Indexed OCR Text

Pages 1-20

وَصَ فَيَاوَى
-
شيخ الإسلام أحمد بن تيميّة
((قَدَّسَ اللَّهَ رُوحَهُ))
جَمْعْ وَتَرَتیبُ
عَبَدِ الرَّمِنْ مُحَمَّدُ بْقَاسْم «رَحْمَهُ الله)
وَسَاعَدَهُ أَبْنُهُ مُحَمَّد ((وَفَقَهُ اللّه))
المحلّ السّادسُ.
طُبعَ بِأمْر
خَادِ مِر ◌ُالْحَيْنِ الشَّرِفَيْن الملِكِ فَهْدِرْ عَبْدِ الْعَز ◌َلُود
أجْزَل اللَّه مَتُوبِتَه

طبعَت هذه الفتَاوى في
مُجَمِعْ لَلِ فَهْدِ لُطبَاعَةِ المُتِبِ الشَّرِيف
في المدينَةِ المنوّرة
تحت إشراف
وَزَارَةُ السُّنُؤُونِ الإِسْلامِيَّةِ وَالأَوْقَافِ وَاللَّهُوَةُ وَالأَرْشَادِ
بالمملَكَةِ العَرَبَيَّةِ السُّعُوديّةِ
عام ١٤٢٥ هـ - ٢٠٠٤م
مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، ١٤١٥ هـ.
فهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية
ابن تيميه ، أحمد بن عبد الحليم
فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيميه .
٦٣٢ ص ؛ ١٧ × ٢٤ سم
ردمك ٦-٢٠-٧٧٠-٩٩٦٠ ( مجموعة)
٥-٢٦ -٧٧٠-٩٩٦٠ (ج ٦)
أ - العنوان
١ - الفتاوى الإسلامية ٢- الفقه الحنبلي
١٥/٢٠٠٩
ديوي ٢٥٨,٤
رقم الإيداع : ١٥/٢٠٠٩
ردمك : ٦-٢٠ -٧٧٠ -٩٩٦٠ (مجموعة)
٥-٢٦-٧٧٠ -٩٩٦٠ ( ج ٦ )

الجزء الثاني من
كتاب
الأَسْمَّاء وَالصَّفَابْ

وقال شيخ الإسلام :-
أحمد بن تيمية
قدس الله روحه
فصل
((تقرب العبد إلى الله)) - فى مثل قوله: (وَأُسْجُدْ وَأَقْتَب) وقوله:
(اتَّقُواْ اللَّهَ وَابْتَغُوْاْ إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ) وقوله: (أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى
رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ) وقوله: (فَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُفَرَّبِينَ ) .
وقول النبي صلى الله عليه وسلم فيما يروي عن ربه: ((من تقرب إلي شبرا
تقربت إليه ذراعا)) الحديث. وقوله: ((ما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضت
عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه)) الحديث.
وكذلك («القربان)» كقوله: ( إِذْ قَرَّبَ قُرْبَانَا فَتُقُئِلَ مِنْ أَحَدِهِمَا ) . وقوله:
(حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُ النَّارُ) . ونحو ذلك - لا ريب أنه بعلوم وأعمال
يفعلها العبد، وفى ذلك حركة منه وانتقال من حال إلى حال .
٥

ثم لا يخلو مع ذلك: إما أن روحه وذاته تتحرك أو لا تتحرك ؛ وإذا
تحركت: فإما أن تكون حركتها إلى ذات الله أو إلى شىء آخر، وإذا كانت إلى
ذات الله بقى النظر فى قرب الله إليه ودنوه وإتيانه ومجيئه؛ إما جزاء على قرب
العبد، وإما ابتداء كنزوله إلى سماء الدنيا .
(فالأول): قول ((المتفلسفة)) الذين يقولون: إن الروح لا داخل
البدن ولا خارجه، وإنها لا توصف بالحركة ولا بالسكون، وقد تبعهم على ذلك
قوم ممن ينتسب إلى الملة .
فهؤلاء عندم قرب العبدودنوه إزالة النقائص والعيوب عن نفسه، وتكميلها
بالصفات الحسنة الكريمة، حتى تبقى مقاربة للرب ، مشابهة له من جهة المعنى ،
ويقولون: الفلسفة التشبه بالإله على قدر الطاقة؛ فأما حركة الروح فممتنعة عندم.
وكذلك يقولون: فى قرب الملائكة. والذي أثبتوه من تزكية النفس عن
العيوب، وتكميلها بالمحاسن حق فى نفسه ؛ لكن نفيهم مازاد على ذلك خطأ ؛
لكنهم يعترفون بحركة جسمه إلى المواضع التى تظهر فيها آثار الرب كالمساجد
والسماوات والعارفين.
وعند هؤلاء معراج النبي صلى الله عليه وسلم إنما هو انكشاف حقائق
الكون له، كما فسره بذلك ابن سينا ومن اتبعه، كعين القضاة (١) وابن الخطيب
فى ((المطالب العالية)).
(١) كذا رسمها بالأصل .
٦

(الثاني ) قول المتكلمة الذين يقولون: إن الله ليس فوق العرش. وإن
نسبة العرش والكرسي إليه سواء، وإنه لا داخل العالم ولا خارجه؛ لكن يثبتون
حركة العبد والملائكة فيقولون: قرب العبد إلى الله حركة ذاته إلى الأماكن
المشرفة عند الله، وهي السموات وحملة العرش والجنة، وبذلك يفسرون معراج
النبى صلى الله عليه وسلم، ويتفق هؤلاء والذين قبلهم فى حركة بدن العبد إلى
الأماكن المشرفة، كثبوت ((العبادات))، وإنما النزاع فى حركة نفسه.
ويسلم الأولون ((حركة النفس)) بمعنى تحولها من حال إلى حال ؛ لا بمعنى
الانتقال من موضع إلى موضع، واتفاقهم على حركة الجسم وحركة الروح أيضاً
عند الآخرين إلى كل مكان تظهر فيه معرفة الله ، كالسموات والمساجد وأولياء
الله، ومواضع أسماء الله وآياته، فهو حركة إلى (١)
(الثالث): قول: ((أهل السنة والجماعة)) الذين يثبتون أن الله على
العرش ، وأن حملة العرش أقرب إليه ممن دونهم ، وأن ملائكة السماء العليا
أقرب إلى الله من ملائكة السماء الثانية، وأن النبى صلى الله عليه وسلم لما عرج
به إلى السماء صار يزداد قرباً إلى ربه بعروجه وصعوده ، وكان عروجه إلى الله،
لا إلى مجرد خلق من خلقه، وأن روح المصلى تقرب إلى الله فى السجود، وإن
كان بدنه متواضعاً. وهذا هو الذي دلت عليه نصوص الكتاب.
(١) سقط فى الأصل .
٧

ثم ((قرب الرب من عبده)) هل هو من لوازم هذا القرب، كما أن المتقرب
إلى الشىء الساكن كالبيت المحجوج، والجدار والجيل، كما قربت منه قرب
منك ؟ أو هو قرب آخر يفعله الرب كما أنك إذا قربت إلى الشىء المتحرك إليك
تحرك أيضاً إليك فمنك فعل ومنه فعل آخر. هذا فيه قولان ((لأهل السنة))
مبنيان على ما تقدم من (قاعدة الصفات الفعلية) كمسألة النزول وغيرها ، وقد
تقدم الكلام فى ذلك .
وعلى هذا فما روى من قرب الرب إلى خواص عباده ونجليه لقلوبهم ،
كما فى ((الزهد لأحمد)) أن موسى قال: يارب أين أجدك؟ قال: ((عند المنكسرة
قلوبهم من أجلي ، أقترب إليها كل يوم شبراً ولولا ذلك لاحترقت )). هذا
القرب عند المتفلسفة والجهمية هو مجرد ظهوره وتجليه لقلب العبد ، فهو
قرب المثال .
ثم المتفلسفة لا تثبت حركة الروح ، والجهمية تسلم جواز حركة الروح
إلى مكان عال ، وأما أهل السنة فعندم مع التجلي والظهور تقرب ذات العبد
إلى ذات ربه ، وفى جواز دنو ذات الله القولان ، وقد بسطت هذا فى غير
هذا الموضع.
وعلى مذهب ((النفاة)) من المتكلمة لا يكون إتيان الرب ومجيئه ونزوله،
إلا نجليه وظهوره لعبده. إذا ارتفعت الحجب المتصلة بالعبد المانعة من المشاهدة
الباطنة أو الظاهرة ، بمنزلة الذي كان أعمى أو أعمش فزال عماه فرأى الشمس
٨

والقمر، فيقول: جاءفي الشمس والقمر، وهذا قول ((النفاة)) من المتفلسفة
والمعتزلة والأشعرية؛ لكن الأشعرية يثبتون من الرؤية ما لا يثبته المعتزلة، ومنهم
من يوافقهم فى المعنى الذي قصدوه.
وأما على مذهب ((أهل السنة والجماعة)) من السلف ، وأهل الحديث،
وأهل المعرفة، ومن اتبعهم من الفقهاء والصوفية، والعامة وأهل الكلام أيضاً ؛
فإن نزوله وإتيانه ومجيئه قد يكون بحركة من العبد وقرب منه ، ودنوّ إليه ، وهو
قدر زائد على انكشاف بصيرة العبد، فإن هذا على وعندم يكون ذلك بعلم من
العبد ويعمل منه فهو كشف وعمل .
ولا ينكر الأشعرية ونحوم من أهل الكلام أن يكون من العبد حركة،
فإن ذلك ممكن ، وإنما قد ينكرون حركته إلى الله كما تقدم ، وقد شبه بعضهم
مجيء الله بقوله: (وَأَعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْنِيَكَ الْيَقِيُ ) أي الموقن به من الموت
وما بعده .
) وقوله:
قلت : هذا مثل قوله: ( فَإِذَاجَاءَتِالطَّامَةُ الْكُبْرَى
(فَإِذَا جَاءَتِ الصَّلَفَّةُ) وقوله: (فَقَدْجَاءَ أَشْرَاطُهَا ) وجعل فى ذلك هو
ظهوره وتجليه .
قلت : وليس هو مجرد ظهوره ونجليه ، وإن كان متضمناً لذلك ؛ بل هو
متضمن لحركة العبد إليه ، ثم إن كان ساكناً كان مجيئه من لوازم مجيء العبد
إليه ، وإن كان فيه حركة كان مجيئه بنفسه أيضاً وإن كان العبد ذاهباً إليه وهكذا
٩

مجيء اليقين، ومجيء الساعة (١) . وفى جانب الربوبية يكون بكشف حجب
ليست متصلة بالعبد، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( حجابه النور
- أو النار - لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما أدركه بصره من خلقه))
فهي حجب تحجب العباد عن الإدراك ، كما قد يحجب الغمام والسقوف عنهم
الشمس والقمر ، فإذا زالت تجلت الشمس والقمر .
وأما حجبها الله عن أن يرى ويدرك فهذا لا يقوله مسلم ؛ فإن الله لا يخفى
عليه مثقال ذرة فى الأرض ولا في السماء. وهو يرى دبيب النملة السوداء على
الصخرة الصماء فى الليلة السوداء، ولكن يحجب أن تصل أنواره إلى مخلوقاته كما
قال: ((لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه ما أدركه بصره من خلقه)) فالبصر
يدرك الخلق كلهم، وأما السبحات فهي محجوبة بحجابه النور أو النار.
والجهمية لا تثبت له حجباً أصلاً ؛ لأنه عندهم ليس فوق العرش ، ويروون
الأثر المكذوب عن علي ((أنه سمع قصاباً يحلف ، لا والذي احتجب بسبع
سموات فعلاه بالدرة، فقال: يا أمير المؤمنين أ كفر عن يمينى؟ قال لا؛ ولكنك
حلفت بغير الله)). فهذا لا يعرف له إسناد، ولو ثبت كان علي قد فهم من المتكلم
أنه عنى أنه محتجب عن إدراكه لخلقه فهذا باطل قطعاً ؛ بخلاف احتجابه عن
إدراك خلقه له .
(١) كلمتان بالأصل تشيران إلى شيء مفقود من صفحات المجلد.
١٠

ويدل على ذلك الحديث الصحيح: (( إذا دخل أهل الجنة الجنة نادى
مناد، يا أهل الجنة: إن لكم عندالله موعداً يريد أن ينجزكموه. فيقولون: ماهو؟
ألم يبيض وجوهنا؛ ويثقل موازيننا ، ويدخلنا الجنة ويجرنا من النار ؟ قال :
فيكشف الحجاب فينظرون إليه ، فما أعطام شيئاً أحب إليهم من النظر إليه
وهي «الزيادة )).
وعند من أثبت الرؤية من المتجهمة أن حجاب كل أحد معه ، وكشفه خلق
الإدراك فيه، لا أنه حجاب منفصل.
وأما إتيانه ونزوله، ومجيئه بحركة منه وانتقال : فهذا فيه القولان لأهل
السنة من أصحابنا وغيرهم، والله أعلم.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله وسلم تسليماً.
١١

و قال الشيخ رحمه الله تعالى" :-
الذين يجعلون الفلسفة هي التشبيه بالإله على قدر الطاقة، ويوجد ((هذا
التفسير )) فى كلام طائفة كأبى حامد الغزالي وأمثاله ؛ ولا يثبت هؤلاء قرباً
حقيقياً - وهو القرب المعلوم المعقول - ومن جعل قرب عباده المقربين ليس
إليه؛ وإنما هو إلى ثوابه وإحسانه ، فهو معطل مبطل .
وذلك أن توابه وإحسانه يصل إليهم ويصلون إليه ، ويباشرهم ويباشرونه
بدخوله فيهم ودخولهم فيه بالأكل واللباس ، فإذا كانوا يكونون فى نفس جنته
ونعيمه وثوابه كيف يجعل أعظم الغايات قربهم من إحسانه؟! ولاسيما والمقربون
ثم فوق أصحاب اليمين الأبرار، الذين كتابهم فى عليين ( وَمَا أَدْرَئِكَ مَا عِلَيُونَ *
كِتَبُ فَرْقُومٌ * يَشْهَدُهُ الْقُرَبُونَ * إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِى نَعِيمِ * عَلَى الْأَرَّبِكِ يَنْظُرُونَ * تَعْرِفُ فِى
وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ * يُسْقَوْنَ مِن رَّحِيقِ مَخْتُومٍ * خِتَمُهُ مِسْكٌ وَفِ ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ
اُلْمُنَنَفِسُونَ * وَمِنَاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ * عَيْنَايَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ ).
قال ابن عباس: (يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّتُونَ ) صرفاً، وتمزج لأصحاب
الیمین مزجا .
(١) من دشت فى المكتبة الظاهرية من الكواكب الدرارى .
١٢

فقد أخبر أن الأبرار فى نفس النعيم ، وأنهم يسقون من الشراب الذي
وصفه الله تعالى، ويجلسون على الأرائك ينظرون، فكيف يقال: إن المقربين
- الذين م أعلى من هؤلاء بحيث يشربون صرفها ويمزج لهؤلاء مزجا - إنما
تقريبهم هو مجرد النعيم الذى أولئك فيه؟ هذا مما يعلم فساده بأدنى تأمل.
(المسألة الثانية) فى ((قربه)) الذى هو من لوازم ذاته: مثل العلم والقدرة
فلا ريب أنه قريب بعلمه وقدرته وتدبيره من جميع خلقه، لم يزل بهم عالما
ولم يزل عليهم قادراً ، هذا مذهب جميع أهل السنة وعامة الطوائف، إلا من
ينكر علمه القديم من القدرية والرافضة ونحوم ، أو ينكر قدرته على الشيء
قبل كونه من الرافضة والمعتزلة وغيرهم.
((وأما قربه بنفسه من مخلوقاته)) قرباً لازماً فى وقت دون وقت ؛ ولا
يختص به شيء : فهذا فيه للناس قولان .
فمن يقول هو بذاته فى كل مكان يقول بهذا ، ومن لا يقول بهذا لهم أيضاً
فيه قولان .
(أحدهما ) إثبات هذا القرب ، وهو قول طائفة من المتكلمين والصوفية
وغيرهم ، يقولون: هو فوق العرش، ويثبتون هذا القرب.
وقوم يثبتون هذا القرب؛ دون كونه على العرش . وإذا كان قرب عباده
منه نفسه وقربه منهم ، ليس ممتعاً عند الجماهير من السلف وأتباعهم من أهل
الحديث، والفقهاء، والصوفية وأهل الكلام، لم يجب أن يتأول كل نص فيه
١٣

ذكر قربه من جهة امتناع القرب عليه، ولا يلزم من جواز القرب عليه أن يكون
كل موضع ذكر فيه قربه يراد به قربه بنفسه، بل يبقى هذا من الأمور الجائزة
وينظر فى النص الوارد ، فإن دل على هذا حمل عليه، وإن دل على هذا حمل
عليه ، وهذا كما تقدم فى لفظ الإتيان والمجيء.
وإن كان فى موضع قد دل عندم على أنه هو يأتى ففى موضع آخر دل على
أنه يأتى بعذابه، كما فى قوله تعالى: (فَأَنَى اللَّهُ بُلْيَنَهُمْ مِنَ اْلْقَوَاعِدِ)،
وقوله تعالى: (فَأَنَنُهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْنَسِبُواْ).
فتدبر هذا ! فإنه كثيراً ما يغلط الناس فى هذا الموضع ، إذا تنازع النفاة
والمثبتة فى صفة ودلالة نص عليها يريد المريد أن يجعل ذلك اللفظ - حيث
ورد - دالا على الصفة وظاهراً فيها .
ثم يقول النافى: وهناك لم تدل على الصفة فلا تدل هنا .
وقد يقول بعض المثبتة : دلت هنا على الصفة فتكون دالة هناك؛ بل لما
رأوا بعض النصوص تدل على الصفة، جعلوا كل آية فيها ما يتوهمون أنه
يضاف إلى الله تعالى - إضافة صفة - من آيات الصفات، كقوله تعالى: ( فَرَّطَتُ
فِى جَتْبِ اللَّهِ ) .
وهذا يقع فيه طوائف من المثبتة والنفاة ، وهذا من أكبر الغلط ، فإن
الدلالة فى كل موضع بحسب سياقه. وما يحف به من القرائن اللفظية والحالية،
١٤

وهذا موجود فى أمر المخلوقين براد بألفاظ الصفات منهم فى مواضع كثيرة
غير الصفات .
وأنا أذكر لهذا مثالين نافعين (أحدهما صفة الوجه) فإنه لما كان إثبات هذه
الصفة مذهب أهل الحديث ، والمتكلمة الصفاتية: من الكلابية ، والأشعرية،
والكرامية، وكان نفيها مذهب الجهمية : من المعتزلة وغيرم، ومذهب بعض
الصفاتية من الأشعرية وغيرهم ، صار بعض الناس من الطائفتين كما قرأ آية فيها
ذكر الوجه جعلها من موارد النزاع ، فالمثبت يجعلها من الصفات التى لا تتأول
بالصرف، والنافى يرى أنه إذا قام الدليل على أنها ليست صفة فكذلك غيرها .
(مثال ذلك) قوله تعالى: (وَلَِّالْمَشْرِقُ وَالْغْرِبُ فَأَتْنَمَا تُوَلُّوا فَشَمَّ وَجْهُ اللّهِ)
أدخلها فى آيات الصفات طوائف من المثبتة والنفاة، حتى عدها ((أولئك)) كابن
خزيمة مما يقرر إثبات الصفة، وجعل ((النافية)) تفسيرها بغير الصفة حجة لهم فى
موارد النزاع.
ولهذا لما اجتمعنا فى المجلس المعقود وكنت قد قلت : أمهلت كل من
خالفنى ثلاث سنين، إن جاء بحرف واحد عن السلف يخالف شيئاً مما ذكرته
كانت له الحجة، وفعلت، وفعلت ، وجعل المعارضون يفتشون الكتب،
فظفروا بما ذكره البيهقى فى كتاب ((الأسماء والصفات)) فى قوله تعالى: ( وَللَّهِ
الْمَشْرِقُ وَالْغْرِبُّ فَيْنَمَا تُوَلُوا فَمَّ وَجْهُ اللَّهِ )، فإنه ذكر عن مجاهد والشافعي أن
المراد قبلة الله، فقال أحد كبرائهم - فى المجلس الثاني - قد أحضرت نقلاً عن
السلف بالتأويل ، فوقع فى قلبى ما أعد ، فقلت: لعلك قد ذكرت ما روى
١٥

فى قوله تعالى: (وَلِلَّهِالْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ الَّهِ )، قال: نعم.
قلت : المراد بها قبلة الله ، فقال: قد تأولها مجاهد والشافعى وهما من السلف.
ولم يكن هذا السؤال يرد علي؛ فإنه لم يكن شيء مما ناظروني فيه صفة الوجه
ولا أثبتها ، لكن طلبوها من حيث الجملة وكلامي كان مقيداً كما فى الأجوبة ،
فلم أر إحقاقهم فى هذا المقام، بل قلت هذه الآية ليست من آيات الصفات أصلا،
ولا تندرج فى عموم قول من يقول: لا تؤول آيات الصفات .
قال: أليس فيها ذكر الوجه ؟! فلما قلت : المراد بها قبلة الله. قال: أليست
هذه من آيات الصفات؟ قلت : لا. ليست من موارد النزاع، فإني إنما أسلم أن
المراد بالوجه - هنا - القبلة، فإن ((الوجه)) هو الجهة فى لغة العرب، يقال: قصدت
هذا الوجه، وسافرت إلى هذا ((الوجه))، أى: إلى هذه الجهة، وهذا كثير
مشهور، فالوجه هو الجهة. وهو الوجه: كما فى قوله تعالى: ( وَلِكُلِّ وِجْهَةُ هُوَ
مُوَلِّهَا )، أى متوليها، فقوله تعالى: (وِجْهَةُ هُوَمُوَلِّهَا) كقوله: (فَأَيْنَمَا تُوَلُوا فَثَمَّ
وَجْهُ اللَّهِ)، كلتا الآيتين فى اللفظ والمعنى متقاربتان، وكلاهما فى شأن القبلة،
والوجه والجهة هو الذي ذكر فى الآيتين: أنا نوليه: نستقبله.
قلت : والسياق يدل عليه، لأنه قال: (فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا) وأين من الظروف،
وقولوا أى تستقبلوا. فالمعنى: أى موضع استقبلتموه فهنالك وجه الله، فقد
جعل وجه الله فى المكان الذى يستقبله، هذا بعد قوله: (وَلَِّالْمَشْرِقُ
وَالْغْرِبُ ) وهي الجهات كلها ، كما فى الآية الأخرى: ( قُل لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُّ
يَهْدِى مَن يَشَآءُ إِلَى صِرَطٍ مُسْتَقِيمٍ).
١٦

فأخبر أن الجهات له، فدل على أن الإضافة إضافة تخصيص وتشريف؛ كأنه
قال جهة الله وقبلة الله . ولكن من الناس من يسلم أن المراد بذلك جهة الله أى قبلة
الله، ولكن يقول: هذه الآية تدل على الصفة وعلى أن العبد يستقبل ربه ، كما
جاء فى الحديث: ((إذا قام أحدكم إلى الصلاة فإن الله قبل وجهه))، وكما فى قوله :
(( لا يزال الله مقبلاً على عبده بوجهه ما دام مقبلاً عليه، فإذا انصرف صرف
وجهه عنه))؛ ويقول: إن الآية دلت على المعنيين . فهذا شىء آخر ليس
هذا موضعه .
والغرض أنه إذا قيل: ((قثم قبلة الله)) لم يكن هذا من التأويل المتنازع فيه ؛
الذي ينكره منكرو تأويل آيات الصفات ؛ ولا هو مما يستدل به عليهم المثبتة،
فإن هذا المعنى صحيح فى نفسه، والآية دالة عليه، وإن كانت دالة على ثبوت صفة
فذاك شيء آخر، ويبقى دلالة قولهم: (فثم وجه اللّه) على فثم قبلة الله، هل
هو من باب تسمية القبلة وجهاً باعتبار أن الوجه والجهة واحد ؟ أو باعتبار
أن من استقبل وجه الله فقد استقبل قبلة الله ؟ فهذا فيه بحوث ليس
هذا موضعها .
(والمثال الثاني): لفظة ((الأمر)) فإن الله تعالى لما أخبر بقوله: ( إِنَّمَآ
أَمْرُهُ: إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ،َكُنْ فَيَكُونُ )، وقال: (أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ)
واستدل طوائف من السلف على أن الأمر غير مخلوق، بل هو كلامه وصفة من
صفاته بهذه الآية وغيرها ، صار كثير من الناس يطرد ذلك فى لفظ الأمر حيث
ورد، فيجعله صفة ، طرداً للدلالة ، ويجعل دلالته على غير الصفة نقضاً لها،
١٧

وليس الأمر كذلك؛ فبينت فى بعض رسائلي: أن الأمر وغيره من الصفات
يطلق على الصفة تارة وعلى متعلقها أخرى؛ ((فالرحمة)) صفة لله، ويسمى ما خلق
رحمة، والقدرة من صفات الله تعالى ويسمى ((المقدور)) قدرة، ويسمى تعلقها
((بالمقدور)) قدرة، والخلق من صفات الله تعالى ويسمى خلقاً، والعلم من صفات
الله ويسمى المعلوم أو المتعلق علماً؛ فتارة يراد الصفة، وتارة يراد متعلقها ، وتارة
يراد نفس التعلق .
و ((الأمر)» مصدر فالمأمور به يسمى أمراً، ومن هذا الباب سمي عيسى
- صلى الله عليه وسلم - كلمة ؛ لأنه مفعول بالكلمة وكائن بالكلمة ، وهذا
هو الجواب عن سؤال الجهمية لما قالوا : عيسى كلمة الله فهو مخلوق، والقرآن إذا
كان كلام الله لم يكن إلا مخلوقاً؛ فإن عيسى ليس هو نفس كلمة الله ، وإنما سمي
بذلك لأنه خلق بالكلمة على خلاف سنة المخلوقين ، فرقت فيه العادة، وقيل
له: كن فكان. والقرآن نفس كلام الله.
فمن تدبر ما ورد فى ((باب أسماء الله تعالى وصفاته)) وأن دلالة ذلك فى بعض
المواضع على ذات الله، أو بعض صفات ذاته ، لا يوجب أن يكون ذلك هو
مدلول اللفظ حيث ورد ، حتى يكون ذلك طرداً للمثبت ونقضاً للنافى ؛ بل ينظر
فى كل آية وحديث بخصوصه وسياقه وما يبين معناه من القرآن والدلالات،
فهذا أصل عظيم مهم نافع فى باب فهم الكتاب والسنة والاستدلال بهما مطلقاً
ونافع فى معرفة الاستدلال والاعتراض والجواب، وطرد الدلیل ونقضه، فهو
١٨

نافع فى كل على خبري أو إنشائي ، وفى كل استدلال، أو معارضة: من الكتاب
والسنة ، وفى سائر أدلة الخلق.
فإذا كان العبد لا يمتنع أن يتقرب من ربه وأن يقرب منه ربه بأحد
المعنيين المتقدمين ، أو بكليهما ؛ لم يمتنع حمل النص على ذلك إذا كان دالا عليه،
فإن لم يكن دالا عليه لم يجز حمله ، وإن احتمل هذا المعنى وهذا المعنى وقف.
نجواز إرادة المعنى فى الجملة غير كونه هو المراد بكل نص.
وأما قربه اللازم من عباده: بعلمه وقدرته وتدبيره فقد تقدم. وتقدم ذ کر
الخلاف فى قربه بنفسه قرباً لازماً ، وعرف المتفق عليه والمختلف فيه: من قربه
العارض، واللازم؛ فقوله سبحانه: ( وَلَقَدْ خَلَقْنَا ◌َلْإِنسَنَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ
بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ )، من الناس طوائف عندهم لا يحتاج
إلى تأويل، ومنهم من يحوجها إلى التأويل. ثم أقول هذه الآية لا تخلو إما
أن يراد بها قربه سبحانه؛ أو قرب ملائكته؛ كما قد اختلف الناس فى ذلك،
فإن أريد بها قرب الملائكة فقوله: ( إِذْيَنَقَّ الْمُتَّقِيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشَّمَالِ فَعِيدٌ )؛
فيكون الله سبحانه وتعالى قد أخبر بعلمه هو سبحانه بما فى نفس الإنسان،
وأخبر بقرب الملائكة الكرام الكاتبين منه .
ودليل ذلك قوله تعالى: ( وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ * إِذْيَلَقَّى
(
ففسر ذلك بالقرب الذي هو حين بتلقى المتلقيان ، وبأي معنى ، فسر ؛ فإن علمه
وقدرته عام التعلق ، وكذلك نفسه سبحانه لا يختص بهذا الوقت ، وتكون هذه
١٩

الآية مثل قوله تعالى: ( أَمْيَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَانُهُمْ بَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ
يَكْثُبُونَ ). ومنه قوله فى أول السورة: (قَدْ عَلِمْنَا مَا نَقُصُ اَلْأَرْضُ مِنْهُمِّ وَعِندَنَكِتَبَّ
حَفِيظُ ).
وعلى هذا فالقرب لا مجاز فيه . وإنما الكلام فى قوله تعالى: ( وَنَحْنُ
أَقْرَبُ ) حيث عبر بها عن ملائكته ورسله ، أو عبر بها عن نفسه، أو عن
ملائكته، ولكن قرب كل بحسبه . فقرب الملائكة منه تلك الساعة ، وقرب الله
تعالى منه مطلق؛ كالوجه الثاني إذا أريد به الله تعالى ، أي : نحن أقرب إليه
من حبل الوريد ؛ فيرجع هذا إلى القرب الذاتي اللازم. وفيه القولان.
(أحدهما ) : إثبات ذلك، وهو قول طائفة من المتكلمين والصوفية.
(والثاني) : أن القرب هنا بعلمه؛ لأنه قد قال: ( وَلَقَدْ خَلَقْنَا آلْإِنسَنَ
وَتَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِ نَفْسُهُ وَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ ) ؛ فذكر لفظ العلم هنا دل
على القرب بالعلم.
ومثل هذه الآية حديث أبي موسى: ((إنكم لا تدعون أصم ولا غائباً إنما
تدعون سميعاً قريباً، إن الذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته)) ؛
فالآية لا تحتاج إلى تأويل القرب فى حق الله تعالى إلا على هذا القول، وحينئذ
فالسياق دل عليه ، وما دل عليه السياق هو ظاهر الخطاب ؛ فلا يكون من
موارد النزاع . وقد تقدم أنا لا نذم كل ما يسمى تأويلاً مما فيه كفاية ، وإنما
٢٠