Indexed OCR Text

Pages 61-80

فإذا رأيت إماماً قد غلظ على قائل مقالته ، أو كفره فيها فلا يعتبر هذا
حكماً عاماً فى كل من قالها ، إلا إذا حصل فيه الشرط الذي يستحق به التغليظ
عليه، والتكفير له ؛ فإن من جحد شيئاً من الشرائح الظاهرة، وكان حديث
العهد بالإسلام، أو ناشئاً ببلد جهل لا يكفر حتى تبلغه الحجة النبوية .
وكذلك العكس إذا رأيت المقالة المخطئة قد صدرت من إمام قديم
فاغتفرت ؛ لعدم بلوغ الحجة له ؛ فلا يغتفر لمن بلغته الحجة ما اغتفر للأول،
فلهذا يُبَدَّع من بلغته أحاديث عذاب القبر ونحوها إذا أنكر ذلك ، ولا تُبَدَّع
عائشة ونحوها ممن لم يعرف بأن الموتى يسمعون فى قبورهم ؛ فهذا أصل عظيم
فتدبره فإنه نافع .
وهو أن ينظر فى ((شيئين فى المقالة)) هل هي حق؟ أم باطل؟ أم تقبل التقسيم
فتكون حقاً باعتبار، باطلاً باعتبار؟ وهو كثير وغالب؟.
ثم النظر الثاني فى حكمه إثباتاً، أو نفياً ، أو تفصيلاً، واختلاف أحوال
الناس فيه فمن سلك هذا المسلك أصاب الحق قولا وعملاً، وعرف إبطال القول
وإحقاقه وحمده، فهذا هذا والله يهدينا ويرشدنا ، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
٦١

فصل
قد عرف أن الأشياء لها وجودفى ((الأعيان)) ووجود فى ((الأذهان)»
ووجود فى ((اللسان)) ووجود فى ((البنان)) وهو: العيني ، والعلمي ،
واللفظي، والرسمي .
ثم قال : من قال: إن الوجود العينى والعلمى لا يختلف باختلاف الأعصار
والأمصار، والأمم؛ بخلاف اللفظي والرسمي فإن اللغات تختلف باختلاف الأمم
كالعربية والفارسية، والرومية والتركية .
وهذا قد يذكره بعضهم فى ((كلام الله تعالى)) أنه هو المعنى الذي لا يختلف
باختلاف الأمم ، دون الحروف التى تختلف؛ كما هو قول الكلابية والأشعرية،
ويضمون إلى ذلك ، أن كتبه إنما اختلفت لاختلاف لفظها فقط ؛ فكلامه
بالعبرية هو التوراة، وبالعربية هو القرآن، كما يقولون: إن ((المعنى القديم))
يكون أمراً ونهياً وخبراً؛ فهذه صفات عارضة له؛ لا أنواع له.
ويذكر بعضهم هذا القول مطلقاً فى ((أصول الفقه)) فى مسائل اللغات،
ويذكره بعضهم فى مسألة الاسم والمسمى ، وأسماء الله الحسنى ، كأبي حامد.
٦٢

قلت : وهذا القول فيه نظر ، وبعضه باطل ؛ وذلك أن ألفاظ اللغات
(منها) متفق عليه ، كالتنور، وكما يوجد من الأسماء المتحدة فى اللغات .
و (منها ): متنوع كأكثر اللغات، واختلافها اختلاف تنوع لا تضاد؛
كاختلاف الاسمين للمسمى الواحد .
وكذلك معاني اللغات؛ فإن ((المعنى الواحد)» الذي تعلمه الأمم؛ وتعبر عنه
كل أمة بلسانها ؛ قد يكون ذلك المعنى واحداً بالنوع فى الأمم ؛ بحيث لا يختلف
كما يختلف اللفظ الواحد بالعربية.
وقد يكون تصور ذلك المعنى متنوعاً فى الأمم مثل : أن يعلمه أحدم بنعت،
ويعبر عنه باعتبار ذلك النعت ، وتعلمه الأمة الأخرى بنعت آخر ، وتعبر عنه
باعتبار ذلك النعت، كما هو الواقع فى أسماء الله وأسماء رسوله، وكتابه ، وكثير
من الأسماء المعبر بها عن الأشياء المتفق على علمها فى الجملة ((فتكرى، وخداي،
ونست شك))، ونحوذلك. وإن كانت أسماء لله تعالى فليس معناها مطابقاً من
كل وجه لمعنى اسم الله؛ وكذلك (( بيغنير وبهشم)) ونحو ذلك.
ولهذا إذا تأملت الألفاظ التى يترجم بها القرآن - من الألفاظ الفارسية
والتركية وغيرها - تجد بين المعاني نوع فرق، وإن كانت متفقة فى الأصل،
كما أن اللغتين متفقتان فى الصوت، وإن اختلفتا فى تأليفه؛ وقد تجد التفاوت بينها
أكثر من التفاوت بين الألفاظ ((المتكافئة)) - الواقعة بين المترادفة والمتباينة -
كالصارم والمهند؛ وكالريب والشك، والمور والحركة، والصراط والطريق.
٦٣

وتختلف اللغتان أيضاً فى قدر ذلك المعنى ، وعمومه وخصوصه ؛ كما تختلف
فى حقيقته ونوعه، وتختلف أيضاً فى كيفيته وصفته وغير ذلك.
بل الناطقان بالاسم الواحد باللغة الواحدة يتصور أحدهما منه ما لم يتصور
الآخر حقيقته وكميته وكيفيته وغير ذلك ؛ فإذا كان المعنى المدلول عليه بالاسم
الواحد لا يتحد من كل وجه فى قلب الناطقين ؛ بل ولا فى قلب الناطق
الواحد فى الوقتين ؛ فكيف يقال إنه يجب اتحاده فى اللغات المتعددة .
يوضح ذلك أن ما تعلمه الملائكة منه ليس على حد ما يعلمه البشر ، وما
يعلمه الله فيه ليس على حد ما تعلمه الملائكة ؛ لكن الاختلاف اختلاف
تنوع لا تضاد .
وأما قول من قال : إن معاني الكتب المنزلة سواء ففساده معلوم
بالاضطرار ، فإنا لو عبرنا عن معانى القرآن بالعبرية وعن معانى التوراة بالعربية
لكان أحد المعنيين ليس هو الآخر ، بل يعلم بالاضطرار تنوع معانى الكتب
واختلافها اختلاف تنوع أعظم من اختلاف حروفها ؛ لما بين العربية والعبرية
من التفاوت ؛ وكذلك معانى البقرة ليست هي معانی آل عمران .
وأبعد من ذلك جعل الأمر هو الخبر ، ولا ينكر أن هذه المختلفات قد
تشترك فى حقيقة ما ، كما أن اللغات تشترك فى حقيقة ما، فإن جاز أن يقال:
إنها واحدة مع تنوعها : فكذلك اللغات سواء، بل اختلاف المعاني أشد .
أما دعوى كون أحدهما صفة حقيقية، والأخرى وضعية : فليس كذلك،
٦٤

وهذا موضع ينتفع به فى ((الأسماء واللغات)) و((فى أصول الدين)) و ((الفقه))
وفى معرفة ((ترجمة اللغات)).
وأيضاً : لم يجر العرف بأن اللغة الواحدة ، واللفظ الواحد، [يكون] النطق
به من جميع الناطقين على حد واحد، ليس فيه تفاوت أصلاً ، فإن حصل
المقصود بالجميع فكذلك المعنى الواحد ، فإن اللغات وإن اختلفت فقد يحصل
أصل المقصود بالترجمة ، فكذلك المعاني: فإن الترجمة تكون فى اللفظ والمعنى.
ولهذا سمى المسلمون ابن عباس ترجمان القرآن وهو يترجم اللفظ(١)
(١) خرم بقدر نصف سطر .
٦٥

فصل
مما يبين أن طريقة أتباع الأنبياء من ((أهل السنة)) هي الموصلة إلى الحق
دون طريقة من خالفهم من الفلاسفة ، والمتكلمين : ان المقصود هو العلم،
وطريقه هو الدليل ، والأنبياء جاءوا بالإثبات المفصل والنفي المجمل ، كاتبات
الصفات لله مفصلة ، ونفي الكفؤ عنه.
و ((الفلاسفة)» يجيئون بالنفى المفصل: ليس بكذا ولا كذا. فإذا حاء
الإثبات أثبتوا وجوداً مجملاً، واضطربوا فى ((أول مقامات ثبوته)) وهو أن
وجوده هو عين ذاته، أو صفة ذاتية لها، أو عرضية؟ ونحو ذلك من النزاعات
الذهنية اللفظية.
ومعلوم أن النفي لا وجود له، ولا يعلم النفي والعدم إلا بعد العلم بالثبوت
والوجود ، حتى إن طائفة من المتكلمين نفوا العلم بالمعدوم ، إلا إذا جعل شيئاً
لأن العلم - فيمازعموا - لابد أن يتعلق بشىء، والتحقيق أن العلم بالعدم يحصل
بواسطة العلم بالموجود فإذا علمنا أنه ((لا إله إلا الله)) تصورنا إلهاً موجوداً. وعلمنا
عدم ما تصورناه إلا عن الله .
وكذلك سائر ما ننفيه لا بد أن تتصوره أولاً ثم ننفيه ولا نتصوره إلا بعد
٦٦

تصور شيء موجود، ثم نتصور ما شابهه ، أو ما يتركب من أجزائه ، كتصور
بحر زئبق وجبل ياقوت وآلهة متعددة ، ونحو ذلك : ثم تنفيه ؛ وإلا فتصور
معدوم مبتدع ، لا يناسب الموجودات بوجه لا يمكن العقل إبداعه؛ سواء كان
من العلوم النظرية أو العلمية، كتصور الفاعل ما يفعله قبل فعله.
فإنه فى الحقيقة قصور معدوم ؛ ليوجد؛ كما أن غيره تصور معدوم ممكن
أو ممتنع يوجد ، أو لا يوجد فالمعدوم الفعلي وغير الفعلي لا يبتدعه عقل
الإنسان، من غير مادة وجودية، كما لا تبدع قدرته شيئاً من غير مادة وجودية
وإنما الإبداع من خصائص الربوبية. وكيف يعلم ؟ وكيف يفعل ؟ باب آخر .
فتبين بهذا : أن العلم بالموجود وصفاته، هو الأصل ، وأن العلم بالعدم
المطلق والمقيد تبع له، وفرع عليه . وأيضاً فالعلم بالعدم لا فائدة للعالم به، إلا لتمام
العلم بالموجود، وتمام الموجود فى نفسه؛ إذ تصور ((لا شيء)) لا يستفيد به العالم
صفة كمال ، لكن علمه بانتفاء النقائص مثلاً عن الموجود على بكاله .
وكذلك العلم بنفي الشركاء عنه علم بوحدانيته التى هي من الكمال ، وكذلك
تصور ما يراد فعله مفض إلى وجود الفعل ، وتصور ما يراد تركه مفض إلى الترك
الذي هو عدم الشر ، الذي يكمل الموجود بعدمه .
وذلك أن هذا الذي ذكرته فى العلم والقول يقال مثله فى الإرادة والعمل ؛
فإن الإرادة متوجهة إلى الموجود بنفسه، الذي هو الفعل، ومتوجهة إلى العدم
الذي هو الترك على طريق التبع ، لدفع الفساد عن المقصود الموجود.
٦٧

سئل شيخ الإسلام :-
قدس الله روحه
قال السائل : المسؤول من علماء الإسلام، والسادة الأعلام - أحسن الله
توابهم، وأكرم نزلهم ومكبهم - أن يرفعوا حجاب الإجمال، ويكشفوا قناع
الإشكال عن ((مقدمة)) جميع أرباب الملل والنحل متفقون عليها ، ومستندون
فى آرائهم إليها؛ حاشا مكابراً منهم معانداً، وكافراً بربوبية الله جاحداً.(١)
وهي أن يقال: (( هذه صفة كمال فيجب لله إثباتها، وهذه صفة نقص
فيتعين انتفاؤها)» لكنهم فى تحقيق مناطها فى أفراد الصفات متازعون ، وفى
تعيين الصفات لأجل القسمين مختلفون .
((فأهل السنة)) يقولون: إثبات السمع والبصر، والحياة والقدرة، والعلم
والكلام وغيرها من ((الصفات الخبرية)) كالوجه واليدين ، والعينين، والغضب
والرضا، و((الصفات الفعلية)) - كالضحك والنزول والاستواء - صفات كمال،
وأضدادها صفات نقصان .
(١) تسمى الرسالة الأكملية .
٦٨

((والفلاسفة)) تقول: انصافه بهذه الصفات إن أو جب له كمالا فقد استكمل
بغيره ، فيكون ناقصاً بذاته، وإن أوجب له نقصاً لم يجز اتصافه بها .
((والمعتزلة)) يقولون: لو قامت بذاته صفات وجودية لكان مفتقراً إليها
وهي مفتقرة إليه، فيكون الرب مفتقرا إلى غيره؛ ولأنها أعراض لا تقوم إلا
بجسم. والجسم مركب، والمركب ممكن محتاج، وذلك عين النقص.
ويقولون أيضاً : لو قدر على العباد أعمالهم وعاقبهم عليها: كان ظالماً وذلك
نقص . وخصومهم يقولون : لو كان فى ملكه مالا يريده لكان ناقصاً .
((والكلابية ومن تبعهم )» ينفون صفات أفعاله، ويقولون : لو قامت به
لكان محلا للحوادث . والحادث إن أو جب له كمالا فقد عدمه قبله ، وهو نقص،
وإن لم يوجب له كمالاً لم يجز وصفه به .
((وطائفة منهم)) ينفون صفاته الخبرية، لاستلزامها التركيب المستلزم
للحاجة والافتقار . وهكذا نفيهم أيضا لمحبته، لأنها مناسبة بين المحب والمحبوب،
ومناسبة الرب للخلق نقص: وكذا رحمته، لأن الرحمة رقة تكون فى الراحم،
وهي ضعف وخور فى الطبيعة، وتألم على المرحوم، وهو نقص. وكذا غضبه
لأن الغضب غليان دم القلب طلبا للانتقام. وكذا نفيهم لضحكه وتعجبه، لأن
الضحك خفة روح تكون لتجدد ما يسر ، واندفاع ما يضر . والتعجب استعظام
للمتعجب منه .
٦٩

و ((منكرو النبوات)) يقولون: ليس الخلق بمنزلة أن يرسل إليهم رسولا
كما أن أطراف الناس ليسوا أهلا أن يرسل السلطان إليهم رسولاً .
و ((المشركون)) يقولون: عظمة الرب وجلاله يقتضى أن لا يتقرب إليه إلا
بواسطة وحجاب ، فالتقرب إليه ابتداء من غير شفعاء ووسائط غض من
جنابه الرفيع .
هذا وإن القائلين بهذه ((المقدمة)) لا يقولون بمقتضاها، ولا يطردونها،
فلو قيل لهم: أيما أكمل ؟ ذات توصف بسائر أنواع الإدراكات: من الشم
والذوق واللمس، أم ذات لا توصف بها كلها؟ لقالوا الأولى أكمل ، ولم يصفوا
بها كلها الخالق .
و (بالجملة ) فالكمال والنقص من الأمور النسبية ، والمعاني الإضافية ، فقد
تكون الصفة كمالا لذات ونقصاً لأخرى، وهذا نحو الأكل والشرب والنكاح:
كمال للمخلوق، نقص للخالق ، وكذا التعاظم والتكبر والثناء على النفس: كمال
للخالق، نقص للمخلوق ، وإذا كان الأمر كذلك فلعل ما تذكرونه من صفات
الكمال إنما يكون كمالا بالنسبة إلى الشاهد ، ولا يلزم أن يكون كمالاً للغائب
كما بين؛ لاسيما مع تباين الذاتين.
وإن قلتم: نحن نقطع النظر عن متعلق الصفة وتنظر فيها ، هل هي كمال
أو نقص؟ فلذلك نحيل الحكم عليها بأحدهما، لأنها قد تكون كمالالذات، نقصا
لأخرى ، على ماذكر.
٧٠

وهذا من العجب أن ((مقدمة)) وقع عليها الإجماع، هي منشأ الاختلاف
والنزاع !! فرضي الله عمن بين لنا بياناً شفي العليل، ويجمع بين معرفة الحكم
وإيضاح الدليل ، إنه تعالى سميع الدعاء ، وأهل الرجاء، وهو حسبنا ونعم الوكيل .
فأجاب رضى الله عنه:
الحمد لله. الجواب عن هذا السؤال مبنى على ((مقدمتين)).
(إحداهما) أن يعلم أن الكمال ثابت لله، بل الثابت له هو أقصى ما يمكن
من الأكملية، بحيث لا يكون وجود كمال لا نقص فيه إلا وهو ثابت للرب
تعالى، يستحقه بنفسه المقدسة ، وثبوت ذلك مستلزم نفي نقيضه؛ فثبوت الحياة
يستلزم نفي الموت، وثبوت العلم يستلزم نفي الجهل ، وثبوت القدرة يستلزم تفي
العجز ، وأن هذا الكمال ثابت له بمقتضى الأدلة العقلية والبراهين اليقينية ، مع
دلالة السمع على ذلك.
ودلالة القرآن على الأمور (نوعان) :
( أحدهما) خبر الله الصادق ، فما أخبر الله ورسوله به فهو حق كما أخبر
الله به .
و(الثانى) دلالة القرآن بضرب الأمثال وبيان الأدلة العقلية الدالة على المطلوب.
فهذه دلالة شرعية عقلية، فهى ((شرعية)) لأن الشرع دل عليها ، وأرشد إليها؛
و((عقلية)) لأنها تعلم صحتها بالعقل . ولا يقال: إنها لم تعلم إلا بمجرد الخبر.
٧١

وإذا أخبر الله بالشىء، ودل عليه بالدلالات العقلية: صار مدلولا عليه
بخبره. ومدلولا عليه بدليله العقلى الذي يعلم به ، فيصير ثابتا بالسمع والعقل،
وكلاهما داخل فى دلالة القرآن التى تسمى ((الدلالة الشرعية)).
وثبوت ((معنى الكمال)) قد دل عليه القرآن بعبارات متنوعة ، دالة على معانى
متضمنة لهذا المعنى . فما فى القرآن من إثبات الحمد له ، وتفصيل محامده ، وأن له
المثل الأعلى ، وإثبات معاني أسمائه ، ونحو ذلك : كله دال على هذا المعنى .
وقد ثبت لفظ ((الكامل)) فيما رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس فى تفسير:
(قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ * اللَّهُ الضَّمَدُ) أن ((الصمد)) هو المستحق للكمال، وهو السيد
الذي كمل فى سؤدده ، والشريف الذي قد كمل فى شرفه، والعظيم الذي قد
كمل فى عظمته ، والحكم الذي قد كمل فى حكمه ، والغني الذي قد كمل فى
غناه، والجبار الذي قد كمل فى جبروته، والعالم الذي قد كمل فى علمه، والحكيم
الذى قد كمل فى حكمته، وهو الشريف الذي قد كمل فى أنواع الشرف والسؤدد،
وهو الله سبحانه وتعالى.
وهذه صفة لا تنبغى إلا له ، ليس له كفؤ ولا كمثله شىء. وهكذا سائر
صفات الكمال، ولم يعلم أحد من الأمة نازع فى هذا المعنى ؛ بل هذا المعنى مستقر
فى فطر الناس ؛ بل م مفطورون عليه، فإنهم كما أنهم مفطورون على الإقرار
بالخالق ؛ فإنهم مفطورون على أنه أجل وأكبر ، وأعلى وأعلم وأعظم وأكمل
من كل شيءٍ .
٧٢

وقد بينا فى غير هذا الموضع أن الإقرار بالخالق وكماله يكون فطريا
ضروريا فى حق من سلمت فطرته ، وإن كان مع ذلك تقوم عليه الأدلة الكثيرة،
وقد يحتاج إلى الأدلة عليه كثير من الناس عند تغير الفطرة، وأحوال تعرض لها.
وأما لفظ ((الكامل)): فقد نقل الأشعري عن الجبائي أنه كان يمنع أن يسمى
الله كاملاً، ويقول: الكامل الذى له أبعاض مجتمعة.
وهذا النزاع إن كان فى المعنى فهو باطل ؛ وإن كان فى اللفظ فهو نزاع لفظي.
و(المقصودهنا) أن ثبوت الكمال له ونفى النقائص عنه مما يعلم بالعقل.
وزعمت ((طائفة من أهل الكلام )) كأبى المعالي والرازي ، والآمدي
وغيرهم: أن ذلك لا يعلم إلا بالسمع الذي هو «الإجماع)» وأن نفى الآفات والنقائص
عنه لم يعلم إلا بالإجماع، وجعلوا الطريق التى بها نفوا عنه ما نفوه إنما هو نفي
مسمى الجسم ونحو ذلك ؛ وخالفوا ما كان عليه شيوخ متكلمة الصفاتية ؛
كالأشعري، والقاضي، وأبى بكر وأبي إسحاق، ومن قبلهم من السلف والأئمة،
فى إثبات السمع والبصر والكلام له بالأدلة العقلية ، وتنزيهه عن النقائص
بالأدلة العقلية .
ولهذا صار هؤلاء يعتمدون فى إثبات هذه الصفات على مجرد السمع،
ويقولون: إذا كنا نثبت هذه الصفات بناء على نفي الآفات ، ونفي الآفات إنما
يكون بالإجماع الذي هو دليل سمعي، والإجماع إنما يثبت بأدلة سمعية من الكتاب
٧٣

والسنة، قالوا : والنصوص المثبتة للسمع والبصر والكلام: أعظم من الآيات
الدالة على كون الإجماع حجة ، فالاعتماد فى إثباتها ابتداء على الدليل السمعي
الذي هو القرآن أولى وأحرى .
والذي اعتمدوا عليه فى النفى، من نفى مسمى التحيز ونحوه - مع أنه
بدعة فى الشرع لم يأت به كتاب ولا سنة؛ ولا أثر عن أحد من الصحابة
والتابعين - هو متناقض فى العقل، لا يستقيم فى العقل ؛ فإنه ما من أحد ينفي
شيئاً خوفا من كون ذلك يستلزم أن يكون الموصوف به جسما إلا قيل له فيما
أثبته نظير ما قاله فيما نفاه ، وقيل له فيما نفاه نظير ما يقوله فيما أثبته؛ كالمعتزلة
لما أثبتوا أنه حي عليم قدير ؛ وقالوا: إنه لا يوصف بالحياة والعلم، والقدرة
والصفات؛ لأن هذه أعراض لا يوصف بها إلا ما هو جسم؛ ولا يعقل موصوف
إلا جسم .
فقيل لهم : فأنتم وصفتموه بأنه حي عليم قدير ، ولا يوصف شىء بأنه
عليم حى قدير إلا ما هو جسم ، ولا يعقل موصوف بهذه الصفات إلا ما هو
جسم، فما كان جوابكم عن الأسماء كان جوابنا عن الصفات، فإن جاز أن يقال
بل يسمى بهذه الأسماء ما ليس بجسم ، جاز أن يقال: فكذلك يوصف بهذه
الصفات ما ليس بجسم، وأن يقال: هذه الصفات ليست أعراضاً ، وإن قيل:
لفظ الجسم ((مجمل)) أو ((مشترك)) وأن المسمى بهذه الأسماء لا يجب أن يماثله
غيره، ولا أن يثبت له خصائص غيره ؛ جاز أن يقال : الموصوف بهذه الصفات
لا يجب أن يماثله غيره ، ولا أن يثبت له خصائص غيره.
٧٤

وكذلك إذا قال نفاة الصفات المعلومة بالشرع ، أو بالعقل مع الشرع ،
كالرضا والغضب، والحب، والفرح، ونحو ذلك: هذه الصفات لا تعقل إلا
الجسم. قيل لهم هذه بمنزلة الإرادة والسمع، والبصر والكلام، فما لزم فى
أحدهما لزم فى الآخر مثله .
وهكذا نفاة الصفات من الفلاسفة ونحوه ، إذا قالوا ثبوت هذه الصفات
يستلزم كثرة المعاني فيه، وذلك يستلزم كونه جسما أو مركبا، قيل لهم : هذا
كما أثبتم أنه موجود واجب قائم بنفسه وأنه عاقل ومعقول وعقل ، ولذيذ
وملتذ(١) ولذة، وعاشق ومعشوق وعشق، ونحو ذلك.
فإن قالوا : هذه ترجع إلى معنى واحد، قيل لهم : إن كان هذا ممتنعاً بطل
الفرق، وإن كان ممكناً أمكن أن يقال فى تلك مثل هذه ، فلا فرق بين
صفة وصفة . والكلام على ثبوت الصفات وبطلان أقوال النفاة مبسوط فى
غير هذا الموضع .
والمقصودهنا: أن نبين أن ثبوت الكمال لله معلوم بالعقل ، وأن نقيض
ذلك منتف عنه ، فإن الاعتماد فى الإثبات والنفي على هذه الطريق مستقيم فى
العقل والشرع ؛ دون تلك ، خلاف ما قاله هؤلاء المتكلمون .
وجمهور أهل الفلسفة والكلام: يوافقون على أن الكمال لله ثابت بالعقل
والفلاسفة تسميه التمام ، وبيان ذلك من وجوه : -
(١) نسخة ملذوذ
٧٥

(منها ) أن يقال: قد ثبت أن الله قديم بنفسه، واجب الوجود بنفسه،
قيوم بنفسه ، خالق بنفسه، إلى غير ذلك من خصائصه . والطريقة المعروفة فى
وجوب الوجود تقال فى جميع هذه المعانى .
فاذا قيل : الوجود إما واجب وإما ممكن ، والممكن لا بد له من واجب،
فيلزم ثبوت الواجب على التقديرين، فهو مثل أن يقال: الموجود إما قديم وإما
حادث ، والحادث لا بدله من قديم ، فيلزم ثبوت القديم على التقديرين،
والموجود إما غني وإما فقير ، والفقير لا بد له من الغني، فلزم وجود الغني على
التقديرين . والموجود إما قيوم بنفسه وإما غير قيوم، وغير القيوم لا بد له من
القيوم ؛ فلزم ثبوت القيوم على التقديرين . والموجود إما مخلوق وإما غير
مخلوق، والمخلوق لا بد له من خالق غير مخلوق؛ فلزم ثبوت الخالق غير المخلوق
على التقديرين ونظائر ذلك متعددة .
ثم يقال: هذا الواجب القديم الخالق إما أن يكون ثبوت الكمال الذى
لا نقص فيه للممكن الوجود ممكناً له، وإما أن لا يكون . والثانى ممتنع ؛ لأن
هذا ممكن للموجود المحدث الفقير الممكن ؛ فلأن يمكن للواجب الغنى القديم
بطريق الأولى والأخرى ؛ فإن كلاهما موجود . والكلام فى الكمال الممكن
الوجود الذی لا نقص فيه .
فإذا كان الكمال الممكن الوجود ممكناً للمفضول فلأن يمكن للفاضل
بطريق الأولى؛ لأن ما كان ممكناً لما هو فى وجوده ناقص، فلأن يمكن لما هو
٧٦

فى وجوده أكمل منه بطريق الأولى ، لا سيما وذلك أفضل من كل وجه فيمتنع
اختصاص المفضول من كل وجه بکمال لا يثبت للأفضل من كل وجه، بل ماقد
ثبت من ذلك للمفضول فالفاضل أحق به ؛ فلأن يثبت للفاضل بطريق الأولى.
ولأن ذلك الكمال إنما استفاده المخلوق من الخالق، والذى جعل غيره
كاملا هو أحق بالكمال منه ؛ فالذى جعل غيره قادراً أولى بالقدرة ، والذى
على غيره أولى بالعلم ، والذى أحيا غيره أولى بالحياة . والفلاسفة توافق على هذا،
ويقولون : كل كمال للمعلول فهو من آثار العلة والعلمة أولى به .
وإذا ثبت إمكان ذلك له؛ فما جاز له من ذلك الكمال الممكن الوجود فإنه
واجب له لا يتوقف على غيره، فإنه لو توقف على غيره لم يكن موجوداً له إلا
بذلك الغير، وذلك الغير إن كان مخلوقاً له لزم ((الدور القبلى)) الممتنع؛ فإن
ما فى ذلك الغير من الأمور الوجودية فهى منه، ويمتنع أن يكون كل من الشيئين
فاعلا للآخر ، وهذا هو ((الدور القبلى)) فإن الشيء يمتنع أن يكون فاعلا لنفسه،
فلأن يمتنع أن يكون فاعلاً لفاعله بطريق الأولى والأحرى.
وكذلك يمتنع أن يكون كل من الشيئين فاعلالما به يصير الآخر فاعلا،
ويمتنع أن يكون كل من الشيئين معطياً للآخر كماله؛ فإن معطي الكمال أحق
بالكمال؛ فيلزم أن يكون كل منهما أكمل من الآخر ، وهذا ممتع لذاته ، فإن
كون هذا أكمل يقتضي أن هذا أفضل من هذا ، وهذا أفضل من هذا، وفضل
أحدهما يمنع مساواة الآخر له، فلأن يمنع كون الآخر أفضل بطريق الأولى.
٧٧

وأيضاً فلو كان كماله موقوفاً على ذلك الغير: للزم أن يكون كماله موقوفاً
على فعله لذلك الغير ، وعلى معاونة ذلك الغیر فی کاله، ومعاونةذلك الغیر فی کماله
موقوف عليه ؛ إذ فعل ذلك الغير، وأفعاله موقوفة على فعل المبدع لا تفتقر إلى
غيره ، فيلزم أن لا يكون كماله موقوفاً على غيره.
فإذا قيل : كماله موقوف على مخلوقه : لزم أن لا يتوقف على مخلوقه ، وما
كان ثبوته مستلزماً لعدمه كان باطلاً من نفسه. وأيضاً فذلك الغير كل كمال له
فمنه، وهو أحق بالكمال منه، ولو قيل يتوقف كماله عليه لم يكن متوقفاً إلا على
ما هو من نفسه ، وذلك متوقف عليه لا على غيره .
وإن قيل : ذلك الغير ليس مخلوقاً بل واجباً آخر قديماً بنفسه. فيقال:
إن كان أحد هذين هو المعطي دون العكس، فهو الرب والآخر عبده.
وإن قيل: بل كل منهما يعطي للآخر الكمال: لزم ((الدور فى التأثير))
وهو باطل، وهو من ((الدور القبلي))، لا من ((الدور المعي الاقترانى)) فلا
يكون هذا كاملاً حتى يجعله الآخر كاملا، والآخر لا يجعله كاملاً حتى يكون
فى نفسه كاملا ؛ لأن جاعل الكامل كاملا أحق بالكمال ، ولا يكون الآخر كاملا
حتى يجعله كاملاً، فلا يكون واحد منهما كاملا بالضرورة ؛ فإنه أو قيل لا يكون
كاملا حتى يجعل نفسه كاملا ولا يجعل نفسه كاملا حتى يكون كاملا لكان ممتنعا؛
فكيف إذا قيل حتى يجعل ما يجعله كاملاً كاملا ؟ ! .
وإن قيل: كل واحد له آخر يكمله إلى غير نهاية: لزم ((التسلسل فى
٧٨

المؤثرات)) وهو باطل بالضرورة واتفاق العقلاء. فإن تقدير مؤثرات لا تتناهى:
ليس فيها مؤثر بنفسه لا يقتضي وجود شيء منها ، ولا وجود جميعها، ولا وجود
اجتماعها ، والمبدع للموجودات لا بد أن يكون موجوداً بالضرورة.
فلو قدر أن هذا كامل فكاله ليس من نفسه بل من آخر، وهلم جرا؛
للزم أن لا يكون لشيء من هذه الأمور كمال ؛ ولو قدر أن الأول كامل لزم
الجمع بين النقيضين ، وإذا كان كماله بنفسه لا يتوقف على غيره: كان الكال له
واجباً بنفسه، وامتنع تخلف شيء من الكال الممكن عنه؛ بل ما جاز له من
الكمال وجب له ، كما أقر بذلك الجمهور من أهل الفقه والحديث، والتصوف
والكلام والفلسفة وغيرهم ؛ بل هذا ثابت فى مفعولاته، فما شاء كان ،
وما لم يشأ لم يكن، وكان ممتنعاً بنفسه أو متنعاً لغيره؛ فهما ثم إلا موجود واجب
إما بنفسه وإما بغيره، أو معدوم إما لنفسه وإما لغيره ، والممكن إن حصل
مقتضيه التام: وجب بغيره ، وإلا كان ممتنعاً لغيره؛ والممكن بنفسه: إما واجب
لغيره ، وإما ممتنع لغيره.
وقد بين الله سبحانه أنه أحق بالكمال من غيره ، وأن غيره لا يساويه
فى الكمال ، فى مثل قوله تعالى: (أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ)؟
وقد بين أن الخلق صفة كمال، وأن الذى يخلق أفضل من الذي لا يخلق ، وأن
من عدل هذا بهذا فقد ظلم.
وقال تعالى: ( ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَّمْلُوكًا لَّا يَقْدِرُ عَلَى شَىْءٍ وَمَن زَزَقْنَهُ
٧٩

مِنَّارِزْقًّا حَسَنًا فَهُوَ يُنفِقُ مِنْهُ سِرًّاً وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُنَّ الْحَمْدُ لِلَّهِّ بَلْ أَكْثَرُهُمْ
لَا يَعْلَمُونَ ) فبين أن كونه مملوكا عاجزاً صفة نقص، وأن القدرة والملك
والإحسان صفة كمال، وأنه ليس هذا مثل هذا ، وهذا لله و [ذاك] لما يعبد
من دونه .
وقال تعالى: (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُ هُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَىْءٍ
وَهُوَ كَلُّ عَلَى مَوْلَنُهُ أَيْنَمَا يُوَجِهَةٌ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِى هُوَوَ مَن يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ
عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ) وهذا مثل آخر. فالأول مثل العاجز عن الكلام، وعن
الفعل الذي لا يقدر على شيء. والآخر المتكلم الآمر بالعدل الذي هو على
صراط مستقيم، فهو عادل فى أمره مستقيم فى فعله .
فبين أن التفضيل بالكلام المتضمن للعدل والعمل المستقيم، فإن مجرد
الكلام والعمل قد يكون محموداً ، وقد يكون مذموماً . فالمحمود هو الذي
يستحق صاحبه الحمد ، فلا يستوي هذا والعاجز عن الكلام والفعل .
وقال تعالى: (ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنفُسِكُمْ هَل لَّكُمْ مِنْ مَّا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ مِّنْ
شُرَكَآءَ فِ مَارَزَقْنَكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌتَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِهِكُمْأَنْفُسَكُمْ كَذَلِكَ
نُفَصِّلُ الْأَيَتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ).
يقول تعالى : إذا كنتم أنتم لا ترضون بأن المملوك يشارك مالكه
لما فى ذلك من النقص والظلم، فكيف ترضون ذلك لي وأنا أحق بالكال
والغنى منكم؟.
٨٠