Indexed OCR Text

Pages 421-440

وأيد ذلك عندي ما خرجاه فى ((الصحيحين)» عن جرير بن عبد الله البجلي
قال: كنا جلوساً عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نظر إلى القمر ليلة البدر
فقال: ((إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون فى رؤيته ، فإن
استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وصلاة قبل غروبها
) ،
وَسَيِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طْلُوع الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوِهَا
فافعلوا. ثم قرأ: (
وهذا الحديث من أصح الأحاديث على وجه الأرض المتلقاة بالقبول ، المجمع
عليها عند العلماء بالحديث وسائر أهل السنة .
ورأيت أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر المؤمنين بأنهم يرون ربهم،
وعقبه بقوله: ((فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس ،
وصلاة قبل غروبها فافعلوا)) ومعلوم أن تعقيب الحكم للوصف ؛ أو الوصف
للحكم بحرف الفاء يدل على أن الوصف علة للحكم؛ لاسيما ومجرد التعقيب هنا
محال ؛ فإن الرؤية فى الحديث قبل التحضيض على الصلاتين وهي موجودة
فى الآخرة ، والتحضيض موجود قبلها فى الدنيا.
والتعقيب الذي يقوله النحويون لا يعنون به أن اللفظ بالثانى يكون بعد
الأول ؛ فإن هذا موجود بالفاء وبدونها وبسائر حروف العطف، وإنما يعنون
به معنى أن التلفظ الثانى يكون عقب الأول، فإذا قلت : قام زيد فعمر وأفاد أن
قيام عمرو موجود فى نفسه عقب قيام زيد؛ لا أن مجرد تكلم المتكلم بالثانى
عقب الأول، وهذا مما هو مستقر عند الفقهاء فى أصول الفقه، وهو مفهوم من
٤٢١

اللغة العربية إذا قيل : هذا رجل صالح فأ كرمه فهم من ذلك آن الصلاح سبب
للأمر بإكرامه، حتى لو رأينا بعد ذلك رجلاً صالحاً لقيل كذلك الأمر ، وهذا
أيضاً رجل صالح أفلا تكرمه؟ فإن لم يفعل (فلا بد] أن يخلف الحكم لمعارض
وإلاعد تناقضاً .
وكذلك لما قال النبى صلى الله عليه وسلم: ((ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه
ليس بينه وبينه حاجب ولا ترجمان، فينظر أيمن منه فلا يرى إلا شيئاً قدمه
وينظر أشأم منه فلا يرى إلا شيئاً قدمه ، وينظر أمامه فتستقبله النار، فمن
استطاع منكم أن يتقي النار ولو بشق تمرة فليفعل، فإن لم يستطع فبكلمة طيبة)»
فهم منه أن تحضيضه على اتقاء النار هنا لأجل كونهم يستقبلونها وقت ملاقاة
الرب ، وإن كان لها سبب آخر.
وكذلك لما قال ابن مسعود: «سارعوا إلى الجمعة فإن الله يبرز لأهل الجنة
فى كل جمعة فى كثيب من كتب الكافور ، فيكونون فى القرب منه على قدر
تسارعهم فى الدنيا إلى الجمعة)) فهم الناس من هذا أن طلب هذا الثواب
سبب للأمر بالمسارعة إلى الجنة .
وكذلك لو قيل: إن الأمير غدا يحكم بين الناس أو يقسم بينهم فمن أحب
فليحضر ، فهم منه أن الأمر بالحضور لأخذ النصيب من حكمه أو قسمه
وهذا ظاهر .
ثم إن هذا الوصف المقتضي للحكم ((تارة يكون سبباً متقدماً على الحكم
٤٢٢

فى العقل وفى الوجود كما فى قوله: (وَالسَارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَقْطَهُوَ أَيْدِيَهُمَا)،
((ونارة)) يكون حكمه متقدما على الحكم فى العلم، والإرادة متأخرة عنه
فى الوجود كما فى قولك: الأمير يحضر غداً، فإن حضر كان حضور الأمير
يتصور ويقصد قبل الأمر بالحضور معه. وإن كان يوجد بعد الأمر بالحضور
وهذه تسمى العلمة الغائية، وتسميها الفقهاء حكمة الحكم، وهي سبب في الإرادة
يحكمها، وحكمها سبب في الوجود لها .
و ((التعليل)) تارة يقع فى اللفظ بنفس الحكمة الموجودة فيكون ظاهره أن
العلة متأخرة عن المعلول ، وفى الحقيقة إنما العلة طلب تلك الحكمة وإرادتها.
وطلب العافية وإرادتها متقدم على طلب أسبابها المفعولة ، وأسبابها المفعولة
متقدمة عليها فى الوجود، ونظائره كثير. كما قيل: (فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْءَنَ فَاسْتَعِذْ)
(إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوْةِ فَاغْسِلُواْ ) ويقال : إذا حججت فتزود.
فقوله صلى الله عليه وسلم: ((إنكم سترون ربكم، فإن استطعتم أن
لا تغلبوا على صلاتين)» إلى: فافعلوا ، يقتضى أن المحافظة عليها هنا لأجل ابتغاء
هذه الرؤية ، ويقتضي أن المحافظة سبب لهذه الرؤية، ولا يمنع أن تكون
المحافظة توجب ثواباً آخر ويؤمر بها لأجله ، وأن المحافظة عليها سبب لذلك
الثواب، وأن للرؤية سببا آخر؛ لأن تعليل الحكم الواحد بعلل واقتضاء العالمة
الواحدة لأحكام جائز.
وهکذا غالب أحاديث الوعد كما فى قوله : (منصلی رکعتین لا يحدث فيهما
٤٢٣

نفسه غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع
من ذنوبه كيوم ولدته أمه))، وقوله: (( لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها؛
فإنكم إذا فعلتم ذلك قطعتم أرحامكم)) ونحو ذلك ؛ فإنه يقتضي أن صلاة هاتين
الركعتين سبب للمغفرة وكذلك الحج المبرور ، وإن كان للمغفرة أسباب أخر .
وأيد هذا المعنى أن الله تعالى قال: (وَلَا تَطْرُِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَوَةِ
وَاُلْعَشِ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ) ، وقد فسر هذا الدعاء بصلاتى الفجر والعصر، ولما
أخبر أنهم يريدون وجهه بهاتين الصلاتين، وأخبر فى هذا الحديث أنهم ينظرون
إليه فتحضيضهم على هاتين يناسب ذلك أن من أراد وجهه نظر إلى وجهه
تبارك وتعالى.
ثم لما انضم إلى ذلك ما تقدم من أن صلاة الجمعة سبب للرؤية فى وقتها ،
وكذلك صلاة العيد ناسب ذلك أن تكون هاتان الصلاتان اللتان هما أفضل
الصلوات، وأوقاتهما أفضل الأوقات- فناسب أن تكون الصلاة: التى هي أفضل
الأعمال، ثم ما كان منها أفضل الصلوات فى أفضل الأوقات - سبباً لأفضل
الثوابات فى أفضل الأوقات .
لا سيما وقد جاء فى حديث ابن عمر الذى رواه الترمذى عن إسرائيل عن
توير بن أبي فاختة سمعت ابن عمر يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
((إن أدنى أهل الجنة منزلة لمن ينظر إلى جنانه وأزواجه ونعيمه وخدمه وسرره
مسيرة ألف سنة ، وأكرمهم على الله من ينظر إلي وجهه غدوة وعشياً - ثم
قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم -: (وُجُوهٌ يُؤَمَيِذٍ نَاضِرَةُ * إِلَى رَهَ نَاظِرَةٌ ).
٤٢٤

قال الترمذي وقد روي هذا الحديث من غير وجه عن إسرائيل عن ثوير
عن ابن عمر مرفوعا ، ورواه عبد الملك بن أبجر عن ثوير عن مجاهد عن ابن
عمر موقوفا ، ورواه عبيد الله الأشجعى عن سفيان عن ثوير عن مجاهد عن
ابن عمر قوله : ولم يرفعه. وقال الترمذي : لا نعلم أحداً ذكر فيه مجاهدا
غير ثوير وأظنه قد قيل: فى قوله: (وَلَمْ رِزْقُهُمْ فِيَهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا ) أن منه
النظر إلى الله.
وروي فى ذلك حديث مرفوع رواه الدار قطنى فى ((الرؤية)): حدثنا أبو
عبيد قاسم بن إسماعيل الضى، حدثنا محمد بن محمد بن مرزوق البصرى ، حدثنا
هاني بن يحيى ، حدثنا صالح المصري عن عباد المنقرى عن ميمون بن سياه عن
أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم أقرأه هذه الآية (وُجُوٌيُؤٍَّ نَاضِرَةً *
إِلَهَ نَاظِرَةٌ ) قال: والله ما نسخها منذ أزلها يزورون ربهم تبارك وتعالي
فيطعمون ويسقون، ويطيبون ويحملون ، ويرفع الحجاب بينه وبينهم، فينظرون
إليه وينظر إليهم عز وجل ، وذلك قوله: (وَلَهُمْرِزْقُهُمْ فِيَهَا بَكْرَةٌ وَعَشِيًّا ).
وقد ذكر أبو الفرج بن الجوزى هذا الحديث فى ((الموضوعات)) وقال:
هذا لا يصح؛ فيه ميمون بن سياه. قال ابن حبان: ينفرد بالمنا كير عن المشاهير
لا يحتج به إذا انفرد وفيه صالح المصرى ، قال النسائي: متروك الحديث .
قلت: أما ميمون بن سياه فقد أخرج له البخارى والنسائى، وقال فيه أبو
حاتم الرازى : ثقة ، وحسبك بهذه الأمور الثلاثة ، وعن ابن معين قال فيه :
٤٢٥

ضعيف ؛ لكن هذا الكلام يقوله ابن معين فى غير واحد من الثقات . وأما
كلام ابن حبان ففيه ابتداع فى الجرح.
فلما كان فى حديث ابن عمر المتقدم، وعد أعلام ((غدوة وعشياً))،
والرسول صلى الله عليه وسلم قد جعل صلاتي الغداة والعشي سبباً ((للرؤية)).
وصلاة الجمعة سبباً ((للرؤية)) فى وقتها؛ مع ما فى الصلاة من مناسبة الرؤية، كان
العلم بمجموع هذه الأمور يفيد ظنا قويا أن هاتين الصلاتين سبب للرؤية فى
وقتهما فى الآخرة والله أعلم بحقيقة الحال.
فلما كان هذا قد سنحلي ، والنساء يشاركن الرجال فى سبب العمل
فيشاركونهم فى ثوابه ، ولما انتفت المشاركة فى الجمعة انتفت المشاركة فى النظر فى
الآخرة ، ولما حصلت المشاركة فى العيد حصلت المشاركة فى ثوابه .
ثم بعد مدة طويلة جرى كلام فى هذه ((المسألة)) وكنت قد نسيت
ما ذكرته أولا ؛ لا بعضه ، فاقتضى ذكر ما ذكرته أولاً فقيل لي : الحديث
يقتضي أن هاتين الصلاتين من جملة سبب ((الرؤية))؛ لا أنه جميع السبب،
بدليل أن من صلاهما ولم يصل الظهر والعصر لا يستحق الرؤية .
وقيل لي : الحديث يدل على أن الصلاتين سبب فى الجملة فيجوز أن
تكون هاتان الصلاتان سبباً للرؤية فى الجمعة؛ كيف وقدقيل: إن أعلى أهل الجنة
من يراه مرتين؟ فكيف يكون المحافظون على هاتين الصلاتين أعلام؟.
فقلت : ظاهر الحديث يقتضى أن هاتين الصلاتين هو السبب فى هذه
٤٢٦

((الرؤية)) لما ذكرته من القاعدة فى النساء آنفاً؛ ثم قد يتخلف المقتضي عن
المقتضى لمانع لايقدح فى اقتضائه، كسائر أحاديث الوعد؛ فإنه لما قال: ((من صلى
البردين دخل الجنة))، (من فعل كذا دخل الجنة)) ،دل على أن ذلك العمل سبب
لدخول الجنة ، وإن تخلف عنه مقتضاه لكفر أو فسق.
فمن ترك صلاة الظهر أو زنا أو سرق ونحو ذلك كان فاسقاً ، والفاسق
غير مستحق للوعد بدخول الجنة كالكافر ، وكذلك أحاديث الوعيد إذا قيل:
من فعل كذا دخل النار ؛ فإن المقتضى يتخلف عن التائب وعمن أتى بحسنات
يمحو السيئات وعن غيرهم، ويجوز أن يكون للرؤية سبب آخر ، فكونه سبباً
لا يمنع تخلف الحكم عنه لمانع ولا يمنع أن ينتصب سبب آخر للرؤية.
ثم أقول : فعل بقية الفرائض سواء كانت من جملة السبب ، أو كانت
شرطاً فى هذا السبب : فالأمر فى ذلك قريب ، وهو نزاع لفظي؛ فإن الكلام
إنما هو فى حق من أتى ببقية شروط الوعد ، وانتفت عنه موانعه .
ولا يجوز أن يقال: فالأنوثة مانع من لحوق الوعد، أو الذكورة شرط ؛
لأن هذا إن دل عليه دليل شرعي كما دل على أن فعل بقية الفرائض شرط قلنا
به، فأما بمجرد الإمكان فلا يجوز ترك مقتضى اللفظ وموجبه بالإمكان ؛ بل متى
ثبت عموم اللفظ وعموم العلة وجب ترتيب مقتضى ذلك عليه مالم يدل دليل
بخلافه؛ ولم يثبت أن الذكورة شرط، ولا أن الأنوثة مانع؛ كما لم يقتض أن العربية
والعجمية والسواد والبياض لها تأثير فى ذلك.
٤٢٧

وكذلك الحديث يدل على أن ((المقتصدين)) يشاركون ((السابقين)) فى
أصل الرؤية، وإن امتاز السابقون عنهم بدرجات، ومثوبات، أو شمول المعنى
لهؤلاء على السواء، فهذا من هذا الوجه دليل على أن هاتين الصلاتين سبب
للرؤية، ووجود السبب يقتضى وجود المسبب إلا إذا تخلف شرطه أو حصلت
موانعه، والشروط والموانع تتوقف على دليل .
وأما الاعتراض على كون هاتين الصلاتين سبب للرؤية فى الجملة ــ ولو
فى يوم الجمعة - فيقال: ذلك لا ينفي أن النساء يرينه فى الجملة ولو فى غير يوم
الجمعة وهذا هو المطلوب .
ثم يقال : مجموع ما تقدم من سائر الأحاديث يقتضى أن الرؤية محصل
وقت العمل فى الدنيا . فإذا قيل : إن الرؤية تكون غدوا وعشيا وسيها صلاة
الغداة والعشى كان هذا ظاهرا فيما قلناه . والمدعى الظهور ؛ لا القطع .
وأما كون ((الرؤية مرتين)) لأعلى أهل الجنة وليس من صلى هاتين
الصلاتين أعلى أهل الجنة، فليس هذا بدافع لما ذكرناه؛ لأن هذين الاحتمالين
ممكنة به، يخرج الدليل عليها؛ لكن الله أعلم بما هو الواقع منها. يمكن السبب
فعل هاتين الصلاتين على الوجه الذي أمر الله به باطنا وظاهراً؛ لا صلاة
أكثر الناس .
ألا ترى إلى حديث عمار بن ياسر عن النبى صلى الله عليه وسلم: ((إن
الرجل لينصرف من صلاته ولم يكتب له إلا ربعها إلا خمسها إلا سدسها- حتى
٤٢٨

قال -: عشرها)) رواه أبو داود ، فالصلاة المقبولة هي سبب الثواب والصلاة
المقبولة هي المكتوبة لصاحبها، وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم أن من المصلين
من لا يكتب له إلا بعضها فلا يكون ذلك المصلى مستحقاً للثواب الذي استحقه
من تقبل الله صلاته وكتبها له كلها .
وعلى هذا فلا يكاد يندرج فى الحديث إلا الصديقون أو قليل من غيرهم
والنساء منهن صديقات .
ويجوز أن يكون من له نوافل يجبر بها نقص صلاته يدخل فى الحديث،
كما جاء فى حديث أبي هريرة المرفوع: ((إن النوافل تجبر الفرائض يوم القيامة))
وعلى هذا فيكون الموجودون بهذا أكثر المصلين المحافظين على
الصلوات ويكون هؤلاء أعلى أهل الجنة ؛ فإن أكثر أمة محمد صلى الله عليه وسلم
ما يحافظون على الصلوات، بل منهم من يؤخر بعضها عن وقته، ومنهم من ترك
بعض واجباتها ، ومنهم من يترك بعضها ، وسائر الأمم قبلنا لاحظ لهم فى
هاتين الصلاتين .
ولو قيل : إن كل من صلى هاتين الصلاتين دخل الجنة على أي حال كان
مغفوراً له نال هذا الثواب لأمكن فى قدرة الله، ولم يكن الحديث نافياً لهذا؛
إذاْ كثر ما فيه أنه من أعلى أهل الجنة، والعلو والسفول أمر إضافى، فيصدق على
أهل الجنات الثلاث أنهم من أعلى أهل الجنات الخمس الباقية ، ويصدق أيضاً
٤٢٩

على أكثر أهل الجنة أنهم أعلى بالنسبة إلى من تحتهم ، وبعض هذا فيه نظر !
والله أعلى بحقيقة الحال .
لكن الغرض أن هذا لا ينفي ما ذ کرناه، وهذا كله لو کان حدیث
((المرتين)) يصلح لمعارضة ما ذكرنا من الدلالة وهو لا يصلح لذلك لما فيه من
الاختلاف فى إسناده.
ولما جرى الكلام ثانياً فى ((رؤية النساء ربهن فى الآخرة)) استدللت
بأشياء أنا أذكرها وما اعترض به علي، وما لم يعترض حتى يظهر الأمر، فأقول:
الدليل على أنهن يرينه أن النصوص المخبرة بالرؤية فى الآخرة للمؤمنين
تشمل النساء لفظاً ومعنى، ولم يعارض هذا العموم ما يقتضي إخراجهن من ذلك
فيجب القول بالدليل السالم عن المعارض المقاوم.
ولو قيل لنا : ما الدليل على أن الفُرْسَ يرون الله ؛ أو أن الطوال من
الرجال يرون الله! أو إيش الدليل على أن نساء الحبشة يخرجن من النار؟ لكان
مثل هذا العموم فى ذلك بالغاً جداً إلا إذا خصص، ثم يعلم أن العموم المسند
المجرد عن قبول التخصيص يكاد يكون قاطعاً فى شموله بل قد يكون قاطعاً .
أما ((النصوص العامة)) فمثل ما فى الصحيحين عن أبى هريرة (( أن الناس
قالوا يا رسول الله! هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال: هل تمارون فى القمر ليلة
البدر ليس دونه سحاب؟ قالوا : لا يا رسول الله؛ قال: فهل تمارون فى الشمس
٤٣٠

ليس دونها سحاب؟ قالوا : لا ، قال: فإنكم ترونه كذلك يحشر الناس يوم القيامة
فيقول : من كان يعبد شيئاً فليتبعه . فمنهم من يتبع الشمس ، ومنهم من يتبع
القمر ، ومنهم من يتبع الطواغيت ؛ وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها ، فيأتيهم
فى صورة غير صورته التى يعرفون، فيقولون: أعوذ بالله منك! هذا مكاننا حتى
يأتينا ربنا عز وجل ، فإذا جاء ربنا عز وجل عرفناه، فيأتيهم فى صورته التى
يعرفون فيقول: أنا ربكم! فيقولون: أنت ربنا، فيدعوم فيتبعونه ، ويضرب
الصراط بين ظهراني جهنم، فأكون أنا وأمتى أول من يجيز، ولا يتكلم يومئذ
إلا الرسل، ودعوى الرسل يومئذ: اللهم سلم سلم !)) وساق الحديث.
وفى الصحيحين أيضاً عن أبى سعيد قال: ((قلنا: يا رسول الله ! هل نرى
ربنا يوم القيامة ؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم ، فهل تضارون فى
رؤية الشمس بالظهيرة صحواً ليس معها سحاب؟! هل تضارون فى رؤية القمر
ليلة البدر صحواً ليس فيها سحاب؟! قالوا : لا يا رسول الله، قال: ما تضارون
فى رؤية الله تبارك وتعالى يوم القيامة إلا كما تضارون فى رؤية أحدهما ؛ إذا
كان يوم القيامة أذن مؤذن لتتبع كل أمة ما كانت تعبد ! فلا يبقى أحد كان
يعبد غير الله من الأصنام والأنصاب إلا يتساقطون فى النار، حتى إذا لم يبق إلا
من كان يعبد الله من بر وفاجر وغير أهل الكتاب)) وذكر الحديث فى دعاء
اليهود والنصارى إلى أن قال: ((حتى إذا لم يبق إلا من كان يعبد اللّه من بر
وفاجر أتام الله فى أدنى صورة من التى رأوه فيها، قال: فما تنتظرون؟ تتبع كل
أمة ما كانت تعبد ، قالوا يا ربنا ؛ فارقنا الناس فى الدنيا أفقر ما كنا إليهم ، ولم
٤٣١

نصاحبهم؛ فيقول : أنا ربكم ، فيقولون: نعوذ بالله منك لا نشرك بالله شيئاً
مرتين أو ثلاثاً، حتى إن بعضهم ليكاد أن ينقلب ، فيقول: هل بينكم وبينه
آية فتعرفونه بها ؛ فيقولون نعم ، فيكشف عن ساق ، ولا يبقى من كان يسجد
لله من تلقاء نفسه إلا أذن الله له بالسجود؛ ولا يبقى من كان يسجد اتقاء ورياء
إلا جعل الله ظهره طبقة واحدة، كلما أراد أن يسجد خر على قفاه ؛ ثم يرفعون
رءوسهم وقد تحول فى الصورة التى رأوه فيها أول مرة فيقول: أنا ربكم!
فيقولون: أنت ربنا، ثم يضرب الجسر على جهنم)).
هذان الحديثان من أصح الأحاديث ، فلما قال النبي صلى الله عليه وسلم
((فإنكم ترونه كذلك؛ يحشر الناس فيقول من كان يعبد شيئاً فليتبعه)). أليس
قد علم بالضرورة أن هذا خطاب لأهل الموقف من الرجال والنساء؟ لأن لفظ
الناس يعم الصنفين ، ولأن الحشر مشترك بين الصنفين.
وهذا العموم لا يجوز تخصيصه وإن جاز جاز على ضعف ؛ لأن النساء
أكثر من الرجال ، إذ قد صح أنهن أكثر أهل النار ، وقد صح لكل رجل
من أهل الجنة زوجتان من الإنسيات سوى الحور العين، وذلك لأن من فى
الجنة من النساء أكثر من الرجال وكذلك فى النار فيكون الخلق منهم أكثر
واللفظ العام لا يجوز أن يحمل على القليل من الصور دون الكثير بلا قرينة
متصلة ؛ لأن ذلك تلبيس وعي ينزه عنه كلام الشارع .
ثم قوله: فيقال: ((من كان يعبد شيئاً فليتبعه)) وصف من الصيغ التى
٤٣٢

نعم الرجال والنساء ؛ ثم فيها العموم المعنوي وهو : أن اتباعه إياه معلل بكونه
عبده فى الدنيا، وهذه العلة شاملة للصنفين. ثم قوله ((وتبقى هذه الأمة فيها
منافقوها)). والنساء من هذه الأمة مؤمناتهن ومنافقاتهن، ((فإذا جاء عرفناه))؛
وقوله: «فيأتيهم فى صورته التى يعرفون فيقول: أنا ربكم ! فيقولون: أنتربنا
فيدعوهم )) تفسير لما ذكرناه فى أول الحديث من أنهم يرون ربهم كما يرون
الشمس والقمر .
والضمير فى قوله: « فيأتيهم فى صورته التى يعرفون فيقول: أنا ربكم!
فيقولون: أنت ربنا)) قد ثبت أنه عائد إلى الأمة التى فيها الرجال والنساء،
وإلى من كان يعبده الذي يشمل الرجال والنساء ، وإلى الناس غير المشركين :
وذلك يعم الرجال والنساء ، وهذا أوضح من أن يزاد بياناً .
ثم قوله فی حدیث أبی سعید : «فیرفعون رءوسهم وقد محول فى صورته
التى رأوه فيها أول مرة)) فص فى أن النساء من الساجدين الرافعين قد رأوه
أولا ووسطاً وآخراً، والساجدون قد قال فيهم: ((لا يبقى من كان يسجد لله
من تلقاء نفسه إلا أذن الله له بالسجود))، و(من)) تعم الرجال والنساء فكل من
سجد لله مخلصاً من رجل وامرأة فقد سجد لله، وقد رآه فى هذه المواقف
الثلاث وليس هذا موضع بيان ما يتعلق بتعدد السجود والتحول وغير ذلك مما
يلتمس معرفته ، وإنما الغرض هنا ما قصدنا له .
ثم فى كلا الحديثين الإخبار بمرورهم على الصراط ، وسقوط قوم فى النار،
٤٣٣

ونجاة آخرين ، ثم بالشفاعة فى أهل التوحيد حتى يخرج من النار من كان فى
قلبه مثقال ذرة من إيمان ، ويدخلون الجنة ويسمون الجهنميين ؛ أفليس هذا
كله عاما للرجال والنساء ؟! أم الذين يجتازون على الصراط ويسقط بعضهم فى
النار، ثم يشفع فى بعضهم م الرجال ؛ ولو طلب الرجل نصاً فى النساء فى مثل
هذا أما كان متكلفاً ظاهر التكلف ؟.
وكذلك روى مسلم فى صحيحه عن أبى الزبير : أنه سمع جابراً يسأل عن
(الورود) فقال: مجىء نحن يوم القيامة عن كذا وكذا (١) انظر أي ذلك فوق
الناس ، قال: فتدعى الأمم بأوثانها، وما كانت تعبد الأول ، فالأول؛ ثم يأتينا
ربنا بعد ذلك فيقول : من تنتظرون؟ فيقولون: ننتظر ربنا، فيقول: أنا ربكم!
فيقولون: حتى نظر إليك ، فيتجلى لهم يضحك، قال : فينطلق بهم ويتبعونه،
ويعطي كل إنسان منهم - منافق أو مؤمن - نوراً؛ ثم يتبعونه ، وعلى جسر
جهنم كلاليب وحسك تأخذ من شاء الله ، ثم يطفأ نور المنافقين ثم ينجو
المؤمنون ، وذكر الحديث فى دخول الجنة والشفاعة .
أفليس هذا بيناً فى أنه يتجلى لجميع الأمة ؟ كما أن الأمة تعطى نورها ، ثم
جميع ((المؤمنين)) ذكرانهم وإناتهم يبقى نورم، وكذلك جميع ما فى الحديث
من المعاني تعم الطائفتين عموماً يقينياً .
وهذا الحديث هو مرفوع قد رواه الإمام أحمد وغيره بمثل إسناد مسلم،
(١) كذا فى مسلم وصوابه ((على كوم أى فوق الناس)).
٤٣٤

وذكر فيه عن النبى صلى الله عليه وسلم ما يقتضي أن جابراً سمع الجميع منه،
وروى من وجوه صحيحة عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم مرفوعا؛ وهذا
الحديث قد روى أيضاً بإسناد جيد من حديث ابن مسعود مرفوعا إلى النبي صلى
الله عليه وسلم أطول سياقه من سائر الأحاديث ، وروى من غير وجه .
وفی حدیث «أبي رزين العقيلى» المشهور من غير وجه قال : قلنا يارسول
الله :: أ كلنا يرى ربه يوم القيامة؟ قال: ((أكلكبرى القمر مخلياً به؟)) قالوا:
بلى: ((فالله أعظم))؛ وقوله: ((كلكم يرى ربه» كقوله «كلكم راع وكلكم
مسئول عن رعيته ، فالرجل راع فى أهله وهو مسئول عن رعيته، والمرأة
راعية فى مال زوجها ، وهي مسئولة عن رعيتها )) من أشمل اللفظ .
ومن هذا قوله: ((كلكم يرى ربه مخلياً به))؛ «وما منكم من أحد إلاسيخلو
به ربه كما يخلو أحدكم بالقمر))؛ (( وما منكم إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه
حاجب ولا ترجمان)) إلى غير ذلك من الأحاديث الصحاح والحسان التى أصرح
بأن جميع الناس ذكورهم وإناتهم مشتركون فى هذه الأمور من ((المحاسبة))
و ((الرؤية)) و((الخلوة)) و((الكلام)).
وكذلك الأحاديث فى ((رؤيته - سبحانه - فى الجنة)) مثل ما رواه مسلم
فى صحيحه عن صهيب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا دخل أهل
الجنة الجنة وأهل النار النار نادى مناد يا أهل الجنة! إن لكم عند الله موعداً
يريد أن ينجزكموه فيقولون: ما هو ؟ ألم يثقل موازيننا ويبيض وجوهنا ويدخلنا
٤٣٥

الجنة ويجرنا من النار ؟ فيكشف الحجاب فينظرون إلى الله ! فما شيء أعطوه
أحب إليهم من النظر إليه، وهي ((الزيادة)).
قوله: ((إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار)) يعم الرجال والنساء ؛
فإن لفظ الأهل يشمل الصنفين ، وأيضاً فقد على أن النساء من أهل الجنة .
وقوله: ((يا أهل الجنة! إن لكم عند الله موعداً يريد أن ينجزكموه)) خطاب
لجميع أهل الجنة الذين دخلوها ووعدوا بالجزاء، وهذا قد دخل فيه جميع النساء
المكلفات. وكذلك قولهم: ((ألم يثقل ويبيض ويدخل وينجز)) بعم الصنفين.
وقوله: ((فيكشف الحجاب فينظرون إليه)) الضمير يعود إلى ما تقدم وهو
يعم الصنفين .
ثم الاستدلال بالآية دليل آخر ؛ لأن الله سبحانه قال: (لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ
الْمُسْنَى وَزِيَادَةٌ ) ومعلوم أن النساء من الذين أحسنوا، ثم قوله فيما بعد :
( أُوْلَئِكَ أَصْحَبُ الْجَنَّةِ ) يقتضى حصر أصحاب الجنة فى أولئك، والنساء من أصحاب
الجنة فيجب أن يكن من أولئك ، وأولئك إشارة إلى الذين لهم الحسنى ،
وزيادة ؛ فوجب دخول النساء فى الذين لهم الحسنى وزيادة ، واقتضى أن كل
من كان من أصحاب الجنة فإنه موعود ((بالزيادة على الحسنى)) التى هي النظر إلى
الله سبحانه؛ ولا يستثنى من ذلك أحد إلا بدليل؛ وهذه ((الرؤية العامة)) لم
توقت بوقت بل قد تكون عقب الدخول قبل استقراره فى المنازل والله
أعلم أي وقت يكون ذلك.
٤٣٦

وكذلك ما دل من الكتاب على ((الرؤية )» كقوله
(وُجُورٌيُؤْمَيِذٍ نَاضِرَةُ * إِلَى رَبِهَا نَاظِرَةٌ * وَوُجُوهٌ يُؤْمَيِذٍ بَاسِرَةٌ * تَظُنُّأَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَافِرَةٌ ) هو تقسيم
لجنس الإنسان المذكور فى قوله: ( يُنَّوَ الْإِنَنُ يَوْمَيِبِمَا قَدَّمَ وَخَّرَ * بَلِ آلْإِنْسَنُ عَلَى
، وظاهر انقسام الوجوه إلى هذين النوعين . كما ان قوله
نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ)
(وُجُوهٌيُؤْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ * ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ * وَوُجُوهُ يَوْمَيِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ * تَرْهَقُّهَا قَتَرَةُ )
أيضاً إلى هذين النوعين، فمن لم يكن من الوجوه الباسرة كان من الوجوه الناضرة
الناظرة ؛ كيف وقد ثبت فى الحديث أن النساء يزددن حسناً وجمالاً كما يزداد
الرجال فى مواقيت النظر ؟
وكذلك قوله: (فَلَا تَعْلَمُ نَفْسُ مَّا أُخْفِىَ لَهُ مِنْ قُرَّةِأَعْيُنٍ جَزَاءُ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)
قد فسر بالرؤية، وقوله : (إِنَّالْأَبْرَارَ لَفِى نَعِيمٍ * عَلَى الْأَرَآيِكِ ينَظُرُونَ)
فإن هذا كله يعم الرجال والنساء .
واعلم أن الناس قد اختلفوا فى ((صيغ جمع المذكر مظهره ومضمره)»
مثل : المؤمنين ، والأبرار ، وهو هل يدخل النساء فى مطلق اللفظ أولا يدخلون
إلا بدليل ؟ على قولين :
( أشهرهما) عند أصحابنا ومن وافقهم أنهم يدخلون بناءً على أن من لغة
العرب إذا اجتمع المذكر والمؤنث غلبوا المذكر ، وقد عهدنا من الشارع فى
خطابه أنه يعم القسمين ويدخل النساء بطريق التغليب ، وحاصله أن هذه
الجموع تستعملها العرب تارة فى الذكور المجردين ونارة فى الذكور والإناث ،
٤٣٧

وقد عهدنا من الشارع أن خطابه المطلق يجرى على النمط الثاني، وقولنا :
المطلق احتراز من المقيد مثل قوله: (وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ) ومن هؤلاء من
يدعى أن مطلق اللفظ فى اللغة يشمل القسمين .
و (القول الثاني): أنهن لا يدخلن إلا بدليل، ثم لا خلاف بين (الفريقين)
أن آيات ((الأحكام)) و ((الوعد)) و((الوعيد)) التى فى القرآن تشمل الفريقين
وإن كانت بصيغة المذكر ، فمن هؤلاء من يقول: دخلوا فيه لأن الشرع
استعمل اللفظ فيهما وإن كان اللفظ المطلق لا يشمله، وهذا يرجع إلى القول
الأول . ومنهم من يقول : دخلوا لأنا علمنا من الدين استواء الفريقين فى
الأحكام فدخلوا كما ندخل نحن فيما خوطب به الرسول ، وكما تدخل سائر
الأمة فيما خوطب به الواحد منها . وإن كانت صيغة اللفظ لا تشمل
غير المخاطب.
وحقيقة هذا القول: أن اللفظ الخاص يستعمل عاما (( حقيقة عرفية)) إما
خاصة، وإما عامة ، وربما سماه بعضهم قياساً جليا ينقص حكم من خالفه؛ وأكثرم
لا يسمونه («قياساً)) بل قد على استواء المخاطب وغيره فنحن نفهم من الخطاب
له الخطاب للباقين ، حتى لو فرض انتفاء الخطاب فى حقه لمعنى يخصه لم ينقص
انتفاء الخطاب فى حق غيره ((فالقياس)) تعدية الحكم وهنا لم يعد حكم
وإنما ثبت الحكم فى حق الجميع ثبوتاً واحداً؛ بل هو مشبه بتعدية الخطاب
بالحكم؛ لا نفس الحكم.
٤٣٨

وعلى كل قول فالدلالة من صيغ الجمع المذكر متوجهة؛ كما أنها متوجهة
بلا تردد من صيغة: ((من)) و ((أهل)) و ((الناس)) ونحو ذلك.
واعلم أن هنا ((دلالة ثانية)) وهي دلالة العموم المعنوي وهي أقوى من
دلالة العموم اللفظي ، وذلك أن قوله: (فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّ أُخْفِىَلَهُ مِنْ قُرَِّأَعْيُنٍ
وقد فسرت ((القرة)) بالنظر وغيره ، فيقتضى أن
جَزَآءُ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ )
النظر جزاء على عملهم، والرجال والنساء مشتركون فى العمل الذي استحق به
جنس الرجال الجنة؛ فإن العمل الذي يمتاز به الرجال ((كالإمارة)) و((النبوة))
- عند الجمهور - ونحو ذلك لم تنحصر الرؤية فيه ؛ بل يدخل فى الرؤية من
الرجال من لم يعمل عملاً يختص الرجال ؛ بل اقتصر على ما فرض عليه: من
الصلاة، والزكاة ، وغيرهما؛ وهذا مشترك بين الفريقين .
وكذلك قوله: (إِنَّالْأَبْزَلَفِى نَعِيمٍ * عَلَى الْأَرْآَبِ يَظُرُونَ) إن ((البر))
سبب هذا الثواب و((البر)) مشترك بين الصنفين، وكذلك كل ما علقت به
((الرؤية)) من اسم الإيمان ونحوه يقتضى أنه هو السبب فى ذلك
فيعم الطائفتين .
وبهذا ((الوجه)) احتج الأئمة أن الكفار لا يرون ربهم. فقالوا: لما
حجب الكفار بالسخط دل على أن المؤمنين يرون بالرضى، ومعلوم أن المؤمنات
فارقن الكفار فيما استحقوا به السخط والحجاب ، وشاركن المؤمنين
٤٣٩

فيما استحقوا به الرضوان والمعاينة، فثبتت الرؤية فى حقهم باعتبار الطرد واعتبار
العكس . وهذا باب واسع إن لم نقطعه لم ينقطع .
فإن قيل : دلالة العموم ضعيفة فإنه قد قيل : أكثر العمومات مخصوصة ؛
وقيل : ما ثم لفظ عام إلا قوله: ( وَهُوَبِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ ) ، ومن الناس من
أنكر دلالة العموم رأساً .
قلنا: أما (( دلالة العموم المعنوي العقلى)) فما أنكره أحد من الأمة فيما
أعلمه؛ بل ولا من العقلاء، ولا يمكن إنكارها، اللهم إلا أن يكون فى «أهل
الظاهر الصرف)» الذين لا يلحظون المعاني كمال من ينكرها ؛ لكن هؤلاء
لا ينكرون عموم الألفاظ ؛ بل هو عندهم العمدة، ولا ينكرون عموم معانى
الألفاظ العامة ؛ وإلا قد ينكرون كون عموم المعاني المجردة مفهوماً من
خطاب الغير .
فما علمنا أحداً جمع بين إنكار ((العمومين)) اللفظي والمعنوي، ونحن
قد قررنا العموم بهما جميعاً، فيبقى محل وفاق مع العموم المعنوي؛ لا يمكن
إنكاره فى الجملة ؛ ومن أنكره سد على نفسه إثبات حكم الأشياء الكثيرة ؛
بل سد على عقله أخص أوصافه ، وهو القضاء بالكلية العامة ، ونحن قد قررنا
العموم من هذا الوجه ؛ بل قد اختلف الناس فى مثل هذا العموم: هل يجوز
تخصيصه؟ على قولين مشهورين .
وأما ((العموم اللفظي)) فما أنكره أيضاً إمام ولا طائفة لها مذهب مستقر
٤٤٠