Indexed OCR Text
Pages 1-20
جُوَ فَتَاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيميّة ((قَدَّسَ اللَّهَ رُوحَهُ)) جَمْعْ وَتَرَتِيبُ عَبد الرَّمن ◌ْ مُحَمَّد بْقَاسْم «رَحَمَهُاله) وَسَاعَدَهُ أَبْنُهُ مُحَمَّد ((وَفَقَهُ اللَّه)» المجلّد الخامِسُ طبعَ بأمر خَادِمْ الْهَيْنِ الشَّرِفَيْ المَلِ فَهَّ د بْ عَبْلِ الْعَزِيزُ الُْودِ أَجْزَل اللَّه مَثْوُبتَه طبعَت هذه الفتَاوى في مُجَعَ الَلِكِ فَهْدِ الطَّاعَةِ المُصِحِفِ الشَّرِيف في المدينَةِ المنوّرة تحت إشراف وَزَارَة الشُُّؤُونِ الإِسْلَامِيَّةِ وَالْأَوْقَافِ وَاللَّجُوْمَ وَالأَرْشَادِ بالمملَكَةِ العَرَبيَّةِ السُّعُوديّةِ عام ١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٣م ٤ مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، ١٤١٥ هـ. فهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية ابن تيميه ، أحمد بن عبدالحليم فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيميه . ٦.٨ ص : ١٧ × ٢٤ سم ردمك ٦-٢٠-٧٧٠-٩٩٦٠ ( مجموعة) ٧-٢٥-٧٧٠ -٩٩٦٠ ( ج ٥) ١ - الفتاوى الإسلامية ٢- الفقه الحنبلي أ - العنوان ١٥/٢٠٠٩ دیوي ٢٥٨,٤ رقم الإيداع : ١٥/٢٠٠٩ ردمك : ٦-٢٠ -٧٧٠ -٩٩٦٠ (مجموعة) ٧-٢٥-٧٧٠ -٩٩٦٠ (ج ٥ ) الجزء الأول من كتاب الأسْمَاءِ وَالصَّغَابْ بِسْمِاللهِالرَِّ الرَّحَمِ الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده سئل شيخ الإسلام : العالم الرباني («تقي الدين أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية)) رحمه الله تعالى(١) . ما قول السادة العلماء أئمة الدين فى ((آيات الصفات)) كقوله تعالى: ( الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ آَسْتَوَى) وقوله: (ثُمَّ أَسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ) وقوله: ( ثُمَ آَسْتَوَىَّ إِلَى السَّمَاءِ وَهِىَ دُخَانٌ ) إلى غير ذلك من آيات الصفات، و((أحاديث الصفات)) كقوله صلى الله عليه وسلم ((إن قلوب بني آدم بين أصبعين من أصابع الرحمن)) وقوله: (يضع الجبار قدمه فى النار)) إلى غير ذلك، وما قالت العلماء فيه وأبسطوا القول فى ذلك مأجورين إن شاء الله تعالى . فأجاب - رضي الله عنه -: الحمد لله رب العالمين. قولنا فيها ما قاله الله ورسوله صلى الله عليه وسلم (١) تسمى ((الحموية الكبرى)) لأن المؤلف زاد فيها زيادات على مافى ((الحموية الصغرى)). ٥ والسابقون الأولون: من المهاجرين والأنصار، والذين اتبعوم بإحسان ؛ وما قاله أئمة الهدى بعد هؤلاء الذين أجمع المسلمون على هدايتهم ودرايتهم ، وهذا هو الواجب على جميع الخلق فى هذا الباب وغيره ؛ فإن الله سبحانه وتعالى بعث محمداً صلى الله عليه وسلم بالهدى ودين الحق؛ ليخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد، وشهد له بأنه بعثه داعياً إليه بإذنه، وسراجا منيراً، وأمره أن يقول: (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِى أَدْعُواْإِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِى ). فمن المحال فى العقل والدين أن يكون السراج المنير الذي أخرج الله به الناس من الظلمات إلى النور ، وأنزل معه الكتاب بالحق؛ ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه، وأمر الناس أن يردوا ما تنازعوا فيه من أمر دينهم إلى مابعث به من الكتاب والحكمة، وهو يدعو إلى الله وإلى سبيله بإذنه على بصيرة ، وقد أخبر الله بأنه أكمل له ولأمته دينهم، وأتم عليهم نعمته - محال مع هذا وغيره: أن يكون قد ترك باب الإيمان بالله، والعلم به ملتبساً مشتبهاً، ولم يميز بين ما يجب لله من الأسماء الحسنى والصفات العليا، وما يجوز عليه، وما يمتنع عليه. فإن معرفةهذا أصل الدين وأساس الهداية، وأفضل وأوجب ما اكتسبته القلوب، وحصلته النفوس ، وأدركته العقول ، فكيف يكون ذلك الكتاب وذلك الرسول وأفضل خلق الله بعد النبيين لم يحكموا هذا الباب اعتقاداً وقولاً ؟! ٦ ومن المحال أيضاً أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم قد على أمته كل شيء حتى الخراءة، وقال: ((تركتكم على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك)) وقال فيما صح عنه أيضاً: ((ما بعث الله من نى إلا كان حقاً عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم وينهاهم عن شر ما يعلمه لهم)). وقال أبو ذر: لقد توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم وما طائر يقلب جناحيه فى السماء إلا ذكر لنا منه علماً. وقال عمر بن الخطاب: «قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم مقاماً ، فذكر بدء الخلق؛ حتى دخل أهل الجنة منازلهم وأهل النار منازلهم ، حفظ ذلك من حفظه ونسيه من نسيه)» رواه البخاري. ومحال مع تعليمهم كل شيء لهم فيه منفعة فى الدين - وإن دقت - أن يترك تعليمهم ما يقولونه بألسنتهم، ويعتقدونه فى قلوبهم، فى ربهم ومعبودهم رب العالمين، الذي معرفته غاية المعارف، وعبادته أشرف المقاصد ، والوصول إليه غاية المطالب ؛ بل هذا خلاصة الدعوة النبوية، وزيدة الرسالة الإلهية، فكيف بتوم من فى قلبه أدنی مسکة من إيمان وحكمة أن لا یکون بیان هذا الباب قد وقع من الرسول على غاية التمام ؟! ثم إذا كان قد وقع ذلك منه: فمن المحال أن يكون خير أمته وأفضل قرونها قصروا فى هذا الباب، زائدين فيه أو ناقصین عنه . ثم من المحال أيضاً أن تكون القرون الفاضلة - القرن الذي بعث فيه رسول صلى الله عليه وسلم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم- كانوا غير ٧ عالمين وغير قائلين فى هذا الباب بالحق المبين ؛ لأن ضد ذلك إما عدم العلم والقول ، وإما اعتقاد نقيض الحق وقول خلاف الصدق . وكلاهما ممتنع. (أما الأول): فلأن من فى قلبه أدنى حياة وطلب للعلم، أو نهمة فى العبادة يكون البحث عن هذا الباب والسؤال عنه، ومعرفة الحق فيه، أكبر مقاصده، وأعظم مطالبه ؛ أعنى بيان ما ينبغى اعتقاده، لا معرفة كيفية الرب وصفاته . وليست النفوس الصحيحة إلى شيء أشوق منها إلى معرفة هذا الأمر . وهذا أمر معلوم بالفطرة الوجدية ، فكيف يتصور مع قيام هذا المقتضى - الذي هو من أقوى المقتضيات - أن يتخلف عنه مقتضاه فى أولئك السادة فى مجموع عصورم؟! هذا لا يكاد بقع فى أبلد الخلق، وأشدم إعراضاً عن الله، وأعظمهم ! كبابا على طلب الدنيا ، والغفلة عن ذكر الله تعالى؛ فكيف يقع فى أولئك؟ وأما كونهم كانوا معتقدين فيه غير الحق أو قائليه: فهذا لا يعتقده مسلم، ولا عاقل عرف حال القوم. ثم الكلام فى هذا الباب عنهم: أكثر من أن يمكن سطره فى هذه الفتوى وأضعافها ، يعرف ذلك من طلبه وتتبعه ، ولا يجوز أيضاً أن يكون الخالفون أعلى من السالفين، كما قد يقوله بعض الأغبياء ممن لم يقدر قدر السلف؛ بل ولاعرف الله ورسوله والمؤمنين به حقيقة المعرفة المأمور بها: من أن ((طريقة السلف أسلم ٨ وطريقة الخلف أعلم وأحكم)» - وإن كانت هذه العبارة إذا صدرت من بعض العلماء قد يغنى بها معنى صحيحاً. فإن هؤلاء المبتدعين الذين يفضلون طريقة الخلف من المتفلسفة ومن حذا حذوهم على طريقة السلف : إنما أتوا من حيث ظنوا: أن طريقة السلف هي مجرد الإيمان بألفاظ القرآن والحديث ، من غير فقه لذلك، بمنزلة الأميين الذين قال الله فيهم: ﴿ وَمِنْهُمْ أُمِنُونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِنَبَ إِلَّ أَمَانِىَ﴾ وأن طريقة الخلف هي استخراج معاني النصوص المصروفة عن حقائقها بأنواع المجازات وغرائب اللغات. فهذا الظن الفاسد أو جب ((تلك المقالة)) التى مضمونها نبذ الإسلام وراء الظهر وقد كذبوا على طريقة السلف، وضلوا فى تصويب طريقة الخلف ؛ فجمعوا بين الجهل بطريقة السلف فى الكذب عليهم ؛ وبين الجهل والضلال بتصويب طريقة الخلف . وسبب ذلك اعتقاده أنه ليس فى نفس الأمر صفة دلت عليها هذه النصوص بالشبهات الفاسدة ، التى شاركوا فيها إخوانهم من الكافرين ؛ فلما اعتقدوا انتفاء الصفات فى نفس الأمر ، وكان مع ذلك لابد للنصوص من معنى ، بقوا مترددين بين الإيمان باللفظ وتفويض المغنى - وهي التى يسمونها طريقة السلف - وبين صرف اللفظ إلى معان بنوع تكلف ــ وهي التى يسمونها طريقة الخلف-فصار هذا الباطل مركباً من فساد العقل والكفر بالسمع ؛ فإن النفي إنما اعتمدوا فيه ٩ على أمور عقلية ظنوها بينات وهي شبهات ، والسمع حرفوا فيه الكلم عن مواضعه . فلما ابتنى أحرم على هاتين المقدمتين الكفريتين الكاذبتين: كانت النتيجة استجهال السابقين الأولين واستبلاههم، واعتقاد أنهم كانوا قوما أميين ، بمنزلة الصالحين من العامة ؛ لم يتبحروا فى حقائق العلم بالله، ولم يتفطنوا الدقائق العلم الإلهي، وأن الخلف الفضلاء حازوا قصب السبق فى هذا كله . ثم هذا القول إذا تدبره الإنسان وجده فى غاية الجهالة؛ بل فى غاية الضلالة. كيف يكون هؤلاء المتأخرون - لاسيما والإشارة بالخلف إلى ضرب من المتكلمين الذين كثر فى باب الدين اضطرابهم وغلظ عن معرفة الله حجابهم ، وأخبر الواقف على نهاية إقدامهم بما انتهى إليه أمرم حيث يقول: لعمري لقد طفت المعاهد كلها وسيرت طرفى بين تلك المعالم على ذقن أو قارعاً سن نادم فلم أر إلا واضعاً كف حائر وأقروا على أنفسهم بما قالوه متمثلین به أو منشئین له فيما صنفوه من کتبهم کقول بعض رؤسائهم. نهاية إقدام العقول عقال وأكثر سعي العالمين ضلال وحاصل دنيانا أذى ووبال وأرواحنا فى وحشة من جسومنا سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا ١٠ لقد تأملت الطرق الكلامية، والمناهج الفلسفية ؛ فما رأيتها تشفي عليلا ولا تروي غليلا، ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن. اقرأ فى الإثبات: (الزَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى)، (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُالَِّبُ) واقرأ فى النفي: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ. شَىْءٌ)، (وَلَا يُحِيطُونَ كِهِ، عِلْمًا) ومن جرب مثل تجربتى عرف مثل معرفتى اهـ. ويقول الآخر منهم : لقد خضت البحر الخضم ، وتركت أهل الإسلام وعلومهم، وخضت فى الذي نهونی عنه،والآن إن لم يتداركنی ربی برحمته فالويل لفلان، وها أنا أموت على عقيدة أمي اهـ. ويقول الآخر منهم: أكثر الناس شكا عند الموت أصحاب الكلام. ثم هؤلاء المتكلمون المخالفون للسلف إذا حقق عليهم الأمر: لم يوجد عندهم من حقيقة العلم بالله وخالص المعرفة به خبر، ولم يقعوا من ذلك على عين ولا أثر، كيف يكون هؤلاء المحجوبون، المفضلون ، المنقوصون ، المسبوقون ، الحيارى ، المتهوكون : أعلم بالله وأسمائه وصفاته وأحكم فى باب ذاته وآياته من السابقين الأولين، من المهاجرين والأنصار، والذين اتبعوهم بإحسان من ورثة الأنبياء وخلفاء الرسل ، وأعلام الهدى ومصابيح الدجى ، الذين بهم قام الكتاب وبه قاموا، وبهم نطق الكتاب وبه نطقوا، الذين وهبهم الله من العلم والحكمة ما برزوا به على سائر أتباع الأنبياء، فضلاعن سائر الأمم الذين لا كتاب لهم ، وأحاطوا من حقائق المعارف وبواطن الحقائق بما لو جمعت حكمة غيرم إليها لاستحيا من يطلب المقابلة ؟! ١١ ثم كيف يكون خير قرون الأمة أنقص فى العلم والحكمة - لاسيما العلم بالله وأحكام أسمائه وآياته - من هؤلاء الأصاغر بالنسبة إليهم ؟ أم كيف يكون أفراخ المتفلسفة وأتباع الهند واليونان ، وورثة المجوس والمشركين ، وضلال اليهود والنصارى والصابئين، وأشكالهم وأشباههم : أعلم بالله من ورثة الأنبياء وأهل القرآن والإيمان ؟! وإنما قدمت («هذه المقدمة)) لأن من استقرت هذه المقدمة عنده عرف طريق الهدى أن هو فى هذا الباب وغيره ، وعلى أن الضلال والتهوك إنما استولى على كثير من المتأخرين بنبذه كتاب الله وراء ظهورهم، وإعراضهم عما بعث الله به محمداً صلى الله عليه وسلم من البينات والهدى ، وتركهم البحث عن طريقة السابقين والتابعين ، والتماسهم على معرفة الله ممن لم يعرف الله بإقراره على نفسه، وبشهادة الأمة على ذلك، وبدلالات كثيرة؛ وليس غرضي واحداً معيناً وإنما أصف نوع هؤلاء ونوع هؤلاء. وإذا كان كذلك: فهذا كتاب الله من أوله إلى آخره ، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم من أولها إلى آخرها، ثم عامة كلام الصحابة والتابعين ، ثم كلام سائر الأمة: مملوء بما هو إما نص وإما ظاهر فى أن الله سبحانه وتعالى هو العلي الأعلى، وهو فوق كل شيء، وهو على كل شيء، وأنه فوق العرش، وأنه فوق السماء: مثل قوله تعالى: (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّلِحُ بَرْفَعُهُ) (إِنِ مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَىَّ) (َ أَمِنْثُ مَّنْ فِ السَّمَآءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ ) (أَمْ أَمِنْتُمُ ١٢ مَن فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ) (بَلَرَفَعَهُ اللّهُإِلَيْهِ) (تَعْرُجُ الْمَلَبِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ ) ( يُدَبِرُالْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّيَعْرُجُ إِلَيْهِ) (يَخَافُونَ رَهُم مِّنْ فَوْقِهِمْ) ( ثُمَّ أُسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ) فى ستة مواضع (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ أَسْتَوَى) ( يَهَمَنُ أَبْنِ لِ صَرْحًا لَّعَلَّى أَبْلُغُ الْأَسْبَبَ * أَسْبَبَ السَّمَوَتِ فَأَطَّلِعَ إِلَإِلَهِ مُوسَى وَإِنِّى لَأَظُنُّهُ كَذِبًا) (تَنْزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ) ( مُنَزَّلُ مِّن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ ). إلى أمثال ذلك مما لا يكاد يحصى إلا بكلفة . وفى الأحاديث الصحاح والحسان ما لا يحصى إلا بالكلفة، مثل قصة معراج الرسول صلى الله عليه وسلم إلى ربه ، ونزول الملائكة من عند الله وصعودها إليه ؛ وقوله فى الملائكة الذين يتعاقبون فيكم بالليل والنهار : فيعرج الذين باتوا فيكم إلى ربهم فيسألهم وهو أعلم بهم. وفى الصحيح فى حديث الخوارج: «ألا تأمنونى وأنا أمين من فى السماء يأتينى خبر السماء صباحاً ومساء» وفى حديث الرقية الذي رواه أبو داود وغيره «ربنا الله الذي فى السماء، تقدس اسمك، أمرك فى السماء والأرض، كما رحمتك فى السماء اجعل رحمتك فى الأرض ، اغفر لنا حوبنا وخطايانا ، أنت رب الطيبين، أنزل رحمة من رحمتك ، وشفاء من شفائك على هذا الوجع )) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((إذا اشتكى أحد منكم أو اشتكى أخ له فليقل: ((ربنا الله الذي فى السماء)) وذكره. وقوله فى حديث الأوعال (( والعرش فوق ذلك والله فوق عرشه وهو يعلم ١٣ ما أنتم عليه)) رواه أحمد وأبو داود وغيرهما، وقوله فى الحديث الصحيح للجارية ((أين الله)؟ قالت فى السماء قال: ((من أن)؟ قالت: أنت رسول الله قال: ((أعتقها فإنها مؤمنة)). وقوله فى الحديث الصحيح: ((إن الله لما خلق الخلق كتب فى كتاب موضوع عنده فوق العرش إن رحمتی سبقت غضی)» وقوله فی حدیث قبض الروح (( حتى يعرج بها إلى السماء التى فيها الله تعالى)). وقول عبد الله بن رواحة الذي أنشده النبي صلى الله عليه وسلم وأقره عليه: وأن النار مثوى الكافرينا شهدت بأن وعد الله حق وفوق العرش رب العالمينا وأن العرش فوق الماء طاف وقول أمية بن أبى الصلت الثقفي الذي أنشد للنبي صلى الله عليه وسلم هو وغيره من شعره فاستحسنه، وقال: (( آمن شعره وكفر قلبه)» حيث قال : - ربنا فى السماء أمسى كبيرا مجدوا الله فهو للمجد أهل بالبناء الأعلى الذي سبق النا س وسوى فوق السماء سريرا شرجعا ما يناله بصر العين ترى دونه الملائك صورا وقوله فى الحديث الذي فى المسند: (( إن الله حيي كريم يستحيي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردهما صفرا)). وقوله فى الحديث: ((يمد يديه إلى السماء ١٤ يقول يا رب يا رب)). إلى أمثال ذلك مما لا يحصيه إلا الله، مما هو من أبلغ المتواترات اللفظية والمعنوية ، التى تورث علماً يقيناً من أبلغ العلوم الضرورية أن الرسول صلى الله عليه وسلم المبلغ عن الله ألقى إلى أمته المدعوين - أن الله سبحانه على العرش ، وأنه فوق السماء، كما فطر الله على ذلك جميع الأمم، عربهم وعجمهم فى الجاهلية والإسلام؛ إلا من اجتالته الشياطين عن فطرته. ثم عن السلف فى ذلك من الأقوال مالو جمع لبلغ مئين أو ألوفا. ثم ليس فى كتاب الله ، ولا فى سنة رسوله صلى الله عليه وسلم ولا عن أحد من سلف الأمة - لامن الصحابة ولا من التابعين لهم بإحسان، ولا عن الأمة الذين أدركوا زمن الأهواء والاختلاف-حرف واحد يخالف ذلك، لانصاً ولا ظاهراً. ولم يقل أحد منهم قط إن الله ليس فى السماء، ولا إنه ليس على العرش، ولا إنه بذاته فى كل مكان ، ولا إن جميع الأمكنة بالنسبة إليه سواء ، ولا إنه لا داخل العالم ولا خارجه ، و(لا إنه ) لا متصل ولا منفصل، ولا إنه لا يجوز الإشارة الحسية إليه بالأصابع ونحوها ؛ بل قد ثبت فى الصحيح عن جابر ابن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم لما خطب خطبته العظيمة يوم عرفات، فى أعظم مجمع حضره الرسول صلى الله عليه وسلم جعل يقول: ((ألا هل بلغت؟)) فيقولون : نعم. فيرفع إصبعه إلى السماء ثم ينكبها إليهم ويقول: ((اللهم اشهد!)) غير مرة وأمثال ذلك كثيرة. فلئن كان الحق ما يقوله هؤلاء السالبون النافون للصفات الثابتة فى ١٥ الكتاب والسنة ؛ من هذه العبارات ونحوها ؛ دون ما يفهم من الكتاب والسنة إما نصاً وإما ظاهراً، فكيف يجوز على الله تعالى ، ثم على رسوله صلى الله عليه وسلم، ثم على خير الأمة: أنهم يتكلمون دائماً بما هو إما نص وإما ظاهر فى خلاف الحق ؟! ثم الحق الذي يجب اعتقاده لا يبوحون به قط، ولا يدلون عليه لا نصاً ولا ظاهراً؛ حتى يجيء أنباط الفرس والروم، وفروخ اليهود والنصارى والفلاسفة يبينون للأمة العقيدة الصحيحة، التى يجب على كل مكلف أو كل فاضل أن يعتقدها !!. لئن كان ما يقوله هؤلاء المتكلمون المتكلفون هو الاعتقاد الواجب وهم مع ذلك أحيلوا فى معرفته على مجرد عقولهم ، وأن يدفعوا بما اقتضى قياس عقولهم ما دل عليه الكتاب والسنة نصاً أو ظاهراً ؛ لقد كان ترك الناس بلا كتاب ولا سنة : أهدى لهم وأنفع على هذا التقدير ؛ بل كان وجود الكتاب والسنة ضرراً محضاً فى أصل الدين . فإن حقيقة الأمر على ما يقوله هؤلاء : إنكم يا معشر العباد لا تطلبوا معرفة الله عز وجل، وما يستحقه من الصفات نفياً وإثباتاً ، لا من الكتاب ولا من السنة ، ولا من طريق سلف الأمة . ولكن انظروا أنتم فما وجد تموه مستحقاً له من الصفات فصفوه به - سواء كان موجوداً فى الكتاب والسنة أو لم يكن - وما لم تجدوه مستحقاً له فى عقولکم فلا تصفوه به !! . ١٦ ثم ثم ههنا فريقان: (أكثرم) يقولون: ما لم تثبته عقولكم فانفوه - (ومنهم) من يقول: بل توقفوا فيه ـ وما نفاه قياس عقولكم - الذي أنتم فيه مختلفون ومضطربون اختلافاً أكثر من جميع من على وجه الأرض- فانفوه، وإليه عند التنازع فارجعوا. فإنه الحق الذي تعبدتكم به ؛ وما كان مذكوراً فى الكتاب والسنة مما يخالف قياسكم هذا، أويثبت ما لم تدركه عقولكم - على طريقة أكثرم - فاعلموا أنى أمتحنكم بتنزيله لا لتأخذوا الهدى منه ؛ لكن لتجتهدوا فى تخريجه على شواذ اللغة ، ووحشي الألفاظ ، وغرائب الكلام. أو أن تسكتوا عنه مفوضين علمه إلى الله ، مع نفي دلالته على شيء من الصفات؛ هذا حقيقة الأمر على رأي هؤلاء المتكلمين . وهذا الكلام قد رأيته صرح بمعناه طائفة منهم ، وهو لازم جماعتهم لزوماً لامحيد عنه، ومضمونه: أن كتاب الله لا يهتدى به فى معرفة الله ، وأن الرسول معزول عن التعليم والإخبار بصفات من أرسله، وأن الناس عند التنازع لا يردون ما تنازعوا فيه إلى الله والرسول ؛ بل إلى مثل ما كانوا عليه فى الجاهلية، وإلى مثل ما يتحاكم إليه من لا يؤمن بالأنبياء، كالبراهمة والفلاسفة - وهم المشركون - والمجوس وبعض الصابئين . وإن كان هذا الرد لا يزيد الأمر إلا شدة ؛ ولا يرتفع الخلاف به؛ إذ لكل فريق طواغيت يريدون أن يتحاكموا إليهم، وقد أمروا أن يكفروا بهم. وما أشبه حال هؤلاء المتكلمين بقوله سبحانه وتعالى : (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ ١٧ أَنَّهُمْءَامَنُواْبِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوْ إِلَى الطَّغُوتِ وَقَدْ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُواْبِهِ، وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَلا بَعِيدًا * تَعَالَوْاْ إِلَى مَآ أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَفِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا * فَكَيْفَ إِذَا أَصَبَتْهُم ◌ُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَآءُ ولَكَ يَحْلِّفُونَ بِاللّهِ إِنْ أَرَدْنَآ إِلَّا إِحْسَنًا وَتَوْفِيقًا ). فإن هؤلاء إذا دعوإ إلى ما أنزل الله من الكتاب وإلى الرسول - والدعاء إليه بعد وفاته هو الدعاء إلى سنته - أعرضوا عن ذلك وهم يقولون : إنا قصدنا الإحسان علماً وعملاً بهذه الطريق التى سلكناها ، والتوفيق بين الدلائل العقلية والنقلية . ثم عامة هذه الشبهات التى يسمونها دلائل : إنما تقلدوا أكثرها عن طاغوت من طواغيت المشركين ، أو الصابئين ، أو بعض ورثتهم الذين أمروا أن يكفروا بهم ، مثل فلان وفلان ، أو عمن قال كقولهم: لتشابه قلوبهم. قال الله تعالى: ( فَلَ وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكْمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ نَسْلِيمًا) (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِتْنَ مُبَشِرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِنَبَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ ) الآية . ولازم هذه المقالة: أن لا يكون الكتاب هدى للناس ولا بياناً، ولا شفاء ١٨ لما في الصدور، ولا نوراً، ولا مرداً عند التنازع، لأنا نعلم بالاضطرار أن ما يقوله هؤلاء المتكلفون : إنه الحق الذي يجب اعتقاده: لم يدل عليه الكتاب والسنة ؛ لا نصاً ولا ظاهراً؛ وإنما غاية المتحذلق أن يستنتج هذا من قوله : ( وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُوَا أَحَدٌ)، (هَلْ تَعْلَّمُلَهُ سَمِيًّا). وبالاضطرار يعلم كل عاقل أن من دل الخلق على أن الله ليس على العرش، ولا فوق السموات ونحو ذلك بقوله: (هَلْ تَعْلَمُلَهُ سَمِيًّا) لقد أبعد النجعة، وهو إما ملغز وإما مدلس ، لم يخاطبهم بلسان عربى مبين . ولازم هذه المقالة : أن يكون ترك الناس بلا رسالة: خيراً لهم فى أصل دينهم . لأن مردم قبل الرسالة وبعدها واحد ؛ وإنما الرسالة زادتهم عمى وضلالة . يا سبحان الله! كيف لم يقل الرسول يوماً من الدهر، ولا أحد من سلف الأمة : هذه الآيات والأحاديث لا تعتقدوا ما دلت عليه ؛ ولكن اعتقدوا الذي تقتضيه مقاييسكم ، أو اعتقدوا كذا وكذا ؛ فإنه الحق ، وما خالف ظاهره فلا تعتقدوا ظاهره، أو انظروا فيها فما وافق قياس عقولكم فاقبلوه، وما لافتوقفوا فيه أو انفوه؟. ثم رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أخبر أن أمته ستفترق على ثلاث ١٩ وسبعين فرقة، فقد على ما سيكون. ثم قال: ((إنى تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا: كتاب الله)). وروى عنه أنه قال فى صفة الفرقة الناجية (( من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابى)). فهلا قال من تمسك بالقرآن أو بدلالة القرآن أو بمفهوم القرآن أو بظاهر القرآن فى باب الاعتقادات : فهو ضال؟ وإنما الهدى رجوعكم إلى مقاييس عقولكم وما يحدثه المتكلمون منكم بعد القرون الثلاثة - فى هذه المقالة ـ- وإن كان قد نبغ أصلها فى أواخر عصر التابعين . ثم أصل هذه المقالة - مقالة التعطيل للصفات - إنما هو مأخوذ عن تلامذة اليهود والمشركين ، وضلال الصابئين ؛ فإن أول من حفظ عنه أنه قال هذه المقالة فى الإسلام - أعنى أن الله سبحانه وتعالى ليس على العرش حقيقة، وإن معنى استوى بمعنى استولى ونحو ذلك - هو الجعد بن درم وآخذها عنه الجهم ابن صفوان ؛ وأظهرها فنسبت مقالة الجهمية إليه . وقد قيل إن الجعد أخذ مقالته عن إبان بن سمعان ، وأخذها إبان عن طالوت ابن أخت لبيد بن الأعصم ، وأخذها طالوت من لبيد بن الأعصم : اليهودي الساحر الذي سحر النبى صلى الله عليه وسلم. ٢٠