Indexed OCR Text

Pages 401-420

قال الشيخ الإمام العلامة
شيخ الإسلام تقى الدين أبو العباس أحمد
ابن تيمية - قدس الله روحه -
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده
ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليماً .
حديث ((رؤية المؤمنين ربهم فى الجنة فى مثل يوم الجمعة من أيام الدنيا))
رواه أبو الحسن الدار قطني فى كتابه فى الرؤية - وما علمنا أحداً جمع فى هذا
الباب أكثر من كتاب أبى بكر الآجري وأبي نعيم الحافظ الأصبهانى - رواه من
حديث أنس مرفوعا، ومن حديث ابن مسعود موقوفا ، ورواه ابن ماجه من
حديث ابن مسعود مرفوعا .
فأما حديث أنس فرواه الدار قطني من خمس طرق أو ست طرق ، فى
غالبها ((إن الرؤية تكون بمقدار صلاة الجمعة فى الدنيا)) وصرح فى بعضها: ((بأن
النساء يرينه فى الأعياد )).
وأما حديث ابن مسعود ففى جميع طرقه - مرفوعها وموقوفها -
٤٠١

التصريح بذلك ؛ وإسناد حديث ابن مسعود أجود من جميع أسانيد هذا
الباب. ورواه أبو عبد الله بن بطة فى ((الإيانة)) بإسناد آخر من حديث أنس
أجود من غيره، وذكر فيه: ((وذلك مقدار انصرافكم من الجمعة)). ورواه
أبو أحمد بن عدي من حديث صالح بن حيان عن ابن بريدة عن أنس ،
وما أعل لفظه .
ورواه أبو عمرو الزاهد باسناد آخر لم يحضرني لفظه . ورواه أبو العباس
السراج حدثنا علي بن أشيب حدثنا أبو بدر حدثنا زياد بن خيثمة عن عثمان
ابن مسلم عن أنس بن مالك، وليس فيه الزيادة . ورواه أبو يعلى الموصلى فى
مسنده عن شيبان بن فروخ عن الصعق بن حزن عن على بن الحكم البناني عن
أنس نحوه، ولا أعلم لفظه .
ورواه أبو بكر البزار وأبو بكر الخلال وابن بطة من حديث حذيفة
ابن اليمان مرفوعا، ولم يذكر فيه هذه الزيادة، لكن قال فى آخره: «فلهم
فى كل سبعة أيام الضعف على ما كانوا فيه - قال - وذلك قول الله فى كتابه:
﴿ فَلَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّ أُخْفِىَ لَهُم مِّنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءُ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) . ورواه
الآجري وابن بطة أيضاً مرفوعا من حديث ابن عباس وفيه: ((وأقربهم منه
مجلساً أسرعهم إليه يوم الجمعة وأبكريم غدوا)).
وله طريق آخر من حديث أبى هريرة ، ورواه الترمذي وابن ماجه من
حديث عبد الحميد ابن أبى العشرين عن الأوزاعي عن حسان بن عطية عن
٤٠٢

أبى هريمان، وقال الترمذي : هذا حديث لا نعرفه إلا من هذا الوجه . وقد
روى سويد بن عمرو عن الأوزاعى شيئاً من هذا، وقالوا : ورواه سويد
ابن عبد العزيز عن الأوزاعي قال : قال : حديث عن سعيد. وروى أيضاً معناه
عن كعب الأحبار موقوفاً وفيه معنى الزيادة .
وأصل حديث ((سوق الجنة)) قد رواه مسلم فى صحيحه ولم يذكر فيه
الرؤية، وهذه الأحاديث عامتها إذا جرد إسناد الواحد منها لم يخل عن مقال
قريب أو شديد، لكن تعددها وكثرة طرقها يغلب على الظن ثبوتها فى نفس
الأمر ؛ بل قد يقتضي القطع بها.
وأيضاً فقد روى عن ((الصحابة)) و((التابعين)) ما يوافق ذلك، ومثل
هذا لا يقال بالرأي ؛ وإنما يقال بالتوقيف.
فروى الدار قطنى بإسناد صحيح عن ابن المبارك أخبرنا المسعودي عن المنهال
ابن عمرو عن أبى عبيدة عن عبد الله بن مسعود قال: ((سارعوا إلى الجمعة فإن الله
يبرز لأهل الجنة فى كل جمعة فى كتيب من كافور، فيكونون فی قرب منه على
قدر تسارعهم إلى الجمعة فى الدنيا)) وأيضاً بإسناد صحيح إلى شبابة بن سوار عن
عبد الرحمن بن عبد الله المسعودي عن المنهال بن عمرو عن أبى عبيدة بن عبد الله
ابن مسعود عن عبد الله بن مسعود قال: ((سارعوا إلى الجمعة فإن الله عز وجل
يبرز لأهل الجنة فى كل يوم جمعة فى كثيب من كافور أبيض فيكونون فى الدنو
٤٠٣

منه على مقدار مسارعتهم فى الدنيا إلى الجمعة ، فيحدث لهم من الكرامة شيئاً
لم يكونوا رأوه فيما خلا. قال: وكان عبد الله بن مسعود لا يسبقه أحد إلى
الجمعة، قال: فجاء يوماً وقد سبقه رجلان فقال: رجلان وأنا الثالث إن الله
يبارك فى الثالث.
ورواه ابن بطة بإسناد صحيح من هذا الطريق، وزاد فيه: «ثم يرجعون
إلى أهليهم فيحدثونهم بما قد أحدث لهم من الكرامة شيئاً لم يكونوا رأوه فيما
خلا)) هذا إسناد حسن حسنه الترمذي وغيره .
ويقال إن أباعبيدة لم يسمع من أبيه ؛ لكن هو عالم بحال أبيه متلق لآثاره
من أكبر أصحاب أبيه، وهذه حال متكررة من عبد الله - رضي الله عنه -
فتكون مشهورة عند أصحابه فيكثر المتحدث بها ، ولم يكن فى أصحاب عبد الله
من يتهم عليه حتى يخاف أن يكون هو الواسطة ، فلهذا صار الناس يحتجون برواية
ابنه عنه وإن قيل إنه لم يسمع من أبيه .
وقدروى هذا عن ابن مسعود من وجه آخر ، رواه ابن بطة فى ((الإبانة)»
بإسناد صحيح عن الوليد بن مسلم عن ثور بن يزيد عن عمرو بن قيس إلى عبد الله
ابن مسعود قال: « إن الله یبرز لأهل جنته فی کل یوم جمعة فی کثیب من
كافور أبيض، فيكونون فى الدنو منه كتسارعهم إلى الجمعة ، فيحدث لهم من
الحياة والكرامة ما لم يروا قبله)).
وروی عن ابن مسعود من « وجه ثالث )) رواه سعيد فى سننه : حدثنا
٤٠٤

فرج بن فضالة عن علي بن أبي طلحة عن ابن مسعود أنه كان يقول: (( بكروا
فى الغدو فى الدنيا إلى الجمعات ؛ فإن الله يبرز لأهل الجنة فى كل يوم جمعة
على كثيب من كافور أبيض ، فيكون الناس منه فى الدنو كغدوم فى الدنيا
إلى الجمعة )).
وهذا الذي أخبر به ابن مسعود أمر لا يعرفه إلا نبى أو من أخذه عن نبي
فيعلم بذلك أن ابن مسعود أخذه عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ ولا يجوز أن يكون
أخذه عن أهل الكتاب لوجوه:
(أحدها) : أن الصحابة قد نهوا عن تصديق أهل الكتاب فيما يخبرونهم
به : فمن المحال أن يحدث ابن مسعود رضى الله عنه بما أخبر به اليهود على سبيل
التعلیم ویېني علیه حكما .
(الثانى): أن ابن مسعود - رضي الله عنه - خصوصاً كان من أشد
الصحابة - رضي الله عنهم - إنكاراً لمن يأخذ من أحاديث أهل الكتاب.
( الثالث) : أن الجمعة لم تشرع إلا لنا، والتبكير فيها ليس إلا فى شريعتنا،
فيبعد مثل أخذ هذا عن الأنبياء المتقدمين ، ويبعد أن اليهودي يحدث بمثل هذه
الفضيلة لهذه الأمة ، وم الموصوفون بكتمان العلم والبخل به وحسد هذه الأمة .
ورواه ابن ماجة فى سننه من وجه آخر مرفوعاً إلى النبى صلى الله عليه وسلم
عن علقمة قال: خرجت مع عبد الله بن مسعود إلى الجمعة فوجد ثلاثة قد سبقوه
فقال: رابع أربعة ، وما رابع أربعة ببعيد، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم
٤٠٥

يقول: ((إن الناس يجلسون من الله يوم الجمعة على قدر رواحهم إلى الجمعة
الأول والثانى والثالث ثم قال: رابع أربعة وما رابع أربعة ببعيد)).
وهذا الحديث مما استدل به العلماء على استحباب التبكير إلى الجمعة، وقد
ذكروا هذا المعنى من جملة معاني قوله: (وَالسَِّقُونَ السَّبِقُونَ ) ، قال بعضهم:
السابقون فى الدنيا إلى الجمعات م السابقون فى يوم المزيد فى الآخرة أو كما قال؛
فإنه لم يحضرني لفظه، وتأييد ذلك بقول النبي صلى الله عليه وسلم المخرج فى
الصحيحين: ((نحن الآخرون السابقون يوم القيامة بيد أنهم أوتوا الكتاب
قبلنا وأوتيناه من بعده ، فهذا يومهم الذي اختلفوا فيه فهدانا الله له، فالناس
لنا فيه تبع: اليهود غداً والنصارى بعد غد))، فإنه جعل سبقنا لهم فى الآخرة
لأجل أنا أوتينا الكتاب من بعدم فهدينا لما اختلفوا فيه من الحق حتى صرنا
سابقين لهم إلى التعبيد ، فكما سبقنام إلى التعبيد فى الدنيا نسبقهم إلى كرامته
فى الآخرة .
وأما ((حديث أنس)» -وهو أشهر الأحاديث - فيما يكون يوم الجمعة
فى الآخرة من زيارة الله ورؤيته وإتيان سوق الجنة ، فأصح حديث عنهما رواه
مسلم فى صحيحه عن حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله
صلى الله عليه وسلم قال: ((إن فى الجنة لسوقاً يأتونها كل جمعة فتهب ريح
الشمال فتحثوا فى وجوههم وثيابهم فيزدادون حسناً وجمالاً ، فيقول لهم أهلوم:
والله! لقد ازددتم بعدنا حسنا وجمالاً، فيقولون: وأنتم والله لقد ازددتم بعدنا
حسناً وجمالاً)).
٤٠٦

فهذا ليس فيه إلا أنهم يأتون السوق وفيه يزدادون حسناً وجمالا ، وأن
أهليهم ازدادوا أيضاً فى غيبتهم عنهم حسناً وجمالاً وإن كانوا لم يأتوا سوق الجنة.
وإن كانت زيادة بعض الحديث على بعض غير مقبولة ؛ بل يجعل نوع
تعارض؟ فينبغي أن لا يقبل فى الباب حديث برؤية اللّه يوم الجمعة؛ لأنه ليس
فيها شيء يقاوم حديث أنس هذا فإنه هو الذي أخرجه أصحاب الصحيح دون
الجميع؛ بل قد يقال: لو كانت رؤية الله خاصة وأن زيادة الوجوه حسناً وجمالاً
كان عنها لأخبر به فى هذا الحديث ، بل قد يقال: ظاهره أن زيادة الحسن
والجمال إنما كان من الريح التى تهب فى وجوههم وثيابهم .
وإن كان الواجب أن يقال: ما فى تلك الأحاديث من الزيادات لا ينافى هذا
- وإن كان هذا أصح ــ فإن الترجيح إنما يكون عند التنافى، وأما إذا أخبر
فى أحد الحدیثین بشىء وأخبر فى الآخر بزيادة أخرى لا تنافيها كانت تلك الزيادة
بمنزلة خبر مستقل، فهذا هو الصواب.
وليس هذا مما اختلف فيه الفقهاء من الزيادة فى النص هل هي نسخ؟ فإن
ذلك إنما هو فى ((الأحكام )) التى هي الأمر ، والنهي ، والإباحة ، وتوابعها :
مثل ما قال الله تعالى: ( الَّانِيَّةُ وَلَِّ فَاجْلِدُ واكُلَّ وَحِدٍمِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ ) ،
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام))، وقال
لآخر: ((على ابنك جلد مائة وتغريب عام))، فهنا اختلف العلماء هل هذه
الزيادة نسخ لقوله: ( الزَّانِيَةُ وَاُلَِّفَاجْلِدُوا ) ؟ مع أن الجمهور على أنها
ليست بنسخ وهو الصحيح كما هو مقرر فى موضعه.
٤٠٧
٠

وأما زيادة أحد الخبرين على الآخر فى ((الأخبار المحضة)) فهذا ممالم يختلف
المسلمون أنه ليس بنسخ، وأنه لا ترد الزيادة إذا لم تناف المزيد؛ فإن رجلاً لو قال:
رأيت رجلاً ثم قال: رأيت رجلاً عاقلاً أو عالما ، لم يكن بين الكلامين منافاة:
ففرق بين الإطلاق والتقييد والتجريد والزيادة فى ((الأمور الطلبية))؛ وبين
ذلك فى ((الأمور الخبرية)).
وإذا كان كذلك، فيقال: قد جاء فى أحاديث أخر أن ((السوق)) يكون
بعد ((رؤية الله سبحانه)) كما أن العادة فى الدنيا أنهم ينتشرون فى الأرض
ويبتغون من فضل الله بعد زيارة الله والتوجه إليه فى الجمعة .
وما فى هذا الحديث من ((ازدياد وجوههم حسناً وجمالاً)) لا يقتضي
الحصار ذلك فى الريح ، فإن أزواجهم قد ازدادوا حسناً وجمالا ولم يشركوم
فى الريح ؛ بل يجوز أن يكون حصل فى الريح زيادة على ما حصل لهم قبل ذلك،
ويجوز أن يكون هذا الحديث مختصراً من بقية الأحاديث بأن سبب الازدياد
((رؤية الله تعالى)) مع ما اقترن بها .
وعلى هذا فيمكن أن يكون ((نساؤهم المؤمنات)) رأين الله فى منازلهن
فى الجنة ((رؤية)) اقتضت زيادة الحسن والجمال - إذا كان السبب هو الرؤية
كما جاء مفسراً فى أحاديث أخر . كما أنهم فى الدنيا كان الرجال يروحون إلى
المساجد فيتوجهون إلى الله هنالك، والنساء فى بيوتهن يتوجهن إلى الله بصلاة
الظهر ، والرجال يزدادون نوراً فى الدنيا بهذه الصلاة ، وكذلك النساء يزددن
نوراً بصلاتهن، كل بحسبه ؛ والله سبحانه لا يشغله شأن عن شأن ، بل كل عبد
٤٠٨

يراه مخلياً به فى وقت واحد كما جاء فى غير حديث ، بل قد بين النى صلى الله
عليه وسلم أن بعض مخلوقاته - وهو القمر - يراه كل واحد مخلياً به إذا شاء.
إذا تلخص ذلك. فنقول: (( الأحاديث الزائدة على هذا الحديث )) فى
بعضها ذكر الرؤية فى الجمعة وليس فيه ذكر تقدير ذلك بصلاة الجمعة فى الدنيا
كما فى حديث أبى هريرة حديث سوق الجنة ، وفى بعضها أنهم يجلسون من الله
يوم الجمعة فى الآخرة على قدر رواحهم إلى الجمعة فى الدنيا ؛ وليس فيه ذكر
الرؤية - كما تقدم فى حديث ابن مسعود المرفوع - وفى بعضها ذكر الأمرين
جميعاً، وهي أكثر الأحاديث.
وليست الأحاديث المتضمنة ((للرؤية المجردة)) عن تقدير ذلك بصلاة الجمعة
بدون الأحاديث المتضمنة لذلك : لا فى الكثرة ولا فى قوة الأسانيد ؛ بل
المتضمنة لذلك أكثر منها وإسناد بعضها أجود من إسناد تلك ، ولو كانت تلك
أكثر، ورويت هذه الزيادة بإسناد واحد - من جنس تلك الأسانيد - لكان
حكمها فى القبول والردكمكم المزيد؛ لعدم المنافاة .
ولو فرض أن ((بعض العامة)» الذين يسمعون الأحاديث من القصاص،
أو من النقاد ، أو بعض من يطالع الأحاديث ولا يعتني بتمييزها ، اشتهر
عنده شيء من ذلك دون شيء لم يكن بهذا عبرة أصلاً. فكم من أشياء
مشهورة عند العامة ؛ بل وعند كثير من الفقهاء والصوفية والمتكلمين أو
٤٠٩

أكثرهم ؛ ثم عند حكام الحديث العارفين به لا أصل له !! بل قد يقطعون
بأنه موضوع !
وكم من أشياء مشهورة عند ((العارفين بالحديث)) بل متواترة عندم،
وأكثر العامة؛ بل كثير من العلماء الذين لم يعتنوا بالحديث ما سمعوها أو سمعوها
من وراء وراء ، وهم إما مكذبون بها وإما مرتابون فيها، وم مع ذلك لم
يضبطوها ضبط العالم لعلمه ، كضبط النحوى للنحو ، والطبيب للطب، وإن
ضبطوا منها شيئاً : ضبطوا اللفظة بعد اللفظة مما لا تسمن ولا تغني من جوع
وليس ذلك مما يعتمد عليه، ولا ينضبط به دين الله، ولا يسقط به عن الأمة
الفرض فى حفظ على النبوة، والفقه فيه. قال ((الإمام أحمد )): معرفة الحديث
والفقه فيه أحب إلي من حفظه .
وأنا أذكر شواهد ما ذكرته: فروى الدار قطنى فى (( كتاب الرؤية)»
- وهي من أوائل ما رواه فى ترجمة أنس -: حدثنا أحمد، حدثنا سليمان،
حدثنا محمد بن عثمان بن محمد، حدثنا مروان بن جعفر، حدثنا نافع أبو الحسن
مولى بني هشام ، حدثنا عطاء بن أبى ميمونة ، عن أنس بن مالك ، قال : قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( إذا كان يوم القيامة رأى المؤمنون ربهم عن
وجل ، فأحدثهم عهداً بالنظر إليه فى كل جمعة ، وتراه المؤمنات يوم الفطر،
ويوم النحر)).
وروى (( الدار قطنى)) أيضاً عن جماعة ثقاة عن عبد الله بن روح المدائى
٤١٠

حدثنا سلام بن سليمان، حدثنا ورقاء وإسرائيل ، وشعبة، وجرير بن عبدالحميد
- كلهم - قالوا: حدثنا ليث عن عثمان بن حميد عن أنس بن مالك قال: سمعت
النبى صلى الله عليه وسلم يقول: ((أنانى جبريل عليه السلام وفى كفه كالمرآة البيضاء
يحملها ، فيها كالنكتة السوداء ، فقلت: ما هذه التى فى يدك يا جبريل ؟!
فقال: هذه الجمعة. قلت : وما الجمعة ؟ قال : لكم فيها خير ، قلت : وما يكون
لنا فيها؟ قال: تكون عيداً لك ولقومك من بعدك، وتكون اليهودوالنصارى
تبعاً لكم ، قلت : وما لنا فيها؟ قال: لكم فيها ساعة لا يسأل الله عبده فيها شيئاً
هو له قسم إلا أعطاه إياه ، وليس له بقسم إلا ادخر له فى آخرته ما هو أعظم
منه ، قلت : ما هذه النكتة التى فيها ؟ قال : هي الساعة ونحن ندعوه يوم
المزيد، قلت : وما ذلك يا جبريل ؟ قال ؛ إن ربك أعد فى الجنة وادياً فيه كثبان
من مسك أبيض ، فإذا كان يوم الجمعة هبط من عليين عن وجل على كرسيه
فيحف الكرسي بكراسي من نور ؛ فيجيء النبيون حتى يجلسوا على تلك
الكراسي، ويحف الكرسي بمنابر: من نور، ومن ذهب. مكللة بالجوهر، ثم
يجيء الصديقون والشهداء حتى يجلسوا على تلك المنابر، ثم ينزل أهل الغرف
من غرفهم حتى يجلسوا على تلك الكثبان ، ثم يتجلى لهم عن وجل فيقول : أنا
الذي صدقتكم وعدى ، وأتممت عليكم نعمتي! وهذا محل كرامتى، فسلوني !
فيسألونه حتى تنتهي رغبتهم، فيفتح لهم فى ذلك ما لا عين رأت ولا أذن سمعت
ولا خطر على قلب بشر، وذلك مقدار منصرفكم من الجمعة، ثم يرتفع على
كرسيه عن وجل ، وترتفع معه النبيون والصديقون والشهداء ، ويرجع أهل
٤١١

الغرف إلى غرفهم وهي لؤلؤة بيضاء، وزمردة خضراء، وياقوتة حمراء غرفها
وأبوابها منها ، وأنهارها مطردة فيها وأزواجها وخدامها وتمارها متدليات فيها ،
فليسوا إلى شيء بأحوج منهم إلى يوم الجمعة ليز دادوا منه نظراً إلى ربهم عز وجل
ويزدادوا منه كرامة )).
وروى ((ابن بطة)) هذا الحديث مثل هذا عن القافلاني : حدثنا محمد بن
إسحاق الصاغانى ، حدثنا عبد الله بن محمد بن أبى شيبة ، حدثنا عبد الرحمن بن
محمد، عن ليث عن عثمان، عن أنس، وفيه ((ثم يتجلى لهم ربهم تعالى
ثم يقول: سلونى أعطكم! فيسألونه الرضا فيقول: رضائى أحلكم دارى وأنا(١)
لكم كرامتى فسلوني أعطكم ! فيسألونه الرضا فيشهدم أنه قد رضي عنهم
- قال -: فيفتح لهم ما لا ترى عين ولم تسمع أذن، ولم يخطر على قلب بشر
- قال : وذلك مقدار انصرافكم من الجمعة ، ثم يرتفع ويرتفع معه النبيون،
والصديقون، والشهداء، ويرجع أهل الغرف إلى غرفهم)) وذكر تمامه.
وهذا الطريق يبين أن هذا الحديث محفوظ عن ليث ابن أبى سليم ،
واندفع بذلك الكلام فى سلام بن سليم ؛ فإن هذا الإسناد الثانى كلهم أئمة إلى
ليث، وأما الأول فكأن فى القلب حزازة من أجل أن ((سلاماً)) رواه عن
جماعة من المشاهير ورواه عنه عبد الله بن روح المدائنى ، وقد اختلف فى
((سلام)) هذا : فقال ابن معين مَرَّةً: لا بأس به، وقال أبو حاتم: صدوق
صالح الحديث . وسئل عنه ابن معين مرة أخرى فقيل له: أثقة هو ؟ فقال: لا.
(١) رواه ابن أبي شيبة في المصنف ١٥٠/٢ - ١٥١ في ( فضل الجمعة ويومها ) وفيه
( وأنیلكم كرامتي ).
٤١٢

وقال العقيلى لا يتابع على حديثه .
فإذا كان الحديث قد روى من تلك الطريق الجيدة اندفع الحمل عليه.
ورواه الدار قطني من هذه الطريق من ((وجه ثالث)) من حديث الحسن
ابن عرفة : حدثنا عمار بن محمد بن أخت سفيان الثوري عن ليث بن أبى سليم
عن عثمان عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أثانى
جبريل وفى كفه كالمرآة البيضاء فيها كالنكتة السوداء )» وساق الحديث نحو
ما تقدم، ولم يذكر: ((وذلك مقدار انصرافكم من الجمعة)).
وهذا يقوى أن للحديث أصلاً عن ليث ، ولا يضر ترك الزيادة ؛ فإن
عمار بن محمد بن أبى أخت سفيان لا يحتج لابزيادته ، ولا بنقصه ؛ وإنما ذكرناه
للمتابعة . وفى هذا الحديث أن الصالحين م الذين يرجعون إلى أهليهم ، فأما
النبيون والصديقون والشهداء فلا يرجعون حينئذ، وليس فيه ما يدل على
رؤية النساء ؛ لا بنفي، ولا إثبات.
ورواه ((أبو العباس محمد بن إسحق السراج)) حدثنا علي بن أشيب ،
حدثنا أبو بدر ، حدثنا زياد بن خيثمة ، عن عثمان بن مسلم، عن أنس بن مالك
قال: أبطأ علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم فلما خرج قلنا: لقد
احتبست! قال: ((فإن جبريل أناني، وفى كفه كهيئة المرآة البيضاء، فيها نكتة
سوداء . فقال : إن هذه الجمعة فيها خير لك ولأمتك ، وقد أرادها اليهود
والنصارى فأخطأوها ، فقلت : يا جبريل ! ما فى هذه النكتة السوداء ؟ قال:
إن هذه الساعة التى فى يوم الجمعة لا يوافقها عبد بسأل الله خيراً من قسمه إلا
٤١٣

أعطاه إياه، أو ادخر له مثله يوم القيامة، أو صرف عنه من السوء مثله ، وأنه
خير الأيام عند الله، وأن أهل الجنة يسمونه يوم المزيد. قلت: يا جبريل! وما
يوم المزيد؟ قال : إن فى الجنة وادياً أفيح تربته مسك أبيض ينزل الله إليه كل يوم
جمعة، فيوضع كرسيه، ثم يبجاء بمنابر من نور فتوضع خلفه فتحف به الملائكة، ثم
بجاء بكراسي من ذهب فتوضع، ثم يجيء النبيون والصديقون والشهداء
والمؤمنون أهل الغرف فيجلسون، ثم يتبسم الله إليهم فيقول: سلوا! فيقولون:
نسألك رضوانك ، فيقول : قد رضيت عنكم فسلوا ! فيسألون منام فيعطيهم
ما سألوا وأضعافها ، ويعطيهم ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على
قلب بشر؛ ثم يقول: ألم أنجزكم وعدي وأتممت عليكم نعمتى وهذا محل كرامتى؟
ثم ينصرفون إلى غرفهم ويعودون كل يوم جمعة، قلت : يا جبريل! ما غرفهم؟
قال: من لؤلؤة بيضاء وياقوتة حمراء وزبرجدة خضراء ، مقدرة منها أبوابها ،
فيها أزواجها مطردة أنهارها)) رواه ((أبو يعلى الموصلي)) فى (مسنده) عن شيبان
ابن فروخ عن الصعق بن حزن عن علي بن الحكم البناني عن أنس نحوه
لم يحضر ني لفظه.
ورواه ((الدار قطنى)) أيضاً من حديث عبد الله بن الحميم الرازي، وحدثنا
عمرو بن قيس عن أبي شبيبة، عن عاصم، عن عثمان بن عمير أبى اليقظان عن
أنس. ومن حديث إسحق بن سليمان الرازي حدثنا عنبسة بن سعيد عن
عثمان بن عمير عن أنس بن مالك بنحو من السياق المتقدم ، وليس فيه
ذكر الزيادة .
٤١٤

وروى ((ابن بطة)) بإسناد صحيح عن الأسود بن عامر قال: ذكر لي عن
شريك عن أبى اليقظان عن أنس ( وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ ) قال: يتجلى لهم كل جمعة .
ورواه أيضاً ((الدار قطنى)) من حديث محمد بن حاتم المصيصي: حدثنا محمد
بن سعيد القرشي، حدثنا حمزة بن واصل المنقري، حدثنا قتادة بن دعامة ، سمعته
يقول: حدثنا أنس بن مالك قال: بينما نحن حول رسول الله صلى الله عليه وسلم
إذ قال: ((أتانى جبريل وفى يده المرآة البيضاء)) وذكر الحديث المتقدم بأبسط
مما تقدم، وفيه ما يجمع بين حديث أنس الذي فى صحيح مسلم وبين سائر
الأحاديث، وفيه: ((ويكون كذلك حتى مقدار متفرقهم من الجمعة)).
وروي من طريق آخر رواه «أبو عمر محمد بن عبد الواحد الزاهد غلام
ثعلب )) حدثنا محمد بن جعفر بن أبى الدميك المروزي، حدثنا سلمة بن شبيب ،
حدثنا يحيى بن عبد الله الحرانى، حدثنا ضرار بن عمرو عن يزيد الرقاشي عن
أنس بن مالك، وذكر ((الحديث)) بأبسط مما تقدم، ولم يحضرنى سياقه،
ولكن أظن فيه الزيادة المذكورة ، وهذا الإسناد ضعيف من جهة يزيد الرقاشي
وضرار بن عمرو ؛ لكن هو مضموم إلى ما تقدم .
وروي من طريق عن أنس رواه (( أبو حفص بن شاهين)) حدثنا
جعفر بن محمد العطار، حدثنا جدي عبد الله بن الحكم ، سمعت عاصما أبا
علي يقول : سمعت حميدا الطويل قال : سمعت أنس بن مالك يقول: سمعت
رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إن الله يتجلى لأهل الجنة كل يوم على
٤١٥

كثيب كافور أبيض))، وقيل: إن جعفراً، وجده، وعاصما : مجهولون، وهذا
لا يمنع المعارضة .
ورواه أيضاً ((الدار قطنى)) بإسناد صحيح إلى العباس بن الوليد بن مزيد:
أخبرني محمد بن شعيب ، أخبرنى عمر مولى عفرة، عن أنس بن مالك: بنحو
ما تقدم فى الروايات المتقدمة وفيه: «فيفتح عليهم بعد انصرافهم من يوم الجمعة
مالاعين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر)).
فهذا قد روي عن ((أنس)) من طريق جماعة ، وفى أكثر رواية هؤلاء
ذكر الزيادة كما تقدم.
وأما ((حديث حذيفة)) رضى الله عنه - فرواه ((أبو بكر الخلال بن يزيد
ابن جمهور)) حدثنا الحسن بن يحي بن كثير العنبرى حدثنا أبي عن إبراهيم بن
المبارك عن الأعمش عن أبى وائل عن حذيفة بن اليمان قال : قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم: ((أتانى جبريل وإذا فى كفه مرآةً كأصفى المرايا وأحسنها))
وساق الحديث بزيادته على ما تقدم ، وفيه ألفاظ أخرى ولم يذكر الزيادة.
ورواه أبو بكر البزار : حدثنا محمد بن معمر وأحمد بن عمرو العصفورى
قالا : حدثنا يحيى بن كثير العنبرى ، عن إبراهيم بن المبارك ، عن القاسم بن
مطيب عن الأعمش عن أبى وائل عن حذيفة، وذكر الحديث وفيه: «فيوحى
الله إلى حملة العرش أن يفتحوا الحجب فيما بينه وبينهم ، فيكون أول
ما يسمعون منه تعالى : أين عبادى الذين أطاعونى بالغيب ولم يرونى ، وصدقوا
٤١٦

رسلى ، واتبعوا أمري ؟ سلوني فهذا يوم المزيد! فيجتمعون على كلمة واحدة:
أن قد رضينا فارض عنا - ويرجع فى قوله - يا أهل الجنة! إنى لو لم أرض
عنكم لم أسكنكم جنتى، هذا يوم المزيد فسلونى! فيجتمعون على كلمة واحدة:
أرنا وجهك رب! ننظر إليه ، فيكشف الله الحجب فيتجلى لهم ، فيغشام
من نوره ما لولا أن الله قضى أن لا يموتوا لاحترقوا، ثم يقال لهم: ارجعوا إلى
منازلكم فيرجعون إلى منازلهم فى كل سبعة أيام يوم ، وذلك يوم المزيد)).
وأما (( حديث ابن عباس)) - رضي الله عنه - فروى من غير وجه
صحيح فى (كتاب الآجرى ، وابن بطة وغيرهما) : عن أبى بكر بن أبى داود
السجستانى ، حدثنا عمي محمد بن الأشعث ، حدثنا ابن جسر ، حدثنا أبى
جسر، عن الحسين ، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
((إن أهل الجنة يرون ربهم تعالى فى كل يوم جمعة فى رمال الكافور ،
وأقربهم منه مجلساً أسرعهم إليه يوم الجمعة وأبكريم غدوا))، وهذا تصريح
بالزيادة المطلوبة .
وأما «حديث أبى هريرة)) - رضي الله عنه - فرواه الترمذي،
وابن ماجه، من حديث عبد الحميد بن أبى العشرين ، حدثنا الأوزاعي ، حدثنا
حسان بن عطية ، عن سعيد بن المسيب : أنه لقي أبا هريرة فقال أبو هريرة:
اسأل الله أن يجمع بينى وبينك فى سوق الجنة؟ فقال سعيد : أفيها سوق ؟قال:
نعم، أخبرنى رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أن أهل الجنة إذا دخلوا نزلوا
٤١٧

فيها بفضل أعمالهم، ثم يؤذن فى مقدار يوم الجمعة من أيام الدنيا، فيزورون
ربهم ويبرز لهم عرشه ويقبدى لهم فى روضة من رياض الجنة ، فتوضع لهم
منابر من نور ، ومنابر من لؤلؤ، ومنابر من ياقوت ، ومنابر من زبرجد ، ومنابر
من ذهب، ومنابر من فضة ؛ ويجلس أدناه - وما فيهم من دنى - على كثبان
المسك، والكافور ؛ ما يرون بأن أصحاب الكراسي أفضل منهم مجلساً - قال
أبو هريرة - : قلت: يا رسول الله! وهل نرى ربنا عز وجل؟ قال : نعم،
هل تتمارون فى رؤية الشمس والقمر ليلة البدر؟ قلنا: لا . قال : كذلك
لا تمارون في رؤية ربكم تبارك وتعالى ، ولا يبقى فى ذلك المجلس - يعنى:
رجلاً - إلا حاضره الله محاضرة ، حتى يقول للرجل منهم : يا فلان بن
فلان ! أتذكر يوم قلت : كذا وكذا - فيذكره ببعض غدراته فى الدنيا -
فيقول: يارب! أفلم تغفر لي؟ فيقول : بلى ! فبسعة مغفرتي بلغت منزلتك
هذه. فبينما هم كذلك غشيهم سحابة من فوقهم فأمطرت عليهم طيباً لم يجدوا
مثل ريحه شيئاً قط ، ويقول ربنا : قوموا إلى ما أعددت لكم من الكرامة
فخذوا ما اشتهيتم ، فنأتى سوقاً قد حفت به الملائكة فيه ما لم تنظر العيون إلى
مثله ولم تسمع الآذان ولم يخطر على القلوب ، فيحمل لنا ما اشتهينا ليس يباع
فيها ولا يشترى ، وفى ذلك السوق يلقي أهل الجنة بعضهم بعضاً - قال -:
فيقبل الرجل ذو المنزلة المرتفعة فيلقاه من هو دونه ــ وما فيهم دني - فيروعه
ما عليه من اللباس ، فما ينقضي آخر حديثه حتى يتخيل إليه ما هو أحسن منه؛
وذلك أنه لا ينبغي لأحد أن يحزن فيها، ثم تنصرف إلى منازلنا فيتلقانا أزواجنا
٤١٨

فيقلن : مرحباً وأهلاً! لقد جئت وإن بك من الجمال أفضل مما فارقتنا عليه ؛
فيقول: إنا جالسنا اليوم ربنا الجبار ، ويحقنا أن تنقلب بمثل ما انقلبنا)) قال
الترمذى : هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه . وقد روى سويد
ابن عمرو عن الأوزاعي شيئاً من هذا.
قلت: قد روى هذا الحديث ((ابن بطة)) فى ( الإبانة) بأسانيد صحيحة
عن أبى المغيرة عبد القدوس بن الحجاج عن الأوزاعي ، وعن محمد بن كثير عن
الأوزاعي عن عبد الله بن صالح حدثنى الهقل عن الأوزاعي قال : نبئت أنه لقى
سعيد بن المسيب أباهريرة فقال : أسأل الله أن يجمع بيني وبينك فى سوق
الجنة ، وذكر الحديث مثل ما تقدم. وهذا يبين أن الحديث محفوظ عن
الأوزاعي لكن فى تلك الروايات سمى من حدثه وفى الروايات البواقى الثانية لم
بسم، فالله أعلم.
و ((مضمون هذا الحديث)) أن أزواجهم لم تكن معهم فى جمعة الآخرة،
ولا فى سوقها ؛ لكنه لا ينفي أنهن رأين الله فى دورهن ؛ فإن الرجال قد عللوا
زيادة الحسن والجمال بمجالسة الجيار ، والنساء قد شركتهم فى زيادة الحسن
والجمال كما تقدم فى أصح الأحاديث .
٤١٩

فصل
المقتضي لكتابة هذا : أن بعض الفقهاء كان قد سألني لأجل نسائه من مدة :
هل ترى المؤمنات اللّه فى الآخرة؟ فأجبت بما حضرنى إذ ذاك: من أن الظاهر
أنهن يرينه، وذكرت له أنه قدروى أبو بكر عن ابن عباس أنهن يرينه فى الأعياد
وأن أحاديث الرؤية تشمل المؤمنين جميعاً من الرجال والنساء ؛ وكذلك كلام
العلماء ؛ وأن المعنى يقتضي ذلك حسب التتبع ؛ وما لم يحضرفى الساعة .
وكان قد سنح لي فيما روي عن ابن عباس أن سبب ذلك أن ((الرؤية))
المعتادة العامة فى الآخرة تكون بحسب الصلوات العامة المعتادة ، فلما كان
الرجال قد شرع لهم فى الدنيا الاجتماع لذكر الله ومناجاته ، وترائيه بالقلوب
والتنعم بلقائه فى الصلاة كل جمعة جعل لهم فى الآخرة اجتماعا فى كل جمعة لمناجاته
ومعاينته والتمتع بلقائه .
ولما كانت السنة قد مضت بأن النساء يؤمرن بالخروج فى العيد حتى
العوائق والحيض ، وكان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرج عامة
نساء المؤمنين فى العيد ، جعل عيدهن فى الآخرة بالرؤية على مقدار عيدهن
فى الدنيا
٠
٤٢٠