Indexed OCR Text

Pages 101-120

وهذا كما يقال: لا يكون موجوداً ، إلا أن يكون قديماً واجباً بنفسه ولا
يكون عالماً قادراً إلا أن يكون حياً ، فإذا كانت صفاته ملازمة (لذاته) كان
ذلك أبلغ فى الكمال من جواز التفريق بينهما فإنه لو جاز وجوده بدون صفات
الكمال : لم يكن الكال واجباً له، بل ممكناً له؛ وحينئذ فكان يفتقر فى ثبوتها
له إلى غيره، وذلك نقص ممتنع عليه كما تقدم بيانه ؛ فعلم أن التلازم بين الذات
وصفات الكمال : هو كمال الكمال .
١٠١

فصل
وأما القائل: إنها أعراض لا تقوم إلا بجسم مركب، والمركب ممكن محتاج،
وذلك عين النقص. فللمثبتة للصفات فى إطلاق لفظ ((العرض)) على صفاته
( ثلاث طرق ) : -
(منهم) من يمنع أن تكون أعراضاً: ويقول: بل هي صفات وليست
أعراضاً، كما يقول ذلك الأشعري، وكثير من الفقهاء من أصحاب أحمد وغيره.
(ومنهم) من يطلق عليها لفظ الأعراض كهشام وابن كرام وغيرهما.
(ومنهم) من يمتنع من الإثبات والنفي، كما قالوا فى لفظ الغير، وكما امتنعوا
عن مثل ذلك فى لفظ الجسم ونحوه، فإن قول القائل: ((العلم عرض)) بدعة،
وقوله: ليس بعرض ((بدعة))، كما أن قوله ((الرب جسم)) بدعة ، وقوله
((ليس بجسم)) بدعة .
وكذلك أيضاً لفظ ((الجسم)) يراد به فى اللغة: البدن والجسد، كما ذكر
ذلك الأصمعي وأبو زيد ، وغيرهما من أهل اللغة.
(وأما أهل الكلام) فمنهم من يريد به المركب، ويطلقه على الجوهر الفرد
١٠٢

بشرط التركيب ، أو على الجوهرين ، أو على أربعة جواهر، أو ستة، أو ثمانية،
أو ستة عشر، أو اثنين وثلاثين، أو المركب من المادة والصورة.
(ومنهم) من يقول : هو الموجود أو القائم بنفسه.
وعامة هؤلاء وهؤلاء يجعلون المشار إليه، متساويا فى العموم والخصوص،
فلما كان اللفظ قد صار يفهم منه معان بعضها حق وبعضها باطل : صار مجملا .
وحينئذ ( فالجواب العلمى ) أن يقال : أتعنى بقولك إنها أعراض أنها قائمة
بالذات أو صفة للذات ونحو ذلك من المعانى الصحيحة؟ أم تغنى بها أنها آفات
ونقائص؟ أم تعني بها أنها تعرض وتزول ولا تبقى زمانين؟ فإن عنيت الأول
فهو صحيح، وإن عنيت الثاني فهو ممنوع، وإن عنيت الثالث فهذا مبنى على
قول من يقول: العرض لا يبقى زمانين . فمن قال ذلك وقال: هي باقية، قال:
لا أسميها أعراضا ، ومن قال بل العرض يبقى زمانين لم يكن هذا مانعاً من
تسميتها أعراضا.
وقولك: العرض لا يقوم إلا بجسم. فيقال لك هو حي ، عليم قدير عندك.
وهذه الأسماء لا يسمى بها إلا جسم ، كما أن هذه الصفات التى جعلتها أعراضا
لا يوصف بها إلا جسم، فما كان جوابك عن ثبوت الأسماء: كان جواباً لأهل
الإثبات عن إثبات الصفات .
ويقال له: ما تعنى بقولك : هذه الصفات أعراض لا تقوم إلا بجسم؟ أتغنى
١٠٣

بالجسم المركب الذى كان مفترقا فاجتمع؟ أو ماركبه مركب نجمع أجزاءه؟ أو ما
أمكن تفريقه وتبعيضه وانفصال بعضه عن بعض ونحو ذلك ؟ أم تغنى به ما هو
مركب من الجواهر الفردة ، أو من المادة والصورة ؟ أو تغنى به ما يمكن
الإشارة إليه؟ أو ما كان قائما بنفسه؟ أو ما هو موجود؟.
فإن عنيت ((الأول)) لم نسلم أن هذه الصفات التى سميتها أعراضا لا تقوم
إلا بجسم بهذا التفسير، وإن عنيت به ((الثاني)) لم نسلم امتناع التلازم ؛ فإن
الرب تعالى موجود قائم بنفسه ، مشار إليه عندنا ، فلا نسلم انتفاء التلازم على
هذا التقدير .
وقول القائل : المركب ممكن ، إن أراد بالمركب : المعانى المتقدمة ، مثل
كونه كان مفترقا فاجتمع ، أو ركبه مركب أو يقبل الانفصال : فلا نسلم المقدمة
الأولى التلازمية ، وإن عنى به ما يشار إليه أو ما يكون قائما بنفسه موصوفا
بالصفات فلا نسلم انتفاء الثانية ، فالقول بالأعراض مركب من (مقدمتين)
تلازمية ، واستثنائية بألفاظ مجملة ؛ فإذا استفصل عن المراد حصل المنح والإبطال
لأحدهما أو لكليها، وإذا بطلت إحدى المقدمتين على كل تقدير بطلت الحجة.
١٠٤

فصل
وأما قول القائل : لو قامت به الأفعال لكان محلاً للحوادث ، والحادث
إن أوجب له كمالا فقد عدمه قبله وهو نقص ، وإن لم يوجب له كمالا لم يجز
وصفه به . فيقال (أولا) هذا معارض بنظيره من الحوادث التى يفعلها ، فإن
كليها حادث بقدرته ومشيئته ، وإنما يقترنان فى المحل . وهذا التقسيم وارد
على الجهتين .
وإن قيل فى الفرق: المفعول لا يتصف به ، بخلاف الفعل القائم به قيل فى
الجواب : بل ثم يصفونه بالصفات الفعلية، ويقسمون الصفات إلى نفسية وفعلية ؛
فيصفونه بكونه خالقا ورازقا بعد أن لم يكن كذلك، وهذا التقسيم وارد عليهم .
وقد أورده عليهم الفلاسفة فى ((مسألة حدوث العالم)» فزعموا أن صفات
الأفعال ليست صفة كمال ولا نقص .
فيقال لهم: كما قالوا لهؤلاء ((فى الأفعال)) التى تقوم به ، إنها ليست كمالاً
ولا نقصاً .
فإن قيل : لا بد أن يتصف إما بنقص أو بكال. قيل : لا بد أن يتصف من
١٠٥

الصفات الفعلية إما بنقص وإما بكال ، فإن حاز ادعاء خلو أحدهما عن القسمين
أمكن الدعوى فى الآخر مثله ، والإ فالجواب مشترك.
وأما ((المتفلسفة)) فيقال لهم : القديم لا تحله الحوادث ، ولا يزال
محلا للحوادث عندکم، فليس القدم مانعاً من ذلك عندكم ؛ بل عندكم هذا هو
((الكال الممكن)» الذى لا يمكن غيره، وإنما نفوه عن واجب الوجود؛ لظنهم
عدم اتصافه به .
وقد تقدم التنبيه على إبطال قولهم فى ذلك، لاسيما وما قامت به الحوادث
المتعاقبة يمتنع وجوده عن علة تامة، أزلية موجبة لمعلولها ؛ فإن العلة التامة الموجبة
يمتنع أن يتأخر عنها معلولها، أو شيء من معلولها، ومتى تأخر عنها شيء من
معلولها كانت علة له بالقوة لا بالفعل ، واحتاج مصيرها علة بالفعل إلى سبب
آخر ؛ فإن كان المخرج لها من القوة إلى الفعل هو نفسه: صار فيه ما هو بالقوة
وهو المخرج له إلى الفعل ؛ وذلك يستلزم أن يكون قابلاً أو فاعلاً، وم يمنعون
ذلك لامتناع الصفات التى يسمونها التركيب .
وإن كان المخرج له غيره كان ذلك ممتنعاً بالضرورة والاتفاق ؛ لأن ذلك
ينافى وجوب الوجود؛ ولأنه يتضمن ((الدور المعي)) و((التسلسل فى المؤثرات))
وإن كان هو الذي صار فاعلاً للمعين بعد أن لم يكن امتنع أن يكون علمة تامة
أزلية، فقدم شيء من العالم يستلزم كونه علة تامة فى الأزل، وذلك يستلزم أن
لا يحدث عنه شيء بواسطة وبغير واسطة ، وهذا مخالف للمشهود.
١٠٦

ويقال ( ثانياً ): فى إبطال قول من جعل حدوث الحوادث ممتعاً : - هذا
مبني على تجدد هذه الأمور بتجدد الإضافات، والأحوال والأعدام ؛ فإن الناس
متفقون على تجدد هذه الأمور . وفرق الآمدي بينهما من جهة اللفظ ،
فقال : هذه حوادث وهذه متجددات ، والفروق اللفظية ، لا تؤثر فى
الحقائق العلمية .
فيقال : تجدد هذه المتجدداتإن أو جب له كما لا فقد عدمه قبله وهو نقص
وإن أوجب له نقصاً لم يجز وصفه به .
ويقال ( ثالثاً ) : الكمال الذي يجب اتصافه به هو الممكن الوجود، وأما
الممتنع فليس من الكمال الذي يتصف به موجود ، والحوادث المتعلقة بقدرته
ومشيئته يمتنع وجودها جميعاً فى الأزل ؛ فلا يكون انتفاؤها فى الأزل نقصاً؛
لأن انتفاء الممتنع ليس بنقص .
ويقال ( رابعاً ): إذا قدر ذات تفعل شيئاً بعد شيء وهي قادرة على الفعل
بنفسها، وذات لا يمكنها أن تفعل بنفسها شيئاً؛ بل هي كالجماد الذي لا يمكنه
أن يتحرك كانت الأولى أكمل من الثانية . فعدم هذه الأفعال نقص بالضرورة.
وأما وجودها بحسب الإمكان فهو الكمال .
ويقال (خامسا): لا نسلم أن عدم هذه مطلقاً نقص ولا كمال، ولاوجودها
مطلقاً نقص ولا كمال ؛ بل وجودها فى الوقت الذى اقتضته مشيئته وقدرته
١٠٧

وحكمته، هو الكمال ، ووجودها بدون ذلك نقص، وعدمها مع اقتضاء الحكمة
عدمها كمال ووجودها حيث اقتضت الحكمة وجودها هو الكمال .
وإذا كان الشيء الواحد يكون وجوده تارة كمالاً وتارة نقصاً، وكذلك
عدمه . بطل التقسيم المطلق، وهذا كما أن الشيء يكون رحمة بالخلق إذا
احتاجوا إليه، كالمطر. ويكون عذاباً إذا ضرم، فيكون إنزاله لحاجتهم رحمة
وإحساناً، والمحسن الرحيم متصف بالكمال، ولا يكون عدم إزاله حيث يضرهم-
نقصاً ، بل هو أيضاً رحمة وإحسان فهو محسن بالوجود حين كان رحمة،
وبالعدم حين كان العدم رحمة .
١٠٨

فصل
وأما نفى النافى ((للصفات الخبرية)) المعينة؛ فلاستلزامها التركيب المستلزم
للحاجة والافتقار : فقد تقدم جواب نظيره ، فإنه إن أريد بالتركيب ماهو المفهوم
منه فى اللغة أو فى العرف العام، أو عرف بعض الناس - وهو ما ركبه غيره -أو
كان متفرقا فاجتمع ، أو ما جمع الجواهر الفردة أو المادة والصورة، أوما أمكن
مفارقة بعضه لبعض ، فلا نسلم المقدمة الأولى ، ولا نسلم أن إثبات الوجه واليد
مستلزم للتركيب بهذا الاعتبار.
وإن أريد به التلازم على معنى امتياز شيء عن شيء فى نفسه، وأن هذا ليس
هذا : فهذا لازم لهم في الصفات المعنوية، المعلومة بالعقل، كالعلم والقدرة،
والسمع والبصر ، فإن الواحدة من هذه الصفات ليست هي الأخرى ؛ بل كل
صفة ممتازة بنفسها عن الأخرى ، وإن كانتا متلازمتين يوصف بهما موصوف
واحد. ونحن نعقل هذا فى صفات المخلوقين، كأبعاض الشمس وأعراضها .
وأيضاً : فإن أريد أنه لا بدمن وجود ما بالحاجة والافتقار إلى مباين له
فهو ممنوع، وإن أريد أنه لابدمن وجود ما هو داخل فى مسمى اسمه؛ وأنه
يمتنع وجود الواجب بدون تلك الأمور الداخلة فى مسمى اسمه :
١٠٩

فمعلوم أنه لابد له من نفسه ، فلابد له مما يدخل فى مسماها بطريق
الأولى والأحرى .
وإذا قيل: هو مفتقر إلى نفسه لم يكن معناه أن نفسه تفعل نفسه ؛
فكذلك ما هو داخل فيها؛ ولكن العبارة موهمة مجملة ، فإذا فسر المعنى
زال المحذور .
ويقال أيضاً : نحن لا نطلق على هذا اللفظ الغير ؛ فلا يلزمه أن يكون
محتاجا إلى الغير ، فهذا من جهة الإطلاق اللفظي ؛ وأما من جهة الدليل العلمي
فالدليل دل على وجود موجود بنفسه، لا فاعل ولا علة فاعلة ، وأنه مستغن
بنفسه عن كل ما يباينه .
وأما الوجود الذي لا يكون له صفة ، ولا يدخل فى مسمى اسمه معنى من
المعاني الثبوتية : فهذا إذا ادعى المدعي أنه المعنيّ بوجوب الوجود وبالغنيّ. قيل
له : لكن هذا المعنى ليس هو مدلول الأدلة ؛ ولكن أنت قدرت أن هذا مسمى
الاسم، وجعل اللفظ دليلاً على هذا المعنى لا ينفعك إن لم يثبت أن المعنى حق
فى نفسه، ولا دليل لك على ذلك؛ بل الدليل يدل على نقيضه .
فهؤلاء عمدوا إلى لفظ الغني والقديم ، والواجب بنفسه، فصاروا يحملونها
على معانى تستلزم معانى تناقض ثبوت الصفات ، وتوسعوا فى التعبير ،
ثم ظنوا أن هذا الذي فعلوه هو موجب الأدلة العقلية وغيرها . وهذا
غلط منهم.
١١٠

فموجب الأدلة العقلية لا يتلقى من مجرد التعبير ، وموجب الأدلة السمعية
يتلقى من عرف المتكلم بالخطاب ، لا من الوضع المحدث؛ فليس لأحد أن
يقول: إن الألفاظ التى جاءت فى القرآن موضوعة لمعاني، ثم يريد أن يفسر
مراد الله بتلك المعاني ؛ هذا من فعل أهل الإلحاد المفترين .
فإن هؤلاء عمدوا إلى معاني ظنوها ثابتة ؛ فعلوها هي معنى الواحد
والواجب، والغني والقديم، ونفي المثل؛ ثم عمدوا إلى ماجاء فى القرآن والسنة
من تسمية الله تعالى بأنه أحد وواحد ،علي، ونحو ذلك من نفي المثل والكفؤ
عنه. فقالوا : هذا يدل على المعاني التى سميناها بهذه الأسماء ، وهذا من أعظم
الافتراء على الله.
وكذلك ((المتفلسفة)) عمدوا إلى لفظ الخالق، والفاعل، والصانع، والمحدث،
ونحوذلك. فوضعوها لمعنى ابتدعوه، وقسموا الحدوث إلى نوعين: ذاتى وزماني،
وأرادوا بالذاتي كون المربوب مقارناً للرب أزلاً وأبداً؛ فإن اللفظ على هذا المعنى
لا يعرف فى لغة أحد من الأمم ؛ ولو جعلوا هذا اصطلاحا لهم لم تنازعهم فيه؛
لكن قصدوا بذلك التلبيس على الناس ، وأن يقولوا نحن نقول بحدوث العالم
وأن الله خالق له، وفاعل له، وصانع له ونحو ذلك من المعانى التى يعلم بالاضطرار
أنها تقتضي تأخر المفعول ، لا يطلق على ما كان قديماً بقدم الرب مقارناً له
أزلاً وأبداً .
وكذلك فعل من فعل بلفظ «المتكلم))، وغير ذلك من الأسماء ولو فعل
١١١

هذا بكلام سيبويه وبقراط : لفسد ما ذكروه من النحو والطب ؛ ولو فعل
هذا بكلام آحاد العلماء ، كمالك والشافعى ، وأحمد وأبى حنيفة: لفسد العلم بذلك
ولكان ملبوساً عليهم، فكيف إذا فعل هذا بكلام رب العالمين ؟
وهذه طريقة الملاحدة الذين ألحدوا فى أسماء الله وآياته، ومن شاركهم فى
بعض ذلك. مثل قول من يقول: ((الواحد)) الذي لا ينقسم، ومعنى قوله:
لا ينقسم ، أي لا يتميز منه شيء عن شيء، ويقول لا تقوم به صفة. ثم زعموا
أن الأحد والواحد فى القرآن يراد به هذا.
ومعلوم أن كل ما فى القرآن من اسم الواحد والأحد ، كقوله تعالى: ( وَإِن
كَانَتْ وَحِدَةٌ فَلَهَا النِّصْفُ ) وقوله: (قَالَتْ إِحْدَثُهُمَا يَكَأَبَتِ آَسْتَشْجِرُهُ ) وقوله:
(وَلَمْ يَكُنْ لَّهُكُفُوَا أَحَدٌ) وقوله: (وَإِنْ أَحَدٌّمِنَ الْمُشْرِكِينَ أُسْتَجَارَكَ) وقوله:
( ذَرْنِ وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا ) وأمثال ذلك يناقض ما ذكروه، فإن هذه الأسماء
أطلقت على قائم بنفسه مشارإليه، يتميز منه شيء عن شيء. وهذا الذى يسمونه
فى اصطلاحهم جسما .
وكذلك إذا قالوا: الموصوفات تتماثل، والأجسام تتماثل ، والجواهر
تتماثل ، وأرادوا أن يستدلوا بقوله تعالى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ) على نفي مسمى
هذه الأمور التى سموها بهذه الأسماء فى اصطلاحهم الحادث، كان هذا افتراه
على القرآن ؛ فإن هذا ليس هو المثل فى لغة العرب ؛ ولا لغة القرآن ولا غيرها.
قال تعالى: (وَإِن تَتَوَلَوْ يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّلَا يَكُونُوَأْأَمْثَلَكُمْ).
١١٢

فنفى مماثلة هؤلاء مع اتفاقهم فى الإنسانية ، فكيف يقال: إن لغة العرب
توجب أن كل مايشار إليه مثل كل ما يشار إليه .
وقال تعالى: ( أَلَمْتَرَكَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِلَمْ يُخْلَقْ
مِثْلُهَا فِى الْبِلَدِ ) فأخبر أنه لم يخلق مثلها فى البلاد، وكلاهما بلد؛ فكيف يقال
إن كل جسم فهو مثل لكل جسم فى لغة العرب ، حتى يحمل على ذلك قوله :
( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ).
* ليس كمثل الفتى زهير
وقد قال الشاعر :
# ما إن كمثلهم فى الناس من بشر *
وقال :
ولم يقصد هذا أن ينفي وجود جسم من الأجسام.
وكذلك لفظ ((التشابه)» ليس هو التماثل فى اللغة قال تعالى: (وَأُتُواْبِهِ،
مُتَشَبِهًا) وقال تعالى ( مُتَشَبِهَا وَغَيْرَ مُتَشَكَبِهٍ) ولم يرد به شيئاً هو مماثل فى اللغة،
وليس المراد هنا كون الجواهر متماثلة فى العقل أو ليست متماثلة ؛ فإن هذا
مبسوط فى موضعه ؛ بل المراد أن أهل اللغة التى بها نزل القرآن لا يجعلون مجرد
هذا موجباً لإطلاق اسم المثل ؛ ولا يجعلون نفي المثل نفياً لهذا، فحمل القرآن
على ذلك كذب على القرآن .
١١٣

فصل
وقول القائل: ((المناسبة)). لفظ مجمل؛ فإنه قد يراد بها التولد والقرابة،
فيقال : هذا نسيب فلان ويناسبه ؛ إذا كان بينهم قرابة مستندة إلى الولادة
والآدمية ، والله سبحانه وتعالى منزه عن ذلك، ويراد بها الماثلة فيقال:
هذا يناسب هذا : أي يماثله . والله سبحانه وتعالى أحد صمد ، لم يلد
ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد . ويراد بها الموافقة فى معنى من المعاني ،
وضدها المخالفة .
و ((المناسبة)) بهذا الاعتبار ثابتة، فإن أولياء الله تعالى يوافقونه فيما يأمر
به فيفعلونه ، وفيما يحبه فيحبونه ، وفيما نهى عنه فيتركونه ، وفيما يعطيه
فيصيبونه. والله وتر يحب الوتر، جميل يحب الجمال، عليم يحب العلم، نظيف
يحب النظافة، محسن يحب المحسنين، مقسط يحب المقسطين ، إلى غير ذلك
من المعانى؛ بل هو سبحانه يفرح بتوبة التائب أعظم من فرح الفاقد لراحلته
عليها طعامه وشرابه فى الأرض المهلكة إذا وجدها بعد اليأس ، فالله أشد
فرحاً بتوبة عبده من هذا براحلته ، كما ثبت ذلك فى الصحاح عن النبى
صلى الله عليه وسلم.
١١٤

فإذا أريد ((بالمناسبة)) هذا وأمثاله فهذه المناسبة حق ، وهي من صفات
الكمال كما تقدمت الإشارة إليه ، فإن من يحب صفات الكمال أكمل ممن لا فرق
عنده بين صفات النقص والكمال ؛ أو لا يحب صفات الكمال .
وإذا قدر موجودان: (أحدهما) يحب العلم والصدق والعدل والإحسان
ونحو ذلك . و( الآخر) لا فرق عنده بين هذه الأمور ، وبين الجهل
والكذب والظلم ونحو ذلك ، لا يحب هذا ولا يبغض هذا ، كان الذي يحب
تلك الأمور أكمل من هذا .
فدل على أن من جرده عن ((صفات الكمال، والوجود)) بأن لا يكون له
على كالجماد ، فالذى يعلم أكمل منه ؛ ومعلوم أن الذي يحب المحمود ويبغض
المذموم: أكمل ممن يحبهما أو يبغضهما.
وأصل ((هذه المسئلة)) الفرق بين محبة الله ورضاه ، وغضبه وسخطه،
وبين إرادته، كما هو مذهب السلف والفقهاء وأكثر المثبتين للقدر من أهل
السنة وغيرهم، وصار طائفة من القدرية والمثبتين للقدر إلى أنه لا فرق بينهما .
ثم قالت ((القدرية)): هو لا يحب الكفر والفسوق والعصيان ، ولا
يريد ذلك فيكون ما لم يشأ ، ويشاء ما لم يكن.
وقالت ((المثبتة)) ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وإذن قد أراد الكفر
والفسوق والعصيان ، ولم يرده ديناً ، أو أراده من الكافر ولم يرده من المؤمن،
١١٥

فهو لذلك يحب الكفر والفسوق والعصيان، ولا يحبه دينا، ويحبه من الكافر
ولا يحبه من المؤمن .
وكلا القولين خطأ مخالف للكتاب والسنة، وإجماع سلف الأمة وأمتها؛
فإنهم متفقون على أنه ما شاء الله كان ، وما لم يشأ لم يكن ، وأنه لا يكون شيء
إلا بمشيئته ، ومجمعون على أنه لا يحب الفساد، ولا يرضى لعباده الكفر،
وأن الكفار يبيتون مالا يرضى من القول ، والذين نفوا محبته بنوها على هذا
الأصل الفاسد.
١١٦

فصل
وأما قول القائل: ((الرحمة)) ضعف وخور فى الطبيعة، وتألم على المرحوم
فهذا باطل .
أما ((أولاً )): فلأن الضعف والخور مذموم من الآدميين، والرحمة
ممدوحة؛ وقد قال تعالى: (وَتَوَصَوْ بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْ بِلْمَرْحَمَةِ) وقد نهى الله
عباده عن الوهن والحزن؛ فقال تعالى: (وَلَا تَهِنُواْ وَلَا تَحْزَنُواْ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ
إِن كُنتُم ◌ُؤْ مِنِينَ) وندبهم إلى الرحمة . وقال النبي صلى الله عليه وسلم فى الحديث
الصحيح: ((لا تنزع الرحمة إلا من شقي)) وقال: ((من لا يرحم لا يرحم))،
وقال: ((الراحمون يرحمهم الرحمن. ارحموا من فى الأرض يرحمكم من
فى السماء)).
ومحال أن يقول : لا ينزع الضعف والخور إلا من شقي؛ ولكن لما كانت
الرحمة تقارن فى حق كثير من الناس الضعف والخور - كما فى رحمة النساء ونحو
ذلك - ظن الغالط أنها كذلك مطلقاً.
و (أيضاً ) : فلو قدر أنها فى حق المخلوقين مستلزمة لذلك لم يجب أن
١١٧

تكون فى حق الله تعالى مستلزمة لذلك، كما أن العلم والقدرة؛ والسمع والبصر
والكلام فينا يستلزم من النقص والحاجة ما يجب تنزيه الله عنه.
وكذلك ((الوجود)) و((القيام بالنفس)) فينا: يستلزم احتياجاً إلى خالق
يجعلنا موجودين ، والله منزه فى وجوده عما يحتاج إليه وجودنا ، فنحن وصفاتنا
وأفعالنا مقرونون بالحاجة إلى الغير ، والحاجة لنا أمر ذاتي لا يمكن أن تخلو عنه،
وهو سبحانه الغني له أمر ذاتي لا يمكن أن يخلو عنه؛ فهو بنفسه حي قيوم واجب
الوجود، ونحن بأنفسنا محتاجون فقراء .
فإذا كانت ذاتنا وصفاتنا وأفعالنا وما انصفنا به من الكال من العلم
والقدرة وغير ذلك، هو مقرون بالحاجة والحدوث والإمكان: لم يجب أن يكون
الله ذات ولا صفات ولا أفعال ، ولا يقدر ولا يعلم؛ لكون ذلك ملازماً للحاجة
فينا. فكذلك ((الرحمة)) وغيرها إذا قدر أنها فى حقنا ملازمة للحاجة
والضعف ؛ لم يجب أن تكون فى حق الله ملازمة لذلك.
وأيضاً : فنحن نعلم بالاضطرار أنا إذا فرضنا موجودين أحدهما يرحم
غيره، فيجلب له المنفعة ويدفع عنه المضرة ؛ والآخر قد استوى عنده هذا
وهذا ، وليس عنده ما يقتضى جلب منفعة ، ولا دفع مضرة : كان
الأول أكمل.
١١٨

فصل
وأما قول القائل: ((الغضب غليان دم القلب لطلب الانتقام)) فليس
بصحيح فى حقنا؛ بل الغضب قد يكون لدفع المنافى قبل وجوده فلا يكون
هناك انتقام أصلاً .
وأيضاً : فغليان دم القلب يقارنه الغضب ، ليس أن مجرد الغضب هو
غليان دم القلب، كما أن ((الحياء)) يقارن حمرة الوجه، و((الوجل)) يقارن صفرة
الوجه ؛ لا أنه هو . وهذا لأن النفس إذا قام بها دفع المؤذي فإن استشعرت
القدرة فاض الدم إلى خارج فكان منه الغضب ، وإن استشعرت العجز عاد الدم
إلى داخل ؛ فاصفر الوجه كما يصيب الحزين .
وأيضاً : فلو قدر أن هذا هو حقيقة غضبنا لم يلزم أن يكون غضب الله
تعالى مثل غضبنا؛ كما أن حقيقة ذات الله ليست مثل ذاتنا، فليس هو مماثلا لنا:
لا لذاتنا، ولا لأرواحنا ، وصفاته كذاته .
ونحن نعلم بالاضطرار أنا إذا قدرنا موجودين : أحدهما عنده قوة يدفع
بها الفساد . والآخر لا فرق عنده بين الصلاح والفساد كان الذى عنده تلك
القوة أكمل .
١١٩

ولهذا يذم من لا غيرة له على الفواحش كالديوث ، ويذم من لا حمية له
يدفع بها الظلم عن المظلومين، ويمدح الذي له غيرة يدفع بها الفواحش، وحمية
يدفع بها الظلم؛ ويعلم أن هذا أكمل من ذلك.
ولهذا وصف النبي صلى الله عليه وسلم الرب بالأ كملية فى ذلك، فقال
فى الحديث الصحيح: ((لا أحد أغير من الله من أجل ذلك حرم الفواحش
ماظهر منها وما بطن))، وقال: ((أتعجبون من غيرة سعد ؟ أنا أغير منه
والله أغير منى)).
وقول القائل : إن هذه انفعالات نفسانية .
فيقال : كل ماسوى الله مخلوق منفعل ، ونحن وذواتنا منفعلة ، فكونها
انفعالات فينا لغيرنا نعجز عن دفعها: لا يوجب أن يكون الله منفعلاً لها عاجزاً
عن دفعها ، وكان كل ما يجرى فى الوجود ، فإنه بمشيئته وقدرته لا يكون إلا
ما يشاء، ولا يشاء إلا ما يكون ، له الملك وله الحمد.
١٢٠