Indexed OCR Text
Pages 541-560
الرب يمتنع أن يوصف بصفات النقص ، ويجب اقصافه بصفات الكمال ، ويمتنع أن يكون للمخلوق من صفات الكمال ما لا يكون للخالق : امتنع أن يكون موصوفا بالكلام الناقص، وأن يكون المخلوق أكمل منه فى اقصافه بالكلام التام ولهذا كان موسى بن عمران مفضلاً على غيره بتكليم الله إياه : كلمه كلاماً سمعه موسى من الله، فكان تكليمه له بصوته أفضل ممن أوحى إلى قلبه معاني مجردة لم يسمعها بأذنه . وأما ((خامساً)) فلو لم يكن الكلام إلا معنى مجرداً لكان نصف القرآن كلام الله ونصفه ليس كلام الله ؛ فالمعنى كلام الله والألفاظ ليست كلام الله، وهذا خلاف المعلوم من دين المسلمين : ولهذا يفرقون بين القرآن الذي هو كلام الله وبين ما أوحاه إلى نبيه من المعانى المجردة، ويعلمون أن جبريل نزل عليه بالقرآن كله : ليس لجبريل ولا لمحمد منه إلا التبليغ والأداء، فهذا رسوله من الملائكة ، وهذا رسوله من البشر . ولهذا أضافه الله إلى هذا تارة، وإلى هذا تارة بلفظ الرسول . كما قال: ( إِنَّهُ لَقَولُ رَسُولٍكَرِمٍ * وَمَا هُوَبِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِلَا مَانُؤْمِنُونَ ) الآية فهذا محمد. وقال: ( إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرٍِ * ذِى قُوَّةٍ عِندَ ذِى الْعَشِ مَكِينٍ * ◌ُطَائِعِ ثَمَّأَمِينٍ ) . فهذا جبريل . وقد ظن بعض الغالطين أن إضافته إلى الرسول تقتضى أنه أنشأ حروفه وهذا خطأ ؛ لأنه لو كان جبريل أو محمد هو الذي أنشأ لفظه ونظمه امتنع أن ٥٤١ يكون الآخر الذي أنشأ ذلك ، فلما أضافه إلى هذا نارة ، وإلى هذا نارة : على أنه أضافه إليه لأنه بلغه وأداه ؛ لا لأنه أنشأه وابتدأه، لا لفظه ولا معناه؛ ولهذا قال: ( لَقَوَلُ رَسُولِكَرِيرٍ ) ولم يقل: لقول ملك ولا نى، فذكر ذلك بلفظ الرسول ليبين أنه يبلغ عن غيره، كما قال تعالى: (يَتُهَا الرَّسُولُ بَلَغْ مَا أُنزِلَ إِلَيَّكَ مِن رَّبِّكَ ) ، وفي السفن أن النبى صلى اللّه عليه وسلم كان بعرض نفسه على الناس فى الموسم ويقول: ((ألا رجل يحملني إلى قومه لأبلغ كلام ربى؛ فإن قریشاً قد منعونی أن ابلغ كلام ربی)». و ((أيضاً)) فإن قوله: ( إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ) عائد إلى القرآن ؛ فتناوله للفظ كتناوله للمعنى و «القرآن» اسم لهما جميعاً؛ ولهذا إذا فسره المفسر، وترجمه المترجم: لم يقل لتفسيره وترجمته: إنه ((قرآن)) بل اتفق المسلمون على جواز مس المحدث لكتب التفسير ، واتفقوا على أنه لا تجوز الصلاة بتفسيره وكذلك ترجمته بغير العربية عند عامة أهل العلم، والقول المروي عن أبى حنيفة قيل : إنه رجع عنه، وقيل: إنه مشروط بتسمية الترجمة قرآناً. وبكل حال فتجويز إقامة الترجمة مقامه فى بعض الأحكام لا يقتضى تناول اسمه لها؛ كما أن ((القيمة)) إذا أخرجت من الزكاة عن الإبل والبقر والغنم لم تسم إيلاً، ولا بقراً، ولا غنما ؛ بل تسمى باسمها كائنة ما كانت . وكذلك ((لفظ التكبير فى الصلاة)) إذا عدل عنه إلى لفظ التسبيح ونحوه وقيل: إن الصلاة تنعقد بذلك - كما يقوله أبو حنيفة - لم يقل: إن ذلك لفظ تكبير ٥٤٢ فكذلك إذا قدر أنا ترجمنا القرآن ترجمة جائزة لم يقل: إن الترجمة ((قرآن)) ولم نسمها ((قرآناً))، فلو كان القرآن إنما كان كلام الله لأجل المعنى فقط ولفظه ونظمه ليس كلام الله ؛ بل سمى بذلك لدلالته على كلام الله كان ما شارك هذا اللفظ والنظم من الدلالة مشاركا له فى الاسم والحكم؛ فكان يجب تسميته ((قرآناً)) وإثبات أحكام القرآن له ؛ والكلام على هذا مبسوط فى موضع آخر . الوجه التاسع أن هذا القرآن الذي يقرأه المسلمون هو كلام الله الذي أنزله على نبيه كما ثبت ذلك بالنص وإجماع المسلمين، وقد كفر الله من قال: إنه قول البشر، ووعده أنه سيصليه سقر، فى قوله: (ذَرْنِ وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا - إلى قوله -: إِنَّهُ فَّكَّرُ وَقَدَّرَ * فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّقُئِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّنَظَرَ * ثُمَّ عَسَ وَبَسَرَ * ثُمَّأَذَبَرَوَاُسْتَكْبَ * فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّاسِرٌ يُؤْثَرُ * إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ اَلْبَشَرِ )، ولا ريب أنه لم يرد بقوله: ( إِنْ هَذَآإِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ) كما أراده الله بقوله: (إِنَّهُ. لَقَوّلُ رَسُولٍكَرِيرٍ ) ؛ فإنه لو أراد أن البشر بلغوه عن غيرهم كما يتعلمه الناس بعضهم من بعض لم يكن هذا باطلاً ، وإنما أراد أن البشر أحدثوه وأنشأوه عنه . فمن جعل ((لفظه، ونظمه)) من إحداث محمد فقد جعل نصفه قول البشر؛ ومن جعله من إحداث جبريل ، فقد جعل نصفه قول الملائكة ، ومن جعله ٥٤٣ مخلوقاً فى الهواء أو غيره جعله كلاماً لذلك الهواء . وكفر من قال : إنه قول الملك، أو قول الهواء. أو الشجر؛ بل كفر من قال: إنه قول البشر، فدل ذلك على أنه ليس شيء من القرآن: لا ((لفظه، ولا معناه)) من قول أحد من المخلوقين ولا من كلامه بل هو كلام الله تعالى ، وأيضاً فالإشارة فى قوله : (إِنْ هَذَآإِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ ) لا تعود إلى المعنى دون اللفظ؛ بل إليهما . الوجه العاشر وهو أن الله أخبر أن القرآن منزل من الله، كما قال: (وَالَّذِينَ ءَاتَيْنَهُمُ اُلْكِتَبَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَّلٌ مِّن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ)، وقال: (قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ اُلْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ)، وقال: ( تَنزِيلُ الْكِتَبِ مِنَ اللَّهِالْعَزِيزِ الْحَكِيمِ). الضمير يتناول اللفظ والمعنى جميعاً لا سيما ما فى قوله: (تَنزِيلُ الْكِتَبِ) ؛ فإن الكتاب عند من يقول: ((إن كلام الله هو المعنى دون الحروف)) اسم للنظم العربى. والكلام عنده اسم للمعنى، والقرآن مشترك بينهما؛ فلفظ الكتاب يتناول اللفظ العربي باتفاق الناس . فإذا أخبر أن (تَنِيلُ الْكِتَبِ مِنَ اللَّهِ ) على أن النظم العربى منزل من الله وذلك يدل على ما قال السلف: إنه منه بدأ ، اي هو الذي تكلم به . وهذا ((جواب مختصر)) عن سؤال السائل بحسب ما احتملته هذه الورقة؛ إذ الكلام على ذلك مبسوط فى مواضع آخر ، والله أعلم والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، وحسبنا الله ونعم الوكيل . ٥٤٤ سئل شيخ الإسلام- أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام العالم الرباني والعابد النورانى ((ابن تيمية)) الحرانى، أيده الله تعالى ما تقول فى ((العرش)) هل هو كروي أم لا ؟ وإذا كان كروياوالله من ورائه محيط به بائن عنه، فما فائدة ان العبد يتوجه إلى الله تعالى حين دعائه وعبادته فيقصد العلو دون غيره، ولا فرق حينئذ وقت الدعاء بين قصد جهة العلو وغيرها من الجهات التى يحيط بالداعي ومع هذا نجد فى قلوبنا قصداً يطلب العلو لا يلتفت يمنة ولا يسرة . فأخبرنا عن هذه الضرورة التى نجدها فى قلوبنا؛ وقد فطرنا عليها . وابسط لنا الجواب فى ذلك بسطاً شافياً: يزيل الشبهة ويحقق الحق - إن شاء الله - أدام الله النفع بكم وبعلومكم آمين(١). فأجاب رحمه الله تعالى بما نصه :- الحمد لله رب العالمين . الجواب عن هذا السؤال بثلاث مقامات. .... (١) تسمى الرسالة العرشية . ٥٤٥ أحدها أنه لقائل أن يقول: لم يثبت بدليل يعتمد عليه أن ((العرش)» فلك من الأفلاك المستديرة الكروية الشكل؛ لا بدليل شرعي . ولا بدليل عقلى. وإنما ذكر هذا طائفة من المتأخرين الذين نظروا فى ((على الهيئة)) وغيرها من أجزاء الفلسفة فرأوا أن الأفلاك تسعة، وأن التاسع - وهو الأطلس - محيط بها ، مستدير كاستدارتها، وهو الذي يحركها الحركة المشرقية(١)، وإن كان لكل فلك حركة تخصه غير هذه الحركة العامة، ثم سمعوا فى أخبار الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم ذكر ((عرش الله))، وذكر (كرسيه))، وذكر ((السموات السبع)) فقالوا بطريق الظن ان ((العرش)) هو الفلك التاسع؛ لاعتقادهم أنه ليس وراء التاسع شىء إما مطلقاً، وإما أنه ليس وراءه مخلوق . ثم إن منهم من رأى أن ((التاسع)) هو الذي يحرك الأفلاك كلها؛ فجعلوه مبدأ الحوادث، وزعموا أن الله يحدث فيه ما يقدره فى الأرض ، أو يحدثه فى ((النفس)) التى زعموا أنها متعلقة به؛ أو فى ((العقل)) الذي زعموا أنه الذي صدر عنه هذا الفلك، وربما سماه بعضهم الروح، وربما جعل بعضهم (النفس)) هي الروح، وربما جعل بعضهم (النفس)) هي اللوح المحفوظ، كما جعل (العقل)) هو القلم. وتارة يجعلون ((الروح)) هو العقل الفعال العاشر الذي لفلك القمر، (١) نسخة الشوقيه. ٥٤٦ و((النفس)) المتعلقة به، وربما جعلوا ذلك بالنسبة إلى الحق سبحانه كالدماغ بالنسبة إلى الإنسان ، يقدر فيه ما يفعله قبل أن يكون ، إلى غير ذلك من المقالات التى قد شرحناها ، وبينا فسادها فى غير هذا الموضع . ومنهم من يدعى أنه على ذلك بطريق الكشف والمشاهدة ، ويكون كاذباً فيما يدعيه، وإنما أخذ ذلك عن هؤلاء المتفلسفة تقليداً لهم ، أو موافقة لهم على طريقتهم الفاسدة؛ كما فعل أصحاب ((رسائل إخوان الصفا)) وأمثالهم . وقد يتمثل في نفسه ما تقلده عن غيره فيظنه كشفاً، كما يتخيل النصرانى ((التثليث)) الذي يعتقده، وقد يرى ذلك فى منامه فيظنه كشفاً، وإنما هو تخيل لما اعتقده . وكثير من أرباب الاعتقادات الفاسدة إذا ارتاضوا صقلت الرياضة نفوسهم ، فتتمثل لهم اعتقاداتهم، فيظنونها كشفاً. وقد بسطنا الكلام على هذا فى غير هذا الموضع. و (المقصود هنا): أن ما ذكروه من أن ((العرش)) هو الفلك التاسع: قد يقال : إنه ليس لهم عليه دليل لا عقلى ، ولا شرعي. أما ((العقلي)) فإن أئمّة الفلاسفة مصرحون بأنه لم يقم عندم دليل على أنه ليس وراء الفلك التاسع شيء آخر ؛ بل ولا قام عندهم دليل على أن الأفلاك هي تسعة فقط ؛ بل يجوز أن تكون أكثر من ذلك ، ولكن دلتهم الحركات المختلفة، والكسوفات ونحو ذلك على ما ذكروه ، وما لم يكن لهم دليل على ثبوته فهم لا يعلمون لا ثبوته ولا انتفاءه. ٥٤٧ ((مثال ذلك)) أنهم علموا أن هذا الكوكب تحت هذا؛ بأن السفلى يكسف العلوي من غير عكس ؛ فاستدلوا بذلك على أنه فى فلك فوقه . كما استدلوا بالحركات المختلفة ، على أن الأفلاك مختلفة. حتى جعلوا في الفلك الواحد عدة أفلاك ؛ كفلك التدوير وغيره . فأما ما كان موجوداً فوق هذا، ولم يكن لهم ما يستدلون به على ثبوته : فهم لا يعلمون نفيه ولا إثباته بطريقهم . وكذلك قول القائل: إن حركة ((التاسع)) مبدأ الحوادث خطأ، وضلال على أصولهم؛ فإنهم يقولون: إن ((الثامن)) له حركة تخصه بما فيه من الثوابت ، ولتلك الحركة قطبان غير قطبى ((التاسع))، وكذلك ((السابع)) و((السادس)). وإذا كان لكل فلك حركة تخصه-والحركات المختلفة هي سبب الأشكال الحادثة المختلفة الفلكية، وتلك الأشكال سبب الحوادث السفلية - كانت حركة التاسع جزء السبب، كمركة غيره. فالأشكال الحادثة في الفلك - لمقارنة الكوكب الكوكب فى درجةواحدة ومقابلته له إذا كان بينهما ((نصف الفلك)» وهو مائة وثمانون درجة. وتثليثه له إذا كان بينهما ((ثلث الفلك)» وهو مائة وعشرون درجة، وتربيعه له إذا كان بينهما ((ربعه)) تسعون درجة، وتسديسه له إذا كان بينهما ((سدس الفلك)) ستون درجة ؛ وأمثال ذلك من الأشكال - إنما حدثت بحركات مختلفة ، وكل حركة ليست عين الأخرى؛ إذ حركة ((الثامن)) التى تخصه ليست عين ٥٤٨ حركة التاسع ؛ وإن كان تابعاً له فى الحركة الكلية كالإنسان المتحرك فى السفينة إلى خلاف حركتها . وكذلك حركة ((السابع)) التى تخصه ، ليست عن التاسع ولا عن الثامن وكذلك سائر الأفلاك فإن حركة كل واحد التى تخصه ليست عما فوقه من الأفلاك فكيف يجوز أن يجعل مبدأ الحوادث كلها مجرد حركة التاسع !! كما زعمه من ظن أن العرش كثيف، والفلك التاسع عنده بسيط متشابه الأجزاء ؛ لا اختلاف فيه أصلاً، فكيف يكون سبباً لأمور مختلفة؛ لا باعتبار القوابل وأسباب أخر؟ ولكن هم قوم ضالون، يجعلونه مع هذا ثلاثمائة وستين درجة. ويجعلون لكل درجة من الأثر ما يخالف الأخرى ؛ لا باختلاف القوابل؛ كمن يجيء إلى ماء واحد فيجعل لبعض جزئيه من الأثر ما يخالف الآخر ؛ لا يحسب القوابل : بل يجعل أحد أجزائه مسخناً، والآخر مبرداً، والآخر مسعداً، والآخر مشقياً، وهذا مما يعلمون هم وكل عاقل أنه باطل وضلال . وإذا كان هؤلاء ليس عندهم ما ينفي وجود شيء آخر فوق الأفلاك التسعة كان الجزم بأن ما أخبرت به الرسل هو أن العرش هو الفلك التاسع رجماً بالغيب ، وقولا بلا علم. هذا كله بتقدير ثبوت الأفلاك التسعة على المشهور عند أهل الهيئة؛ إذ فى ذلك من النزاع والاضطراب، وفى أدلة ذلك ما ليس هذا موضعه، وإنما نتكلم على ٥٤٩ هذا التقدير . وأيضاً: فالأفلاك فى أشكالها وإحاطة بعضها ببعض من جنس واحد فنسبة السابع إلى السادس كنسبة السادس إلى الخامس؛ وإذا كان هناك فلك تاسع فنسبته إلى الثامن كنسبة الثامن إلى السابع . وأما ((العرش)) فالأخبار تدل على مباينته لغيره من المخلوقات ، وأنه ليس نسبته إلى بعضها كنسبة بعضها إلى بعض. قال اللّه تعالى: (الَّذِينَ يَحْلُونَ الآية . وقال سبحانه : اُلْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِرَبِهِمْ وَيُؤْمِنُونَبِهِ، ) ) . فأخبر أن للعرش حملة اليوم ويوم وَيَجِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَيِذٍ ثَمَنِيَّةٌ القيامة ، وأن حملته ومن حوله يسبحون ويستغفرون للمؤمنين. ومعلوم أن قيام فلك من الأفلاك ـ بقدرة الله تعالى - كقيام سائر الأفلاك، لا فرق في ذلك بين كرة وكرة، وإن قدر أن لبعضها ملائكة فى نفس الأمر تحملها فحكمه حكم نظيره. قال تعالى (وَتَرَى الْمَلَئِكَةَ حَآَفِينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرَشِ ) الآية . فذكر هنا أن الملائكة تحف من حول العرش، وذكر فى موضع آخر أن له حملة ، وجمع في موضع ثالث بين حملته ومن حوله، فقال: ( الَّذِينَ يَحِّلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ ). و ((أبضاً)) فقد أخبر أن عرشه كان على الماء قبل أن يخلق السموات والأرض، كما قال تعالى: (وَهُوَ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ فِى سِنَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَآءِ). ٥٥٠ وقد ثبت فى صحيح البخاري وغيره ، عن عمران بن حصين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( كان الله ولم يكن شيء غيره، وكان عرشه على الماء، وكتب فى الذكر كل شيء، وخلق السموات والأرض)) وفى رواية له (( كان الله ولم يكن شيء قبله، وكان عرشه على الماء ، ثم خلق السموات والأرض. وكتب في الذكر كل شيء)) وفي رواية لغيره صحيحة: ((كان الله ولم يكن شيء معه، وكان عرشه على الماء ، ثم كتب في الذكر كل شيء)) وثبت في صحيح مسلم، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إن الله قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة وكان عرشه على الماء)). وهذا التقدير بعد وجود العرش، وقبل خلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة . وهو سبحانه وتعالى متمدح بأنه ذو العرش ، كقوله سبحانه: (قُل لَّوْكَانَ مَعَدُرْءَاِهَةٌ كَمَايَقُولُونَ إِذَا لََّ بَغَوْإِلَى ذِى الْعَُِّ سَبِيلًا )، وقوله تعالى: (رَفِيعُ الذَّرَحَتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْفِى الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ، عَلَى مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِنُذِرَ يَوْمَ النَّلَاقِ * يَوْمَ هُمْ بَرِزُونَ لَا يَخْفَ عَلَى الَِّمِنْهُمْ شَىْءٌ لِّمَنِ الْمُلْكُ اَلْيَوْمِ لَِّالْوَاحِدِ الْقَهَّارِ ) وقال تعالى: (وَهُوَالْغَفُورُلْوَدُودُ * ذُوالْعَرْشِ الْمَجِيدُ * فَعَالٌ لِّمَايُرِيدٌ ) وقد قريْ ((المجيدُ )) بالرفع صفة لله؛ وقري بالخفض صفة للعرش. (قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَوَتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ * وقال تعالى : سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَائَنَّقُونَ ) فوصف العرش بأنه مجيد وأنه عظيم، وقال ٥٥١ تعالى: (فَتَعَلَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقّلَا إِلَهَ إِلَّ هُوَرَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيرِ ) ؛ فوصفه بأنه كريم أيضاً . وكذلك فى الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنهما، أن التى صلى الله عليه وسلم كان يقول عند الكرب: ((لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم ، لا إله إلا الله رب السموات ورب الأرض رب العرش الكريم))، فوصفه فى الحديث بأنه عظيم، وكريم أيضاً. فقول القائل المنازع: ((إن نسبة الفلك الأعلى إلى ما دونه كنسبة الآخر إلى ما دونه)). لو كان العرش من جنس الأفلاك لكانت نسبته إلى ما دونه كنسبة الآخر إلى ما دونه ، وهذا لا يوجب خروجه عن الجنس وتخصيصه بالذكر ؛ كما لم يوجب ذلك تخصيص سماء دون سماء، وإن كانت العليا بالنسبة إلى السفلى كالفلك على قول هؤلاء ؛ وإنما امتاز عمادونه بكونه أكبر ، كما تمتاز السماء العليا عن الدنيا ؛ بل نسبة السماء إلى الهواء ، ونسبة الهواء إلى الماء والأرض : كنسبة فلك إلى فلك؛ ومع هذا فل يخص واحداً من هذه الأجناس عما يليه بالذكر ؛ ولا بوصفه بالكرم والمجد والعظمة . وقد على أنه ليس سبباً لذواتها ولا لحركاتها ، بل لها حركات تخصها، فلا يجوز أن يقال : حركته هي سبب الحوادث: بل إن كانت حركة الأفلاك سبباً للحوادث حركات غيره التى تخصه أكثر، ولا يلزم من كونه محيطاً بها أن يكون أعظم من مجموعها ، إلا إذا كان له من الغلظ ما يقاوم ذلك ؛ وإلا فمن المعلوم أن ٥٥٢ الغليظ إذ كان متقارباً ، فمجموع الداخل أعظم من المحيط ؛ بل قد يكون بقدره أضعافاً ؛ بل الحركات المختلفة التى ليست عن حركته أكثر ، لكن حركته تشملها كلها . وقد ثبت فى صحيح مسلم عن جويرية بنت الحارث : أن النى صلى الله عليه وسلم دخل عليها وكانت تسبح بالحصى من صلاة الصبح إلى وقت الضحى فقال : ((لقد قلت بعدك أربع كلمات لو وزنت بما قلتيه لوزنتهن : سبحان الله عدد خلقه سبحان الله زنة عرشه، سبحان الله رضى نفسه، سبحان الله مداد كماته)). فهذا يبين أن زنة العرش أثقل الأوزان . وهم يقولون : إن الفلك التاسع لا خفيف ولا ثقيل ، بل يدل على أنه وحده أثقل ما يمثل به ، كما أن عدد المخلوقات أ کثر ما يمثل به . وفى الصحيحين عن أبى سعيد قال : جاء رجل من اليهود إلى النبى صلى الله عليه وسلم قد لُطِمَ وجهُهُ؛ فقال: يا محمد ! رجل من أصحابك لطم وجهي. فقال النبى صلى الله عليه وسلم: ((ادعوه)) فدعوه، فقال: ((لم لطمت وجهه؟)) فقال: يا رسول الله إني حررت بالسوق وهو يقول: والذي اصطفى موسى على البشر! فقلت : يا خبيث! وعلى محمد؟ ! فأخذتنى غضبة فلطمته. فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم: ((لا تخيروا بين الأنبياء ، فإن الناس يصعقون يوم القيامة فأكون أول من يفيق فإذا أنابموسى آخذاً بقائمة من قوائم العرش ، فلا أدري أفاق قبلي أم جوزي بصعقته)) فهذا فيه بيان أن للعرش قوائم؛ وجاء ذكر القائمة بلفظ الساق ، والأقوال متشابهة فى هذا الباب. ٥٥٣ وقد أخرجا في الصحيحين عن جابر قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ((اهتز عرش الرحمن لموت سعد بن معاذ)) قال : فقال رجل لجابر: إن البراء يقول اهتز السرير ، قال : إنه كان بين هذين الحيين الأوس والخزرج ضغائن، سمعت نبى الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((اهتز عرش الرحمن لموت سعد بن معاذ)) ورواه مسلم فى صحيحه من حديث أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال - وجنازة سعد موضوعة -: ((اهتز لها عرش الرحمن)). وعندم أن حركة الفلك التاسع دائمة متشابهة ، ومن تأول ذلك على أن المراد به استبشار حملة العرش وفرحهم ؛ فلا بد له من دليل على ما قال ، كما ذكره أبو الحسن الطبري وغيره ، مع أن سياق الحديث ولفظه ينفي هذا الاحتمال . وفى صحيح البخاري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من آمن بالله ورسوله وأقام الصلاة، وآتى الزكاة وصام رمضان كان حقاً على الله أن يدخله الجنة ؛ هاجر فى سبيل الله ، أو جلس فى أرضه التى ولد فيها)) قالوا يارسول الله! أفلا نبشر الناس بذلك؟ قال: ((إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين فى سبيله، كل درجتين بينهما كما بين السماء والأرض ، فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس فإنه أوسط الجنة ، وأعلى الجنة، وفوقه عرش الرحمن ومنه تفجر أنهار الجنة )). وفى صحيح مسلم عن أبى سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ٥٥٤ قال: ((يا أبا سعيد من رضي بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد نبياً: وجبت له الجنة)) فعجب لها أبو سعيد. فقال: أعدها على يا رسول الله ! ! ففعل. قال: ((وأخرى يرفع الله بها العبد مائة درجة، ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض)) قال وما هي يا رسول الله؟! قال: ((الجهاد فى سبيل الله)). وفى صحيح البخاري: ((أن أم الربيع بنت البراء - وهي أم حارثة بن سراقة - أنت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا نبي الله ألا تحدثنى عن حارثة - وكان قتل يوم بدر أصابه سهم غرب - فإن كان فى الجنة صبرت ، وإن كان فى غير ذلك اجتهدت عليه فى البكاء. قال: ((يا أم حارثة !! إنها جنان فى الجنة، وإن ابنك أصاب الفردوس الأعلى)». فهذا قدبين فى ((الحديث الأول)) أن العرش فوق الفردوس ، الذي هو أوسط الجنة وأعلاها ، وأن فى الجنة مائة درجة ، ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض، والفردوس أعلاها؛ و((الحديث الثانى)» يوافقه فى وصف الدرج المائة، و ((الحديث الثالث)) يوافقه فى أن الفردوس أعلاها . وإذا كان العرش فوق الفردوس فلقائل أن يقول: إذا كان كذلك كان فی هذا من العلو والارتفاع ما لا يعلم بالهيئة ؛ إذلا يعلم بالحساب أن بين التاسع والأول كما بين السماء والأرض مائة مرة، وعندم أن التاسع ملاصق للثامن، فهذا قد بين أن العرش فوق الفردوس ، الذي هو أوسط الجنة وأعلاها. وفى حديث أبى ذر المشهور قال : قلت يارسول الله أيما أنزل عليك ٥٥٥ أعظم؟ قال ((آية الكرسى)) ثم قال «ياأبا ذر ! ما السموات السبع مع الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة ، وفضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على الحلقة))، والحديث له طرق، وقد رواه أبو حاتم بن حبان فى صحيحه ، وأحمد فى المسند وغيرها. وقد استدل من استدل على أن ((العرش مقبب)) بالحديث الذي فى سنن أبي داود وغيره، عن جبير بن مطعم قال: ((أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم أعرابى فقال: يارسول الله! جهدت الأنفس، وجاع العيال، وهلك المال، فادع الله لنا فإنا نستشفع بك على الله، ونستشفع بالله عليك؛ فسبح رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى عرف ذلك فى وجوه أصحابه، وقال ((ويحك! أتدري ما تقول؟ إن الله لا يستشفع به على أحد من خلقه شأن الله أعظم من ذلك ، إن الله على عرشه، وإن عرشه على سموانه وأرضه هكذا - وقال بأصابعه مثل القبة ))- وفى لفظ: ((وإن عرشه فوق سمواته، وسمواته فوق أرضه هكذا - وقال بأصابعه مثل القبة)). وهذا الحديث - وإن دل على التقبيب، وكذلك قوله عن الفردوس إنها أوسط الجنة وأعلاها ، مع قوله إن سقفها عرش الرحمن وإن فوقها عرش الرحمن، والأوسط لا يكون الأعلى إلا في المستدير، فهذا ـ لا يدل على أنه فلك من الأفلاك، بل إذا قدر أنه فوق الأفلاك كلها أمكن هذا فيه سواء قال القائل إنه محيط بالأفلاك،أو قال إنه فوقها وليس محيطاً بها، كما أن وجه الأرض فوق النصف الأعلى من الأرض ، وإن لم يكن محيطا بذلك. ٥٥٦ وقد قال إياس بن معاوية: السماء على الأرض مثل القبة. ومعلوم أن الفلك مستدير مثل ذلك ، لكن لفظ القبة يستلزم استدارة من العلو ولا يستلزم استدارة من جميع الجوانب إلا بدليل منفصل . ولفظ ((الفلك)) يدل على الاستدارة مطلقا؛ كقوله تعالى: (وَهُوَاُلَّذِى وقوله تعالى: خَلَقَ الَّلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَّكُلِّ فِي فَلَكِ يَسْبَحُونَ) (لَا الشَّمْسُ يَتْبَغِى لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا الَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلّ فِىِ فَلَكِ يَسْبَحُونَ ): يقتضى أنها فى فلك مستدير مطلقاً، كما قال ابن عباس رضى الله عنهما: فى فلكة مثل فلكة المغزل . وأما لفظ ((القبة)) فإنه لا يتعرض لهذا المعني؛ لا بنفي ولا إثبات: لكن يدل على الاستدارة من العلو ؛ كالقبة الموضوعة على الأرض . وقد قال بعضهم : إن الأفلاك غير السموات، لكن رد عليه غيره هذا القول، بأن الله تعالى قال: (أَلَمْتَرَوْاْ كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَوَتٍ ◌ِبَاقًا * وَجَعَلَ الْقَمَرَفِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ بِرَاجًا) فأخبر أنه جعل القمر فيهن ، وقد أخبر أنه فى الفلك، وليس هذا موضع بسط الكلام فى هذا . وتحقيق الأمر فيه، وبيان أن ما علم بالحساب - علما صحيحاً - لا ينافى ما جاء به السمع ، وأن العلوم السمعية الصحيحة لا تنافى معقولا صحيحاً؛ إذ قد بسطنا الكلام على هذا وأمثاله فى غير هذا الموضع. فإن ذلك يحتاج إليه ٥٥٧ فى هذا ونظائره مما قد أشكل على كثير من الناس : حيث يرون ما يقال : إنه معلوم بالعقل ، مخالفا لما يقال إنه معلوم بالسمع : فأوجب ذلك أن كذبت كل طائفة بما لم تحط بعلمه ؛ حتى آل الأمر بقوم من أهل الكلام إلى أن تكلموا فى معارضة الفلاسفة فى ((الأفلاك)) بكلام ليس معهم به حجة ؛ لا من شرع ولا من عقل ، وظنوا أن ذلك الكلام من نص الشريعة ، وكان ما جحدوه معلوما بالأدلة الشرعية أيضاً . وأما (المتفلسفة، وأتباعهم)) فغايتهم أن يستدلوا بما شاهدوه من الحسيات، ولا يعلمون ما وراء ذلك ؛ مثل أن يعلموا أن البخار المتصاعد ينعقد سحابا ، وأن السحاب إذا اصطك حدث عنه صوت ، ونحو ذلك ، لكن علمهم بهذا كعلمهم بأن المنى يصير في الرحم ، لكن ما الموجب لأن يكون المنى المتشابه الأجزاء تخلق منه هذه الأعضاء المختلفة، والمنافع المختلفة، على هذا الترتيب المحكم المتقن الذي فيه من الحكمة والرحمة ما بهر الألباب. وكذلك ما الموجب لأن يكون هذا الهواء أو البخار منعقداً سحاباً مقدراً بقدر مخصوص فى وقت مخصوص على مكان مختص به؟ وينزل على قوم عند حاجتهم إليه فيسقيهم بقدر الحاجة لا يزيد فيهلكوا ولا ينقص فيعوزوا ؟ وما الموجب لأن يساق إلى الأرض الجرز التى لا تمطر ، أو تمطر مطراً لا يغنيها - كأرض مصر إذا كان المطر القليل لا يكفيها ، والكثير يهدم أبنيتها - قال تعالى: (أَوَلَمْ يَرَوْ أَنَّانَسُوقُ الْمَآءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُرِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَمُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلَا يُبْصِرُونَ ). ٥٥٨ وكذلك السحاب المتحرك، وقد على أن كل حركة فإما أن تكون ((قسرية)» وهي تابعة للقاسر، أو ((طبيعية)) وإنما تكون إذا خرج المطبوع عن مركزه فيطلب عوده إليه؛ أو ((إرادية)) وهي الأصل، جميع الحركات تابعة للحركة الإرادية التى تصدر عن ملائكة الله تعالى، التى هي (المديرات أمرا) و (المقسمات أمرا)، وغير ذلك مما أخبر الله به عن الملائكة، وفي المعقول ما يصدق ذلك. فالكلام فى هذا وأمثاله له موضع غير هذا. ( والمقصودهنا) : أن نبين أن ما ذكر فى السؤال زائل على كل تقدير فيكون الكلام فى الجواب مبنياً على حجج علمية لا تقليدية ، ولا مسلمة ، وإذا بينا حصول الجواب على كل تقدير - كما سنوضحه - لم يضرنا بعد ذلك أن يكون بعض التقديرات هو الواقع - وإن كنا نعلم ذلك - لكن تحرير الجواب على تقدير دون تقدير ، وإثبات ذلك فيه طول لا يحتاج إليه هنا ؛ فإن الجواب إذا كان حاصلاً على كل تقدير كان أحسن وأوجز . المقام الثاني أن يقال ((العرش)) سواء كان هو الفلك التاسع، أو جسما محيطاً بالفلك التاسع ، أو كان فوقه من جهة وجه الأرض غير محيط به، أو قيل فيه غير ذلك فيجب أن يعلم أن العالم العلوي والسفلى بالنسبة إلى الخالق تعالى في غاية الصغر، ٥٥٩ كما قال تعالى: (وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ، وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَوَتُ مَطْوِيَّتْ بِيَمِينِهِ، سُبْحَنَهُ، وَتَعَلَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ) . وفى الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((يقبض الله تبارك وتعالى الأرض يوم القيامة، ويطوى السماء بيمينه، ثم يقول: أنا الملك أين ملوك الأرض؟)). وفى الصحيحين - واللفظ لمسلم - عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يقبض الله تبارك وتعالى الأرض يوم القيامة ويطوي السماء بيمينه، ثم يقول: أنا الملك، أين ملوك الأرض؟)). وفی الصحیحیں۔ واللفظ لمسلم - عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يطوي الله السموات يوم القيامة، ثم يأخذهن بيده اليمنى ، ثم يقول : أنا الملك؛ أين الجبارون ؟ أين المتكبرون ؟ ثم يطوي الأرضين بشماله، ثم يقول: أنا الملك؛ أين الجبارون: أين المتكبرون؟)) وفى لفظ في الصحيح عن عبد الله بن مقسم أنه نظر إلى عبد الله بن عمر كيف يحكي أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: ((بأخذ الله سمواته وأرضه بيده، ويقول أنا الملك، ويقبض أصابعه ويبسطها، أنا الملك، حتى نظرت إلى المنبر يتحرك من أسفل شيء منه، حتى إني أقول أساقط هو برسول الله صلى الله عليه وسلم ؟!)) ٥٦٠