Indexed OCR Text
Pages 141-160
وقال :- فصل قال الله تعالى: (وَلِلَّهِ اَلْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهِّ وَذَرُواْ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِى أَسْمَّبِهِ) وقال تعالى: (قُلِ أَدْعُوْلَهُ أَوِادْعُواْ الرَّحْمَنَّ أَيَُّ مَّا تَدْ عُواْ فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى) وقال تعالى: ( اللَّهُ لَآ إِلَهَ إِلَّا هُوَّلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى) وقال تعالى: (هُوَ اللَّهُ الْخَلِقُ اَلْبَارِئُ ) و ((الحسنى)): المفضلة على الحسنة ، والواحد الْمُصَوّرِّ لَهُ الْأَسْمَاءُالْخُسْنَ الأحاسن . ثم هنا ((ثلاثة أقوال)): إما أن يقال: ليس له من الأسماء إلا الأحسن ولا يدعى إلا به؛ وإما أن يقال: لا يدعى إلا بالحسنى ؛ وإن سمى بما يجوز - وإن لم يكن من الحسنى - وهذان قولان معروفان. وإما أن يقال: بل يجوز فى الدعاء، والخبر. وذلك أن قوله: (وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ اَلْمُسْنَ فَادْعُوهُ بِهَا ) وقال: (ادْعُواْ اللَّهَ أَوِ ادْعُواْالرَّحْمَنَّ أَيَّا مَّا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْمُسْنَى): أثبت له الأسماء الحسنى ، وأمر بالدعاء بها . فظاهر هذا: أن له جميع الأسماء الحسنی . ١٤١ وقد يقال: جنس ((الأسماء الحسنى)) بحيث لا يجوز نفيها عنه كما فعله الكفار ، وأمر بالدعاء بها ، وأمر بدعائه مسمى بها ؛ خلاف ما كان عليه المشركون من النهي عن دعائه باسمه ((الرحمن)). فقد يقال: قوله (فَأَدْعُوهُ بِهَا ): أمر أن يدعى بالأسماء الحسنى، وأن لا يدعى بغيرها؛ كما قال: (ادْعُوهُمْ لِأَبَايِهِمْ) فهو نهی أن يدعوا لغير آبائهم. ويفرق بين دعائه والإخبار عنه، فلا يدعى إلا بالأسماء الحسنى ؛ وأما الإخبار عنه: فلا يكون باسم سئ؛ لكن قد يكون باسم حسن، أو باسم ليس بسئ ، وإن لم يحكم بحسنه. مثل اسم شىء ، وذات، وموجود؛ إذا أريد به الثابت ، وأما إذا أريد به ((الموجود عند الشدائد)) فهو من الأسماء الحسنى ، وكذلك المريد، والمتكلم ؛ فإن الإرادة والكلام تنقسم إلى محمود ومذموم، فليس ذلك من الأسماء الحسنى بخلاف الحكيم ، والرحيم والصادق ، ونحو ذلك، فإن ذلك لا يكون إلا محموداً . وهكذا كما فى حق الرسول حيث قال: (لََّ تَجْعَلُواْ دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاء بَعْضِكُمْ بَعْضًا) فأحرم أن يقولوا يا رسول الله ، يانبي الله، كما خاطبه الله بقوله: ( يَأَيُّهَا النَّبِىُّ) ( يَأَيُّهَا الرَّسُولُ) لا يقول يامحمد! يا أحمد ! يا أبا القاسم ! وإن كانوا يقولون فى الإخبار - كالأذان ونحوه -: أشهد أن محمداً رسول الله كما قال تعالى (تُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ) وقال: (وَمُبَشِّرَ بِرَسُولٍ يَأْتِى مِنْ بَعْدِى أَسْمُهُ أَخَْدٌ) وقال: (مَّا كَانَ مُحَمَّدُّ أَبَ أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَّسُولَ اللَّهِ). ١٤٢ فهو سبحانه : لم يخاطب محمدا إلا بنعت التشريف : كالرسول والنبى، والمزمل، والمدثر؛ وخاطب سائر الأنبياء بأسمائهم مع أنه فى مقام الإخبار عنه، قد بذكر اسمه . فقد فرق سبحانه بين حالتى الخطاب فى حق الرسول ، وأمرنا بالتفريق بينهما فى حقه؛ وكذلك هو المعتاد فى عقول الناس إذا خاطبوا الأكبر، من الأمراء، والعلماء، والمشايخ، والرؤساء لم يخاطبوم، ويدعوهم، إلا باسم حسن ؛ وإن كان فى حال الخبر عن أحدم ، يقال: هو إنسان، وحيوان ناطق وجسم ، ومحدث ومخلوق ، وحربوب ومصنوع ، وابن أنثى ويأ كل الطعام ويشرب الشراب. لکنکل ما یذ کر من أسمائه وصفاته فی حال الإخبار عنه : يدعى به فى حال مناجاته، ومخاطبته؛ وإن كانت أسماء المخلوق فيها ما يدل على نقصه، وحدوثه، وأسماء الله ليس فيها ما يدل على نقص ولاحدوث؛ بل فيها الأحسن الذي يدل على الكمال ، وهي التى يدعى بها؛ وإن كان إذا أخبر عنه يخبر باسم حسن أو باسم لا ينفى الحسن، ولا يجب أن يكون حسناً(١). وأما فى الأسماء المأثورة، فما من اسم إلا وهو يدل على معنى حسن، فينبغي تدبر هذا للدعاء وللخبر المأثور ، وغير المأثور الذي قيل لضرورة حدوث المخالفين - للتفريق بين الدعاء والخبر، وبين المأثور الذي يقال - أو تعريفهم لما لم يكونوا به عارفين، وحينئذ فليس كل اسم ذكر فى مقام يذكر فى مقام بل يجب التفريق . (١) سقط سطر . ١٤٣ وقال :- فصل فى (القاعدة العظيمة الجليلة) فى ((مسائل الصفات، والأفعال )) من حيث قدمها ووجوبها ، أو جوازها ومشتقاتها، أو وجوب النوع مطلقاً ، وجواز الآحاد معينا . فنقول : (المضافات إلى الله) سبحانه فى الكتاب والسنة ، سواء كانت إضافة اسم إلى اسم، أو نسبة فعل إلى اسم ، أو خبر باسم عن اسم ، لا يخلو من ثلاثة أقسام: ( أحدها ) إضافة الصفة إلى الموصوف، كقوله تعالى: (وَلَا يُحِيطُونَ بِشَىْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ) وقوله: (إِنَّاللَّهَ هُوَ الرَّزَاقُ ذُوْاُلْقُوَّةِ) . وفى حديث الاستخارة: (( اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك)) وفى الحديث الآخر ((اللهم بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق)) فهذا فى الإضافة الإسمية . وأما بصيغة الفعل فكقوله: (عَلِمَ اَللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ) وقوله: (عَلِمَ أَن ◌َّنْ تُخْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ). ١٤٤ وأما الخبر الذي هو جملة إسمية: فمثل قوله: (وَاللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ)، (وَاَللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ). وذلك لأن الكلام الذي توصف به الذوات: إما جملة ، أو مفرد. فالجملة إما إسمية كقوله: (وَاللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ)، أو فعلية كقوله: (عَلِمَأَنْ لَّنْ تُحْصُوهُ). أما المفرد فلا بد فيه من إضافة الصفة لفظاً أو معنى كقوله: (بِشَىْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ ) وقوله : (هُوَأَشَدُمِنْهُمْ قُوَّةً ) أو إضافة الموصوف كقوله: ( ذُوالْقُوَّةِ ). و (القسم الثانى): إضافة المخلوقات كقوله: (نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَهَا ) وقوله: (وَطَهِّرْ بَيْتِىَ لِلطَِّفِينَ) وقوله: (رَّسُولُ اللَّهِ) و(عِبَادُ اللَّهِ) وقوله: ( ذُو اٌلْعَرْشِ) وقوله: ( وَسِعَ كُرْسِتُّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ). فهذا القسم لا خلاف بين المسلمين فى أنه مخلوق ، كما أن القسم الأول لم يختلف أهل السنة والجماعة فى أنه قديم وغير مخلوق . وقد خالفهم بعض أهل الكلام فى ثبوت الصفات ؛ لافى أحكامها، وخالفهم بعضهم فى قدم العلم ، وأثبت بعضهم حدوثه ، وليس الغرض هنا تفصيل ذلك. ( الثالث ) - وهو محل الكلام هنا - ما فيه معنى الصفة، والفعل ، مثل قوله: (وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا)، وقوله: ( إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهَُّكُنْ فَيَكُونُ) وقوله: ( قُل لَّوْكَانَ الْبَحْرُ مِدَادَالْكَلِمَتِ رَبِ ) وقوله: (يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُواْ كَمَ اللَّهِ)، (وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَمَ اللَّهِ) وقوله : ( إِنَّاللََّ يَحْكُمُ مَايُرِيدُ ) ، (فَعََّلٌ لِمَايُرِيدُ ) . ١٤٥ وقوله: (فَبَآءُ وبِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ) وقوله: (وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ) وقوله: (فَلَمَّاءَاسَفُونَا أَنْثَقَمْنَا مِنْهُمْ) وقوله: ( ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ أَتَّبَعُواْمَآ أَسْخَطَ اَللَّهَ وَكَرِهُواْ رِضْوَنَهُ) وقوله: (رَضَِ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْعَنْهُ) . وقوله: ( وَإِن لَّمْتَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا )، ( وَقُل رَّتِّ أَغْفِرْ وَأَرْحَمْ)، (وَاعْفُ عَنَّا وَأَغْفِرْلَنَا وَأَرْحَمْنَا ). وكذلك قوله: ( خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ) (لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَىَ) وقوله: ثُمَّأَسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ) (وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفَّاصَفًّا) (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِى ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَاءِ وَالْمَلَبِكَةُ )، (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ اُلْمَلَتِكَةُ ). وفى الأحاديث شىء. كثير كقوله فى حديث ((الشفاعة)): ((إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله)) وقوله: ((ضحك الله إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر كلاهما يدخل الجنة)) وقوله: «ينزل ربنا إلى سماء الدنيا)) الحديث. وأشباه هذا . وهو باب واسع. وقوله: (( إذا تكلم الله بالوحي: سمع أهل السموات))(١) فالناس فيه على قولين : ( أحدهما ) : - وهو قول المعتزلة، والكلابية، والأشعرية، وكثير من (١) بياض بالأصل. ١٤٦ الحنبلية ، ومن اتبعهم من الفقهاء والصوفية ، وغيرم ـ إن هذا القسم لا بد أن يلحق بأحد القسمين قبله ؛ فيكون : إما قديماً قائماً به عند من يجوز ذلك، وم (الكلابية). وإما مخلوقا منفصلاً عنه ، ويمتنع أن يقوم به نعت أو حال أوفعل، أو شيء ليس بقديم. ويسمون هذه المسألة: ((مسألة حلول الحوادث بذاته)). ويقولون: يمتنع أن تحل الحوادث بذاته ، كما يسميها قوم آخرون: فعل الذات بالذات ، أو فى الذات ، ورأوا أن تجويز ذلك يستلزم حدوثه ؛ لأن الدليل الذي دلهم على حدوث الأجسام: قيام الحوادث بها ؛ فلو قامت به لزم أحد الأمرين : إما حدوثه ، أو بطلان العلم بحدوث العالم . ومن خالفهم فى ذلك قال: دليل حدوث العالم امتناع خلوه عن الحوادث، وكونه لا يسبقها ، وأما إذا جاز أن يسبقها لم يكن فى قيامها به ما يدل على الحدوث. ويقول آخرون : إنه ليس هذا هو الدليل على حدوث العالم ، بل هو ضعيف . ولهم مآخذ أخر. ثم م فريقان : (أحدهما ): من يرى امتناع قيام الصفات به أيضاً ؛ لاعتقاده أن الصفات أعراض ، وأن قيام العرض به يقتضي حدوثه أيضاً ، وهؤلاء نفاة الصفات من ١٤٧ المعتزلة، فقالوا حينئذ: إن القرآن مخلوق، وأنه ليس لله مشيئة قائمة به ، ولا حب ، ولا بغض ، ونحو ذلك. وردوا جميع ما يضاف إلى الله إلى إضافة خلق، أو إضافة وصف من غير قیام معنی به . (والثاني): مذهب الصفاتية أهل السنة وغيرهم ، الذين يرون قيام الصفات به ، فيقولون: له مشيئة قديمة ، وكلام قديم ، واختلفوا فى حبه وبغضه، ورحمته وأسفه، ورضاه، وسخطه ونحو ذلك ، هل هو بمعنى المشيئة، أوصفات أخرى غير المشيئة؟ على قولين. وهذا الاختلاف عند الحنبلية والأشعرية وغيرهم. ويقولون: إن الخلق ليس هو شيئاً غير المخلوق، وغير الصفات القديمة ، من المشيئة والكلام. ثم يقولون للمتكلمين فى الخلق، هل هو المخلوق ؟ أربعة أقوال: ( أحدها ) : أن الخلق هو المخلوق. (والثاني) : أنه قائم بالمخلوق. (والثالث ) : أنه معنى قائم بنفسه . ( والرابع ) : أنه قائم بالخالق. قال القاضي أبو يعلى الصغير : من أصحابنا من قال الخلق هو المخلوق، ١٤٨ ومنهم من قال: الخلق غير المخلوق ، فالخلق صفة قائمة بذاته ، والمخلوق الموجود المخترع. وهذا بناء على أصلنا ، وأن الصفات [ الناشئة] عن الأفعال موصوف بها فى القدم، وإن كانت المفعولات محدثة. قال: وهذا هو الصحيح. ويقولون فى الاستواء والنزول ، والمجيء وغير ذلك من أنواع الأفعال ، التى هي أنواع جنس الحركة : أحد قولين: إما أن يجعلوها من باب ((النسب)) و ((الإضافات)) المحضة، بمعنى أن الله خلق العرش بصفة التحت ، فصار مستوياً عليه ، وأنه يكشف الحجب التى بينه وبين خلقه فيصير جائياً إليهم ونحو ذلك ، وأن التكليم إسماع المخاطب فقط، وهذا قول أهل السنة من أهل هذا القول ، من الحنبلية ومن وافقهم فيه، أو فى بعضه من الأشعرية وغيرم. أو يقول: إن هذه ((أفعال محضة)) فى المخلوقات من غير إضافة، ولا نسبة فهذا اختلاف بينهم، هل تثبت الله هذه النسب والإضافات ! مع اتفاق الناس على أنه لابد من حدوث ((نسب)) و ((إضافات)) لله تعالى كالمعية ونحوها؟ ويسمى ابن عقيل هذه النسب: ((الأحوال)) لله، وليست هي ((الأحوال)) التى تنازع فيها المتكلمون مثل العالمية، والقادرية ؛ بل هذه النسب والإضافات يسميها الأحوال . ويقول : إن حدوث هذه الأحوال ، ليس هو حدوث الصفات ؛ فإن هذه الأحوال نسب بين الله وبين الخلق ، فإن ذلك لا يوجب ثبوت معنى قائم ١٤٩ بالمنسوب إليه، كما أن الإنسان يصعد إلى السطح فيصير فوقه ، ثم يجلس عليه فيصير تحته ، والسطح متصف تارة بالفوقية والعلو ، وتارة بالتحتية والسفول، من غير قيام صفة فيه ولا تغير . وكذلك إذا ولد للإنسان مولود ، فيصير أخوه عما ، وأبوه جداً وابنه أنا، وأخو زوجته خالاً، وتنسب لهم هذه النسب والإضافات من غير تغير فيهم . (والقول الثاني) :- وهو قول الكرامية، وكثير من الحنبلية، وأكثر أهل الحديث ، ومن اتبعهم من الفقهاء والصوفية وجمهور المسلمين. وأكثر كلام السلف ومن حكى مذهبهم حتى الأشعري، يدل على هذا القول - أن هذه الصفات الفعلية ونحوها؛ المضافة إلى الله: ((قسم ثالث)) ليست من المخلوقات المنفصلة عنه ؛ وليست بمنزلة الذات والصفات القديمة الواجبة ، التى لا تتعلق بها مشيئته: لا بأنواعها ولا بأعيانها. وقد يقول هؤلاء: إنه يتكلم إذا شاء، ويسكت إذا شاء، ولم يزل متكلماً؛ بمعنى أنه لم يزل يتكلم إذا شاء ويسكت إذا شاء، وكلامه منه ليس مخلوقاً . وكذلك يقولون : وإن كان له مشيئة قديمة فهو يريد إذا شاء، ويغضب ويمقت . ويقر هؤلاء أو أكثرهم ما جاء من النصوص على ظاهره مثل قوله : ( ثُمَّ أُسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ ) أنه استوى عليه بعد أن لم يكن مستوياً عليه، وأنه ١٥٠ يدنو إلى عباده ويقرب منهم، وينزل إلى سماء الدنيا ويجيئ يوم القيامة ؛ بعد أن لم يكن جائياً . ثم من هؤلاء من قد يقول: نحل (الحوادث)) بذاته، ومنهم من لا يطلق هذا اللفظ: إما لعدم ورود الأثر به؛ وإما لإيهام معنى فاسد ؛ من أن ذلك كلول ((الأعراض)) بالمخلوقات؛ كما يمتنع جمهور المتكلمين من تسمية صفاته أعراضا؛ وإن كانت صفات قائمةَ بالموصوف كالأعراض. وزعم ابن الخطيب أن أكثر الطوائف والعقلاء يقرون بهذا القول فى الحقيقة ؛ وإن أنكروه بألسنتهم ؛ حتى الفلاسفة والمعتزلة والأشعرية . أما (( الفلاسفة)): فإن عنده أن الإضافات موجودة فى الأعيان ؛ والله موجود مع كل حادث. و ((المعية)) صفة حادثة فى ذاته، وقد صرح أبو البركات البغدادي صاحب (المعتبر) بحدوث علوم، وإرادات جزئية فى ذاته المعينة . وقال: إنه لا يتصور الاعتراف بكونه إلهاً لهذا العالم إلا مع القول بذلك . ثم قال: الإجلال من هذا الإجلال واجب ، والتنزيه من هذا التنزيه لازم. وأما (( المعتزلة)»: فإن البصريين كأبي علي وأبي هاشم يقولون بحدوث المرئي والمسموع، وبه تحدث صفة السمعية والبصرية للّه، وأبو الحسين البصري يقول بتجدد علوم فى ذاته بتجدد المعلومات ، والأشعرية أيضاً يقولون بأن المعدومات لم تكن مسموعة ولا مرئية ؛ ثم صارت مسموعة مرئية بعد وجودها وليس السمع والبصر عندم مجرد نسبة ؛ بل هو صفة قائمة بذات السميع ١٥١ البصير، وقد يلزمون بقولهم: بأن النسخ هو رفع الحكم أو انتهاؤه. وقولهم علمه بالجزئيات. وكذلك بانقطاع تعلق القدرة والإرادة منه. والتحقيق : أن التصريح بالخلاف فى هذا الأصل موجود فى عامة الطوائف، ليس مخصوصاً بأهل الحديث. ثم (النفاة)) قد يقال إن هذا القول يلزمهم إذا أثبتوا لله نعوتاً غير قديمة؛ فيصير هذا الأصل متفقاً عليه ، وم قد يعتذرون عن تلك اللوازم ؛ تارة بأعذار صحيحة؛ فلا يكون لازماً لهم ، وتارة بأعذار غير صحيحة فيكون لازماً لهم ، وهذا لا ريب فيه. وأما نصوص الكتاب والسنة : فلا ريب أن ظاهرها موافق لهذا القول ، لكن الأولون قد يتأولونها أو يفوضونها، وأما هؤلاء فيقولون: إن فيها نصوصاً لا تقبل التأويل. وإن ما قبل التأويل قد انضم إليه من القرائن والضمائم(١) ما يعلم قطعاً أن الله ورسوله أراد ذلك؛ أو أن هذا مفهوم . ويقولون : ليس للنفاة دليل معتمد وإنما معهم التقليد لأسلافهم بالشناعة، والتهويل على المخاطبين الذين لم يعرفوا دقيق الكلام ، وأن هذا مذهب عامة أهل الملل وخواص عباد الله، وإنما خالف ذلك أهل البدع فى الملل والأولون قد يقولون : هذا خلاف الإجماع وهذا كفر، وهذا يستلزم التغير والحدوث وقد رأيت للناس فى هذا الأصل عجائب . (١) كذا بالأصل . ١٥٢ وقال الإمام أحمد فى الجزء الذي فيه ((الرد على الجهمية والزنادقة)): وكذلك الله تكلم كيف شاء، من غير أن نقول جوف ولا فم ولا شفتان. وقال بعد ذلك : بل نقول إن الله لم يزل متكلماً إذا شاء، ولا نقول إنه كان ولا يتكلم حتى خلق. وكلامه فيه طول . قال :- (باب ما أنكرت الجهمية من أن الله كلم موسى) فقلنا: لم أنكرتم ذلك؟ قالوا إن الله لم يتكلم ولا يتكلم؛ إنما كون شيئاً فعبر عن الله، وخلق صوتاً فأسمعه، وزعموا أن الكلام لا يكون إلا من جوف ولسان وشفتين . فقلنا : هل يجوز أن يكون لمكون غير الله أن يقول : ( يَمُوسَى * إِنِّ أَنَاْرَبُّكَ )؟ أو يقول: ( إِنَِّى أَنَا اللهُلَآ إِلَهَ إِلَّ أَنَا فَاعْبُدْنِ وَأَقِمِ الصَّلَوَةَ لِذِكْرِىّ ). فمن زعم أن ذلك غير الله فقد ادعى الربوبية، ولو كان كما زعم الجهمي أن الله كون شيئاً كأن يقول ذلك المكون: (يا موسى إن الله رب العالمين) ولا يجوز أن يقول: (انى انا اللّه رب العالمين). وقد قال الله جل ثناؤه: (وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا) وقال: (وَلَمَّا جَآءَ مُوسَى لِمِيقَئِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ) وقال: (إِنِّى أَصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِسَلَتِ وَبِكَلَمِى) فهذا منصوص القرآن . وأما ما قالوا إن الله لم يتكلم ولا يكلم: فكيف يصنعون بحديث الأعمش عن ١٥٣ خيثمة عن عدي بن حاتم الطائي ، قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان)) وأما قولهم: إن الكلام لا يكون إلا من جوف وفم ، وشفتين ولسان. فنقول: أليس الله قال السموات والأرض ( اثْتِيَاطَوَعَا أَوْكَرُهَا قَالَتَآ أَنْيْنَا طَآَبِعِينَ ) ؟ أتراها أنها قالت بجوف وفم وشفتين ولسان؟. وقال: ( وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَالْجِبَالَ يُسَبِحْنَ ) أتراها أنها يسبحن مجوف وفم ولسان وشفتين؟ ولكن الله أنطقها كيف شاء، وكذلك الله تكلم كيف شاء ، من غير أن نقول جوف ولا فم ، ولا شفتان ولا لسان. فلما خنقته الحجج قال: إن الله كلم موسى، إلا أن كلامه غيره، فقلنا: وغيره مخلوق؟ قال: نعم. قلنا: هذا مثل قولكم الأول، إلا أنكم تدفعون عن أنفسكم الشنعة ، وحديث الزهري قال : لما سمع موسى كلام ربه قال: («يارب هذا الذي سمعته هو كلامك؟ قال: نعم يا موسى هو كلامي، وإنما كلمتك بقوة عشرة آلاف لسان ، ولي قوة الألسن كلها، وأنا أقوى من ذلك؛ وإنما كلمتك على قدر ما يطيق بدنك ؛ ولو كلمتك بأكثر من ذلك لمت))! قال فلما رجع موسى إلى قومه قالوا له صف لنا كلام ربك . فقال : (( سبحان الله! وهل أستطيع أن أصفه لكم))؟! قالوا: فشبهه قال: ((سمعتم أصوات الصواعق التى تقبل فى أحلى حلاوة سمعتموها؟ فكأنه مثله)). وقلنا للجهمية: من القائل يوم القيامة: (يَعِيسَى أَبْنَ مَرْيَمَ ءَ أَنْتَ قُلْتَ ١٥٤ ؟ أليس الله هو القائل؟ قالوا : لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِ وَأَتِىَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ ) يكوّنُ الله شيئاً فيعبر عن الله، كما كونه فعبر لموسى. قلنا: فمن القائل: (فَلَنَسْئَلَنَّالَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ فَلَقُّصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلٍِّ ) ؟ أليس الله هو الذي يسأل؟ قالوا: هذا كله إنما يكون شيئاً فيعبر عن الله. فقلنا: قد أعظمتم على الله الفرية ، حين زعمتم أنه لا يتكلم ، فشبهتموه بالأصنام التى تعبد من دون الله؛ لأن الأصنام لا تتكلم، ولا تتحرك، ولا تزول من مكان إلى مكان . فلما ظهرت عليه الحجة قال : إن الله قد يتكلم ؛ لكن كلامه مخلوق. قلنا : قد شبهتم الله بخلقه حین زعمتم أن كلامه مخلوق ، ففى مذهبكم قد کان فى وقت من الأوقات لا يتكلم ؛ وكذلك بنو آدم كانوا ولا يتكلمون حتى خلق لهم كلاماً ، فقد جمعتم بين كفر وتشبيه؛ فتعالى الله عن هذه الصفة علواً كبيراً. بل نقول : إن الله لم يزل متكلماً إذا شاء، ولا نقول إنه كان ولا يتكلم حتیخلق كلاماً ، ولا نقول إنه قد كان لا يعلم حتى خلق علماً ، ولا نقول إنه قد كان ولا قدرة حتی خلق لنفسه قدرة ، ولا نقول إنه قد كان ولا نور له حتى خلق لنفسه نوراً، ولا نقول إنه قد كان ولا عظمة حتى خلق لنفسه عظمة، وذكر كلاماً طويلاً فى تقرير الصفات وأنها لا تنافى التوحيد . ١٥٥ ومما يشبه هذا أن الصفات التى هي من جنس الحركة : كالإتيان والمجيء والنزول، هل تتأول بمعنى مجىء قدرته وأمره ؟ على روايتين: ( إحداها) هي بمعنى مجيء قدرته وهي رواية حنبل فى المحنة. و(الثانية) : تمر كسائر الصفات ، وهي ظاهر المذهب المشهور عند أصحابنا . ثم منهم من غلط حنبل ، ومنهم من قال قاله أحمد إلزاماً لهم، ومنهم من جعله رواية خاصة كابن الزاغوني ، وعمم ابن عقيل ذلك فى سائر الصفات . وهذا الأصل يتفرع فى أكثر مسائل الصفات ؛ لا سيما مسألة الكلام والإرادة، والصفات المتعلقة بالمشيئة, كالنزول والاستواء ؛ وهو كان سبب وقوع النزاع بين إمام الأئمة محمد بن إسحاق بن خزيمة، وبين طائفة من فضلاء أصحابه . ١٥٦ فصل قال القاضى: قال: ((أحمد)) فى رواية حنبل: لم يزل الله متكلما عالماً. غفوراً. وقال فى رواية عبد الله: لم يزل الله متكلماً إذا شاء. ووجدتها فى (المحنة)) رواية حنبل لما سأله عبد الرحمن بن إسحاق قاضي («المعتصم)) فلامه، فقال: ما تقول فى القرآن ؟ قال فقلت : ما تقول فى العلم؟ فسكت . فقلت لعبد الرحمن: القرآن من علم الله، ومن زعم أن على الله مخلوق فقد كفر بالله، قال: فسألت عبد الرحمن فلم يرد علي شيئاً، وقال لي عبد الرحمن : كان الله ولا قرآن، فقلت: كان الله ولا على؟ فأمسك. ولو زعم أن اللّه كان ولا علم لكفر بالله. ثم قال أبو عبد الله: لم يزل الله عالماً متكلما، يعبد الله بصفاته غير محدودة، ولا معلومة ، إلا بما وصف به نفسه، ونرد القرآن إلى علمه إلى الله فهو أعلم به؛ منه بدأ وإليه يعود. وقال فى موضع آخر: سمعت أبا عبد الله يقول : لم يزل الله متكلماً، والقرآن كلام الله غير مخلوق . وعلى كل جهة . ولا يوصف الله بشىء أكثر مما وصف به نفسه. ١٥٧ وقال أبو بكر عبد العزيز - فى الجزء الأول من ((كتاب السنة، فى المقنع) - لما سألوه إنكم إذا قلتم لم يزل متكلماً كان ذلك عبثاً . فقال : لأصحابنا قولان: (أحدهما): لم يزل متكلما كالعلم ؛ لأن ضد الكلام الخرس ، كما أن ضد العلم الجهل. قال: ومن أصحابنا من قال قد أثبت لنفسه أنه خالق، ولم يجز أن يكون خالقاً فى كل حال ؛ بل قلنا إنه خالق فى وقت إرادته أن يخلق، وإن لم يكن خالقاً فى كل حال، ولم يبطل أن يكون خالقا ؛ كذلك وإن لم يكن متكلما فى كل حال لم يبطل أن يكون متكلما ؛ بل هو متكلم خالق وإن لم يكن خالقا فى كل حال ولا متكلماً فی کل حال . قال القاضي أبو يعلى، فى كتاب ((إيضاح البيان فى مسئلة القرآن)) لما أورد عليه هذا السؤال فقال : نقول إنه لم يزل متكلما ، وليس بمكلم ولا مخاطب ، ولا آمر، ولا ناه؛ لص عليه أحمد فى رواية حنبل وساق الكلام إلى أن ذكر عن أبي بكر ما حكاه فى المقنع ثم قال: لعل هذا القائل من أصحابنا يذهب إلى قول أحمد بن حنبل فى رواية عبد الله ( لم يزل متكلما إذا شاء)). قال: والقائل بهذا قائل بحدوث القرآن ، وقد تأولنا كلام أحمد يتكلم إذا شاء فى أول المسئلة، ولا يشبه هذا وصفه بالخلق والرزق ؛ لأن تلك الصفات ١٥٨ يجب أن تقدر فيها ذلك؛ وذلك لأننا لو قدرنا وجود الفعل فيما لم يزل افضى إلى قدم العالم، فأما الكلام فهو كالعلم. وقال القاضي فى أول المسألة : قول أحمد: لم يزل غفوراً بيان أن جميع الصفات قديمة ، سواء كانت مشتقة من فعل كالغفران ، والخلق والرزق ، أو لم تكن مشتقة. وقوله: لم يزل متكلما إذا شاء: معناه إذا شاء أن يسمعه . قات وطريقة القاضى هذه هي طريقة أصحابه وأصحابهم ، وغيرهم : كابن عقيل وابن الزاغونى. وأما أكثر أهل الحديث من أصحاب أحمد وغيرهم، وكثير من أهل الكلام أيضاً فيخالفونه فى ذلك، ويقولون فى الفعل أحد قولين : (أحدهما) : - وهو القول الآخر للقاضي، الذى هو الصحيح عند أصحابنا - أما أن الفعل قديم والمفعول مخلوق ؛ كما نسلم ذلك لهم فى الإرادة ، والقول المكون: أي الإرادة قديمة، والمراد محدث، وكما أن المنازع يقول: التكوين قديم فالمكون مخلوق . (والثانى ): أن الفعل نفسه عندج - كالقول كلاهما - غير مخلوق، مع أنه يكون فى حال دون حال ؛ إذ هو قائم باللّه، والمخلوق لا يكون إلا منفصلا عن الله. ويقولون: إن قول أحمد موافق لما قلناه ؛ لأنه قال: لم يزل متكلما إذا شاء ١٥٩ ولم يقل لم يزل مكلما إذا شاء، والمتعلق بالمشيئة- عند من يقول إنه قديم واجب- إنما هو التكليم الذى هو فعل جاز لا التكلم. فبين ذلك أن أحمد - رضي الله عنه - قال فى الموضع الآخر: لم يزل الله متكلما عالماً غفورا . فذكر الصفات الثلاث : الصفة التى هي قديمة واجبة وهي العلم ، والتى هي جلْرة متعلقة بالمشيئة وهي المغفرة. فهذان متفق عليها. وذكر أيضاً التكلم ، وهو القسم الثالث: الذي فيه نزاع، وهو يشبه العلم من حيث هو وصف قائم به ، لا يتعلق بالمخلوق ، ويشبه المغفرة من حيث هو متعلق بمشيئته، كما فسره فى الموضع الآخر . فعلى أن قدمه عنده: أنه لم يزل إذا شاء تكلم ، وإذا شاء سكت ، لم يتجدد له وصف القدرة على الكلام التى هي صفة كمال، كما لم يتجدد له وصف القدرة على المغفرة ؛ وإن كان الكال هو أن يتكلم إذا شاء، ويسكت إذا شاء. وأما قول القاضي إن هذا قول بحدوثه ، فيجيبون عنه بجوابين. ( أحدهما ) ألا يسمى محدثاً أن يسمى حديثاً ؛ إذ المحدث هو المخلوق المنفصل ، وأما الحديث فقد سماه الله حديثا ، وهذا قول الكرامية ، وأكثر أهل الحديث، والحنبلية. و (الثانى): أنه يسمى محدثا، كما فى قوله: (مِّن ذِكْرٍمِّن رَّهِم مُحْدَثٍ) وليس بمخلوق. وهذا قول كثير من الفقهاء، وأهل الحديث والكلام ، ١٦٠