Indexed OCR Text
Pages 501-520
الأمة متفقون على أن المؤمنين يرون الله فى المعاد ، وأن الكافرين لا يرونه ، فثبت بهذا إجماع الأمة - ممن يقول بجواز الرؤية وممن ينكرها - على منع رؤية الكافرين لله ، وكل قول حادث بعد الإجماع فهو باطل مردود . وقال هو وغيره أيضاً. الأخبار الواردة في ((رؤية المؤمنين الله)) إنما هي على طريق البشارة، فلو شاركهم الكفار فى ذلك بطلت البشارة ، ولا خلاف بين القائلين بالرؤية فى أن رؤيته من أعظم كرامات أهل الجنة . قال : وقول من قال: إنما يُرِى نفسه عقوبة لهم وتحسيراً على فوات دوام رؤيته ؛ ومنعهم من ذلك - بعد علمهم بما فيها من الكرامة والسرور - يوجب أن يدخل الجنة الكفار، ويريهم ما فيها من الحور والولدان، ويطعمهم من ثمارها ويسقيهم من شرابها، ثم يمنعهم من ذلك ليعرفهم قدر ما منعوا منه، ويكثر تحسرهم وتلهفهم على منع ذلك بعد العلم بفضيلته . ) ، فإنه و «العمدة)) قوله سبحانه: ( كَلَآ إِنَّهُمْ عَن رَّتِهِمْ يَوْمَيِذٍ لََّحْجُوبُونَ يعم حجبهم عن ربهم فى جميع ذلك اليوم، وذلك اليوم يوم ( يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّالْعَلَمِينَ ) وهو يوم القيامة، فلو قيل : إنه يحجبهم فى حالدون حال لكان تخصيصاً للفظ بغير موجب ، ولكان فيه تسوية بينهم وبين المؤمنين ؛ فإن ((الرؤية)) لا تكون دائمة للمؤمنين ، والكلام خرج مخرج بيان عقوبتهم بالحجب وجزائهم به؛ فلا يجوز أن يساويهم المؤمنون فى عقاب ولا جزاء سواه؛ فعلم أن الكافر محجوب على الإطلاق بخلاف المؤمن ، وإذا كانوا فى عرصة ٥٠١ القيامة محجوبين فمعلوم أنهم فى النار أعظم حجبا ، وقد قال سبحانه وتعالى: ) ، وقال : وَمَنْ كَانَ فِى هَذِهِ، أَعْمَى فَهُوَ فِ الْأَخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا ) (وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى) وإطلاق وصفهم بالعمى ينافي ((الرؤية)) التى هي أفضل أنواع الرؤية . فبالجملة فليس مقصودي بهذه الرسالة الكلام المستوفى لهذه المسألة فإن العلم كثير ، وإنما الغرض بيان أن هذه ((المسألة)) ليست من المهمات التى ينبغي كثرة الكلام فيها ، وإيقاع ذلك إلى العامة والخاصة حتى يبقى شعاراً ، ويوجب تفريق القلوب ، وتشتت الأهواء. وليست هذه ((المسألة)) فيما علمت مما يوجب المهاجرة، والمقاطعة؛ فإن الذين تكلموا فيها قبلنا عامتهم أهل سنة واتباع ، وقد اختلف فيها من لم يتهاجروا ويتقاطعوا ، كما اختلف الصحابة رضي الله عنهم - والناس بعدهم - فى رؤية النبى صلى الله عليه وسلم ربه فى الدنيا، وقالوا فيها كمات غليظة، كقول أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: من زعم أن محمداً رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية. ومع هذا فما أوجب هذا النزاع تهاجرا ولا تقاطعاً. وكذلك ناظر الإمام أحمد أقواماً من أهل السنة فى « مسألة الشهادة للعشرة بالجنة )) حتى آلت المناظرة إلى ارتفاع الأصوات ، وكان أحمد وغيره يرون الشهادة، ولم يهجروا من امتنع من الشهادة؛ إلى مسائل نظير هذه كثيرة. والمختلفون فى هذه ((المسألة)) أعذر من غيرهم، أما ((الجمهور)) فعذرم ٥٠٢ ظاهر كما دل عليه القرآن ، وما نقل عن السلف ؛ وأن عامة الأحاديث الواردة فى ((الرؤية)) لم تنص إلا على رؤية المؤمنين. وأنه لم يبلغهم نص صريح برؤية الكافر ، ووجدوا الرؤية المطلقة قد صارت دالة على غاية الكرامة ونهاية النعيم. وأما المثبتون عموماً وتفصيلاً فقد ذكرت عذرهم ، وهم يقولون : قوله : ) هذا الحجب بعد المحاسبة ؛ فإنه قد كَّ إِنَهُمْ عَن رَِّهِمْ يَوْمَيِذٍ لََّحْجُوبُونَ ) يقال : حجبت فلانا عني وإن كان قد تقدم الحجب نوع رؤية؛ وهذا حجب عام متصل، وبهذا الحجب يحصل الفرق بينهم وبين المؤمنين ؛ فإنه سبحانه وتعالى يتجلى للمؤمنين فى عرصات القيامة بعد أن يحجب الكفار كما دلت عليه الأحاديث المتقدمة، ثم يتجلى لهم في الجنة عموماً وخصوصاً دائماً أبداً سرمداً . ويقولون : إن كلام السلف مطابق لما فى القرآن، ثم إن هذا النوع من (الرؤية)) الذي هو عام للخلائق قد يكون نوعاً ضعيفاً ليس من جنس ((الرؤية)) التى يختص بها المؤمنون؛ فإن ((الرؤية)) أنواع متباينة تبايناً عظيماً لا يكاد ينضبط طرفاها. وهنا آداب يجب مراعاتها :- منها: أن من سكت عن الكلام فى هذه المسألة ولم يدع إلي شيء فإنه لا يحل مهجره، وإن كان يعتقد أحد الطرفين ؛ فإن البدع التى هي أعظم منها لا يهجر فيها إلا الداعية؛ دون الساكت، فهذه أولى. ٥٠٣ ومن ذلك : أنه لا ينبغى لأهل العلم أن يجعلوا هذه المسألة محنة وشعاراً يفضلون بها بين إخوانهم وأضدادم ؛ فإن مثل هذا مما يكرهه الله ورسوله. وكذلك لا يفايحوا فيها عوام المسلمين الذين هم فى عافية وسلام عن الفتن ولكن إذا سئل الرجل عنها أو رأى من هو أهل لتعريفه ذلك ألقى إليه مما عنده من العلم ما يرجو النفع به ؛ بخلاف الإيمان بأن المؤمنين يرون ربهم فى الآخرة فإن الإيمان بذلك فرض واجب ؛ لما قد تواتر فيها عن النبى صلى الله عليه وسلم وصحابته وسلف الأمة . ومن ذلك: أنه ليس لأحد أن يطلق القول بأن الكفار يرون ربهم من غیر تقیید .لوجهین : (أحدهما): أن ((الرؤية المطلقة)) قد صار يفهم منها الكرامة والثواب ، ففي إطلاق ذلك إيهام وإيحاش، وليس لأحد أن يطلق لفظاً يوم خلاف الحق إلا أن يكون مأثوراً عن السلف، وهذا اللفظ ليس مأثوراً. (الثانى): أن الحكم إذا كان عاماً في تخصيص بعضه باللفظ خروج عن القول الجميل فإنه يمنع من التخصيص ؛ فإن الله خالق كل شيء ومريد لكل حادث ومع هذا يمنع الإنسان أن يخص ما يستقذر من المخلوقات، وما يستقبحه الشرع من الحوادث، بأن يقول على الانفراد: يا خالق الكلاب ، ويا مريداً للزنا، ونحو ذلك. بخلاف ما لو قال : يا خالق كل شيء ، ويا من كل شيء يجري بمشيئته، ٥٠٤ فكذلك هنا لو قال : ما من أحد إلا سيخلو به ربه وليس بينه وبينه حاجب ولا ترجمان، أو قال: إن الناس كلهم يحشرون إلى الله فينظر إليهم وينظرون إليه، كان هذا اللفظ مخالفاً في الإيهام للفظ الأول . فلا يخرجن أحد عن الألفاظ المأثورة، وإن كان قد يقع تنازع فى بعض معناها فإن هذا الأمر لا بد منه ، فالأمر كما قد أخبر به نبينا صلى الله عليه وسلم والخير كل الخير فى اتباع السلف الصالح والاستكثار من معرفة حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم والتفقه فيه، والاعتصام بحبل الله وملازمة ما يدعو إلى الجماعة والألفة، ومجانبة ما يدعو إلى الخلاف والفرقة ؛ إلا أن يكون أمراً بيناً قد أمر الله ورسوله فيه بأمر من الجانبة فعلى الرأس والعين. وأما إذا اشتبه الأمر هل هذا القول أو الفعل مما يعاقب صاحبه عليه أو ما لا يعاقب؟ فالواجب ترك العقوبة؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم ((ادرأوا الحدود بالشبهات، فإنك إن تخطىء فى العفو خير من أن تخطئ فى العقوبة)) رواه أبو داود، ولا سيما إذا آل الأمر إلى شر طويل، وافتراق أهل السنة والجماعة ؛ فإن الفساد الناشئ فى هذه الفرقة أضعاف الشر الناشئ من خطأ نفر قليل فى مسألة فرعية . وإذا اشتبه على الإنسان آمر فليدع بما رواه مسلم فى صحيحه - عن عائشة رضي الله عنها ، قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة يقول: ((اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل فاطر السموات والأرض عالم ٥٠٥ الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم)). وبعد هذا : فأسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يوفقنا وإياكم لما يحبه ويرضاه من القول والعمل ، ويرزقنا اتباع هدى نبيه صلى الله عليه وسلم باطناً وظاهراً، ويجمع على الهدى شملنا، ويقرن بالتوفيق أمرنا ويجعل قلوبنا على قلب خيارنا ، ويعصمنا من الشيطان ويعيذنا من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا . وقد كتبت هذا الكتاب وتحريت فيه الرشد، وما أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله، ومع هذا فلم أحط علماً بحقيقة ما بينكم ولا بكيفية أموركم، وإنما كتبت على حسب ما فهمت من كلام من حدثنى، والمقصود الأكبر إنما هو إصلاح ذات بينكم وتأليف قلوبكم. وأما استيعاب القول فى ((هذه المسألة)) وغيرها وبيان حقيقة الأمر فيها، فربما أقول أو أكتب فى وقت آخر إن رأيت الحاجة ماسة إليه ، فإني فى هذا الوقت رأيت الحاجة إلى انتظام أمركم أوكد. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، وحسبنا الله ونعم الوكيل . ٥٠٦ قال الشيخ شمس الدين بن القيم :- سمعت شيخ الإسلام ((أحمد بن تيمية)) يقول فى قوله صلى الله عليه وسلم ((نور أنى أراه)): معناه كان ثَمِّ نور ، وحال دون رؤيته نور فأبى أراه؟ قال: ويدل عليه: أن فى بعض «ألفاظ الصحيح)) هل رأيت ربك؟ فقال: ((رأيت نوراً)). وقد أعضل أمر هذا الحديث على كثير من الناس ، حتى صحفه بعضهم فقال: (نوراً إني أراه))(١) على أنها ياء النسب؛ والكلمة كلمة واحدة . وهذا خطأ لفظا ومعنى، وإنما أوجب لهم هذا الإشكال والخطأ أنهم لما اعتقدوا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى ربه، وكان قوله: ((أنى أراه؟)) كالإنكار للرؤية، حاروا فى ((الحديث)) ورده بعضهم باضطراب لفظه، وكل هذا عدول عن موجب الدليل . وقد حكى ((عثمان بن سعيد الدارمي)) فى (كتاب الرد له) إجماع الصحابة ، على أنه صلى الله عليه وسلم لم يرربه ليلة المعراج، وبعضهم استثنى ابن عباس من ذلك. وشيخنا يقول: ليس ذلك بخلاف فى الحقيقة ، فإن ابن عباس لم يقل (١) هكذا وردت في المطبوع ولعل الصواب ( نُورَانِيٌّ أراه ). ٥٠٧ رآه بعيني رأسه، وعليه اعتمد أحمد فى إحدى الروايتين ، حيث قال: إنه رآه؛ ولم يقل بعيني رأسه. ولفظ أحمد كلفظ ابن عباس. ويدل على صحة ما قال شيخنا فى معنى حديث أبى ذر : قوله صلى الله عليه وسلم فى الحديث الآخر ((حجابه النور)) فهذا النور هو - والله أعلم - النور المذكور فى حديث أبى ذر . ((رأيت نوراً)). ٥٠٨ قال الشيخ رحمه الله :- فصل وأما ((الرؤية)) فالذي ثبت فى الصحيح عن ابن عباس أنه قال: ((رأى محمد ربه بفؤاده مرتين» وعائشة أنكرت الرؤية . فمن الناس من جمع بينهما فقال : عائشة أنكرت رؤية العين ، وابن عباس أثبت رؤية الفؤاد . والألفاظ الثابتة عن (ابن عباس) هي مطلقة، أو مقيدة بالفؤاد، تارة يقول: رأى محمد ربه، وتارة يقول رآه محمد؛ ولم يثبت عن ابن عباس لفظ صريح بأنه رآه بعينه. وكذلك ((الإمام أحمد)) تارة يطلق الرؤية، وتارة يقول: رآه بفؤاده؛ ولم يقل أحد إنه سمع أحمد يقول رآه بعينه؛ لكن طائفة من أصحابه سمعوا بعض كلامه المطلق ، ففهموا منه رؤية العين ؛ كما سمع بعض الناس مطلق كلام ابن عباس ففهم منه رؤية العين . وليس فى الأدلة ما يقتضي أنه رآه بعينه، ولا ثبت ذلك عن أحد من ٥٠٩ الصحابة ، ولا فى الكتاب والسنة ما يدل على ذلك؛ بل النصوص الصحيحة على نفيه أدل؛ كما فى صحيح مسلم عن أبى ذر قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم هل رأيت ربك؟ فقال: ((نور. أنى أراه )). وقد قال تعالى: ( سُبْحَنَ الَّذِىّ أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ اَلْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ اُلْأَقْصَا الَّذِى بَرَكْنَا حَوْلَهُ لِتُرِيَهُ مِنْ ءَايَئِنَآ )، ولو كان قد أراه نفسه بعينه لكان ذكر ذلك أولى. وكذلك قوله: ( أَفَتُمَّرُونَهُ, عَلَى مَايَرَى) . (لَقَدْرَأَىْ مِنْءَ ايَتِ رَبِّهِ اَلْكُبْرَى) ولو كان رآه بعينه لكان ذكر ذلك أولى . وفى الصحيحين عن ابن عباس فى قوله: ( وَمَا جَعَلْنَا الرُّنْيَا الَّتِي أَرَيْنَكَ إِلَّا فِتْنَةُ لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِ الْقُرْءَانِ )، قال هي رؤیا عين أريها رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة أسرى به، وهذه ((رؤيا الآيات)) لأنه أخبر الناس بما رآه بعينه ليلة المعراج ، فكان ذلك فتنة لهم، حيث صدقه قوم وكذبه قوم ، ولم يخبرهم بأنه رأى ربه بعينه وليس فى شىء من أحاديث المعراج الثابتة ذكر ذلك، ولو کان قد وقع ذلك لذکره کما ذکر ما دونه. وقد ثبت بالنصوص الصحيحة واتفاق سلف الأمة أنه لا يرى الله أحد فى الدنيا بعينه، إلا ما نازع فيه بعضهم من رؤية نبينا محمد صلى الله عليه وسلم خاصة ، واتفقوا على أن المؤمنين يرون الله يوم القيامة عياناً، كما يرون الشمس والقمر. ٥١٠ واللعنة تجوز ((مطلقً)) لمن لعنه الله ورسوله؛ وأما لعنة ((المعين)) فإن علم أنه مات كافراً جازت لعنته. وأما الفاسق المعين فلا تنبغي لعنته؛ لنهي النبي صلى الله عليه وسلم: ان يلعن ((عبد الله بن حمار)) الذي كان يشرب الخمر؛ مع أنه قدلعن شارب الخمر عموما، مع أن فى لعنة المعين - إذا كان فاسقاً أو داعياً إلى بدعة - نزاع، وهذه « المسألة)» قد بسط الكلام عليها . صـ ٥١١ سئل : عن أقوام يدعون أنهم يرون اللّه بأبصارهم فى الدنيا؛ وأنهم يحصل لهم بغير سؤال ما حصل لموسى بالسؤال. فأجاب: أجمع ((سلف الأمة وأمتها)) على أن المؤمنين يرون الله بأبصارهم فى الآخرة وأجمعوا على أنهم لا يرونه فى الدنيا بأبصارهم، ولم يتنازموا إلا في النبي صلى الله عليه وسلم. وثبت عنه فى الصحيح أنه قال: « واعلموا أن أحداً منكم لن يرى ربه حتى يموت)). ومن قال من الناس: إن الأولياء أو غيرم يرى الله بعينه فى الدنيا فهو مبتدع ضال، مخالف للكتاب والسنة، وإجماع سلف الأمة ؛ لا سيما إذا ادعوا أنهم أفضل من موسى ، فإن هؤلاء يستتابون ؛ فإن تابوا وإلا قتلوا . والله أعلم . ٥١٢ سئل الشيخ الإمام العلامة شيخ الإسلام تقى الدين أبو العباس أحمد ابن تیمیة۔ رضی اللهعنه - ما تقول السادة العلماء أئمة الدين - رضي الله عنهم أجمعين -: فى الحديث الذي ذكره البخاري مستشهداً به فى صحيحه ؟ وهو قوله صلى الله عليه وسلم: ((إن الله عز وجل ينادي بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب: أنا الملك أنا الديان))، وفي قوله عليه السلام: «يقول الله عز وجل: يا آدم! قم فابعث بعث النار))، «فينادي بصوت! إن الله يأمرك أن تبعث بعث النار)) الحديث المشهور ... فإن بعض الناس قال: لا يثبت لله صفة بحديث واحد. فما الجواب عن هذه المسألة من الكتاب والسنة، والآثار ، والنظر، والأمثال، والنظائر وابسطوا القول فى ذلك ، أفتونا مأجورين ؟ فأجاب :- الحمد لله رب العالمين. أصل ((هذا الباب)) أن لا يتكلم الإنسان إلا بعلم؛ فإن هذا وإن كان مأموراً به مطلقاً فهو فى هذا الباب أو جب ، قال الله تعالى: (قُلْ ٥١٣ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِ الْفَوَحِشَ مَاظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَآلْإِثْمَ وَالْبَغْىَ بِغَيْرِالْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُواْبِاللَّهِ مَا لَمْ يُزِّلْ بِهِ، سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُواْ عَلَى اللَّهِمَا لَنَعَمُونَ)، وقال تعالى: ( إِنَّمَا يَأْمُرُّكُمْ بِالسُّوْءِ وَالْفَحْشَآءِ وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللَّهِمَا لَا نَعْلَمُونَ ) وقال تعالى: ( وَلَنَقْفُ مَالَيْسَ لَكَ بِهِ، عِلْمُ)، وقال تعالى: (يَأَهْلَ الْكِتَبِ لَا تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُواْ عَلَى اللهِ إِلَّ الْحَقّ)، وقال تعالى: (أَلَمْيُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ فِيشَقُ اَلْكِتَبِ أَنْ لَّا يَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقّ ) . وكما أن الإنسان لا يجوز له أن يثبت شيئاً إلا بعلم ، فلا يجوز له أن ينفي شيئاً إلا بعلم ؛ ولهذا كان النافي عليه الدليل؛ كما أن المثبت عليه الدليل. ومما يجب أن يعرف أن ((أدلة الحق لا تتناقض)) فلا يجوز إذا أخبر الله بشيء - سواء كان الخبر إثباتاً أونفياً - أن يكون فى إخباره ما يناقض ذلك الخبر الأول ، ولا يكون فيما يعقل بدون الخبر ما يناقض ذلك الخبر المعقول؛ فالأدلة المقتضية للعلم لا يجوز أن تتناقض ، سواء كان الدليلان سمعيين أو عقليين ، أو كان أحدهما سمعياً والآخر عقلياً ، ولكن التناقض قد يكون فيما يظنه بعض الناس دليلاً وليس بدليل ، كمن يسمع خبراً فيظنه صحيحاً ولا يكون كذلك، أو يفهم منه ما لا يدل عليه ، أو تقوم عنده شبهة يظنها دليلاً عقلياً، وتكون باطلة التبس عليه فيها الحق بالباطل ، فيكذب بها ما أخبر الله به ورسوله، وهذا من أسباب خلال من ضل من مكذبي الرسل ، إما مطلقاً كالذين كذبوا جميع الرسل: كقوم نوح وعاد وتمود ومحوم ، وإما من آمن ببعض وكفر ٥١٤ ببعض كمن آمن من أهل الكتاب ببعض الرسل دون بعض، ومن آمن من الفلاسفة ببعض ما جاءت به الرسل دون بعض ، ومن أهل البدع من أهل الملل المسلمين واليهود والنصارى من أتوا من هذا الوجه ؛ فإنه قامت عندهم شبهات ظنوا أنها تنفي ما أخبرت به الرسل من أسماء الله تعالى وصفاته، وظنوا ان الواجب حينئذ تقديم ما رأوه على النصوص ؛ لشبهات قد بسط الكلام عليها فى غير هذا الموضع، وبين ضلال من ضل من الجهمية المتفلسفة والمعتزلة ومن وافقهم من بعض ضلالهم. وجماع القول فى إثبات الصفات هو القول بما كان عليه سلف الأمة وأئمتها وهو أن يوصف الله بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسوله، ويصان ذلك عن التحريف والتمثيل والتكييف والتعطيل ؛ فإن الله ليس كمثله شيء لا فى ذاته ولافى صفاته ولافى أفعاله، فمن نفى صفاته كان معطلاً . ومن مثل صفاته بصفات مخلوقاته كان ممثلاً، والواجب إثبات الصفات ونفي مماثلتها لصفات المخلوقات، إثباتا بلا تشبيه وتنزيها بلا تعطيل، كما قال تعالى (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ) فهذا رد على الممثلة، (وَهُوَالسَّمِيعُ الْبَصِيرُ ) رد على المعطلة، فالممثل يعبدصنما والمعطل يعبد عدماً. و ((طريقة الرسل)) - صلوات الله عليهم - إثبات صفات الكمال لله على وجه التفصيل، وتنزيهه بالقول المطلق عن التمثيل، فطريقتهم ((إثبات مفصل)) و «نفي مجمل)) وأما الملاحدة من المتفلسفة، والقرامطة، والجهمية، ونحوم: فبالعكس ؛ نفي مفصل ، وإثبات مجمل . ٥١٥ فالله تعالى أخبر فى كتابه (إِنَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ) و(عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ)، وأنه (غَفُورٌ رَّحِيمٌ) ( عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (سَمِيعٌ بَصِيرُ) ( خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَمَابَيْنَهُمَا فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّاسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ ) وأنه يحب المتقين، ويرضى عن المؤمنين ، ويغضب على الكافرين، وأنه فعال لما يريد، وأنه كلم موسى تكليما وناداه من جانب الطور الأيمن وقربه نجيا، وأنه ينادي عباده فيقول: ( أَيْنَ شُرَّكَآءِىَ الَّذِينَ كُمْ تَزْعُمُونَ ) وأمثال ذلك، وقال تعالى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ) (هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا) (وَلَمْ يَكُن لَّهُكُفُوا أَحَدُ). فبين بذلك أن الله لا مثل له ولا سمى ولا كفو ، فلا يجوز أن يكون شيء من صفاته مماثلاً لشيء من صفات المخلوقات ، ولا أن يكون المخلوق مكافئاً ولا مسامياً له فى شيء من صفاته سبحانه وتعالى . وأما ((الملاحدة)) فقلبوا الأمر، وأخذوا يشبهونه بالمعدومات والممتنعات والمتناقضات، فغلاتهم يقولون: لاحى ولا ميت، ولا عالم ولا جاهل ، ولا سميع ولا أصم، ولا متكلم ولا أخرس ، بل قد يقولون، لا موجود ولا معدوم، ولا هو شيء ولا ليس بشىء. وآخرون يقولون: لا داخل العالم ولا خارجه، ولا مباين للعالم ولا حال فيه وأمثال هذه العبارات التى ينفون بها الأمور المتقابلة التى لا يمكن انتفاؤها معاً، كما يقول محققو هؤلاء : إنه وجود مطلق . ثم منهم من يقول: هو وجود مطلق، إما بشرط الإطلاق - كما يقوله («ابن ٥١٦ سينا)) وأتباعه - مع أنهم قد قرروا فى ((المنطق)) ما هو معلوم لكل العقلاء: أن المطلق بشرط الإطلاق لا يكون موجوداً فى الأعيان ؛ بل فى الأذهان، وكان حقيقة قولهم : إن الموجود الواجب ليس موجوداً فى الخارج، مع أنهم مقرون بما لم يتنازع فيه العقلاء من أن الوجود لا بدفيه من موجود واجب الوجود بنفسه . ومنهم من يقول : هو مطلق لا بشرط - كما يقوله القونوي وأمثاله - فهؤلاء يجعلونه ((الوجود)) الذي يصدق على الواجب والممكن ، والواحد والكثير ، والذهنى والخارجي ، والقديم والمحدث ؛ فيكون: إما صفة للمخلوقات، وإما جزءا منها وإما عينها. وأولئك يجعلونه ((الوجود)) المجرد الذي لا يتقيد بقيد ؛ فلزمهم أن لا يكون واجباً ولا ممكنا، ولا عالماً ولا جاهلاً، ولا قادراً ولا عاجزا؛ وهم يقولون مع ذلك إنه عاقل ومعقول وعاشق ومعشوق؛ فيتناقضون فى ضلالهم ، ويجعلون الواحد اثنين، والاثنين واحداً ؛ كما أنهم يريدون أن يثبتوا وجوداً مجرداً عن كل نعت، مطلقاً عن كل قيد ، وم - مع ذلك - يخصونه بما لا يكون لسائر الموجودات ، ولهذا يقول بعضهم: إن العالم والعلم واحد ، وإنه نفس العلم، فيجعلون العالم بنفسه هو العالم بغيره، والموصوف هو الصفة؛ ويتناقضون أشد من تناقض النصارى فى ((تثليثهم)) ((واتحادم)) اللذين أفسدوا بهما الإيمان بالتوحيد. والرسالة. ٥١٧ وكلام ابن سبعين وابن رشد الحفيد، وابن التومرت، وابن عربى الطائى؛ وأمثالهم من الجهمية - نفاة الصفات: يدور على هذا الأصل، كما قد بسط فى موضعه - ويوجد ما يقارب هذا الاتحاد فى كلام كثير من أهل الكلام والتصوف الذين دخل عليهم بعض شعب الاتحاد ولم يعلموا ما فيها من الفساد . والقول فى ((مسألة كلام الله تعالى)) واضطراب الناس فيها مبنى على (هذا الأصل) فإنها من («مسائل الصفات)) وفيها من التفريع ما امتازت به على سائر مسائل الصفات، وقد اضطرب الناس فيها اضطراباً كثيراً، قد بيناه فى غير هذا الموضع؛ وبينا أن ((سلف الأمة وأئمتها)) كانوا على الإيمان الذي بعث الله به نبيه صلی الله عليه وسلم: يصفون الله بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل. ويقولون: إن القرآن كلام الله تعالى. ويصفون الله بما وصف به نفسه من التكليم والمناجاة والمناداة ، وماجاءت به السنن والآثار موافقة لكتاب الله تعالى. فلم يكن فى الصحابة ، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، وسائر أئمة المسلمين : من قال: إن كلام الله مخلوق خلقه فى غيره ولم يقم به كلام ، كما قالته ((الجهمية)) من المعتزلة وغيرهم ، بل لما أظهروا هذه البدعة اشتد نكير السلف والأئمة لها؛ وعرفوا أن حقيقتها أن اللّه لا يتكلم ولا يأمر ولا ينهي !! إذ كان الكلام وسائر الصفات إنما يعود حكمها إلى من قامت به . ٥١٨ فلو خلق كلاماً فى الشجرة ( إِنَّنِى أَنَا اللَّهُ لَآ إِلَهَ إِلَّا أَنَا ) لكان ذلك كلاماً للشجرة، وكانت هي القائلة: ( إِنَِّى أَنَا اللهُلَآ إِلَهَ إِلَّا أَنَاْ فَأَعْبُدْنِى ) بمنزلة الكلام الذي تنطق به الجلود حين قال لها أصحابها: (لِمَ شَهِدْ تُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِىّ أَنطَقَ كُلَّ شَىْءٍ )، وكذلك قال تعالى: ( وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ) : فلو كان تكلمه بمعنى أنه خلق كلاماً فى غيره لکان کل کلام فى الوجود كلامه، لأنه خالقه، وكذلك صرح بذلك ((الحلولية)) من الجهمية كما يذكر عن ابن عربي صاحب ((الفصوص)) و((الفتوحات)): وكل كلام فى الوجود كلامه سواء علينا نثره ونظامه وقد علم أن الله إذا خلق فى بعض الأعيان علماً، أو قدرة ، أو حركة ، أو إرادة : كان ذلك المحل هو العالم ، القادر المتحرك المريد: فلو لم يكن كلامه إلا ما يخلقه فى غيره لكان الغير هو المتكلم به ، وهذا مبسوط فى موضعه . و ((شبهة نفاة الكلام المشهورة)) أنهم اعتقدوا أن ((الكلام)) صفة من الصفات لا تكون إلا بفعل من الأفعال القائمة بالمتكلم ؛ فلو تكلم الرب لقامت به الصفات والأفعال وزعموا أن ذلك ممتع. قالوا : لأنا إنما استدللنا على حدوث العالم بحدوث الأجسام ، واستدلنا على حدوثها بما قام بها من الأعراض التى هي الصفات والأفعال ؛ فلو قام بالرب الصفات والأفعال للزم أن يكون محدثاً، وبطل الدليل الذي استدللنا به على «حدوث العالم، وإثبات الصانع)). ٥١٩ فقال لهم أهل السنة والإثبات: دليلكم هذا دليل مبتدع فى الشرع لم يستدل به أحد من سلف الأمة وأئمتها، بل قدذكرالأشعري فى ((رسالته إلى أهل الثغر)) أنه دليل محرم فى دين الرسل ، وأنه لا يجوز بناء دين المسلمين عليه ؛ وذكر غيره: أنه باطل فى العقل؛ كما هو محرم فى الشرع، وأن ذم السلف والأئمة لأهل الكلام والجهمية وأهل الخوض فى الأمراض والأجسام أعظمُ ما قصدوا به نَّ مثل هذا الدليل ؛ كما قد بسط الكلام على ذلك فى موضعه . ولما ظهرت ((مقالة الجهمية)) جاء بعد ذلك «أبو محمد عبد الله بن سعيد ابن كلاب)» يوافق السلف والأمة على إثبات ((صفات الله تعالى، وعلوه على خلقه)) وبين أن ((العلو على خلقه)) يعلم بالعقل و ((استواؤه على العرش)) يعلم بالسمع؛ وكذلك جاء بعده الحارث المحاسبى وأبو العباس القلانسي وغيرهما من المتكلمين المنتسبين إلى السنة والحديث . ثم جاء ((أبو الحسن الأشعري)) فاتبع طريقة ابن كلاب وأمثاله، وذكر فى كتبه جمل مقالة أهل السنة والحديث، وأن ابن كلاب يوافقهم فى أكثرها، وهؤلاء يسمون ((الصفاتية)) لأنهم يثبتون صفات الله تعالى خلافاً للمعتزلة ؛ لكن ((ابن كلاب وأتباعه )) لم يثبتوا لله أفعالاً تقوم به تتعلق بمشيئته وقدرته ، بل ولا غير الأفعال مما يتعلق بمشيئته وقدرته . فكانت ((المعتزلة)) تقول: لا تحله الأعراض والحوادث. وهم لا يريدون ((بالأعراض)) الأمراض والآفات فقط ؛ بل يريدون بذلك الصفات؛ ولا يريدون ٥٢٠