Indexed OCR Text

Pages 141-160

ونقل أيضاً عن مالك: أنه نص على استتابة الدعاة إلى ((مذهب جهم)) ونهى
عن الصلاة خلفهم. ومن أصحابه محمد بن عبد الله بن أبي زمنين الإمام المشهور
قال: فى الكتاب الذي صنفه فى ((أصول السنة)).
(باب الإيمان بالعرش)
قال : ومن قول أهل السنة إن الله خلق العرش وخصه بالعلو والارتفاع
فوق جميع ما خلق ، ثم استوى عليه كيف شاء كما أخبر عن نفسه فى قوله :
( الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ أَسْتَوَى ) إلى أن قال: فسبحان من بعد فلا يري،
وقرب بعلمه وقدرته .
وأما أحمد بن حنبل وأصحابه فهم أشهر فى هذا الباب ؛ وبه انتم أبو الحسن
علي بن إسماعيل الأشعري المتكلم - صاحب الطريقة المنسوبة إليه - قال :
( فصل فى إيانة قول أهل الحق والسنة)
فإن قال قائل: قد أنكرتم قول المعتزلة؛ والقدرية؛ والجهمية؛ والحرورية
والرافضة؛ والمرجئة ، فعرفونا قولكم الذي تقولون، ودياتكم التى بها تدينون
قيل له : قولنا الذي نقول به وديانتنا التى بها ندين الله : التمسك بكتاب ربنا ،
وسنة نبينا محمد ، وما روى عن الصحابة والتابعين، وأئمة الحديث. ونحن بذلك
معتصمون. وبما كان يقول أبو عبد الله : أحمد بن حنبل - نضر الله وجهه ،
ورفع درجته، وأجزل مثوبته - قائلون، ولما خالف قوله مخالفون ؛ لأنه الإمام
١٤١

الفاضل والرئيس الكامل الذي أبان الله به الحق عند ظهور الضلال، وأوضح
به المنهاج، ومع به بدع المبتدعين، وزيغ الزائغين وشك الشاكين؛ فرحمة الله
عليه من إمام مقدم، وجليل معظم ، وكبير مفهم.
وجملة قولنا: بأنا نقر بالله؛ وملائكته؛ وكتبه ورسله؛ وبما جاءوا به من
عند الله ؛ وبما رواه الثقات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ لا ترد من ذلك
شيئاً، وأن الله واحد لا إله إلا هو، فرد صمد لم يتخذصاحبة ولا ولداً، وأن
محمداً عبده ورسوله أرسله بالهدى ودين الحق ، وأن الجنة حق ، وأن الساعة
آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من فى القبور؛ وأن الله مستو على عرشه
كما قال: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ أَسْتَوَى ) ونعود فيما اختلفنا فيه إلى كتاب ربنا
وسنة نبينا وإجماع المسلمين ؛ إلى أن قال :
(باب ذكر الاستواء على العرش)
إلى أن قال: فإن قال قائل: فما تقولون فى الاستواء ؟ قيل له : إن الله مستو
على عرشه كما قال: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ آَسْتَوَى).
١٤٢

فصل
وقد قال قائلون من المعتزلة والجهمية والحرورية: إن معنى قوله: ( الرَّحْمَنُ
عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ) أنه استولى وملك وقهر ، وأنه فى كل مكان. وجحدوا أن
يكون على عرشه كما قال أهل الحق ، وذهبوا بالاستواء إلى القدرة ؛ فلو كان
هذا كماذكروا كان لا فرق بين العرش والأرض السابعة ؛ لأن الله قادر على
كل شيء .
إلى أن قال - وأكثر فى هذا - وقد اتفق الأمة جميعهم من المشرق
والمغرب على الإيمان بالقرآن: والأحاديث التى جاء بها الثقات عن رسول الله
صلى الله عليه وسلم فى صفة الرب عز وجل ، من غير تفسير ولا وصف ولا تشبيه
فمن فسر اليوم شيئاً من ذلك فقد خرج عما كان عليه النبى صلى الله عليه وسلم
وفارق الجماعة؛ فإنهم لم يصفوا ولم يفسروا؛ ولكن أقروا بما فى الكتاب والسنة
ثم سكتوا؛ فمن قال بقول جهم فقد فارق الجماعة؛ فإنه وصفه بصفة لا شيء.
١٤٣

فصل
والمبطل لتأويل من تأول استوى بمعنى استولى وجوه :-
(أحدها): أن هذا التفسير لم يفسره أحد من السلف من سائر المسلمين
من الصحابة والتابعين ، فإنه لم يفسره أحد فى الكتب الصحيحة عنهم ، بل أول من
قال ذلك: بعض الجهمية والمعتزلة ؛ كما ذكره أبو الحسن الأشعري فى كتاب
((المقالات)) وكتاب ((الإبانة)).
( الثاني ) : أن معنى هذه الكلمة مشهور ؛ ولهذا لما سئل ربيعة بن أبى
عبد الرحمن ومالك بن أنس عن قوله: ( الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ آَسْتَوَى ) قالا:
الاستواء معلوم، والكيف مجهول ، وإلإ يمان به واجب ، والسؤال عنه بدعة .
ولا يريد أن: الاستواء معلوم فى اللغة دون الآية - لأن السؤال عن الاستواء
فى الآ ية كما يستوى الناس.
( الثالث ): أنه إذا كان معلوماً فى اللغة التي نزل بها القرآن كان معلوماً
فى القرآن .
١٤٤

(الرابع): أنه لو لم يكن معنى الاستواء فى الآية معلوماً لم يحتج أن يقول:
الكيف مجهول ؛ لأن نفي العالم بالكيف لا ينفي إلا ما قد على أصله ، كما نقول
إنا نقر بالله ونؤمن به، ولا نعلم كيف هو .
(الخامس): الاستيلاء سواء كان بمعنى القدرة أو القهر أو نحو ذلك هو عام
فى المخلوقات كالربوبية ، والعرش وإن كان أعظم المخلوقات ونسبة الربوبية إليه
لا تنفى نسبتها إلى غيره، كما فى قوله: (قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَوَتِ السَّيْعِ وَرَبُّ
الْعَرْشِ الْعَظِيمِ )، وكما فى دعاء الكرب؛ فلو كان استوى بمعنى استولى - كما هو
عام فى الموجودات كلها - لجاز مع إضافته إلى العرش أن يقال : استوى على السماء ،
وعلى الهوى ، والبحار والأرض، وعليها ودونها ونحوها ؛ إذهو مستو على
العرش. فلما اتفق المسلمون على أنه يقال : استوى على العرش ولا يقال: استوى
على هذه الأشياء مع أنه يقال استولى على العرش والأشياء، على أن معنى استوى
خاص بالعرش ليس عاما كعموم الأشياء.
(السادس)؛ أنه أخبر بخلق السموات والأرض فى ستة أيام ثم استوى على
العرش ، وأخبر أن عرشه كان على الماء قبل خلقها ، وثبت ذلك فى صحيح
البخارى عن عمران بن حصين عن النبى صلى الله عليه وسلم قال ((كان الله
ولا شيء غيره، وكان عرشه على الماء، وكتب فى الذكر كل شيء ثم خلق السموات
والأرض» مع أن العرش كان مخلوقاً قبل ذلك، فمعلوم أنه مازال مستوليا عليه
١٤٥

قبل وبعد ، فامتنع أن يكون الاستيلاء العام هذا الاستيلاء الخاص بزمان كما
كان مختصاً بالعرش.
(السابع): أنه لم يثبت أن لفظ استوى فى اللغة بمعنى استولى؛ إذ الذين
قالوا ذلك عمدتهم البيت المشهور .
ثم استوى بشر على العراق من غير سيف ودم مهراق
ولم يثبت نقل صحيح أنه شعر عربي، وكان غير واحد من أئمة اللغة أنكروه
وقالوا : إنه بيت مصنوع لا يعرف فى اللغة، وقد علم أنه لو احتج بحديث رسول
الله صلى الله عليه وسلم لاحتاج إلى صحته ، فكيف ببيت من الشعر لا يعرف
إسناده ؟! وقد طعن فيه أئمة اللغة؛ وذكر عن الخليل كما ذكره أبو المظفر فى كتابه
((الإفصاح)) قال : سئل الخليل هل وجدت فى اللغة استوى بمعنى استولى؟
فقال : هذا ما لا تعرفه العرب ؛ ولا هو جائز فى لغتها ، وهو إمام فى اللغة على
ما عرف من حاله ؛ فحينئذ حمله على ما لا يعرف حمل باطل .
(الثامن) : أنه روي عن جماعة من أهل اللغة أنهم قالوا : لا يجوز استوى
بمعنى استولى إلا فى حق من كان عاجزاً ثم ظهر ، والله سبحانه لا يعجزه شيء،
والعرش لا يغالبه فى حال ، فامتنع أن يكون بمعنى استولى . فإذا تبين هذا
فقول الشاعر :-
ثم استوى بشر على العراق
١٤٦

لفظ مجازى لا يجوز حمل الكلام عليه إلا مع قرينة تدل على إرادته،
واللفظ المشترك بطريق الأولى ، ومعلوم أنه ليس فى الخطاب قرينة أنه أراد
بالآية الاستيلاء .
((وأيضاً) فأهل اللغة قالوا: لا يكون استوى بمعنى استولى إلا فيما كان منازعا
مغالباً ، فإذا غلب أحدهما صاحبه قيل: استولى، والله لم ينازعه أحد فى العرش،
فلو ثبت استعماله فى هذا المعنى الأخص مع النزاع فى إرادة المعنى الأعم لم يجب
حمله عليه بمجرد قول بعض أهل اللغة مع تنازعهم فيه، وهؤلاء ادعوا أنه بمعنى
استولى فى اللغة مطلقاً، والاستواء فى القرآن فى غير موضع، مثل قوله: (اسْتَوَيْتَ
أَنْتَ وَمَنْ مَّعَكَ عَلَى الْفُلْكِ )، ( وَأَسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيّ)، (لِتَسْتَوُ أُ عَلَى ظُهُورِهِ)
وفى حديث عدي : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتي بدابته فلما وضع رجله
فى الغرز قال: ((بسم الله)). فلما استوى على ظهرها قال: ((الحمد لله)).
(التاسع): أنه لو ثبت أنه من اللغة العربية لم يجب أن يكون من لغة العرب
العرباء ، ولو كان من لفظ بعض العرب العرباء لم يجب أن يكون من لغة رسول
الله صلى الله عليه وسلم وقوله ؛ ولو كان من لغته لكان بالمعنى المعروف فى الكتاب
والسنة وهو الذي يراد به ولا يجوز أن يراد معنى آخر.
(العاشر) : أنه لو حمل على هذا المعنى لأدى إلى محذور يجب تنزيه بعض الأمة
١٤٧

عنه ؛ فضلاً عن الصحابة ؛ فضلاً عن الله ورسوله ؛ فلو كان الكلام فى الكتاب
والسنة كلاماً نفهم منه معنی ، ویریدون به آخر، لكان فىذلك تدليس وتلبيس،
ومعاذ الله أن يكون ذلك! فيجب أن يكون استعمال هذا الشاعر هذا اللفظ
فى هذا المعنى ليس حقيقة بالاتفاق ؛ بل حقيقة فى غيره، ولو كان حقيقة فيه للزم
الاشتراك المجازي فيه ، وإذا كان مجازاً عن بعض العرب أو مجازاً اخترعه من
بعده، أفتترك اللغة التى يخاطب بها رسول الله صلى الله عليه وسلم أمته؟ !.
(الحادي عشر): أن هذا اللفظ -الذي تكرر فى الكتاب والسنة والدواعي
متوفرة على فهم معناه من الخاصة والعامة عادة وديناً - إن جعل الطريق إلى فهمه
ببيت شعر أحدث فيؤدى إلى محذور ؛ فلو حمل على معنى هذا البيت للزم مخطئة
الأئمة الذين لهم مصنفات فى الرد على من تأول ذلك، ولكان يؤدي إلى
الكذب على الله ورسوله صلى الله عليه وسلم والصحابة والأئمة، وللزم أن الله
امتحن عباده بفهم هذا دون هذا، مع ما تقرر فى نفوسهم وما ورد به نص
الكتاب والسنة ؛ والله سبحانه لا يكلف نفساً إلا وسعها ، وهذا مستحيل على
الله ورسوله صلى الله عليه وسلم والصحابة والأئمة .
(الثاني عشر): أن معنى الاستواء معلوم علماً ظاهراً بين الصحابة والتابعين
وتابعيهم فيكون التفسير المحدث بعده باطلا قطعاً ، وهذا قول يزيد بن
هارون الواسطي ؛ فإنه قال: إن من قال: ( الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ أُسْتَوَى )
١٤٨

خلاف ما تقرر فى نفوس العامة فهو جهمي . ومنه قول مالك : الاستواء معلوم،
وليس المراد أن هذا اللفظ فى القرآن معلوم كما قال بعض الناس: استوى أم لا؟
أو أنه سئل عن الكيفية ومالك جعلها معلومة . والسؤال عن النزول ولفظ
الاستواء ليس بدعة ولا الكلام فيه؛ فقد تكلم فيه الصحابة والتابعون، وإنما
البدعة السؤال عن الكيفية.
ومن أراد أن يزداد فى هذه القاعدة نوراً فلينظر فى شيء من الهيئة ، وهي
الإحاطة والكروية، ولا بد من ذكر الإحاطة ليعلم ذلك .
١٤٩

فصل
اعلى أن ((الأرض)) قد اتفقوا على أنها كروية الشكل وهي فى الماء المحيط
بأكثرها ؛ إذ اليابس السدس وزيادة بقليل ، والماء أيضاً مقبب من كل جانب
للأرض ، والماء الذي فوقها بينه وبين السماء كما بيننا وبينها مما يلى رؤوسنا،
وليس تحت وجه الأرض إلا وسطها ونهاية التحت المركز ؛ فلا يكون لنا جهة
بينة إلا جهتان : العلو والسفل، وإنما تختلف الجهات باختلاف الإنسان.
فعلو الأرض وجها من كل جانب. وأسفلها ما تحت وجها - ونهاية المركز
- هو الذي يسمى محط الأثقال ، فمن وجه الأرض والماء من كل
وجهة إلى المركز يكون هبوطاً ، ومنه إلى وجها صعوداً ، وإذا كانت سماء الدنيا
فوق الأرض محيطة بها فالثانية كروية، وكذا الباقى . والكرسي فوق الأفلاك
كلها ، والعرش فوق الكرسي، ونسبة الأفلاك وما فيها بالنسبة إلى الكرسى
كلقة فى فلاة ، والجملة بالنسبة إلى العرش كلقة فى فلاة .
والأفلاك مستديرة بالكتاب والسنة والإجماع؛ فإن لفظ ((الفلك)) يدل
على الاستدارة، ومنه قوله تعالى: (وَكُلَّ فِيِ فَلَكِ يَسْبَحُونَ) ؛ قال ابن عباس : فى
فلكة كفلكة المغزل . ومنه قولهم : تفلك ثدى الجارية إذا استدار . وأهل
الهيئة والحساب متفقون على ذلك .
١٥٠

وأما ((العرش)) فإنه مقبب؛ لما روى فى السنن لأبي داود عن جبير بن مطعم
قال : أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم أعرابي فقال: يا رسول الله ! جهدت
الأنفس وجاع العيال، وذكر الحديث إلى أن قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
((إن الله على عرشه، وإن عرشه على سمواته وأرضه كهكذا)) وقال بأصبعه
مثل القبة .
ولم يثبت أنه فلك مستدير مطلقاً ، بل ثبت أنه فوق الأفلاك وأن له قوائم:
كما جاء فى الصحیحین عن أبي سعيد قال : جاء رجل من اليهود إلى رسول الله
صلى الله عليه وسلم قد لطم وجهه فقال: يا محمد! إن رجلا من أصحابك لطم
وجهي . فقال النبى صلى الله عليه وسلم: ادعوه! فدعوه. فقال: لم لطمت وجهه؟
فقال: يا رسول الله! إني حررت بالسوق وهو يقول: والذي اصطفى موسى
على البشر. فقلت: يا خبيث! وعلى محمد، فأخذتني غضبة فلطمته . فقال النبى
صلى الله عليه وسلم: ((لا تخيروا بين الأنبياء؛ فإن الناس يصعقون يوم القيامة ،
فأكون أول من يفيق، فإذا أنا بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش فلا أدرى
أفاق قبلى أم جوزي بصعقة الطور)).
وفى ((علوه) قوله صلى الله عليه وسلم: ((إذا سألتم الله فاسألوه الفردوس، فإنه
وسط الجنة وأعلاها ، وفوقه عرش الرحمن ومنه تفجر أنهار الجنة)).
فقد تبين بهذه الأحاديث أنه أعلى المخلوقات وسقفها ، وأنه مقبب وأن له
١٥١

قوائم، وعلى كل تقدير فهو فوق ، سواءكان محيطاً بالأفلاك أو غير ذلك؛
فيجب أن يعلم أن العالم العلوي والسفلى بالنسبة إلى الخالق - سبحانه وتعالى -
فى غاية الصغر؛ لقوله تعالى: ( وَمَاقَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ) الآية.
(قاعدة عظيمة)
فى إثبات علوه تعالى
وهو واجب بالعقل الصريح، والفطرة الإنسانية الصحيحة . وهو أن يقال:
كان الله ولا شيء معه ثم خلق العالم؛ فلا يخلو إما أن يكون خلقه فى نفسه وانفصل
عنه، وهذا محال: تعالى الله عن مماسة الأقذار وغيرها، وإما أن یکون خلقهخارجا
عنه ثم دخل فيه ، وهذا محال أيضاً ، تعالى أن يحل فى خلقه - وهاتان لا نزاع
فيهما بين أحد من المسلمين - وإما أن يكون خلقه خارجاً عن نفسه الكريمة ولم
يحل فيه فهذا هو الحق الذي لا يجوز غيره، ولا يليق بالله إلا هو. وهذه القاعدة
للإمام أحمد من حججه على الجهمية فى زمن المحنة . وذكر الأشعري فى
((المقالات)) مقالة محمد بن كلاب الذي اتتم به الأشعري: أنه يعرف بالعقل أن
الله فوق العالم ، والاستواء بالسمع ، وبأخبار الرسل الذين بعثوا بتكميل الفطر
ولا تبديل لفطرة الله ، وجاءت الشريعة بها خلافا لأهل الضلال من الفلاسفة
وغيرهم فإنهم قلبوا الحقائق. اهـ.
١٥٢

سئل شيخ الإسلام:
فريد الزمان بحر العلوم، تقي الدين أبو العباس
أحمد بن تيمية رحمه الله
عن رجلين تباحثا فى ((مسألة الإثبات للصفات، والجزم بإثبات العلو
على العرش)).
فقال أحدهما : لا يجب على أحد معرفة هذا ، ولا البحث عنه؛ بل يكره له،
كما قال الإمام مالك للسائل: وما أراك إلا رجل سوء. وإنما يجب عليه أن يعرف
ويعتقد أن الله تعالى واحد فى ملكه ، وهو رب كل شيء وخالقه وملیکه ؛ بل
ومن تكلم فى شيء من هذا فهو مجم حشوي.
فهل هذا القائل لهذا الكلام مصيب أم مخطئ ؟ فإذا كان مخطئاً فما الدليل
على أنه يجب على الناس أن يعتقدوا إثبات الصفات والعلو على العرش - الذي
هو أعلى المخلوقات - ويعرفوه؟ وما معنى التجسيم والحشو؟.
أفتونا وابسطوا القول بسطاً شافياً يزيل الشبهات فى هذا مثابين
مأجورين إن شاء الله تعالى(١).
(١) تسمى القاعدة المراكشية .
١٥٣

فأجاب : - الحمد لله رب العالمين . يجب على الخلق الإقرار بما جاء به النبي
صلى الله عليه وسلم ؛ فما جاء به القرآن العزيز أو السنة المعلومة وجب على الخلق
الإقرار به جملة، وتفصيلاً عند العلم بالتفصيل؛ فلا يكون الرجل مؤمناً حتى يقر
بما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، وهو تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله، وأن
محمداً رسول الله .
فمن شهد أنه رسول الله شهد أنه صادق فيما يخبر به عن الله تعالى ، فإن
هذا حقيقة الشهادة بالرسالة ؛ إذ الكاذب ليس برسول فيما يكذبه، وقد قال
الله تعالى: (وَلَوْنَقَوَلَ عَلَيْنَا بَعْضَلْأَقَوِيلِ * لَأَخَذْنَامِنْهُ بِلْيَمِينِ * ثُمَّلَقَطَعْنَا مِنْهُ أَلْوَتِينَ ) .
و ((بالجملة)) فهذا معلوم بالاضطرار من دين الإسلام؛ لا يحتاج إلى تقريره
هنا؛ وهو الإقرار بما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم ، وهو ما جاء به من القرآن
والسنة، كما قال الله تعالى: (لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنْفُسِهِمْ
يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ ءَايَتِهِ، وَيُزَكِّيِهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِنَبَ وَاَلْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ
لَفِى ضَلَالٍ مُّبِينٍ) وقال تعالى: (كَمَآ أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِّنكُمْ يَتْلُواْ عَلَيْكُمْ
ءَايَئِنَا وَيُزَكِيْكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَبَ وَالْحِكْمَةَ).
وقال تعالى: (وَأَذْكُرُوْنِعْمَتَ اَللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِّنَ الْكِنَبِ وَالْحِكْمَةِ
يَعِظُكُمبِهِ ) وقال تعالى: (وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ )
وقال تعالى: (فَلَ وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكْمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ
١٥٤

وقال تعالى :
لَا يَجِدُواْ فِى أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْتَسْلِيمًا)
(يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْأَ طِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْالرَّسُولَ وَأُوْلِ الْأَمْيِ مِنْكُمْ فَإِن تَزَعْنُمْ فِي شَىْءٍ فَرُدُّوهُ
إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ ).
ومما جاء به الرسول: رضاه عن السابقين الأولين؛ وعمن اتبعهم بإحسان
إلى يوم الدين ؛ كما قال تعالى: (وَالسَّبِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَجِينَ وَاُلْأَنْصَارِ
وَالَّذِينَ أَتَّبَعُوهُم بِإِحْسَنٍ رَضِى اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْعَنْهُ ) .
ومما جاء به الرسول : إخباره بأنه تعالى قد أكمل الدين بقوله سبحانه:
( اُلْيَوْمَ أَ كْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَمَ دِينًا ) .
ومما جاء به الرسول أمر الله له بالبلاغ المبين كما قال تعالى: ( وَمَا عَلَى
الرَّسُولِ إِلَّا الْبَغُ الْمُبِينُ) وقال تعالى: ( وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيْنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ
إِلَيْهِمْ ) وقال تعالى: (يَأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ
رِسَالَتَهُ وَاَللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ).
ومعلوم أنه قد بلغ الرسالة كما أمر ولم يكتم منها شيئاً ؛ فإن كتمان
ما أنزله الله إليه يناقض موجب الرسالة؛ كما أن الكذب يناقض موجب الرسالة.
ومن المعلوم من دين المسلمين أنه معصوم من الكتمان لشيء من
الرسالة، كما أنه معصوم من الكذب فيها. والأمة تشهد له بأنه بلغ الرسالة كما
أمره الله ، وبين ما أنزل إليه من ربه، وقد أخبر الله بأنه قد أكمل الدين ؛ وإنما
١٥٥

كمل بما بلغه؛ إذ الدين لم يعرف إلا بتبليغه، فعلم أنه بلغ جميع الدين الذي شرعه
الله لعباده كما قال صلى الله عليه وسلم: ((تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها
لا يزيغ عنها بعدي الاهالك)).
وقال : ((ما تركت من شيء يقربكم إلى الجنة إلا وقد حدثتكم به، وما من
شيء يبعدكم عن النار إلا وقد حدثتكم به)). وقال أبو ذر: لقد توفى رسول الله
صلى الله عليه وسلم وما طائر يقلب جناحيه فى السماء إلا ذكرلنا منه علماً.
إذا تبين هذا : فقد وجب على كل مسلم تصديقه فيما أخبر به عن الله تعالى:
من ((أسماء الله وصفاته)) مما جاء فى القرآن وفى السنة الثابتة عنه، كما كان عليه
السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار ؛ والذين اتبعوهم بإحسان، الذين
رضي الله عنهم ورضوا عنه .
فإن هؤلاء هم الذين تلقوا عنه القرآن والسنة ، وكانوا يتلقون عنه ما فى ذلك
من العلم والعمل ، كما قال أبو عبد الرحمن السلمي : لقد حدثنا الذين كانوا
يقرئوننا القرآن ، كعثمان بن عفان وعبد الله بن مسعود وغيرهما ، أنهم
كانوا إذا تعلموا من النبى صلى الله عليه وسلم عشر آيات لم يجاوزوها حتى يتعلموا
ما فيها من العلم والعمل ، قالوا : فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعاً .
وقد قام عبد الله بن عمر - وهو من أصاغر الصحابة - فى تعلم البقرة
ثماني سنين ، وإنما ذلك لأجل الفهم والمعرفة . وهذا معلوم من وجوه :-
١٥٦

(أحدها ) أن العادة المطردة التى جبل الله عليها بني آدم توجب اعتناءم
بالقرآن - المنزل عليهم لفظاً ومعنى ؛ بل أن يكون اعتناؤم بالمعنى أوكد ،
فإنه قد على أنه من قرأ كتاباً فى الطب أو الحساب ، أو النحو أو الفقه أو غير
ذلك؛ فإنه لا بد أن يكون راغباً فى فهمه، وتصور معانيه ، فكيف بمن قرؤوا
كتاب الله تعالى المنزل إليهم ، الذي به هدام الله، وبه عرفهم الحق والباطل،
والخير والشر، والهدى والضلال، والرشاد والغي؟ !.
فمن المعلوم أن رغبتهم فى فهمه وتصور معانيه أعظم الرغبات ؛ بل إذا سمع
المتعلم من العالم حديثاً فإنه يرغب فى فهمه ؛ فكيف بمن يسمعون كلام الله من
المبلغ عنه ؛ بل ومن المعلوم أن رغبة الرسول صلى الله عليه وسلم فى تعريفهم
معاني القرآن أعظم من رغبته فى تعريفهم حروفه ، فإن معرفة الحروف بدون
المعاني لا يحصل المقصود إذ اللفظ إنما يراد للمعنى .
(الوجه الثانى) أن الله سبحانه وتعالى قد حضهم على تدبره وتعقله واتباعه
فى غير موضع، كما قال تعالى: (كِنَبُّ أَنْزَلْنَهُ إِلَيْكَ مُبَرَكٌ لِيَّبَرُوْءَايَتِهِ ) .
وقال تعالى: ( أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْءَانَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ) وقال تعالى:
( أَفَمْ يَدَّبَّرُواْ الْقَوْلَ أَمْجَآءَ هُم مَّالَرْيَأْتِ ءَابَآءَ هُمُ الأَوَّلِينَ) وقال تعالى: (أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ
الْقُرْءَانَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِلَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلَفَّا كَثِيرًاً).
فإذا كان قد حض الكفار والمنافقين على تدبره : علم أن معانيه مما يمكن
١٥٧

الكفار والمنافقين فهمها ومعرفتها، فكيف لا يكون ذلك ممكناً للمؤمنين:
وهذا يبين أن معانيه كانت معروفة بينة لهم.
(الوجه الثالث ) أنه قال تعالى: (إِنَّا أَنْزَلْنَهُ قُرْءَ نَاعَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ)
وقال تعالى: (إِنَّا جَعَلْنَهُ قُرْءَ نَا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) فبين أنه أَزله عربياً لأن
يعقلوا ، والعقل لا يكون إلا مع العلم بمعانيه.
( الوجه الرابع) أنه ذم من لا يفهمه فقال تعالى: ( وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْءَانَ
جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَأَيُؤْمِنُونَ بِآلْأَخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا * وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً
أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِيَّاذَانِهِمْ وَقْرًا) وقال تعالى: (فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا)
فلو كان المؤمنون لا يفقهونه أيضاً لكانوا مشاركين الكفار والمنافقين فيما
دمهم الله تعالی به .
(الوجه الخامس) أنه ذم من لم يكن حظه من السماع إلا سماع الصوت دون
فهم المعنى واتباعه، فقال تعالى: (وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ كَمَثَلِلَّذِى يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ
إِلَّادُعَاءَ وَنِدَآءَ هُمْ بُكْمُّ عُمْىٌّ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ ) وقال تعالى: (أَمْ تَحْسَبُ أَنَّأَكْثَرَهُمْ
٠١٠٠٠٧/١٠
يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَمِّ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا)
وقال تعالى:
(وَمِنْهُمْ مَن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُواْ مِنْ عِندِ كَ قَالُوْلِلَّذِينَ أُوتُواْالْعِلْمَ مَاذَا قَالَ ءَانِفًا أُوْلَئِكَ
الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَأَتَّعُواْ أَهْوَآءَ هُمْ ) وأمثال ذلك.
١٥٨

وهؤلاء المنافقون سمعوا صوت الرسول صلى الله عليه وسلم ولم يفهموا وقالوا:
ماذا قال آنفا؟ أي الساعة ، وهذا كلام من لم يفقه قوله، فقال تعالى: (أُوْلَكَ
الَّذِينَ طَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَتَّعُواْ أَهْوَ هُمْ).
فمن جعل السابقين الأولين ، من المهاجرين والأنصار، والتابعين لهم
بإحسان ، غير عالمين بمعانى القرآن ، جعلهم بمنزلة الكفار والمنافقين فيما ذمهم
الله تعالى عليه .
( الوجه السادس ) أن الصحابة رضي الله عنهم فسروا للتابعين القرآن،
كما قال مجاهد عرضت المصحف على ابن عباس من أوله إلى آخره. أقف عند
كل آية منه وأسأله عنها .
ولهذا قال سفيان الثوري: إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك به ، وكان
ابن مسعود يقول: لو أعلم أحداً أعلم بكتاب الله منى تبلغه الإبل لأتيته، وكل
واحد من أصحاب ابن مسعود وابن عباس نقل عنه من التفسير ما لا
يحصيه إلا الله . والنقول بذلك عن الصحابة والتابعين ثابتة معروفة عند أهل
العلم بها .
فإن قال قائل : قد اختلفوا فى تفسير القرآن اختلافاً كثيراً ؛ ولو كان ذلك
معلوماً عندم عن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يختلفوا فيه.
١٥٩

فيقال: الاختلاف الثابت عن الصحابة؛ بل وعن أئمة التابعين فى القرآن
أكثره لا يخرج عن وجوه :
(أحدها ) أن يعبر كل منهم عن معنى الاسم بعبارة غير عبارة صاحبه،
فالمسمى واحد، وكل اسم يدل على معنى لايدل عليه الاسم الآخر ، مع أن كلاهما
حق؛ بمنزلة تسمية الله تعالى بأسمائه الحسنى، وتسمية الرسول صلى الله عليه وسلم
بأسمائه، وتسمية القرآن العزيز بأسمائه، فقال تعالى: (قُلِ أَدْعُواْ اللَّه أَوِأَدْعُواْ
الرَّحْمَنَّ أَيَّا مَّا تَدْعُواْفَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى).
فإذا قيل: الرحمن الرحيم ، الملك القدوس السلام، فهى كلها أسماء
لمسمی واحد سبحانه وتعالى، وإن کان کل اسم يدل على نعت لله تعالى لا يدل
عليه الاسم الآخر .
ومثال ((هذا التفسير)) كلام العلماء فى تفسير (الصِرَطَ الْمُسْتَقِيمَ)
فهذا يقول: هو الإسلام، وهذا يقول هو القرآن أي اتباع القرآن ، وهذا
يقول : السنة والجماعة ، وهذا يقول : طريق العبودية ، وهذا يقول : طاعة
الله ورسوله .
ومعلوم أن الصراط يوصف بهذه الصفات كلها ، ويسمى بهذه الأسماء كلها
ولكن كل واحد منهم دل المخاطب على النعت الذى به يعرف الصراط ، وينتفع
بمعرفة ذلك النعت .
١٦٠