاف الدين مع علمه أنه خلاف الدين ، واعتقد ما قاله ذلك ، دون ما قاله الله ورسوله ؛ مشركاً مثل هؤلاء. و( الثانى): أن يكون اعتقادهم وإيمانهم بتحريم الحلال وتحليل الحرام ثابتاً ، لكنهم أطاعوم في معصية الله، كما يفعل المسلم ما يفعله من المعاصي التى يعتقد أنها معاص ؛ فهؤلاء لهم حكم أمثالهم من أهل الذنوب، كما ثبت فى ((الصحيح)) عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إنما الطاعة في المعروف)) وقال: ((على المسلم السمع والطاعة فيما أحب أو كره ما لم يؤمر بمعصية)). ٧٠ وقال: ((لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق)). وقال: ((من أمركم بمعصية الله فلا تطيعوه)) . ثم ذلك المحرم للحلال والمحلل للحرام إن كان مجتهداً قصده اتباع الرسول لكن خفي عليه الحق فى نفس الأمر، وقد اتقى الله ما استطاع ؛ فهذا لا يؤاخذه الله بخطئه، يل ينيبه على اجتهاده الذي أطاع به ربه . ولكن من على أن هذا خطأ فيما جاء به الرسول ثم اتبعه على خطئه، وعدل عن قول الرسول ، فهذا له نصيب من هذا الشرك الذي ذمه الله ، لا سيما إن اتبع فى ذلك هواه، ونصره باللسان واليد ، مع علمه بأنه مخالف للرسول ؛ فهذا شرك يستحق صاحبه العقوبة عليه . ولهذا اتفق العلماء على أنه إذا عرف الحق لا يجوز له تقليد أحد فى خلافه ، وإنما تنازعوا في جواز التقليد للقادر على الاستدلال ، وإن كان عاجزاً عن إظهار الحق الذي يعلمه؛ فهذا يكون كمن عرف أن دين الإسلام حق وهو بين النصارى ، فإذا فعل ما يقدر عليه من الحق ؛ لا يؤاخذ بما عجز عنه ، وهؤلاء كالنجاشي وغيره. وقد أنزل الله في هؤلاء آيات من كتابه كقوله تعالى. (وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِمْ). وقوله: (وَمِن قَوْمِ مُوسَىّ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ). وقوله: (وَإِذَا سَمِعُواْ . ( مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَىَ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الذَّمْعِ مِمَّا عَفُواْ مِنَ الْحَقِّ وأما إن كان المتبع للمجتهد عاجزاً عن معرفة الحق على التفصيل ، وقد فعل ٧١ ما يقدر عليه مثله من الاجتهاد فى التقليد ؛ فهذا لا يؤاخذ إن أخطأ ، كما فى القبلة. وأما إن قاد شخصاً دون نظيره بمجرد هواه ، ونصره بيده ولسانه من غير على أن معه الحق؛ فهذا من أهل الجاهلية . وإن كان متبوعه مصيباً؛ لم يكن عمله صالحاً. وإن كان متبوعه مخطئاً؛ كان آثماً، كمن قال فى القرآنبرأيه؛ فإن أصاب فقد أخطأ، وإن أخطأ فليتبوأ مقعده من النار. وهؤلاء من جنس مانع الزكاة الذي تقدم فيه الوعيد ، ومن جنس عبد الدينار والدرهم والقطيفة والخميصة، فإن ذلك لما أحب المال حباً منعه عن عبادة الله وطاعته، صار عبداً له . وكذلك هؤلاء؛ فيكون فيه شرك أصغر ، ولهم من الوعيد بحسب ذلك. وفى الحديث: ((إن يسير الرياء شرك)). وهذا مبسوط عند النصوص التى فيها إطلاق الكفر والشرك على كثير من الذنوب. (والمقصود هنا) أن الظلم المطلق يتناول الكفر، ولا يختص بالكفر؛ بل يتناول ما دونه أيضاً، وكل بحسبه كلفظ ((الذنب)) ((والخطيئة)) ((والمعصية)). فإن هذا يتناول الكفر والفسوق والعصيان، كما في ((الصحيحين)) عن عبد الله بن مسعود قال: قلت يارسول الله أي الذنب أعظم؟ قال: ((أن تجعل لله نداً وهو خلقك)). قلت: ثم أي؟ قال: ((ثم أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك)). قلت: ثم أي؟ قال: ((ثم أن تزاني بحليلة جارك)، فأنزل الله تعالى: (وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللّهِ إِلَهَاءَ اخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِى حَرَّمَاللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَعَفُ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَمَةِ وَيَخْلُدْفِيهِ، مُهَانًا * ٧٢ إِلَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَلِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا * وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَنُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا). فهذا الوعيد بتمامه على الثلاثة ، ولكل عمل قسط منه ؛ فلو أشرك ولم يقتل ولميزن؛ كان عذابه دون ذلك. ولو زنى وقتل ولم يشرك، كان له من هذا العذاب نصيب، كما فى قوله: (وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنَا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُ هُ جَهَنَّمُ خَالِدَافِيهَا وَغَضِبَ اَللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَّهُ، وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا). ولم يذكر: (أبداً) وقد قيل: إن لفظ ((التأبيد)) لم يجيء إلا الكفر، وقال الله تعالى: (وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَلَيْتَنِى أَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا * يَوَيِلَقَ لَيْتَنِلَمْ أَتَّخِذْ فُلَانَا خَلِيلًا * لَّقَدْ أَضَلَِّى عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَلَِّيّ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَنِ خَذُولًا). فلا ريب أن هذا يتناول الكافر الذي لم يؤمن بالرسول . وسبب نزول الآية كان فى ذلك، فإن «الظلم المطلق) يتناول ذلك ويتناول ما دونه بحسبه. فمن خالّ مخلوقاً فى خلاف أمر الله ورسوله؛ كان لهمن هذا الوعيد نصيب، كما قال تعالى: ( الْأَخِلَّاءُ يَوْمَيِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ ). وقال تعالى ( إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ أَتُّبِعُواْ مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُاْالْعَذَابَ وَتَقَطّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ ). قال الفضيل بن عياض : حدثنا الليث عن مجاهد: هي المودات التى كانت بينهم لغير الله. فإن ((المحالة)) تحاب وتواد؛ ولهذا قال: ((المرء على دين خليله، فإن المتحابين يحب أحدهما ما يحب الآخر بحسب الحب ، فإذا اتبع أحدهما صاحبه على محبته ما يبغضه الله ورسوله؛ نقص من دينهما بحسب ذلك إلى أن ينتهي ٧٣ إلى الشرك الأكبر، قال تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُونَهُمْ كَحُبّ اْللَّهِ وَالّذِينَ ءَامَنُواْ أَشَدُّ حُبَّالِلَّهِ). والذين قدموا محبة المال الذي كنزوه ، والمخلوق الذي اتبعوه، على محبة الله ورسوله، كان فيهم من الظلم والشرك بحسب ذلك، فلهذا ألزمهم محبوبهم، كما فى الحديث، يقول الله تعالى: «أليس عدلا منى أن أولي كل رجل منكم ما كان يتولاه فى الدنيا)). وقد ثبت فى ((الصحيح)) يقول: ((ليذهب كل قوم إلى ما كانوا يعبدون ؛ فمن كان يعبد الشمس الشمس، ومن كان يعبد القمر القمر، ومن كان يعبد الطواغيت الطواغيت، ويمثل للنصارى المسيح ، ولليهود عزير. فيتبح كل قوم ما كانوا يعبدون، وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها)) كما سيأتي هذا الحديث - إن شاء الله - فهؤلاء «أهل الشرك الأكبر)). وأما ((عبيد المال)) الذين كنزوه، وعبيد الرجال الذين أطاعوم فى معاصى الله فأولئك يعذبون عذاباً دون عذاب أولئك المشركين؛ إما فى عرصات القيامة، وإما فى جهنم ، ومن أحب شيئاً دون الله عذب به. وقال تعالى: (يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوَأَنفِقُواْ مِمَّارَزَقْنَكُمْ مِّنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِى يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَعَةُ وَالْكَفِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ). ((فالكفر المطلق)) هو الظلم المطلق؛ ولهذا لا شفيع لأهله يوم القيامة كما نفى الشفاعة فى هذه الآية، وفى قوله: (وَأَنْذِرُهُمْ يَوْمَ الْأَزِفَةِ إِذِالْقُلُوبُ لَدَى الْحَاجِرِ كَظِمِينَّ مَا لِلِّمِينَ مِنْ حَمِيٍ وَلَا سَفِيعِ يُطَاعُ * يَعْلَمُ خَبِنَةَ اُلْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِى اُلُّدُورُ). وقال: (فَكُبْكِبُوْفِيَهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ * وَحُنُودُ ٧٤ إِيْلِيسَ أَجْمَعُونَ * قَالُواْ وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ * ثَاللَّهِإِنَ كُنَّا لَفِى ضَلَلِ مُبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيَكُمْ بِرَبِ الْعَلَمِينَ * وَمَآ أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ * فَمَا لَنَا مِن شَفِعِينَ * وَلَ صَدِيِقٍ . فَلَوْأَنَّ لَاكَرَّةً فَتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ). وقوله : (إِذْ نُوِيِكُم ) لم يريدوا به أنهم جعلوم مساوين الله من كل وجه : فإن هذا لم يقله أحد من بنى آدم ، ولا نقل عن قوم قط من الكفار أنهم قالوا: إن هذا العالم له خالقان متماثلان، حتى المجوس القائلين (( بالأصلين: النور والظلمة)) متفقون على أن ((النور)) خير يستحق أن يعبد ويحمد، وأن ((الظلمة)) شريرة تستحق أن تذم وتلعن، واختلفوا هل الظلمة محدثة أو قديمة؟ على قولين ، وبكل حال لم يجعلوها مثل النور من كل وجه . وكذلك (( مشركو العرب)، كانوا متفقين على أن أربابهم لم تشارك الله فى خلق السموات والأرض ؛ بل كانوا مقرين بأن الله وحده خلق السموات والأرض وما بينهما، كما أخبر الله عنهم بذلك فى غير آية كقوله تعالى: (وَلَیِن سَأَلْتَّهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّاللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ * اللَّهُ يَبْسُطُ ج الرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ * وَلَيِنِ سَأَلْتَهُم مَّنْ نَزَّلَ مِن السَّمَاءِ مَآءَ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْلَا يَعْقِلُونَ ). وقال تعالى: (وَلَيِنِ سَأَلْنَهُمِ مَّنْ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّالْعَزِيزُ الْعَلِيمُ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ * ٧٥ وَالَّذِى نَزَّلَ مِنَ السَّمَآءِ مَآءُ بِقَدَرٍ فَأَنشَرْنَا بِهِ، بَلْدَةً مَّيْنًا كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ * وَالَّذِى خَلَقَ الْأَزْوَجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَمِ مَاتَرَّكَبُونَ * لِتَسْتَوُّ أُ عَلَى ظُهُورِهِ، ثُمَّ تَذْكُرُواْنِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا أَسْتَوَيُِّ عَلَيْهِ وَتَقُولُواْ سُبْحَنَّ الَّذِى سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ. مُقْرِنِينَ * وَإِنَّ إِلَى رَيْنَا لَمُنْقَلِبُونَ ). وهذه الصفات من كلام الله تعالى؛ ليست من تمام جوابهم. وقال تعالى: قُل لِّمَنِ الْأَرْضُ وَمَن فِيهَآ إِن كُنتُّمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ) الآيات. : قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَوَتِ السَّْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ * * وقال تعالى (قُلْ أَرَءَيْنَكُمْ إِنْ أَتَنْكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَنَّكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِن كُمْ صَدِقِينَ * بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِن شَآءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ ). وكذلك قوله: (ءَاللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ * أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَآءَ فَأَنْبَتْنَابِهِ، حَدَابِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَّا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنِبِتُواْ شَجَرَهَاْ أَوِلَهُ مَعَاللّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ * أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَلَهَا أَنْهَرًا وَجَعَلَ لَا رَوَسِىَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَءِلَهٌ مَعَ اللَّهِ ) . أي : أإله مع اللّه فعل هذا؟ وهذا استفهام إنكار، وم مقرون بأنه لم يفعل هذا إله آخر مع الله . ومن قال من المفسرين إن المراد: هل مع الله إله آخر؟ فقد غلط؛ فإنهم كانوا يجعلون مع الله آلهة أخرى، كما قال تعالى: (أَبِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِءَ الِهَةَ أُخْرَى ٧٦ قُل لََّ أَشْهَدُ ). وقال تعالى: ( فَمَآ أَغْنَتْ عَنْهُمْءَالِهَتُهُمُ الَّتِى يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مِن شَىْءٍ ). وقال تعالى عنهم: ( أَجَعَلَ الَلِمَةَ إِلَهَا وَحِدًّا إِنَّ هَذَا لَشَىْءُجَابُ . ( وكانوا معترفين بأن آلهتهم لم تشارك الله فى خلق السموات والأرض، ولا خلق شيء ؛ بل كانوا يتخذونهم شفعاء ووسائط، كما قال تعالى: ( وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَتُنَا عِندَ اللَّهِ ). وقال عن صاحب يَس: (وَمَالِى لَآ أَعْبُدُ الَّذِى فَطَرَنِىِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ *،َأَّخِذُ مِن دُونِهِ:ءَالِهَةً إِن يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرِّلَا تُغْنِ عَنِّى شَفَعَنُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ ). وقال تعالى: (وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُواْ إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُم مِّن دُونِهِ، وَلِىٌّ وَلَا شَفِيْعُ ). وقال تعالى: (اللَّهُ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَمَابَيْنَهُمَا فِى سِنَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّاُسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِّ مَا لَكُمْ مِّن دُونِهِ، مِن وَلِيٍ وَلَا شَفِيَعْ أَفَلَا نَتَذَّكَّرُونَ) . وقال: (قُلِ أَدْعُوْاُلَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللَّهِلَ يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِى السَّمَوَتِ وَلَا فِىِ الْأَرْضِ وَمَالَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَالَهُمِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ * وَلَ نَفَعُ الشَّفَعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَّهُ ) فنفى عما سواه كل ما يتعلق به المشركون ، فنفى أن يكون لغيره ملك أو قسط من الملك، أو يكون عوناً لله ولم يبق إلا الشفاعة ؛ فبين أنها لا تنفع إلا لمن أذن له الرب ، كما قال تعالى: ( مَنْ ذَا الَّذِى يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذِنِهِ ) وقال تعالى عن الملائكة: (وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ آَرْتَضَى ). وقال: (وَكَم مِّن مَّلَكِ فِى السَّمَوَاتِ لَا تُغْنِى شَفَعَتُهُمْ شَيْئًا إِلََّ مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُلِمَن يَشَآءُ وَبَرْضَ). فهذه ((الشفاعة)) التى يظنها المشركون ؛ هي منتفية يوم القيامة كما نفاها ٧٧ القرآن. وأما ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم أنه يكون. فأخبر: ((أنه يأتي فيسجد لربه ويحمده لا يبدأ بالشفاعة أولاً . فإذا سجد وحمد ربه بمحامد يفتحها عليه: يقال له : أي محمد! ارفع رأسك، وقل تسمح ، وسل تعط ، واشفع تشفع. فيقول: أي رب أمتى ! فيحد له حداً فيدخلهم الجنة)). وكذلك فى الثانية وكذلك فى الثالثة ، وقال له أبو هريرة: من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ قال: ((من قال: لا إله إلا الله خالصاً من قلبه)). فتلك ((الشفاعة)) هي لأهل الإخلاص بإذن الله، ليست لمن أشرك بالله، ولا تكون إلا بإذن الله . وحقيقته أن الله هو الذي يتفضل على أهل الإخلاص والتوحيد، فيغفر لهم بواسطة دعاء الشافع الذي أذن له أن يشفع ليكرمه بذلك، وينال به المقام المحمود الذي يغبطه به الأولون والآخرون صلى الله عليه وسلم ، كما كان فى الدنيا يستسقي لهم ويدعو لهم ، وتلك شفاعة منه لهم فكان الله يجيب دعاءه وشفاعته . وإذا كان كذلك («فالظلم ثلاثة أنواع)): فالظلم الذي هو شرك لا شفاعة فيه. وظل الناس بعضهم بعضاً لابد فيه من إعطاء المظلوم حقه؛ لا يسقط حق المظلوم لا بشفاعة ولا غيرها ، ولكن قد يعطى المظلوم من الظالم ، كما قد يغفر لظالم نفسه بالشفاعة . فالظالم المطلق ماله من شفيع مطاع، وأما الموحد فلم يكن ظالماً مطلقاً ، بل هو موحد مع ظلمه لنفسه. وهذا إنما نفعه فى الحقيقة إخلاصه لله، فيه صار من أهل الشفاعة . ومقصود القرآن بنفي الشفاعة نفي الشرك، وهو: أن أحداً لا يعبد إلا الله ٧٨ ولا يدعو غيره ، ولا يسأل غيره، ولا يتوكل على غيره لا في شفاعة، ولا غيرها؛ فليس له أن يتوكل على أحد في أن يرزقه ، وإن كان الله يأتيه برزقه بأسباب. كذلك ليس له أن يتوكل على غير الله في أن يغفر له ويرحمه في الآخرة ، وإن كان الله يغفر له ويرحمه بأسباب من شفاعة وغيرها، فالشفاعة التى نفاها القرآن مطلقاً ؛ ما كان فيها شرك وتلك منتفية مطلقاً؛ ولهذا أثبت الشفاعة بإذنه في مواضع ، وتلك قد بين الرسول صلى الله عليه وسلم أنها لا تكون إلا لأهل التوحيد والإخلاص ، فهي من التوحيد ومستحقها أهل التوحيد. وأما ((الظلم المقيد)) فقد يختص بظلم الإنسان نفسه، وظلم الناس بعضهم بعضاً ، كقول آدم عليه السلام وحواء : (رَبَّنَاظَلَمْنَآ أَنْفُسَنَا ) . وقول موسى: ( رَبِّ إِنِى ظَلَمْتُ نَفْسِى ). وقوله تعالى: ( وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَّةً أَوْظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللَّهَفَاسْتَغْفَرُواْلِذُنُوبِهِمْ ). لكن قول آدم وموسى إخبار عن واقع لا عموم فيه، وذلك قد عرف ولله الحمد أنه ليس كفراً . وأما قوله: ( وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْظَلَمُوَ أَنْفُسَهُمْ ) فهو نكرة فى سياق الشرط ، بعم كل ما فيهظلم الإنسان نفسه؛ وهو إذا أشرك ثم تاب، تاب الله عليه . وقد تقدم أن ظلم الإنسان لنفسه يدخل فيه كل ذنب كبير أو صغير مع الإطلاق، وقال تعالى ( ثُمَّأَوْرَثْنَا الْكِنَبَ الَّذِينَ أَصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْ هُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ، وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَتِ ). فهذا ظلم لنفسه مقرون بغيره ؛ فلا يدخل فيه الشرك الأكبر. وفى ((الصحيحين)) عن ابن مسعود أنه لما أُزلت هذه الآية: ( الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُوْاْ إِيَمَنَهُمْ بِظُلْمٍ ) شق ذلك على أصحاب النبى ٧٩ صلى الله عليه وسلم وقالوا : أنا لم يظلم نفسه ؟ فقال النبى صلى الله عليه وسلم: ((إنما هو الشرك؛ ألم تسمعوا إلى قول العبد الصالح: (إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ))). والذين شق ذلك عليهم ظنوا: أن الظلم المشروط هو ظلم العبد نفسه ، وأنه لا يكون الأمن والاهتداء إلا لمن لم يظلم نفسه ؛ فشق ذلك عليهم، فبين النبى صلى الله عليه وسلم لهم ما دلهم على أن الشرك ظلم في كتاب الله تعالى. وحينئذ فلا يحصل الأمن والاهتداء إلا لمن لم يلبس إيمانه بهذا الظلم؛ ومن لم يلبس إيمانه به كان من أهل الأمن والاهتداء. كما كان من أهل الاصطفاء فى قوله: ( ثُمَّأَوْرَثْنَا الْكِنَبَ الَّذِينَ أَصْطَفَيَّنَا مِنْ عِبَادِنَا .. إلى قوله: جَنَّتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا ). وهذا لا ينفي أن يؤاخذ أحدم بظلم نفسه إذا لم يتب، كما قال تعالى (فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًايَرَهُ, * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرَّايَرَهُ). وقال تعالى: ( مَن يَعْمَلْ سُوءً ايُجْزَبِهِ ) . وقد سأل أبو بكر النبى صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال: يا رسول الله! وأينا لم يعمل سوءاً؟ فقال: ((يا أبا بكر! ألست تنصب، ألست تحزن، ألست نصيبك اللأواء ؟ فذلك ما تجزون به )) فبين أن المؤمن الذي إذا تاب دخل الجنة، قد يجزى بسيئاته فى الدنيا بالمصائب التى تصيبه، كما في ((الصحيحين)) عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((مثل المؤمن كمثل الخامة من الزرع تفيئها الرياح، تقومها تارة وتميلها أخرى، ومثل المنافق كمثل شجرة الأرز لاتزال ثابتة ٨٠