Indexed OCR Text
Pages 21-40
وكان الجعد بن درهم هذا - فيما قيل - من أهل حران، وكان فيهم خلق كثير من الصابئة والفلاسفة - بقايا أهل دين نمرود والكنعانيين، الذين صنف بعض المتأخرين فى سحرم ــ ونمرود هو ملك الصابئة الكلدانيين المشركين ، كما أن كسرى ملك الفرس والمجوس، وفرعون ملك مصر (١)، والنجاشى ملك الحبشة، وبطليموس ملك اليونان، وقيصر ملك الروم. فهو اسم جنس لا اسم علم. فكانت الصابئة - إلا قليلا منهم - إذ ذاك على الشرك، وعلماؤهم هم الفلاسفة؛ وإن كان الصابئ قد لا يكون مشركا ؛ بل مؤمناً بالله واليوم الآخر كما قال الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَرَى وَالصَّنِْينَ مَنْءَامَنَ بِاللَّهِ وَالْيَّوْمِ اَلْآَخِرِ وَعَمِلَ صَلِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَرَبِّهِمْ وَلَا خَوْفُ عَلَيْهِمْ وَلَاهُمْ يَحْزَنُونَ ). وقال: ( إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُ واْوَالصَِّئُونَ وَالنَّصَرَى مَنْ ءَامَنَ بِالَّهِ وَاُلْيَوْمِ اُلْآَخِرِ وَعَمِلَ صَلِحًا فَلَ خَوْفُ عَلَيْهِمْ وَلَاهُمْ يَحْزَنُونَ ) . لكن كثيراً منهم أو أكثرم كانوا كفاراً أو مشركين؛ كما أن كثيراً من اليهود والنصارى بدلوا وحرفوا وصاروا كفاراً أو مشركين ، فأولئك الصابئون - الذين كانوا إذ ذاك ـ كانوا كفاراً أو مشركين، وكانوا يعبدون الكواكب ويبنون لها الهيا كل. (١) نسخة : ملك القبط الكفار . ٢١ ومذهب النفاة من هؤلاء فى الرب : أنه ليس له إلا صفات سلبية أو إضافية أو مركبة منهما ، وهم الذين بعث إليهم إبراهيم الخليل صلى الله عليه وسلم؛ فيكون الجعد قد أخذها عن الصابئة الفلاسفة . وكذلك أبو نصر الفارابى دخل حران، وأخذ عن فلاسفة الصابئين تمام فلسفته، وأخذها الجهم أيضاً - فيما ذكره الإمام أحمد وغيره- لما ناظر ((السمنية)) بعض فلاسفة الهند - وهم الذين يجحدون من العلوم ما سوى الحسيات - فهذه أسانيد جهم ترجع إلى اليهود والصابئين(١) والمشركين، والفلاسفة الضالون هم إما من الصابئين وإما من المشركين . ثم لما عربت الكتب الرومية واليونانية ، فى حدود المائة الثانية : زاد البلاء ؛ مع ما ألقى الشيطان فى قلوب الضلال ابتداء من جنس ما ألقاه فى قلوب أشباههم. ولما كان فى حدود المائة الثالثة : انتشرت هذه المقالة التى كان السلف يسمونها مقالة الجهمية؛ بسبب بشر بن غياث المريسي وطبقته ، وكلام الأمة مثل مالك ، وسفيان بن عيينة ، وابن المبارك ، وأبى يوسف ، والشافعي، وأحمد ، وإسحاق ، والفضيل بن عياض ، وبشر الحافى وغيرهم : كثير فى ذمهم وتضليلهم. (١) نسخة والنصارى . ٢٢ وهذه التأويلات الموجودة اليوم بأيدي الناس - مثل أكثر التأويلات التى ذكرها أبو بكر بن فورك فى كتاب التأويلات، وذكرها أبو عبد الله محمد ابن عمر الرازي فى كتابه ، الذي سماه ((تأسيس التقديس» ويوجد كثير منها فى كلام خلق كثير غير هؤلاء ، مثل أبى علي الجبائى، وعبد الجبار بن أحمد الهمدانى، وأبي الحسين البصري ، وأبى الوفاء بن عقيل ، وأبي حامد الغزالى، وغيرم ـ هي بعينها تأويلات بشر المريسي، التى ذكرها فى كتابه؛ وإن كان قد يوجد فى كلام بعض هؤلاء رد التأويل وإبطاله أيضاً ، ولهم كلام حسن فى أشياء . فإنما بينت أن عين تأويلاتهم هي عين تأويلات بشر المريسي ، ويدل على ذلك كتاب الرد الذي صنفه عثمان بن سعيد الدارمي ، أحد الأئمة المشاهير فى زمان البخاري ، صنف كتاباً سماه: (رد عثمان بن سعيد على الكاذب العنيد فيما افترى على الله فى التوحيد) حكى فيه هذه التأويلات بأعيانها عن بشر المريسي بكلام يقتضي أن المريسي أقعد بها ، وأعلم بالمنقول والمعقول من هؤلاء المتأخرين ، الذين اتصلت إليهم من جهته وجهة غيره، ثم رد ذلك عثمان ابن سعيد بكلام إذا طالعه العاقل الذكي : على حقيقة ما كان عليه السلف، وتبين له ظهور الحجة لطريقهم وضعف حجة من خالفهم. ثم إذا رأى الأئمة - أئمة الهدى - قد أجمعوا على ذم المريسية وأكثرهم ٢٣ كفروم أو ضللو، وعلى أن هذا القول الساري فى هؤلاء المتأخرين هو مذهب المريسي : تبين الهدى لمن يريد الله هدايته، ولا حول ولا قوة إلا بالله. والفتوى لا تحتمل البسط فى هذا الباب ، وإنما اشير إشارة إلى مبادئ الأمور والعاقل يسير وينظر . وكلام السلف فى هذا الباب موجود فى كتب كثيرة ، لا يمكن أن نذكر ههنا إلا قليلا منه؛ مثل كتاب السنن للألكائي، والإبانة لابن بطة ، والسنة لأبي ذر الهروي، والأصول لأبي عمرو الطلمنكي، وكلام أبي عمر بن عبد البر، والأسماء والصفات للبيهقي، وقبل ذلك السنة للطبراني، ولأبي الشيخ الأصبهاني ولأبي عبد الله بن مندة ولأبي أحمد العسال الأصبهانيين؛ وقبل ذلك السنة للخلال، والتوحيد لابن خزيمة ، وكلام أبى العباس بن سريج والرد على الجهمية لجماعة: مثل البخاري، وشيخه عبد الله بن محمد بن عبد الله الجعفي، وقبل ذلك السنة لعبد الله بن أحمد، والسنة لأبى بكر بن الأثرم، والسنة لحنبل، والمروزي، ولأبى داود السجستانى، ولابن أبى شيبة، والسنة لأبى بكر بن أبى عاصم، وكتاب خلق أفعال العباد للبخاري ، وكتاب الرد على الجهمية لعثمان بن سعيد الدارمي ، وغيرهم . وكلام أبى العباس عبد العزيز المكى صاحب الحيدة فى الرد على الجهمية، وكلام نعيم بن حماد الخزاعي ، وكلام غيرهم ، وكلام الإمام أحمد بن حنبل ٢٤ وإسحاق بن راهويه ، ويحيى بن سعيد ، ويحيى بن يحيى النيسابوري، وأمثالهم. وقبل: لعبد الله بن المبارك وأمثاله وأشياء كثيرة. وعندنا من الدلائل السمعية والعقلية ما لا يتسع هذا الموضع لذكره. وأنا أعلم أن المتكلمين النفاة لهم شبهات موجودة، ولكن لا يمكن ذكرها فى الفتوى، فمن نظر فيها وأراد إبانة ما ذكروه من الشبه فإنه يسير . فإذا كان أصل هذه المقالة -مقالة التعطيل والتأويل - مأخوذاً عن تلامذة المشركين والصابئين واليهود، فكيف تطيب نفس مؤمن - بل نفس عاقل - أن يأخذ سبيل هؤلاء المغضوب عليهم أو الضالين، ويدع سبيل الذين أنعم الله عليهم من النبيين، والصديقين ، والشهداء، والصالحين ؟! ٢٥ فصل ثم القول الشامل فى جميع هذا الباب: أن يوصف الله بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله، وبما وصفه به السابقون؛ الأولون لايتجاوز القرآن والحديث قال الإمام أحمد رضي الله عنه : لا يوصف الله إلا بما وصف به نفسه ، أو وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم لا يتجاوز القرآن والحديث. ومذهب السلف: أنهم يصفون الله بما وصف به نفسه، وبما وصفه بهرسوله من غير تحريف ولا تعطيل ، ومن غير تكييف ولا تمثيل، ونعلم أن ما وصف الله به من ذلك فهو حق ليس فيه لغز ولا أحاجي ؛ بل معناه يعرف من حيث يعرف مقصود المتكلم بكلامه ؛ لا سيما إذا كان المتكلم أعلى الخلق بما يقول ، وأفصح الخلق فى بيان العلم، وأفصح الخلق فى البيان والتعريف، والدلالة والإرشاد. وهو سبحانه مع ذلك ليس كمثله شيء، لا فى نفسه المقدسة المذكورة بأسمائه وصفاته ، ولا فى أفعاله ، فكما نتيقن أن الله سبحانه له ذات حقيقة ، وله أفعال حقيقة : فكذلك له صفات حقيقة وهو ليس كمثله شىء لا فى ذاته ، ولا فىصفاته ولا فى أفعاله، وكل ما أوجب نقصاً أو حدوثاً فإن الله منزه عنه حقيقة ، فإنه سبحانه مستحق للكمال الذي لا غاية فوقه، ويمتنع عليه الحدوث لامتناع العدم ٢٦ عليه ، واستلزام الحدوث سابقة العدم؛ ولافتقار المحدّث إلى محدث، ولوجوب وجوده بنفسه سبحانه وتعالى. ومذهب السلف بين التعطيل والتمثيل ، فلا يمثلون صفات الله بصفات خلقه ، كمالا يمثلون ذاته بذات خلقه ، ولا ينفون عنه ما وصف به نفسه ، ووصفه به رسوله ؛ فيعطلوا أسماءه الحسنى، وصفاته العليا، ويحرفوا الكلم عن مواضعه، ويلحدوا فى أسماء الله وآياته . وكل واحد من فريقي التعطيل والتمثيل: فهو جامع بين التعطيل والتمثيل. أما المعطلون فإنهم لم يفهموا من أسماء الله وصفاته إلا ما هو اللائق بالمخلوق ، ثم شرعوا فى نفي تلك المفهومات؛ فقد جمعوا بين التعطيل والتمثيل ، مثلوا أولا وعطلوا آخراً ، وهذا تشبيه وتمثيل منهم للمفهوم من أسمائه وصفاته بالمفهوم من أسماء خلقه وصفاتهم، وتعطيل لما يستحقه هو سبحانه من الأسماء والصفات اللائقة بالله سبحانه وتعالى . فإنه إذا قال القائل : لو كان الله فوق العرش للزم إما أن يكون أكبر من العرش أو أصغر أو مساويا، وكل ذلك من المحال، ونحو ذلك من الكلام : فإنه لم يفهم من كون الله على العرش الاما يثبت لأي جسم كان على أي جسم كان ، وهذا اللازم تابع لهذا المفهوم . إما استواء يليق بجلال الله تعالى ويختص به فلا يلزمه شيء من اللوازم الباطلة، التى يجب نفيها ، كما يلزم من سائر الأجسام ، وصار هذا مثل قول الممثل : إذا كان للعالم صانع ، فإما أن ٢٧ يكون جوهراً أو عرضاً. وكلاهما محال؛ إذ لا يعقل موجود إلا هذان. وقوله : إذا كان مستوياً على العرش فهو مماثل لاستواء الإنسان على السرير أو الفلك؛ إذ لا يعلم الاستواء إلا هكذا فإن كليهما مثل وكليهما عطل حقيقة ما وصف الله به نفسه ، وامتاز الأول بتعطيل كل اسم للاستواء الحقيقي، وامتاز الثانى بإثبات استواء هو من خصائص المخلوقين . والقول الفاصل : هو ما عليه الأمة الوسط ؛ من أن الله مستو على عرشه استواء يليق بجلاله ، ويختص به فكما أنه موصوف بأنه بكل شيء عليم ، وعلى كل شيء قدير ، وأنه سميع بصير، ونحو ذلك. ولا يجوز أن يثبت للعلم والقدرة خصائص الأعراض التى لعام المخلوقين وقدرتهم ، فكذلك هو سبحانه فوق العرش ، ولا يثبت لفوقيته خصائص فوقية المخلوق على المخلوق ولوازمها . واعلم أنه ليس فى العقل الصريح ولا فى شيء من النقل الصحيح ما يوجب مخالفة الطريق السلفية أصلا ؛ لكن هذا الموضع لا يتسع للجواب عن الشبهات الواردة على الحق ، فمن كان فى قلبه شبهة وأحب حلها فذلك سهل يسير . ثم المخالفون للكتاب والسنة وسلف الأمة - من المتأولين لهذا الباب - فى أمر حديج فإن من أنكر الرؤية يزعم أن العقل يحيلها، وأنه مضطر فيها إلى التأويل ، ومن يحيل أن الله علما وقدرة ، وأن يكون كلامه غير مخلوق ونحو ٢٨ ذلك يقول: إن العقل أحال ذلك فاضطر إلى التأويل ؛ بل من ينكر حقيقة حشر الأجساد والأكل والشرب الحقيقي فى الجنة: يزعم أن العقل أحال ذلك وأنه مضطر إلى التأويل، ومن يزعم أن اللّه ليس فوق العرش: يزعم أن العقل أحال ذلك وأنه مضطر إلى التأويل. ويكفيك دليلا على فساد قول هؤلاء: أنه ليس لواحد منهم قاعدة مستمرة فيما يحيله العقل ، بل منهم من يزعم أن العقل جوز وأوجب ما يدعي الآخر أن العقل أحاله . فياليت شعري بأي عقل يوزن الكتاب والسنة! ؟ فرضى الله عن الإمام مالك بن أنس حيث قال: ((أو كما جاءنا رجل أجدل من رجل تركنا ما جاء به جبريل إلى محمد صلى الله عليه وسلم لجدل هؤلاء)). وكل من هؤلاء مخصوم بما خصم به الآخر وهو من وجوه : - (أحدها ) بيان أن العقل لا يحيل ذلك. و (الثاني) أن النصوص الواردة لا تحتمل التأويل. و (الثالث ) أن عامة هذه الأمور قد علم أن الرسول صلى الله عليه وسلم جاء بها بالاضطرار ، كما أنه جاء بالصلوات الخمس ، وصوم شهر رمضان ؛ فالتأويل الذي يحيلها عن هذا بمنزلة تأويل القرامطة والباطنية، فى الحج والصلاة والصوم وسائر ما جاءت به النبوات . ( الرابع ): أن يبين أن العقل الصريح يوافق ما جاءت به النصوص ؛ وإن ٢٩ كان فى النصوص من التفصيل ما يعجز العقل عن درك التفصيل ، وإنما يعلمه جملا إلى غير ذلك من الوجوه. على أن الوجوه، الأساطين من هؤلاء الفحول : معترفون بأن العقل لا سبيل له إلى اليقين فى عامة المطالب الإلهية . وإذا كان هكذا فالواجب تلقي على ذلك من النبوات، على ما هو عليه، ومن المعلوم للمؤمنين أن الله تعالى بعث محمداً صلى الله عليه وسلم بالهدى ودين الحق؛ ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيداً، وأنه بين للناس ما أخبرم به من أمور الإيمان بالله واليوم الآخر . والإيمان بالله واليوم الآخر: يتضمن الإيمان بالمبدأ والمعاد، وهو الإيمان بالخلق والبعث، كما جمع بينهما فى قوله تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآَخِ وَمَاهُم بِمُؤْمِنِينَ ) وقال تعالى: (مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْتُكُمْ إِلََّ كَنَفْسِ وَحِدَةٍ ) وقال تعالى: (وَهُوَ الَّذِى يَبْدَؤْ الْخَلْقَ ثُمَّيُعِيدُهُ ) وقد بين الله على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم من أمر الإيمان بالله واليوم الآخر ما هدى الله به عباده، وکشف به مراده. ومعلوم للمؤمنين : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلى من غيره بذلك، وأنصح من غيره للأمة ، وأفصح من غيره عبارة وبياناً بل هو أعلم الخلق بذلك وأنصح الخلق للأمة، وأفصحهم، فقد اجتمع فى حقه كمال العلم والقدرةوالإرادة. ومعلوم أن المتكلم ، أو الفاعل ، إذا كمل علمه وقدرته وإرادته : ٣٠ كمل كلامه وفعله ، وإنما يدخل النقص إما من نقص علمه ، وإما من عجزه عن بيان علمه ، وإما لعدم إرادته البيان . والرسول هو الغاية فى كمال العلم ، والغاية فى كمال إرادة البلاغ المبين ، والغاية فى قدرته على البلاغ المبين - ومع وجود القدرة التامة، والإرادة الجازمة : يجب وجود المراد ؛ فعلم قطعاً أن ما بينه من أمر الإيمان بالله واليوم الآخر: حصل به مراده من البيان، وما أراده من البيان فهو مطابق لعلمه، وعلمه بذلك أكمل العلوم. فكل من ظن أن غير الرسول أعلى بهذا منه، أو أكمل بياناً منه ، أو أحرص على هدى الخلق منه: فهو من الملحدين لا من المؤمنين. والصحابة والتابعون لهم بإحسان ومن سلك سبيلهم فى هذا الباب على سبيل الاستقامة . وأما المنحرفون عن طريقهم: فهم ((ثلاث طوائف)): أهل التخييل، وأهل التأويل ، وأهل التجهيل . (فأهل التخييل) : م المتفلسفة ومن سلك سبيلهم، من متكلم ومتصوف ومتفقه . فإنهم يقولون : إن ما ذكره الرسول من أمر الإيمان بالله واليوم الآخر إنما هو تخييل للحقائق لينتفع به الجمهور ، لا أنه بين به الحق ، ولا هدی به الخلق ، ولا أوضح به الحقائق. ثم م على قسمين: منهم من يقول : إن الرسول لم يعلم الحقائق على ما هي عليه . ويقولون : إن من الفلاسفة الإلهية من علمها ، وكذلك من الأشخاص ٣١ الذين يسمونهم الأولياء من علمها، ويزعمون أن من الفلاسفة والأولياء من هو أعلى بالله واليوم الآخر من المرسلين. وهذه مقالة غلاة الملحدين من الفلاسفة والباطنية : باطنية الشيعة وباطنية الصوفية . ومنهم من يقول: بل الرسول علمها لكن لم يبينها، وإنما تكلم بما يناقضها ، وأراد من الخلق فهم ما يناقضها ؛ لأن مصلحة الخلق فى هذه الاعتقادات التى لا تطابق الحق . ويقول هؤلاء: يجب على الرسول أن يدعو الناس إلى اعتقاد التجسيم مع أنه باطل ، وإلى اعتقاد معاد الأبدان مع أنه باطل، ويخبرهم بأن أهل الجنة يأكلون ويشربون مع أن ذلك باطل . قالوا : لأنه لا يمكن دعوة الخلق إلا بهذه الطريق ، التى تتضمن الكذب لمصلحة العباد . فهذا قول هؤلاء فى نصوص الإيمان بالله واليوم الآخر . (وأما الأعمال) فمنهم من يقرها ، ومنهم من يجريها ، هذا المجرى. ويقول: إنما يؤمر بها بعض الناس دون بعض، ويؤمر بها العامة دون الخاصة ، فهذه طريقة الباطنية الملاحدة، والإسماعيلية ونحوهم. (وأما أهل التأويل ) فيقولون: إن النصوص الواردة فى الصفات لم يقصد بها الرسول أن يعتقد الناس الباطل ، ولكن قصد بها معانى، ولميبين لهم تلك المعانى، ولا دلهم عليها ؛ ولكن أراد أن ينظروا فيعرفوا الحق بعقولهم، ثم يجتهدوا فى صرف تلك النصوص عن مدلولها، ومقصوده امتحانهم وتكليفهم، ٣٢ وإتعاب أذهانهم وعقولهم فى أن يصرفوا كلامه عن مدلوله ومقتضاه، ويعرف الحق من غير جهته، وهذا قول المتكلمة، والجهمية والمعتزلة ، ومن دخل معهم فى شيء من ذلك . والذين قصدنا الرد فى هذه الفتيا عليهم: م هؤلاء؛ إذ كان نفور الناس عن الأولين مشهوراً، بخلاف هؤلاء فإنهم تظاهروا بنصر السنة فى مواضع كثيرة، وم ـ فى الحقيقة - لا للإسلام نصروا، ولا للفلاسفة كسروا؛ لكن أولئك الملاحدة ألزموم فى النصوص - نصوص المعاد - نظير ما ادعوه فى نصوص الصفات. فقالوا لهم: نحن نعلم بالاضطرار أن الرسل جاءت بمعاد الأبدان، وقد علمنا فساد الشبه المانعة منه . وأهل السنة يقولون لهم: ونحن نعلم بالاضطرار أن الرسل جاءت باثبات الصفات. ونصوص الصفات فى الكتب الإلهية : أكثر وأعظم من نصوص المعاد . ويقولون لهم: معلوم أن مشركي العرب وغيرهم كانوا ينكرون المعاد، وقد أنكروه على الرسول، وناظروه عليه؛ بخلاف الصفات فإنه لم ينكر شيئاً منها أحد من العرب. فعلم أن إقرار العقول بالصفات : أعظم من إقرارها بالمعاد، وأن إنكار المعاد أعظم من إنكار الصفات، فكيف يجوز مع هذا أن يكون ما أخبر به من الصفات ليس كما أخبر به، وما أخبر به من المعاد هو على ما أخبر به ؟! ٣٣ وأيضاً ؛ فقد على أنه صلى الله عليه وسلم قد ذم أهل الكتاب على ماحرفوه وبدلوه، ومعلوم أن التوراة مملوءة من ذكر الصفات ، فلو كان هذا مما بدل وحرف لكان إنكار ذلك عليهم أولى ، فكيف وكانوا إذا ذكروا بين يديه الصفات يضحك تعجباً منهم وتصديقاً لها ؟! ولم يعبهم قط بما تعيب النفاة أهل الإثبات، مثل لفظ التجسيم والتشبيه ونحو ذلك؛ بل عابهم بقولهم: (يَدُالَّهِ مَغْلُولَهُ ) وقولهم: (إِنَّالَّهَ فَقِيْرٌ وَنَخْنُ أَغْنِيَاءُ ) وقولهم: إنه استراح لما خلق السموات والأرض فقال تعالى: ( وَلَقَدْ خَقْنَا السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَافِى سِنَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ ). والتوراة مملوءة من الصفات المطابقة للصفات المذكورة فى القرآن والحديث؛ وليس فيها تصريح بالمعاد كما فى القرآن. فإذا جاز أن تتأول الصفات التى اتفق عليها الكتابان فتأويل المعاد الذي انفرد به أحدهما أولى، والثانى مما يعلم بالاضطرار من دين الرسول أنه باطل فالأول أولى بالبطلان. (وأما الصنف الثالث) وم ((أهل التجهيل) فهم كثير من المنتسبين إلى السنة، واتباع السلف. يقولون: إن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يعرف معانى ما أنزل الله إليه من آيات الصفات، ولا جبريل يعرف معانى الآيات، ولا السابقون الأولون عرفوا ذلك. وكذلك قولهم فى أحاديث الصفات : إن معناها لا يعلمه إلا الله ؛ مع أن الرسول تكلم بها ابتداء، فعلى قولهم تكلم بكلام لا يعرف معناه. ٣٤ وهؤلاء يظنون أنهم اتبعوا قوله تعالى (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ: إِلَّ اللّهُ ) ، فإنه وقف أكثر السلف على قوله: (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ: إِلَّ اللَّهُ ). وهو وقف صحيح، لكن لم يفرقوا بين معنى الكلام وتفسيره؛ وبين ((التأويل)) الذي انفرد الله تعالى بعلمه؛ وظنوا أن التأويل المذكور فى كلام الله تعالى هو ((التأويل)» المذكور فى كلام المتأخرين ، وغلطوا فى ذلك. فإن لفظ ((التأويل)) يراد به ثلاث معان : ((فالتأويل)) فى اصطلاح كثير من المتأخرين هو : صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح لدليل يقترن بذلك، فلا يكون معنى اللفظ الموافق لدلالة ظاهره تأويلاً على اصطلاح هؤلاء؛ وظنوا أن مراد الله تعالى بلفظ التأويل ذلك، وأن للنصوص تأويلا يخالف مدلولها لا يعلمه إلا الله ولا يعلمه المتأولون. ثم كثير من هؤلاء يقولون : نجرى على ظاهرها ، فظاهرها مراد مع قولهم: إن لها تأويلا بهذا المعنى لا يعلمه إلا الله. وهذا تناقض وقع فيه كثير من هؤلاء المنتسبين إلى السنة: من أصحاب ((الأئمة الأربعة)) وغيرهم . (والمعنى الثانى) ((أن التأويل)) هو تفسير الكلام - سواء وافق ظاهره أو لم يوافقه - وهذا هو ((التأويل)) فى اصطلاح جمهور المفسرين، وغيرهم. وهذا ((التأويل)) يعلمه الراسخون فى العلم ، وهو موافق لوقف من وقف من ٣٥ السلف على قوله: ( وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللّهُ وَالزَّسِخُونَ فِ الْعِلْمِ ) كما نقل ذلك ے عن ابن عباس ، ومجاهد، ومحمد بن جعفر بن الز بير ، ومحمد بن إسحاق ، وابن قتيبة وغيرم ، وكلا القولين حق باعتبار. كما قد بسطناه فى موضع آخر ؛ ولهذا نقل عن ابن عباس هذا وهذا ، وكلاهما حق. (والمعنى الثالث ) أن التأويل هو الحقيقة التى يؤول الكلام إليها - وإن وافقت ظاهره ـ فتأويل ما أخبر الله به فى الجنة -من الأكل والشرب واللباس والنكاح وقيام الساعة وغير ذلك - هو الحقائق الموجودة أنفسها؛ لا مايتصور من معانيها فى الأذهان، ويعبر عنه باللسان، وهذا هو ((التأويل)) فى لغة القرآن، كما قال تعالى عن يوسف إنه قال: ( يَأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُوْيَىَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَرَبِ حَقًّا ) وقال تعالى: ( هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيَةُ يَوْمَ يَأْتِى تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْجَاءَتْ رُسُلُ رَيْنَا بِالْحَقِّ ) وقال تعالى: (فَإِنِ تَزَعْنُمْ فِي شَىْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِذْكُ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَاَلْيَّوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا ). وهذا التأويل هو الذي لا يعلمه إلا الله. وتأويل ((الصفات)) هو الحقيقة التى انفرد الله تعالى بعلمها، وهو الكيف المجهول الذي قال فيه السلف - كمالك وغيره - : الاستواء معلوم، والكيف مجهول ؛ فالاستواء معلوم - يعلم معناه ويفسر ويترجم بلغة أخرى - وهو من ے ٣٦ التأويل الذي يعلمه الراسخون فى العلم ؛ وأما كيفية ذلك الاستواء فهو التأويل الذي لا يعلمه إلا الله تعالى . وقد رُوي عن ابن عباس ما ذكره عبد الرزاق وغيره فى تفسيرهم عنه أنه قال : تفسير القرآن على أربعة أوجه :- تفسير تعرفه العرب من كلامها ، وتفسير لايعذر أحد يجهالته ، وتفسير يعلمه العلماء، وتفسير لا يعلمه إلا الله عز وجل ، فمن ادعى علمه فهو كاذب. وهذا كما قال تعالى: ( فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِىَ لَهُمْ مِّنْ قُرَّةِأَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ). وقال النبي صلى الله عليه وسلم يقول الله تعالى: ((أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر)). وكذلك على وقت الساعة ونحو ذلك ، فهذا من التأويل الذي لا يعلمه إلا الله تعالى. وان كنا نفهم معاني ما خوطبنا به، ونفهم من الكلام ما قصد إفهامنا إياه ، كما قال تعالى: ( أَفَلاَ يَنَّدَبُّونَ الْقُرْءَانَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا) وقال: (أَفَلَمْ يَدَّبَّرُواْ اُلْقَوَّلَ ) فأمر بتدبر القرآن كله لا بتدبر بعضه. وقال أبو عبد الرحمن السلمي: حدثنا الذين كانوا يقر ئوننا القرآن عثمان ابن عفان، وعبد الله بن مسعود، وغيرهما أنهم كانوا إذا تعلموا من النبى صلى الله عليه وسلم عشر آيات لم يتجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل . قالوا: فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعاً. ٣٧ وقال مجاهد : عرضت المصحف على ابن عباس رضي الله عنهما من فاتحته إلى خاتمته، أقف عند كل آية وأسأله عنها . وقال الشعبي : ما ابتدع أحد بدعة إلا وفى كتاب الله بيانها . وقال مسروق : ما سئل أصحاب محمد عن شىء إلا وعلمه فى القرآن ، ولكن علمنا قصر عنه . وهذا باب واسع قد بسط فى موضعه . والمقصود هنا: التنبيه على أصول ((المقالات الفاسدة)» التى أوجبت الضلالة فى باب العلم والإيمان بما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، وأن من جعل الرسول غير عالم بمعانى القرآن الذي أنزل إليه، ولا جبريل- جعله غير عالم بالسمعيات، ولم يجعل القرآن هدى ولا بياناً للناس. ثم هؤلاء ينكرون العقليات فى هذا الباب بالكلية ، فلا يجعلون عند الرسول وأمته فى ((باب معرفة الله عز وجل)) لا علوماً عقلية ولا سمعية؛ وهم قد شاركوا الملاحدة فى هذه من وجوه متعددة ، وهم مخطئون فيما نسبوا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، وإلى السلف من الجهل ، كما أخطأ فى ذلك أهل التحريف ، والتأويلات الفاسدة، وسائر أصناف الملاحدة. ونحن نذكر من ((ألفاظ السلف)) بأعيانها « وألفاظ من نقل مذهبهم)» - إلى غير ذلك من الوجوه بحسب ما يحتمله هذا الموضع - ما يعلم به مذهبهم. ٣٨ روى أبو بكر البيهقي فى ((الأسماء والصفات)) بإسناد صحيح ، عن الأوزاعي قال: كنا - والتابعون متوافرون -: نقول إن الله- تعالى ذكره- فوق عرشه ونؤمن بما وردت فيه السنة من صفاته . وقد حكى الأوزاعي - وهو أحد ((الأئمة الأربعة)) فى عصر تابع التابعين: الذين هم ((مالك)) إمام أهل الحجاز و ((الأوزاعي)) إمام أهل الشام و((الليث)) إمام أهل مصر و ((الثوري)) إمام أهل العراق - حكى شهرة القول فى زمن التابعين بالإيمان بأن الله تعالى فوق العرش ، وبصفاته السمعية. وإنما قال الأوزاعي هذا بعد ظهور مذهب جهم المنكر لكون الله فوق عرشه، والنافى لصفاته ؛ ليعرف الناس أن مذهب السلف خلاف ذلك. وروى أبو بكر الخلال فى (( كتاب السنة)) عن الأوزاعى قال : سئل مكحول والزهري عن تفسير الأحاديث فقالا : - أمِرُ وها كما جاءت. وروى أيضاً عن الوليد بن مسلم قال : سألت مالك بن أنس ، وسفيان الثوري، والليث بن سعد والأوزاعي: عن الأخبار التى جاءت فى الصفات . فقالوا: أمرّوها كما جاءت . وفى رواية: فقالوا أمّوها كما جاءت بلا كيف. فقولهم - رضي الله عنهم ـ ((أمّوها كما جاءت)) رد على المعطلة، وقولهم: ((بلا كيف)) رد على الممثلة. والزهري، ومكحول: هما أعلى التابعين فى زمانهم، ء ٣٩ والأربعة الباقون أئمة الدنيا فى عصر تابعي التابعين ، ومن طبقتهم حماد بن زيد، وحماد بن سلمة وأمثالهما. وروى أبو القاسم الأزجي بإسناده عن مطرف بن عبد الله ، قال سمعت مالك بن أنس إذا ذكر عنده من يدفع أحاديث الصفات يقول: قال ((عمر ابن عبد العزيز»: سن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وولاة الأمر بعده سفناً. الأخذ بها تصدیق لکتاب الله ، واستكمال لطاعة الله ، وقوة على دين الله ، لیس لأحد من خلق الله تعالى تغييرها ، ولا النظر فى شيء خالفها ، من اهتدى بها فهو مهتد، ومن استنصر بها فهو منصور ، ومن خالفها واتبع غير سبيل المؤمنين ولاه الله ما تولى وأصلاه جهنم وساءت مصيراً. وروى الخلال بإسناد - كلهم أمة ثقات - عن سفيان بن عيينة. قال: سئل ربيعة بن أبى عبد الرحمن عن قوله: ( الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ أَسْتَوَى ) كيف استوى؟ قال: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، ومن الله الرسالة وعلى الرسول البلاغ المبين، وعلينا التصديق . وهذا الكلام مروي عن ((مالك بن أنس)) تلميذ ربيعة بن أبى عبد الرحمن ء من غير وجه . (منها) : ما رواه أبو الشيخ الأصبهانى ، وأبو بكر البيهقي عن يحيى ابن يحيى ؛ قال : كنا عند مالك بن أنس ؛ فجاء رجل فقال يا أبا عبد الله : ٤٠