Indexed OCR Text

Pages 301-320

وأيضاً فلو قدر أن إثبات هذا التقدير ممكن كان هذا من باب المعارضة ؛ لامن
باب منع شيء من المقدمات ، والمعارضة تحتاج إلى إقامة الدليل ابتداء وسوف
تكلم على ذلك.
ولو قال المعترض: أنا أمنح صحة التقسيم وأجعل هذا سند منعي لم يصح؛
لأنه يقال: المنح إما أن يكون مقدمة لم يدل عليها ، والمستدل قد بين صحة التقسيم
بالضرورة فلا يصح منعه ، لكن إذا أثبت إمكان وجود موجود لا داخل العالم
ولا خارجه كان هذا استدلالاً على نقيض قول المنازع ، وحينئذ يكون غاصباً
لمنصب الاستدلال ؛ فإن الغصب هو منع المقدمة بإثبات نقيض المطلوب .
وحقيقته أنه يقول : لو صح دليل المستدل لفسدمذهبى، ومذهبى لم يفسد
لكيت وكيت ؛ فهذا غصب لمنصب الاستدلال فلا يقبل. وهكذا هذا: إذا
منع التقسيم بإثبات هذا التقدير ؛ فهذا التقدير هو مذهبه؛ إذ يدعي وجود
موجود لا يقبل هذا التقسيم، وهذا محل النزاع . فإذا استدل على إمكانه كان
غاصباً فلا يقبل منه، فتبين أن الدلالة تامة .
وصار هذا الاعتراض بمنزلة أن يقال : إذا قدر موجود ليس بقديم ولا
محدث لم يصح تقسيم الموجود إلى محدث وقديم ؛ وإذا قدر موجود ليس
بواجب ولا ممكن، ولا قائم بنفسه ولا قائم بغيره، لم يصح تقسيم الموجود إلى
الواجب والممكن والقائم بنفسه والقائم بغيره ، ومعلوم أن التقسيم المعلوم
٣٠١

بالاضطرار لا يفسد بتقدير نقيضه أو ما يستلزم نقيضه ، وإنما يفسد التقسيم
بثبوت ما يناقضه، فإذا كان المناقض لا يعلم إلا بالنظر لم يصح أن يكون مناقضاً،
فعلم أن هذا من باب معارضة الضرورى بالنظرى، فلا يكون مقبولاً ولا
يكون حقاً .
ثم للناس فى هذا المقام (أربعة أجوبة ):
قول من يقول: هذا التقسيم معقول مطلقاً - وهذا التقدير لا أتكلم فى
ثبوته ولا نفيه ؛ لأن ذلك يقدح فى الضروريات بالنظريات وذلك غير مقبول
بمنزلة حجج السوفسطائية ؛ فإن ما علمناه بالاضطرار وقدح فيه بعض الناس
بالنظر والجدل لم يكن علينا أن نجيب عن المعارض جواباً مفصلاً يبين حاله،
بل يكفينا أن نعلم أنه فاسد لأنه عارض الضرورى ، وما عارضه فهو فاسد
- وهذا جواب خلق كثير من أهل الحديث والفقه والكلام وغيرهم
عن مثل هذا .
وهؤلاء يقول أحدهم : لا أقول : إنه متحيز ولا غير متحيز ، ولا فى جهة
ولا فى غير جهة، بل أعلم أنه مباين للعالم وأنه يمتنع أن يكون لامبائناً ولا مداخلاً.
وهذا كما قال القرمطي الباطني: لا أقول: هو موجود ولا معدوم، ولا عالم
ولا جاهل ، ولا قادر ولا عاجز؛ لأن ذلك من صفات الأجسام؛ فإن الجسم
ينقسم إلى حى وميت ، وعالم وجاهل ، وقادر وعاجز ، وموجود ومعدوم ، فإذا
٣٠٢

قدرنا ما ليس بجسم لم يكن عالماً ولا جاهلاً، ولا قادراً ولا عاجزاً، ولا حياً
ولا ميتاً ، كان كلام القرمطي هذا بمنزلة كلام هؤلاء الجهمية ؛ أنه لا داخل
العالم ولا خارجه .
وقول جهم والقرامطة من جنس واحد ؛ كما نقله عن الفريقين أصحاب
المقالات، وقالوا : إنه لا يقال : هو شيء ولا ليس بشيء فمن نفي عنه هذه
المتقابلات التى لابد للموجود من أحدهما لم يمكنه قطع القرامطة؛ ولهذا كانت
مناظرة هؤلاء للقرامطة مناظرة ضعيفة كما هو مبسوط فى موضعه .
( الجواب الثانى): قول من يقول ؛ بل أقول: إنه ليس بمتحيزولافى جهة،
وأقول مع ذلك: إنه مباين للعالم. وهذا قول من يقول : إنه فوق العالم وليس
بجسم ولا جوهر ولا متحيز ؛ كما يقول ذلك من يقوله من الكلابية، والأشعرية
والكرامية، ومن وافقهم من الفقهاء أتباع الأئمة الأربعة ، وأهل الحديث
والصوفية .
فإذا قيل لهؤلاء: إثبات مباين ليس بمتحيز مخالف لضرورة العقل ، قالوا:
إثبات موجود لا محايث ولا مباين أظهر فساداً فى ضرورة العقل من هذا ؛ فإن
كان قضاء العقل مقبولا كان قولكم فاسداً ، وحينئذ حصل المطلوب من كونه
مباينا للعالم. وإن كان قضاء العقل مردوداً بطلت حجتكم على إيطال قولنا: إنه
فوق العالم مباين له ، وليس بجسم ولا جوهر ، وإذا لم يكن ثم حجة على بطلان
٣٠٣

كونه فوق العالم لم يجز نفى ذلك ؛ وحينئذ فالسمعيات قد دلت على ذلك مع
الفطرة، فلزم على هذا التقدير أن يكون مبايناً للعالم.
فهذا ((تحقيق جيد)) قد تقدم التنبيه عليه أيضاً؛ فإن هؤلاء النفاة يجعلون
العقل حجة لهم ولا يجعلونه حجة عليهم ، ويحتجون على خصومهم بقضايا ضرورية
ويخالفونهم فى القضايا الضرورية فما هو أبين منها، وكل ما يطعنون به حجة
على مخالفتهم : مثل قولهم : هذا من قضايا الوم والخيال ؛ لا من قضايا العقل،
فيطعن به فى حجتهم هذه. فيقال : نفيكم لوجود موجود مباين ليس بجسم ولا
متحيز هو من قضايا الوم والخيال ؛ لا من قضايا العقل ، فليتدبر الفاضل
هذا المقام .
(الجواب الثالث ): قول من يلتزم أنه متحيز أو فى جهة، أو أنه جسم،
ويقول : لا دلالة على نفى شىء من ذلك ، وأدلة النفاة لذلك أدلة فاسدة ؛ فإنهم
متفقون على أن نفي ذلك ليس معلوماً بالضرورة وإنما يدعون النظر، ونفاة ذلك
لم يتفقوا على دليل واحد ، بل كل واحد منهم يطعن فى دليل الآخر - فالفلاسفة
الذين ينفون ذلك بناء على نفي الصفات يطعن النفاة من أهل الكلام مع
غيرم - من العقلاء وأهل الإثبات - فى أدلتهم بالطعون المعروفة التى تبين فساد
أدلتهم ؛ والمتكلمون الذين ينفون ذلك يطعنون على الفلاسفة النفاة .. مع غيرهم
من العقلاء وأهل الإثبات - فى أدلتهم، وهو الدليل المبنى على حدوث ما قامت
به الأعراض والأفعال.
٣٠٤

والكلام على أقوال أهل الإثبات المثبتة لفساد أدلة النفاة ، وما فى هذه
المواضع من الأقوال المشتبهة، والكلام الدقيق، والبحوث العقلية: مبسوط
مذكور فى غير هذا الموضع.
(الجواب الرابع) : جواب أهل الاستفصال ، وهم الذين يقولون: لفظ
((التحيز)) و ((الجهة)) و ((الجوهر)) ونحو ذلك ألفاظ مجملة ليس لها أصل فى
كتاب الله ولا فى سنة رسول الله، ولا قالها أحد من سلف الأمة وأئمتها : فى حق
الله تعالى ؛ لا نفياً ولا إثباتاً .
وحينئذ فإطلاق القول بنفيها أو إثباتها ليس من مذهب ((أهل السنة
والجماعة)) بلا ريب ، ولا عليه دليل شرعي ؛ بل الإطلاق من الطرفين مما ابتدعه
«أهل الكلام)) الخائضون فى ذلك، فإذا تكلمنا معهم بالبحث العقلي استفصلنام
عما أرادوه بهذه الألفاظ.
فإن قال المثبت: المراد بكونه متحيزاً وجسماً وفى جهة : إنه فى جوف
المخلوقات؛ أو إن المخلوقات تحوزه ، أو إنه يماثلها ، أو يجوز عليه ما يجوز عليها،
ونحو ذلك. فهذا باطل . ومباينته للعالم لا يقتضي أن يكون على هذا التقدير
متحيزاً ولا فى جهة ولا جسما.
وإن قال النافى لذلك : إن ما كان فوق العالم فهو فى جهة ، وهو متحيز
وهو جسم وذلك محال .
٣٠٥

قيل له : نفي أنه مباين للعالم باطل ، وملزوم الباطل باطل ، فإذا كان نفي
مسميات هذه الألفاظ ملزوماً لنفي المباينة كان نفيها باطلاً؛ والأدلة المذكورة
على نفي مسماها بهذا الاعتبار باطلة .
ويقول المثبت نفي مباينته للعالم وعلوه على خلقه باطل ؛ بل هذه الأمور
مستلزمة لتكذيب الرسول فيما أثبته لربه وأخبر به عنه، وهو كفر أيضاً، لكن
ليس كل من تكلم بالكفر يكفر، حتى تقوم عليه الحجة المثبتة لكفره ، فإذا
قامت عليه الحجة كفر حينئذ ؛ بل نفي هذه الأمور مستلزم للتكفير للرسول
فيما أثبته لربه وأخبر به عنه ؛ بل نفي للصانع وتعطيل له فى الحقيقة.
وإذا كان نفي هذه الأشياء مستلزماً للكفر بهذا الاعتبار وقد نفاها
طوائف كثيرة من أهل الإيمان، فلازم المذهب ليس بمذهب ؛ إلا أن يستلزمه
صاحب المذهب ، فخلق كثير من الناس ينفون ألفاظاً أو يثبتونها بل ينفون
معانى أو يثبتونها ويكون ذلك مستلزما لأمور هي كفر، وم لا يعلمون بالملازمة
بل يتناقضون ، وما أكثر تناقض الناس لا سيما فى هذا الباب، وليس التناقض
كفراً.
ويقول الناظم : أنا أخبرت أن من قال ذلك: هو مفتون وفاتن ، وهذا
حق ؛ لأنه فتن غيره بقوله وفتنه غيره ؛ وليس كل من فتن يكون كافراً ،
وادعيت أن من قال ذلك كان قوله مستلزماً للتعطيل ؛ فيكون الكفر كامناً
٣٠٦

فى قوله . والكامن فى الشيء لا يجب أن يكون ظاهراً فيه، ولو كان
الكفر ظاهراً فى قوله للزم تكفير القائل . أما إذا كان كامناً وهو خفي
لم يكفر به من لم يعلم حقيقة ما تضمنه من الكفر، وإن كان متضمناً للكفر
ومستلزماً له .
وأما لفظ ((التجسيم)) فهذا لفظ مجمل لا أصل له فى الشرع؛ فنفيه وإثباته
يفتقر إلى تفصيل ودلیل كما تقدم.
وأما إن قال المثبت لذلك: المراد به أنه فوق العالم ومباين له. قيل له: هذا
المعنى صحيح وإن قال النافى لذلك: المراد أنه لا تحوزه المخلوقات ولا تماثله.
قيل له : هذا المعنى صحيح. ولا منافاة بين قوليكما ؛ فإنه فوق العالم مباين له،
والمخلوقات لا يحصره ولا يحوزه ولا يفتقر إلى العرش ولا غيره ؛ مع أنه عال
عليها مباين لها، وليس مماثلا لها ، ولا يجوز عليه ما يجوز عليها . فهذه
المعاني صحيحة من النافى والمثبت مقبولة؛ وتلك المعاني منهما مردودة والحمد لله
رب العالمين .
ولأن هذا الذي يجيب به أهل الإثبات للدهرية : من أنه سبحانه تقوم به
الأفعال التى يشاؤها ويقدر عليها ، وبذلك يخلق المخلوقات المنفصلة عنه مطابق
لما جاءت به الآثار المأثورة عن الرسل صلوات الله عليهم؛ فإن الله أخبر أنه
خلق السموات والأرض فى ستة أيام ثم استوى على العرش . وقبل : استوائه
٣٠٧

على العرش: (اسْتَوَىَّإِلَى السَّمَاءِ وَهِىَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اثْتِيَا طَوْعًا أَوْكَرْهَا قَالَتَاً
أَنْنَا طَآئِعِينَ) فهذا ونحوه مما جاء فى مبدأ الخلق .
وأما الإعادة فقد قال تعالى: (وَمَاقَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ، وَالْأَرْضُ جَمِيعًا
قَبْضَتُّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَوَتُ مَطْوِيَاتٌ بِيَمِينِهِ، سُبْحَنَهُ وَتَعَلَى عَمَّا
يُشْرِكُونَ).
وقد ثبت فى الصحيح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:
((يقبض الله الأرض ويطوي السماء بيمينه؛ ثم يقول: أنا الملك ، أين
ملوك الأرض؟ »،
وفى الصحيحين عن ابن عمر: أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ على المنبر هذه
الآية ثم قال: ((يطوي الله السموات بيمينه، ويقبض الأرض بيده الأخرى،
ثم يقول: أنا الملك، أنا القدوس، أنا السلام أنا المؤمن؛ أنا المهيمن ؛ أنا العزيز
أنا الجيار ؛ أنا المتكبر؛ أنا الذي بدأت الدنيا ولم تكن شيئاً، أنا الذي أعيدها))
وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبض بيديه ويبسطهما؛ والمنبر يتحرك
من أسفله، حتى إني لأقول أساقط هو برسول الله صلى الله عليه وسلم؟ !.
وعن ابن عباس أنه قال: ((ما السموات السبع والأرضون السبع وما
فیهن فی ید الرحمن إلا كردلة فی کف أحدكم )). وروى أنه قال: «یرمي بها
كما يرمى الصبى بالكرة)). فهذا يبين أن الأفلاك لا نسبة لها إلى قدرة الله تعالى
مع كونه سبحانه وتعالى يطوي السماء ويقبض الأرض.
٣٠٨

وفى الصحيحين عن ابن مسعود أن رجلاً من اليهود قال للنبي صلى الله
عليه وسلم: ((إن الله إذا كان يوم القيامة فإنه يمسك السماء على إصبع، والأرض
على إصبع، والشجر والثرى على إصبع ، والجيال على إصبع ، والخلائق على
إصبع. قال : فضحك النبى صلى الله عليه وسلم تعجباً وتصديقاً لقول الحبر؛ ثم
قرأ قوله تعالى: ( وَمَاقَدَرُواْاللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ) الآية.
فهذا بين من عمل الرب تبارك وتعالى ما يدفع شبه المتفلسفة .
٣٠٩

فصل
وهذا ((التقسم)) الذي ذكره السائل هو معروف فى كلام السلف،
والأئمة يحتجون به على الجهمية النفاة : كمباينته لخلقه وعلوه على عرشه ، قال
(الإمام أحمد) فى كتابه الذي كتبه فى ((الرد على الجهمية والزنادقة)). (بیان ما
أنكرت الجهمية الضلال أن يكون الله على العرش) وقد قال تعالى: ( الرَّحْمَنُ
عَلَى الْعَرْشِ آَسْتَوَى) وقال: (خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّأَسْتَوَى عَلَى
اُلْعَرْشِ) فقالوا هو تحت الأرض السابعة كما هو على العرش ، فهو على العرش
وفى السموات وفى الأرض وفى كل مكان، لا يخلو منه مكان ، ولا يكون
فى مكان دون مكان، ويتلون آيات من القرآن: (وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَوَتِ
وَفِي الْأَرْضِ ) .
٠
قلنا: قد عرف المسلمون أماكن كثيرة ليس فيها من عظيم الرب شيء،
فقالوا: أى شىء؟ قلنا: أحشا ؤكم، وأجوافكم، وأجواف الخنازير والحشوش
والأماكن القذرة ليس فيها من عظيم الرب شيء ؛ وقد أخبرنا أنه فى السماء،
فقال: (ءَأَمِنْتُم مَّن فِ السَّمَآءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِى تَمُورُ ) وقد قال جل
ثناؤه: (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ )؛ وقال تعالى: (إِّ مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَىَّ)
٣١٠

وقال تعالى: ( بَلِ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ)، وقال تعالى: (وَلَهُ مَن فِي السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ وَمَنْ
عِنْدَمُلَا يَسْتَكْيُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ ) الآية. وقال تعالى: (يَخَافُونَ رَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ)
، وقال تعالى: (ذِى الْمَعَارِجِ * تَعْرُجُ الْمَلَكَبِحَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ ) ، وقال تعالى:
(وَهُوَ اَلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ )، وقال تعالى: (وَهُوَ اُلْعَلِىُّالْعَظِيمُ).
قال فهذا خبر الله أنه فى السماء . ووجدنا كل شيء فى أسفل مذموماً ،
يقول جل ثناؤه: ( إِنَّالُْفِقِينَ فِ الذَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ ) وقال تعالى:
(وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُ وْرَبَّنَا أَِّنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا
◌ِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ ).
وقلنا لهم: أليس تعلمون أن إبليس مكانه مكان، والشياطين مكانهم مكان؟
فلم يكن اللّه ليجتمع هو وإبليس فى مكان واحد ، ولكن معنى قوله عز وجل:
(وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَوَتِ وَفِ الْأَرْضِ) يقول: هو إله من فى السموات وإله من فى
الأرض ، وهو الله على العرش وقد أحاط علمه بما دون العرش؛ لا يخلو من علم
اللّه مكان، ولا يكون علم الله فى مكان دون مكان، وذلك قوله: (لِتَعْلَمُوَ أْ أَنَّ
اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّاللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَىْءٍ عِلْمَا).
وقال من الاعتبار فى ذلك : لو أن رجلا كان فى يده قدح من قوارير
صاف، وفيه شيء صاف، لكان نظر ابن آدم قد أحاط بالقدح من غير أن
٣١١

يكون ابن آدم فى القدح، والله - وله المثل الأعلى - قد أحاط بجميع خلقه من
غير أن يكون فى شيء من خلقه .
وخصلة أخرى : لو أن رجلاً بنى داراً بجميع مرافقها، ثم أغلق بلبها
وخرج. كان ابن آدم لا يخفی علیهکم بيت فى داره، وكم سعة كلبيت ، من غیر
أن يكون صاحب الدار فى جوف الدار ، فالله عز وجل - وله المثل الأعلى -
قد أحاط بجميع ما خلق وعلم كيف هو ؟ وما هو ؟ من غير أن يكون فى
شيء مما خلق.
وما تأول الجهمية من قول الله عز وجل: (مَا يَكُونُ مِن تَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا
هُوَرَابِعُهُمْ ) ، فقالوا : إن الله عز وجل معنا وفينا. قلنا: لم قطعتم الخبر من
قوله؟ إن الله يقول: (أَلَمّ تَرَنَّاللَّهَيَعْلَمُ مَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ مَايَكُونُ مِن
تَّجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّ هُوَ مَعَهُمْ)
، يغنى بعلمه فيهم ( أَيْنَ مَا كَانُواْثُمَّيُنِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا يَوْمَالْقِيَمَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ)
ففتح الخبر بعلمه و ختمه بعلمه .
ويقال للجهمي: إن الله إذا كان معنا بعظمة نفسه: هل يغفر الله لكم فيما بينه
وبین خلقه؛ فإن قال نعم فقد زعم أن الله تعالی مباین خلقه، وأن خلقه دونه. وإن
قال: لا. كفر. قال: وإذا أردت أن تعلم أن الجهمي كاذب على الله حين زعم أنه
فى كل مكان ، ولا يكون فى مكان دون مكان ، فقل له: أليس الله كان ولا شيء؟
٣١٢

فيقول: نعم. فقل له: حين خلق الشيء خلقه فى نفسه أو خارجا عن نفسه؟
فإنه يصير إلى (( ثلاثة أقاويل)):
واحد منها: إن زعم أن الله خلق الخلق فى نفسه، قدكفر حين زعم أنه
خلق الجن والإنس والشياطين فى نفسه .
وإن قال: خلقهم خارجا من نفسه، ثم دخل فيهم : كان هذا أيضاً كفراً حين
زعم أنه دخل فى مكان رجس وقدر رديء .
وإن قال: خلقهم خارجا عن نفسه ثم لم يدخل فيهم رجع عن قوله أجمع،
وهو قول أهل السنة .
فقد بين الإمام أحمد ما هو معلوم بالعقل الصريح والفطرة البديهية ؛ من
أنه لابد أن يكون خلق الخلق داخلاً فى نفسه أو خارجا عنه ، وإنه إذا كان خارجا
عن نفسه فإما أن يكون حل فيه بعد ذلك، أو لم يزل مبايناً ، فذكر
الأقسام الثلاثة .
وقال أيضاً فى أثناء كلامه: فلما ظهرت الحجة على الجهمي بما ادعى على الله
أنه مع خلقه فى كل شيء من غير أن يكون مماساً للشيء ولا مبايناً له، فقلنا إذا
كان غير مباين أليس هو مماساً ؟ قال: لا . قلنا : فكيف يكون فى شىء غير
٣١٣

مماس له ولا مباين ؟ فلم يحسن الجواب . فقال: بلا كيف. فدع الجهال بهذه
الكلمة وموه عليهم .
وكذلك قال عبد العزيز المكي صاحب الشافعي صاحب ((الحيدة)) المشهورة فى
کتاب الرد على الزنادقة والجهمية ، قال :
باب قول الجهمية فى قول الله تعالى: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ أَسْتَوَى).
زعمت الجهمية أن قول الله: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) إنما المعنى
استولى، كقول العرب استوى فلان على مصر ، استوى على الشام ، يريد
استولی علیها .
باب البيان لذلك
G
يقال له : أيكون خلق من خلق الله أنت عليه مدة ليس الله بمستول
عليه؟! فإذا قال : لا . قيل : فمن زعم ذلك قال: من زعم ذلك فهو كافر .
يقال له: يلزمك أن تقول : إن العرش قد أتت عليه مدة ليس الله بمستول عليه
وذلك أن الله أخبر أنه خلق العرش قبل خلق السموات والأرض فى ستة أيام،
ثم استوى على عرشه بعد خلقه السموات والأرض، قال الله عز وجل: (الَّذِى
خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِى سِنَّةِ أَيَّامِ ثُمَّ أَسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَسَلْبِهِ،
خَبِيرًا )، وقوله: ( الَّذِينَ يَحْلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِرَبِهِمْ
) ،
٣١٤

)، وقوله؛
ثُمَّأَسْتَوَىَ إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّنُهُنَّ سَبْعَ سَمَلَوَاتٍ
وقوله: (
) ، فأخبر أنه استوى على العرش، فيلزمك
( ثُمَّاُسْتَوَىَّ إِلَى السَّمَاءِ وَهِىَ دُخَانٌ
أن تقول: المدة الذي كان العرش فيها قبل خلق السموات والأرض ليس الله
بمستول عليه، إذا كان (ثُمَّاسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ) معناه عندك استولى، فإنما استولى
بزعمك فى ذلك الوقت لا قبله.
وقد روى عن عمران بن حصين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :
((اقبلوا البشرى يا بنى تميم! قالوا: بشرتنا فأعطنا. قال: اقبلوا البشرى يا أهل
اليمن ! قالوا ؛ قبلنا فأخبرنا عن أول هذا الأمر كيف كان؟ قال : كان الله قبل
كل شيء وكان عرشه على الماء، وكتب فى اللوح ذكر كل شيء))، وروى
عن أبي رزين العقيلى - وكان يعجب النبى صلى الله عليه وسلم مسألته - أنه قال:
يا رسول الله: أين كان ربنا قبل أن يخلق السموات والأرض؟ قال: «فى عماء
فوقههواء وتحتههواء)).
فيقال : أخبرني كيف استوى على العرش ؟ أهو كما يقول: استوى فلان
على السرير ؛ فيكون السرير قد حوى فلاناً وحده إذا كان عليه ؟ فيلزمك
أن تقول : إن العرش قد حوى الله وحده إذا كان عليه ؛ لأنا لا نعقل الشىء
على الشيء إلا هكذا.
٣١٥

فيقال: أما قولك: كيف استوى ؟ فإن الله تعالى لا يجري عليه كيف،
وقد أخبرنا أنه ( اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ ) ولم يخبرنا كيف استوى.
لأنه لم يخبرهم كيف ذلك ولم تره العيون فى الدنيا فتصفه بما رأت، وحرم
عليهم أن يقولوا عليه ما لا يعلمون فآمنوا بخبره عن الاستواء، ثم ردوا علم كيف
استوى إلى الله تعالى .
ولكن يلزمك أيها الجهمي أن تقول: إن الله تعالى محدود وقد حونه
الأماكن، إذ زعمت فى دعواك أنه فى الأماكن ؛ لأنه لا يعقل شيء فى مكان إلا
والمكان قد حواه، كما تقول العرب: فلان فى البيت والماء فى الحب ، فالبيت
قد حوى فلاناً ، والحب قد حوى الماء .
ويلزمك أشنع من ذلك ؛ لأنك قلت أفظع مما قالت به النصارى ، وذلك
أنهم قالوا : إن الله عز وجل فى عيسى ، وعيسى بدن إنسان واحد ، فكفروا
بذلك وقيل لهم: ما عظمتم الله إذ جعلتموه فى بطن مريم . وأنتم تقولون : إنه
فى كل مكان وفى بطون النساء كلهن وبدن عيسى وأبدان الناس كلهم.
ويلزمك أيضاً أن تقول : إنه فى أجواف الكلاب والخنازير ، لأنها
أما كن وعندك أنه فى كل مكان ، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً .
قال : فلما شنعت مقالته قال : أقول : إن الله فى كل مكان لا كالشيء
٣١٦

فى الشيء ، ولا كالشيء على الشيء ، ولا كالشيء خارجاً عن الشيء، ولا
مبايناً للشيء.
قال: يقال له : أصل قولك القياس والمعقول ، فقد دللت بالقياس والمعقول
على أنك لا تعبد شيئاً ؛ لأنه لو كان شيئاً داخلا فى القياس والمعقول لأن يكون
داخلاً فى الشيء أو خارجاً عنه ، فلما لم يكن فى قولك شيئاً استحال أن يكون
الشيء فى الشيء، أو خارجاً من الشيء، فوصفت - لعمرى - ملتبساً لا وجود
له وهو دينك، وأصل مقالتك التعطيل .
فهذا (عبد العزيز المكي)) قد بين أن القياس والمعقول يوجب أن
ما لا يكون داخلاً فى الشىء ولا خارجاً منه فإنه لا يكون شيئاً ، وأن ذلك صفة
المعدوم الذي لاوجود له، فالقياس هو الأدلة العقلية، والمعقول العلوم الضرورية.
وكذلك قال: ((أبو محمد عبد الله بن سعيد بن كلاب)) إمام المتكلمة
الصفاتية: كالقلانسي، والأشعري وأتباعه فيما جمعه أبو بكر بن فورك من كلام
الأشعري أيضاً ، فذكر ابن فورك كلام ابن كلاب أنه قال : وأخرج من النظر
والخبر قول من قال : لا هو فى العالم ولا خارج منه فنفاه نفيا مستوياً؛ لأنه لو
قيل له : صفه بالعدم ما قدر أن يقول فيه أكثر من هذا ، ورد أخبار الله نصاً،
وقال فى ذلك ما لا يجوز فى نص ولا معقول ، وزعم أن هذا هو التوحيد الخالص
والنفي الخالص عندهم هو الإثبات الخالص ، وم عند أنفسهم قياسون.
٣١٧

قال : فإن قالوا: هذا إفصاح بخلو الأماكن منه وانفراد العرش به، قيل:
إن كنتم تعنون بخلو الأماكن من تدبيره وأنه عالم فلا .
وإن كنتم تذهبون إلى خلوه من استوائه عليها كما استوى على العرش،
فنحن لا يحتشم أن نقول : استوى الله على العرش ونحتشم أن نقول : استوى
على الأرض، واستوى على الجدار ، وفى صدر البيت .
وقال أبو محمد بن كلاب أيضاً : يقال لهم : أهو فوق ما خلق: فإن قالوا :
نعم . قيل : ما تعنون بقولكم إنه فوق ما خلق ! فإن قالوا : بالقدرة والعزة .
قيل لهم: ليس هذا سؤالنا . وإن قالوا: المسألة خطأ . قيل لهم : فليس هو
فوق، فإن قالوا : نعم ليس هو فوق ، قيل لهم: وليس هو بحت ، فإن قالوا:
ولا تحت، أعدموه ؛ لأن ما كان لا تحت ولا فوق فعدم . وإن قالوا : هو محت
وهو فوق، قيل لهم: فوق تحت وتحت فوق.
وقال ابن كلاب أيضاً : يقال لهم: إذا قلنا : الإنسان لا مماس ولا مباين
للمكان فهذا محال فلابد من نعم ، قيل لهم؛ فهو لا مباين ولا مماس ؟ فإذا قالوا
نعم ، قيل لهم: فهو بصفة المحال الذي لا يكون ولا يثبت فى الوج ؟ فإذا قالوا :
نعم، قيل : فينبغي أن يكون بصفة المحال من كل جهة كما كان بصفة المحال
من هذه الجهة.
وقيل لهم: أليس لا يقال لما هو ثابت فى الإنسان لا مماس ولا مباين؟
٣١٨

فإذا قالوا : نعم ، قيل : فأخبرونا عن معبودكم مماس هو أو مباين ؟ فإذا قالوا:
لا يوصف بهما، قيل لهم: فصفة إثبات الخالق كصفة عدم المخلوق فلم لا يقولون
عدم كما يقولون للإنسان عدم؛ إذا وصفتموه بصفة العدم؟ .
وقيل لهم : إذا كان عدم المخلوق وجوداً له كان جهل المخلوق علماً له؛
لأنكم وصفتم العدم الذي هو للمخلوق وجوداً له، وإذا كان العدم وجوداً كان
الجهل علماً والعجز قدرة .
وقال ابن كلاب أيضاً: ورسول الله صلى الله عليه وسلم وهو صفوة الله من
خلقه وخيرته من بريته وأعلمهم جميعاً يجيز (( الأين)) ويقوله، ويستصوب قول
القائل : إنه فى السماء وشهد له بالإيمان عند ذلك؛ وجهم بن صفوان وأصحابه
لا يجيزون ((الأين)) ويحرمون القول به. قال: ولو كان خطأ كان رسول الله
صلى الله عليه وسلم أحق بالإنكار له، وكان ينبغى أن يقول لها: لا تقولي ذلك،
فتوهمى أنه عن وجل محدود، وأنه فى مكان دون مكان . ولکن قولي إنه فى كل
مكان ؛ لأنه هو الصواب دون ما قلت. كلا! فلقد أجازه رسول الله صلى الله
عليه وسلم مع علمه بما فيه، وأنه أصوب الإيمان ، بل الأمر الذي يجب به الإيمان
لقائله ، ومن أجله شهد لها بالإيمان حين قالته، وكيف يكون الحق فى خلاف
ذلك والکتاب ناطق به وشاهد له ؟
قال: ولو لم يشهد بصحة مذهب الجماعة فى هذا الفن خاصة إلا ما ذكرنا
٣١٩

من هذه الأمور لكان فيه ما يكفى، وقد غرس فى تبينه فى الفطرة ومعارف
الآدميين من ذلك ما لا شيء أبين منه ولا أوكد؛ لأنك لا تسأل أحداً من
الناس عنه عربياً ولا معجمياً ولا مؤمناً ولا كافراً فتقول : أين ربك؟ إلا قال فى
السماء. إن أفصح، أو أومأ بيده، أو أشار بطرفه - إن كان لا يفصح؛ ولا يشير
إلى غير ذلك من أرض ولا سهل ولا جبل.
ولا رأينا أحداً إذا دعاه إلا رافعاً يده إلى السماء، ولا وجدنا أحداً غير
الجهمية يسأل عن ربه فيقول : فى كل مكان كما يقولون ، وهم يدعون أنهم أفضل
الناس كلهم ، فتاهت العقول وسقطت الأخبار ، واهتدی جهم ورجلان معه ،
نعوذ بالله من مضلات الفتن.
فهذا وأمثاله كلام ابن كلاب وأبى الحسن الأشعري وأتباعه، وعنه أخذ
الحارث المحاسبى هذا، وقد ذكر الحارث المحاسبى فى كتاب ((فهم القرآن)» هو
وغيره من ذلك ما هو مذكور فى غير هذا الموضع ؛ فإن كلام السلف والأئمة
فى ذلك كثير والله أعلم.
٣٢٠