Indexed OCR Text

Pages 281-300

لا بد أن يكون قد تغير تغيراً أوجب له قبول ما لم يكن قابلا له ، كالإنسان إذا
كبر حصل له مِن قبول العلم والفهم: ما لم يكن قابلاً له قبل ذلك ؛ بخلاف من لم
نزل ذاته على حال واحدة ثم قبل ما لم يكن قابلا، فإن هذا ممتنع.
فالذين يقولون : القابل للشئ يجب أن يكون قبوله له من لوازم ذاته ؛
إن ادعوا أن كل جسم، فإنه يقبل جميع أنواع الأعراض ، فإنهم يقولون : هذا
القبول من لوازم ذاته. ويقولون : لا يخلو الجسم من كل نوع من أنواع الأعراض
عن واحد من ذلك النوع ، ويكون ما ذكروه - من أن القبول من لوازم ذات
القابل - دليلاً لهم فى المسألتين، وإن لم يدعوا ذلك، فإنهم يقولون: الأجسام
تتغير ، فتقبل فى حال ما لم تكن قابلة له فى حالة أخرى ، ولا يحتاجون أن يقولوا
القابل للشيء لا يخلو عنه وعن ضده .
والذين قالوا : إن القابل للشيء لا يخلو عنه وعن ضده. فيقال لهم:
غاية هذا أن يكون لم تزل الحوادث قائمة به ، ونحن نلتزم ذلك وتحقيق ذلك:
(بالوجه الثالث عشر). وهو أن يقال : هذا بعينه موجود فى القادر ؛ فإن
القادر على الشيء لا يخلو عنه وعن ضده ؛ ولهذا كان الأمر بالشىء نهياً عن
ضده، والنهي عن الشئ أمراً بأحد أضداده.
وقال الأكثرون: المطلوب بالنهي فعل ضد المنهي عنه. وقال: إن الترك
أمر وجودي ؛ هو مطلوب الناهي، القادر على الأضداد؛ لو أمكن خلوه عن
٢٨١

جميع الأضداد لكان إذا نهى عن بعض الأضداد لم يجب أن يكون مأموراً
بشيء منها ؛ لإمكان أن لا يفعل ذلك الضد ولا غيره من الأضداد .
فلما جعلوه مأموراً ببعضها : علم أن القادر على أحد الضدين لا يخلو
منه ومن ضده، وحينئذ فإذا كان الرب لم يزل قادراً: لزم أنه لم يزل فاعلاً
الشيء أو لضده؛ فيلزم من ذلك أنه لم يزل فاعلاً، وإذا أمكن أنه لم يزل فاعلاً
للحوادث أمكن أنه لم يزل قابلاً لها . ويمكن أن يذكر هذا الجواب على وجه
لا يقبل النزاع .
( الوجه الرابع عشر ) : فيقال : إن كان القابل للشيء لا يخلو عنه وعن
+٠
ضده فالقادر على الشيء لا يخلو عنه وعن ضده ؛ لأن القادر قابل لفعل
المقدور ، وإن كان قبول القابل للحوادث يستلزم إمكان وجودها فى الأزل،
فقدرة القادر أزلية على فعل الحوادث، يستلزم إمكان وجودها فى الأزل؛
وإن أمكن أن يكون قادراً مع امتناع المقدور : أمكن أن يكون قابلاً مع
امتناع المقبول.
وإن قيل : قبوله لها من لوازم ذاته : قيل قدرته عليها من لوازم ذاته .
وحينئذ: فإن كان دوام الحوادث ممكناً : أمكن أنه لم يزل قادراً عليها ، قابلاً
لها ؛ وإن كان دوامها ليس بممكن: فقد صار قبوله لها وقدرته عليها ممكناً بعد
أن لم يكن. فإن كان هذا جائزاً جاز هذا، وإن كان هذا ممتنعاً كان هذا ممتنعا،
وعاد الأمر فى ((هذه المسألة)) [إلى] نفس القدرة على دوام الحوادث وهو
٢٨٢

((الأصل المشهور)) فمن قال به من أئمة السنة والحديث، وأنه لم يزل قادراً على
أن يتكلم بمشيئته وقدرته ، ويفعل بمشيئته: جوز ذلك، والتزم إمكان حوادث
لا أول لها.
فكان ما احتج به أئمة ((الفلاسفة)) على قدم العالم: لا يدل على قدم شيء
من العالم ؛ بل إنما يدل على أصول أئمة السنة والحديث، المعتين بما جاء به
الرسول ، وكان غاية تحقيق معقولات المتكلمين والمتفلسفة يوافق ويعين
ويخدم ما جاءت به الرسل ، ومن لم يقل بذلك من المتكلمين - بل قال بامتناع
دوام الحوادث- لم یکن عنده فرق بين قبوله لها وقدرته عليها .
وكان قول الذين قالوا ـ من هؤلاء - بأنه يتكلم بمشيئته وقدرته :
كلاما يقوم بذاته أقرب إلى المعقول والمنقول ممن يقول إن كلامه مخلوق، أو
إنه يقوم به كلام قديم ؛ من غير أن يمكنه أن يتكلم بقدرته، أو مشيئته.
وكل قول يكون أقرب إلى المعقول والمنقول : فإنه أولى بالترجيح ، مما هو أبعد
عن ذلك من الأقوال. والله تعالى أعلم.
٢٨٣

فصل
قال الرازي: ((الحجة الثالثة)) قصة الخليل عليه الصلاة والسلام:
(لَا أُحِبُّ الْأَفِلِينَ) والأفول عبارة عن التغير . وهذا يدل على أن المتغير
لا يكون إلها أصلاً . والجواب من وجوه:
(أحدها): أنا لا نسلم أن الأفول هو التغير، ولم يذكر على ذلك حجة؛
بل لم يذكر إلا مجرد الدعوى.
(الثانى) : أن هذا خلاف إجماع أهل اللغة والتفسير ؛ بل هو خلاف
ما علم بالاضطرار من الدين؛ والنقل المتواتر للغة والتفسير. فإن ((الأفول)» هو
المغيب . يقال : أفلت الشمس تأقُل وتأفِل أفْولا إذا غابت ، ولم يقل أحد قط
إنه هو التغير ، ولا إن الشمس إذا تغير لونها يقال إنها أفلت ، ولا إذا كانت
متحركة فى السماء يقال إنها أفلت ، ولا إن الريح إذا هبت يقال إنها أفلت
ولا إن الماء إذا جرى يقال إنه أفل ، ولا إن الشجر إذا تحرك يقال إنه أفل
ولا إن الآدميين إذا تكلموا أو مشوا وعملوا أعمالهم يقال إنهم أفلوا ؛ بل
ولا قال أحد قط إن من مرض أو اصفر وجهه أو احمر يقال إنه أفل .
فهذا القول من أعظم الأقوال افتراء على الله، وعلى خليل الله، وعلى
٢٨٤

كلام الله عز وجل، وعلى رسوله صلى الله عليه وسلم المبلغ عن الله، وعلى أمة
محمد جميعاً، وعلى جميع أهل اللغة ، وعلى جميع من يعرف معاني القرآن.
(الثالث ): أن قصة الخليل عليه السلام حجة عليكم، فإنه لما رأى كوكباً
وتحرك إلى الغروب فقد تحرك ؛ ولم يجعله آفلاً، ولما رأى القمر بازغا رآه
متحركا ؛ ولم يجعله آفلاً؛ فلما رأى الشمس بازغة على أنها متحركة ؛ ولم
يجعلها آفلة، ولما تحركت إلى أن غابت والقمر إلى أن غاب لم يجعله آفلاً.
(الرابع ): قوله: إن الأفول عبارة عن التغير؛ إن أراد بالتغير الاستحالة:
فالشمس ، والقمر، والكواكب لم تستحل بالمغيب ؛ وإن أراد به التحرك:
فهو لايزال متحركا. وقوله: (فَلَمَّا أَفَلَ) دل على أنه يأفل تارة ولا يأفل أخرى.
فإن (لما) ظرف يقيد هذا الفعل بزمان هذا الفعل، والمعنى أنه حين أفل
(قَالَ لَآ أُحِبُّ الْآَفِلِينَ ) ؛ فإنما قال ذلك حين أقوله .
وقوله: (فَلَمَّآ أَفَلَ ) دل على حدوث الأفول ، وتجدده؛ والحركة لازمة
له ؛ فليس الأفول هو الحركة، ولفظ التغير والتحرك مجمل . إن أريد به التحرك
أو حلول الحوادث: فليس هو معنى التغير فى اللغة، وليس الأفول هو التحرك
ولا التحرك هو التغير ؛ بل الأفول أخص من التحرك ، والتغير أخص
من التحرك.
وبين التغير والأفول عموم وخصوص. فقد يكون الشىء متغيراً غير
٢٨٥

آفل، وقد یکون آفلاً غیر متغیر ، وقد یکون متحرکا غیر متغیر، ومتحرکا
غير آفل .
وإن كان التغير أخص من التحرك على أحد الاصطلاحين : فإن لفظ
الحركة قد يراد بها الحركة المكانية ، وهذه لا تستلزم التغير. وقد يراد به أعم
من ذلك ، كالحركة فى الكيف والكم ؛ مثل حركة النبات بالنمو ، وحركة نفس
الإنسان بالمحبة ، والرضا ، والغضب، والذكر.
فهذه الحركة قد يعبر عنها بالتغير ، وقد يراد بالتغير فى بعض المواضع
الاستحالة .
ففي الجملة: الاحتجاج بلفظ التغير إن كان سمعياً ، فالأفول ليس هو التغير؛
وإن كان عقلياً. فإن أريد بالتغير الذي يمتنع على الرب- محل النزاع: لم يحتج به
وإن أريد به مواقع الإجماع فلا منازعة فيه .
وأفسد من هذا: قول من يقول: الأفول هو الإمكان ، کما قاله « ابن
سينا )» إن الهوي فى حضرة الإمكان أفول بوجه ما؛ فإنه يلزم على هذا أن
يكون كل ما سوى الله آفلاً ، ولا يزال آفلاً، فإن كل ما سواه ممكن، ولا يزال
ممكناً . ويكون الأفول وصفاً لازماً لكل ماسوى الله ؛ كما أن كونه ممكن وفقير
إلى الله وصف لازم له .
وحينئذ: فتكون الشمس، والقمر، والكواكب: لم تزل ولا تزال آفلة
٢٨٦

وجميع ما فى السموات والأرض، لا يزال آفلاً. فكيف يصح قوله مع ذلك:
﴿فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الَّفِلِينَ)؟
وعلى كلام هؤلاء المحرفين لكلام الله تعالى ، وكلام خليله إبراهيم صلى
الله عليه وسلم عن مواضعه: هو آفل قبل أن يبزغ ، ومن حين بزغ ،
وإلى أن غاب .
وكذلك جميع ما يرى وما لا يرى فى العالم آفل، والقرآن بين أنه لما
رآها بازغة قال: ( هَذَارَبٍِ ) فلما أفلت بعد ذلك. قال: (لَا أُحِبُّ الْأَّفِلِينَ)
والله أعلى .
٢٨٧

و قالرحمه الله تعالى :-
فصل
فيه قاعدة شريفة
((وهي أن جميع ما يحتج به المبطل من الأدلة الشرعية والعقلية إنما تدل على
الحق؛ لاتدل على قول المبطل)). وهذا ظاهر يعرفه كل أحد؛ فإن الدليل الصحيح
لا يدل إلا على حق، لا على باطل .
يبقى الكلام فى أعيان الأدلة ، وبيان انتفاء دلالتها على الباطل ، ودلالتها
على الحق : هو تفصيل هذا الإجمال .
والمقصود هنا شيء آخر، وهو: أن نفس الدليل الذى يحتج به المبطل هو
بعينه إذا أعطى حقه ، وتميز ما فيه من حق وباطل، وبين ما يدل عليه ، تبين
أنه يدل على فساد قول المبطل المحتج به فى نفس ما احتج به عليه، وهذا عجيب!
قد تأملته فيما شاء الله من الأدلة السمعية فوجدته كذلك !! .
والمقصودهنا بيان أن ((الأدلة العقلية)) التى يعتمدون عليها فى الأصول
والعلوم الكلية والإلهية هي كذلك. فأما ((الأدلة السمعية)) فقد ذكرت من هذا
٢٨٨

أموراً متعددة مما يحتج به الجهمية، والرافضة وغيرهم ، مثل احتجاج الجهمية
نفاة الصفات بقوله: (قُلْ هُوَ اَللَّهُ أَحَدُ * اُللَّهُ الصَّمَدُ ) وقد ثبت فى غير
موضع أنها تدل على نقيض مطلوبهم وتدل على الإثبات .
وهذا مبسوط فى غير موضع فى الرد على الجهمية يتضمن الكلام على
تأسيس أصولهم، التي جمعها أبو عبد الله الرازى فى مصنفه الذى سماه «تأسيس
التقديس)»؛ فإنه جمع فيه عامة حججهم ، ولم أر لهم مثله .
وكذلك احتجاجهم على نفى الرؤية بقوله: (لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَرُوَهُوَ يُدْرِهُ
اُلْأَبْصَرَ)؛ فإنها تدل على إثبات الرؤية ونفي الإحاطة. وكذلك الاحتجاج
بقوله: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ ) ونحو ذلك، وكذلك احتجاج الشيعة بقوله :
( إِنَّهَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَالَّذِينَءَامَنُواْ)، وبقوله: ((أما ترضى أن تكون منى بمنزلة
هرون من موسى؟)) ونحو ذلك هي دليل على نقيض مذهبهم ، كما بسط هذا فى
كتاب ((منهاج أهل السنة النبوية)) فى الرد على الرافضة. ونظائر هذا متعددة.
والمقصود هنا ((الأدلة العقلية))؛ فإن كل من له معرفة يعرف أن السمعيات
إنما تدل على إثبات الصفات .
وأما الرافضة فعمدتهم السمعيات ، لکن کذبوا أحاديث كثيرة جدا راج
كثير منها على أهل السنة ، وروى خلق كثير منها أحاديث، حتى عسر تمييز
الصدق من الكذب على أكثر الناس ، إلاعلى أئمة الحديث العارفين بعلله
متناً وسنداً .
٢٨٩

كما أن الجهمية أنوا بحجج عقلية اشتبهت على أكثر الناس وراجت عليهم
إلا على قليل ممن لهم خبرة بذلك.
والكلام على أحاديث الرافضة وبيان الفرقان بين الحديث الصدق
والكذب مذكور فى غير هذا الموضع كالرد على الرافضة .
والمقصودهنا الكلام على ((الأدلة العقلية)) التي يحتج بها المبطل من
الجهمية نفاة الصفات، ومن الممثلة الذين يمثلونه بخلقه، وعلى الأدلة التي يحتج
بها القدرية النافية ، والقدرية المجبرة الجهمية؛ فإن هذين ( الأصلين ):
وهما ((الصفات)) و((القدر)) - ويسميان التوحيد والعدل - هما أعظم
وأجل ما تكلم فيه فى الأصول ، والحاجة إليهما أعم ، ومعرفة الحق فيهما
أنفع من غيرهما ، بل وكذلك سائر ما يحتج به فى أصول الدين من الحجج
العقلية والسمعية .
وأصل ذلك الكلام فى أفعال الرب تعالى وأقواله فى «مسألة حدوث
العالم)» وفى «مسألة القرآن، وكلام الله)).
فنقول: إذا تدبر الخبير ما احتج به من يقول : إن القرآن قديم -
كالأشعرى وأتباعه ، ومن وافقهم: كالقاضي أبى يعلى وأتباعه، وأبى المعالي ،
وأبى الوليد الباجي ، وأبى منصور الماتريدى، وغيرهم من الحنبلية ، والشافعية ،
والمالكية ، والحنفية - لم توجد عند التحقيق تدل إلا على مذهب السلف
والأئمة الذى يدل عليه الكتاب والسنة .
٢٩٠

وكذلك إذا تدبر ما يحتج به من يقول: إن القرآن مخلوق . إنما يدل على
قول السلف والأمة .
أما (الأول) : فلأن عمدة القائلين بقدم الكلام من الأدلة العقلية
(حجتان) عليهما اعتماد الأشعري وأصحابه ومن وافقهم : کالقاضي أبي يعلى
وأبي الحسن بن الزاغوني وأمثالهما ، وهذه هي عمدة أئمة النظار كابن كلاب ،
والأشعري ؛ والقلانسي، وأمثالهم، فى نفس الأمر من العقليات. وهي عمدة
من لا يعتمد فى الأصول فى مثل هذه المسألة وأمثالها إلا على العقليات :
كأبى المعالي ومتبعيه.
(الحجة الأولى ): أنه لو لم يكن الكلام قديما لازم أن يتصف فى الأزل
بضد من أضداده: إما السكوت وإما الخرس ، ولو كان أحد هذين قديماً
لامتنع زواله، وامتنع أن يكون متكلما فيما لا يزال، ولما ثبت أنه متكلم
فيما لم يزل ثبت أنه لم يزل متكلما، وأيضاً فالخرس آفة ينزه الله عنها.
و (الحجة الثانية ) : أنه لو كان مخلوقا لكان قد خلقه إما فى نفسه،
أو فى غيره، أو قائماً بنفسه، و (الأول) ممتنع لأنه يلزم أن يكون محلاً
للحوادث، و (الثانى) باطل لأنه يلزم أن يكون كلاماً للمحل الذي خلق فيه ،
و (الثالث) باطل لأن الكلام صفة والصفة لا تقوم بنفسها . فلما بطلت
الأقسام الثلاثة تعين أنه قديم .
فيقال: أما (الحجة الأولى) فهي تدل على مذهب السلف، وأنه لم يزل متكلما
٢٩١

إذا شاء وكيف شاء ، فيدل على أن نوع الكلام قديم، لا على أنه لم يتكلم
بمشيئه وقدرته ، وأن الكلام شيء واحد هو قديم.
وكذلك احتجاج ((الفلاسفة)) القائلين بقدم العالم على قدم الفاعلية، إنما
يدل على مذهب السلف أيضاً ، فهؤلاء الذين احتجوا على قدم مفعوله المعين
- وهو الفلك- والذين احتجوا على قدم كلامه المعين، كل ما احتجوا به من
دليل صحيح فإنه لا يدل على مطلوبهم ، بل إنما يدل على مذهب السلف المتبعين
للرسول، فتبين أن ((الأدلة العقلية)) الصحيحة من جميع الطوائف إنما تدل على
تصديق الرسول وتحقيق ما أخبر به لا على خلاف قوله، وهي من آيات الله الدالة
على تصديق الأنبياء التى قال الله فيها : (سَنُرِيهِمْءَايَتِنَا فِى الْآَفَاقِ وَفِىِّ أَنْفُسِهِمْ
حَتَّى يَتَبَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُ ) ، وهي من الميزان الذي أزله الله تعالى.
وكذلك أدلة ((المعتزلة والكرامية)) وغيرهما كما سنذكره إن شاء الله؛
إذ ((المقصودهنا)) الكلام على ما تعتمد عليه أئمة النظار من الأشعرية ونحوم،
والفلاسفة ونحوهم ، وهاتان الطائفتان كل طائفة تقابل الأخرى بالمشرق
والمغرب ؛ وكثير من الناس مع هؤلاء تارة ومع الأخرى تارة : كالغزالي ،
والرازي، والآمدي ونحوهم.
والمقصود هنا بيان دلالة ((الأدلة العقلية)) على مذهب السلف الذي جاء به
الكتاب والسنة . فنقول : -
أما (الحجة الأولى) وهي قولهم: لو لم يكن متكلما فى الأزل لكان متصفاً
بضده إما السكوت، وإما الخرس؛ لأنه حي، والحي إذا لم يكن متكلما كان
٢٩٢

ساكتاً أو أخرس ، كما أنه إذا لم يكن سميعاً كان أصم . وإذا لم يكن بصيراً
كان أعمى ، ولأن ذاته قابلة للكلام والقابل للشيء لا يخلو عنه وعن ضده،
هكذا يحتجون له .
وقد نوزعوا فى ذلك، وخالفهم العقلاء ، حتى أصحابهم المتأخرون: مثل
الرازي ، والآمدي؛ فإن أولئك ادعوا أن الجسم لما كان قابلاً للأعراض لم يخل
من كل نوع من أنواع الأعراض من بعضها ، وقالوا : إن الهواء له طعم ولون
وريح الفهم الجمهور .
لكن تقرير ((الحجة)» بأن يقال: لأن الرب تعالى إذا كان قابلاً للانصاف
بشيء لم يخل منه؛ أو من ضده.
أو يقال: بأنه إذا كان قابلاً للانصاف بصفة كمال لزم وجودها له ؛ لأن
ما كان الرب قابلا له لم يتوقف وجوده له على غيره؛ فإن غيره لا يجعله لا متصفاً
ولا فاعلاً؛ بل ذاته وحدها هي الموجبة لما كان قابلاً له ، وإذا كانت ذاته هي
الموجبة لما هو قابل له وذاته واجبة الوجود كان المقبول واجب الوجود له ،
وهو إذا قدر أنه قابل للضدين لم يخل من أحدهما ؛ لأنه لو خلا من أحدهما لكان
وجود أحدهما له متوقفاً على سبب غير ذاته ؛ فإن التقدير أنه قابل له ووجود
المقبول له ممكن، وقد عرف أنه لا يتوقف على غيره، وإن لم يكن موجداً له
ولم تكن ذاته موجبة له ، وإلا امتنع وجوده ؛ فإن غيره لا يجعله موجوداً له ،
وإذا لم يوجد - لا بنفسه ولا بغيره - كان ممتنعاً، والتقدير أنه ممكن؛ فما كان
ممكناً له كان واجباً له .
٢٩٣

فإذا قررت ((الحجة)) على هذا الوجه لم يحتج أن يقال : كل قابل للشيء
لا يخلو عنه وعن ضده ؛ فإن هذه الدعوى الكلية باطلة ؛ بل يدعى ذلك فى
حق الله خاصة ؛ لما ذكر من الدليل والفرق بينه وبين غيره ؛ فإن غيره إذا
كان قابلاً للشيء كان وجود القبول فيه من غيره وهو الله تعالى، وإحداث الله
لذلك القبول لا يجب أن يكون مقارنا للقابل؛ بل يجوز أن يتوقف على شروط
يحدثها الله وعلى موانع يزيلها ، فوجود القبول هنا ليس منه بل من غيره ؛
فلم تكن ذاته كافية فيه ، وأما الرب تعالى فلا يفتقر شيء من صفاته وأفعاله على
غيره ؛ بل هو الأحد الصمد المستغني عن كل ما سواه ، وكل ماسواه مفتقر إليه
مصنوع له؛ فيمتنع أن يكون الرب مفتقراً إليه؛ فإن ذلك هو ((الدور القبلى))
الممتنع بصريح العقل واتفاق العقلاء .
فهذا تقرير هذه الحجة الدالة على ((قدم الكلام))، وأنه لم يزل متكلما؛
وهي تدل أيضا على قدم جميع صفاته ، وأن ذاته القديمة مستلزمة لصفات
الكمال الممكنة ، فكل صفة كمال لا نقص فيه فإن الرب يتصف بها ، واتصافه
بها من لوازم ذاته ، ولم نزل موصوفا بصفات الكمال ، وذاته هي المستلزمة
لصفات كماله، لا يجوز أن يحتاج فى ثبوت صفات الكمال له إلى غيره، والكلام
صفة كمال؛ فإن من يتكلم أكمل ممن لا يتكلم، كما أن من يعلم ويقدر أكمل ممن
لا يعلم ولا يقدر ، والذي يتكلم بمشيئته وقدرته أكمل ممن لا يتكلم بمشيئته
وقدرته ، وأكمل ممن تكلم بغير مشيئته وقدرته إن كان ذلك معقولا .
ويمكن تقريرها على أصول السلف بأن يقال : إما أن يكون قادراً على
٢٩٤

الكلام أو غير قادر ؛ فإن لم يكن قادراً فهو الأخرس ، وإن كان قادراً ولم
يتكلم فهو الساكت.
وأما ((الكلابية)) فالكلام عندم ليس بمقدور ، فلا يمكنهم أن يحتجوا
بهذه. فيقال : هذه قد دلت على قدم الكلام، لكن مدلولها قدم كلام معين
بغير قدرته ومشيئته؟ أم مدلولها أنه لم يزل متكلما بمشيئته وقدرته؟ و(الأول)
قول الكلابية ، و(الثانى) قول السلف والأمة وأهل الحديث والسنة.
فيقال : مدلولها (الثاني)؛ لا (الأول) لأن إثبات كلام يقوم بذات المتكلم
بدون مشيئته وقدرته غير معقول ولا معلوم ، والحكم على الشيء فرع
عن نصوره .
فيقال للمحتج بها لا أنت ولا أحد من العقلاء يتصور كلاما يقوم بذات
المتكلم بدون مشيئته وقدرته ، فكيف تثبت بالدليل المعقول شيئا لا يعقل.
وأيضا فقولك ((لو لم يتصف بالكلام لانصف بالخرس والسكوت)). إنما يعقل
فى الكلام بالحروف والأصوات؛ فإن الحي إذا فقدها لم يكن متكلما، فإما أن
يكون قادراً على الكلام ولم يتكلم، وهو الساكت. وإما أن لا يكون قادراً
عليه وهو الأخرس .
وأما ما يدعونه من ((الكلام النفساني )) فذاك لا يعقل أن من خلا عنه
كان ساكتا أو أخرس ، فلا يدل بتقدير ثبوته [على] أن الخالي عنه يجب أن
يكون ساكنا أو أخرس.
٢٩٥

وأيضاً: فالكلام القديم ((النفسانى)) الذي أثبتموه لم تثبتوا ما هو ؟ بل
ولا تصور تموه ، وإثبات الشيء فرع تصوره ، فمن لم يتصور ما يثبته كيف
يجوز أن يثبته؟ ولهذا كان أبو سعيد بن كلاب - رأس هذه الطائفة وإمامها
فى هذه المسألة - لا يذكر فى بيانها شيئا يعقل، بل يقول: هو معنى يناقض
السكوت والخرس .
والسكوت والخرس إنما يتصوران إذا قصور الكلام؛ فالساكت هو
الساكت عن الكلام، والأخرس هو العاجز عنه، أو الذي حصلت له آفة فى
محل النطق تمنعه عن الكلام، وحينئذ فلا يعرف الساكت والأخرس حتى
يعرف الكلام، ولا يعرف الكلام حتى يعرف الساكت والأخرس .
فتبين أنهم لم يتصوروا ما قالوه ولم يثبتوه؛ بل م فى الكلام يشبهون النصارى
فى الكلمة وما قالوه فى ((الأقانيم)) و((التثليث)) و((الاتحاد)) فإنهم يقولون
مالا يتصورونه ولا يدينونه ، و ((الرسل)) عليهم السلام إذا أخبروا بشيء ولم
تتصوره وجب تصديقهم .
وأما مايثبت بالعقل فلا بد أن يتصوره القائل به وإلا كان قد تكلم بلا علم،
فالنصارى تتكلم بلا على ؛ فكان كلامهم متناقضاً ولم يحصل لهم قول معقول؛
كذلك من تكلم فى كلام الله بلا علم كان كلامه متناقضاً ولم يحصل له قول يعقل، ولهذا
كان مما يشنع به على هؤلاء أنهم احتجوا فى أصل دينهم ومعرفة حقيقة الكلام -
كلام الله ، وكلام جميع الخلق - بقول شاعر نصرانى يقال له الأخطل :
إن الكلام لفي الفؤاد وإنما جعل اللسان على الفؤاد دليلا
٢٩٦

وقد قال طائفة : إن هذا ليس من شعره، وبتقدير أن يكون من شعره
فالحقائق العقلية، أو مسمى لفظ الكلام الذي يتكلم به جميع بنى آدم لا يرجع
فيه إلى قول ألف شاعر فاضل، دع أن يكون شاعراً نصرانياً اسمه الأخطل، والنصارى
قد عرف أنهم يتكلمون فى كلمة الله بما هو باطل ، والخطل فى اللغة هو الخطأ فى
الكلام ، وقد أنشد فيهم المنشد :
فإذا استدل يقول قال الأخطل
قبحاً لمن نبذ القران وراءه
ولما احتج الكلابية بهذه الحجة ، عارضتهم المعتزلة فقالوا : الكلام عندنا
كالفعل عندنا وعندكم، وهو فى الأزل عندنا جميعاً لم يكن فاعلاً ثم صار فاعلاً،
ولا نقول نحن وأنتم: كان فى الأزل عاجزاً أو ساكتاً ، فكما أنه لم يكن فاعلاً
ولا يوصف بضد الفعل وهو العجز أو السكوت ، فكذلك لم يكن متكلما
ولا يوصف بضد الكلام وهو السكوت أو الخرس.
فإذا قال هؤلاء المعتزلة والجهمية : الفعل لا يقوم به عندنا وعندكم ، والكلام
يقوم به ، فكان كالصفات ، منعتهم المعتزلة ذلك، وقالوا : الكلام عندنا كالفعل
لا يقوم به لا هذا ، ولا هذا ، فإذا قالوا: لو لم يقم به الكلام لقام بغيره وكان
الكلام صفة لذلك الغير، انتقلوا إلى ((الحجة الثانية)) ولم يمكن تقرير الأولى
إلا بالثانية؛ فكان الاستدلال بالأولى وجعلها (( حجة ثانية)) باطلاً؛ ولهذا
أعرض عنه كثير من متأخربهم، وإنما اعتمدوا على ((الثانية)) كأبى المعالي
وأتباعه .
٢٩٧

وهذا السؤال لا يلزم السلف ؛ فإنهم إذا قالوا ؛ الكلام كالفعل وهو فى
الأزل لم يكن فاعلاً لا عندنا ولا عندكم ، منعهم السلف وجمهور المسلمين هذا،
وقالوا: بل لم يزل خالقاً فاعلاً ، كما عليه السلف وجمهور طوائف المسلمين.
وهو الذي ذكره أصحاب ابن خزيمة مما كتبوه له وكانوا ((كلابية)» فإما أن
يكون هذا قول ابن كلاب ، أو قول طائفة من أصحابه، وبهذا تستقيم لهم هذه
الحجة، وإلا فمن سلم أنه صار فاعلاً بعد أن لم يكن كانت هذه الحجة منتقضة
على أصله ، وقال منازعوه : الكلام فى مقاله كالكلام فى فعاله.
والقول بأن الخلق غير المخلوق، وأنه فعل يقوم بالرب هو قول أكثر
المسلمين: هو قول ((الخفية)) وأكثر ((الحنبلية)) وإليه رجع القاضي أبو يعلى
أخيراً، وهو الذي حكاه البغوي عن أهل السنة، وهو الذي ذكره أبو بكر
الكلاباذي عن ((الصوفية)) وذكره فى كتاب ((التعرف لمذهب التصوف))،
وهو الذي ذكره البخاري فى كتاب ((أفعال العباد )» إجماعاً من العلماء ، وهو
الذي ذكره ابن عبد البر وغيره عن أهل السنة .
لكن الفعل: هل هو شيء واحد قديم كالإرادة؟ أوهو حادث بذاته ؟
أو هو نوع لم يزل متصفاً به.؟
فيه ثلاثة أقوال للمسلمين ، وكلهم متفقون على أن كل ما سوى الله محدث
مخلوق، كما تواتر ذلك عن الأنبياء ودلت عليه الدلائل العقلية والقول بأن
مع الله شيئاً قديماً تقدمه من مفعولاته - كما يقول ذلك من يقوله من المتفلسفة -
باطل عقلاً وشرعاً، كما قد بسط فى مواضع .
٢٩٨

فإن قيل : إذا قلتم: لم يزل متكلماً بمشيئته لزم وجود كلام لا ابتداء له،
وإذا لم يزل متكلما وجب أن لا يزال كذلك؛ فيكون متكلماً بكلام لا نهاية
له، وذلك يستلزم وجود ما لا يتناهى من الحوادث ، فإن كل كلمة مسبوقة
بأخرى فهي حادثة، ووجود ما لا يتناهى محال. قيل له: هذا الاستلزام حق،
وبذلك يقولون: إن كلمات الله لا نهاية لها، كما قال تعالى: (قُل لَّوْكَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا
لِكَلِمَتِ رَبِ لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَذَ كَلِمَتُ رَبِّ وَلَوْجِثْنَا بِمِثْلِهِ، مَدَدًا ).
وأما قولهم : وجود ما لا يتناهى من الحوادث محال ، فهذا بناء على
دليلهم الذي استدلوا به على حدوث العالم وحدوث الأجسام، وهو أنها لا تخلو
من الحوادث، وما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث ، وهذا الدليل باطل عقلاً
وشرعا، وهو أصل الكلام الذي ذمه السلف والأئمة ، وهو أصل قول الجهمية
نفاة الصفات، وقد تبين فساده فى مواضع .
ولكن سنبين إن شاء الله أن هذا الدليل إذا ميز بين حقه وباطله فإنه بدل
على حدوث ما سوى الله - وعلى مذهب السلف - وكان غلطة منهم، وقولهم:
كل ما لا يخلو من الحوادث - أي من الممكنات المفتقرة - فهو حادث، فأخذوا
هذا ((قضية كلية)) وقاسوا فيها الخالق على المخلوق قياساً فاسدا، كما أن أولئك
قالوا: القابل للشيء لا يخلو عنه وعن ضده أخذوها ((قضية كلية)).
والغلط فى ((القياس)) يقع من تشبيه الشيء بخلافه، وأخذ القضية الكلية
باعتبار القدر المشترك من غير تمييز بين نوعيها، فهذا هو ((القياس الفاسد)»
٢٩٩

كقياس الذين قالوا إنما البيع مثل الربا، وقياس إبليس. ونحو ذلك من الأقيسة
الفاسدة ، التى قال فيها بعض السلف : أول من قاس إبليس ، وما عبدت
الشمس والقمر إلا بالمقاييس ، يعنى : قياس من بعارض النص ومن قاس قياساً
فاسداً ، وكل قياس عارض النص فإنه لا يكون إلا فاسداً ، وأما القياس الصحيح
فهو من الميزان الذي أنزله الله ، ولا يكون مخالفاً للنص قط ، بل موافقاً له.
ومن هنا يظهر أيضاً : أن ما عند المتفلسفة من الأدلة الصحيحة العقلية فإنما
يدل على مذهب السلف أيضاً؛ فإن عمدتهم فى ((قدم العالم)) على أن الرب
لم يزل فاعلاً، وأنه يمتنع أن يصير فاعلاً بعد أن لم يكن، وأن يصير الفعل ممكناً
له بعد أن لم يكن ، وأنه يمتنع أن يصير قادراً بعد أن لم يكن ، وهذا وجميع
ما احتجوابه إنما يدل على قدم نوع الفعل؛ لا يدل على قدم شيء من العالم
لا فلك ولا غيره .
فإذا قيل : إنه لم يزل فاعلا بمشيئته وقدرته، وإن الفعل من لوازم الحياة
- كما قال ذلك من قاله من أئمة السنة - كان هذا قولاً بموجب جميع أدلتهم
الصحيحة العقلية، وكان هذا موافقاً لقول السلف: لم يزل متكلماً إذا شاء .
فلم يزل متكلماً إذا شاء، فاعلاً لما يشاء.
وجميع ما احتج به الكلابية، والأشعرية ، والسالمية وغيرهم ، على قدم
الكلام إنما يدل على أنه لم يزل متكلماً إذا شاء، لا يدل على قدم كلام
بلا مشيئة، ولا على قدم كلام معين ، بل على قدم نوع الكلام .
٣٠٠