Indexed OCR Text
Pages 521-540
كره مالك وغيره من أئمة المدينة أن يقول القائل: زرت قبر النبي صلى الله عليه وسلم ، وإنما المسنون السلام عليه إذا أتى قبره صلى اللّه عليه وسلم، وكما كان الصحابة والتابعون يفعلون إذا أتوا قبره ؛ كما هو مذكور فى غير هذا الموضع. ومن ذلك الطواف بغير الكعبة ، وقد اتفق المسلمون على أنه لا يشرع الطواف إلا بالبيت المعمور ، فلا يجوز الطواف بصخرة بيت المقدس ، ولا بحجرة النبى صلى الله عليه وسلم، ولا بالقبة التى فى جبل عرفات ، ولا غير ذلك. وكذلك اتفق المسلمون على أنه لا يشرع الاستلام ولا التقبيل إلا للركنين اليمانيين؛ فالحجر الأسود يستلم ويقبل ، واليمانى يستلم . وقد قيل: إنه يقبل، وهو ضعيف. وأما غير ذلك فلا يشرع استلامه ولا تقبيله ؛ بجوانب البيت، والركنين الشاميين ، ومقام إبراهيم ، والصخرة ، والحجرة النبوية ، وسائر قبور الأنبياء والصالحين . وفى الصحيحين عن أبى هريرة رضى الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((قاتل الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، وفى رواية لمسلم: ((لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)). ٥٢١ وفى الصحيحين أيضاً عن عائشة وابن عباس قالا : لما نزل برسول الله صلى الله عليه وسلم طفق يطرح خميصة له على وجهه : فإذا اغتم بها كشفها عن وجهه، فقال وهو كذلك: ((لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)» يحذر ما صنعوا . وفى الصحيحين أيضاً عن عائشة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فى مرضه الذى لم يقم منه: ((لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)) ولولا ذلك أبرز قبره، غير أنه خشى أن يتخذ مسجداً . وفى صحيح مسلم عن جندب بن عبد الله قال: سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قبل موته بخمس وهو يقول: ((إنى أبرأ إلى الله أن يكون لى منكم خليل ؛ فإن الله اتخذنى خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا، ولو كنت متخذاً من أمتى خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، ألا وإن من كان قبلكم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد! ألا فلا تتخذوا القبور مساجد! فإنى أنها كم عن ذلك)). وفى صحيح مسلم عن أبى مرئد الغنوى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها)). وعن أبى سعيد الخدرى - رضى الله عنه - قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام)) رواه أهل السنن؛ ٥٢٢ كأبى داود ، والترمذى ، وابن ماجه ، وعلله بعضهم بأنه روى مرسلا ، وصححه الحافظ . وفى الصحيحين عن عائشة رضى الله عنها قالت: لما اشتكى النبى صلى الله عليه وسلم ذكر له بعض نسائه أنها رأت كنيسة بأرض الحبشة يقال لها: (((مارية)). وكانت أم سلمة وأم حبيبة أتيا أرض الحبشة ؛ فذكرتا من حسنها وتصاوير فيها، فرفع رأسه فقال: ((أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجداً ، وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله)). وعن ابن عباس - رضى الله عنه - قال: ((لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم زوارات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج)) . رواه أهل السنن : كأنى داود ، والنسائى ، والترمذى . وقال حديث حسن وفى بعض النسخ صحيح. وفى موطأ مالك عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((اللهم لا تجعل قبرى وثناً يعبد))؛ وفى سنن أبى داود عنه أنه قال: (( لا تتخذوا قبرى عيداً ، ولا تتخذوا بيوتكم مقابر ). وأما العبادات فى المساجد: كالصلاة والقراءة والدعاء. ونحو ذلك : فقد قال تعالى: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ◌َّنَعَ مَسَجِدَ اَللَّهِأَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِ خَرَابِهَآَ) ٥٢٣ وقال تعالى: ( إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَجِدَ اللَّهِ مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَوةَ ) الآية. وفى الترمذى عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا رأيتم الرجل يعتاد المسجد فاشهدوا له بالإيمان ، فإن الله تعالى يقول: (إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَجِدَ اللَّهِ مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ) الآية. وقال تعالى: ( قُلْ أَمَرَرَبِى بِالْقِسْطٌ وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ ) الآية. وقال تعالى: ( وَأَنَّ الْمَسَجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْ عُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا) وقال تعالى: ( فِ يُوتٍ أَذِنَ اللَّهُأَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَفِيهَا اسْمُهُ) الآية. وقال تعالى: (وَلَا تُبَشِرُوهُن ◌َ وَأَنْتُمْ عَلَكِفُونَ فِى الْمَسَجِدِ ). وفى الصحيحين عنه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال: ((صلاة الرجل فى المسجد تفضل على صلاته فى بيته وسوقه بخمس وعشرين درجة - وفى لفظ - صلاة الجماعة أفضل من صلاة أحدكم بخمس وعشرين درجة)) . وفى الصحيح عنه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال: (( أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبواً، ولقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام ثم آمر رجلا فيصلى بالناس ، ثم أنطلق برجال معى ، معهم حزم من حطب ، إلى قوم لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم بالنار )) . وفى صحيح مسلم عن أبى هريرة - رضى الله عنه - أنه قال: أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل أعمى فقال: يا رسول الله! إنه ليس لى قائد يقودنى إلى المسجد فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرخص له فيصلى فى بيته فرخص ٥٢٤ له ، فلما ولى دعاه ، فقال: «هل تسمع النداء بالصلاة؟ قال : نعم . قال : فأجب )) . وفيه أيضاً عن أبى سعيد - رضى الله عنه - قال: من سره أن يلقى الله غداً مسلماً فليحافظ على هذه الصلوات حيث ينادى بهن فإن الله شرع لنبيكم سنن الهدى ، وإنهن من سنن الهدى ، ولو أنكم صليتم فى بيوتكم كما يصلى هذا المتخلف فى بيته لتركتم سنة نبيكم، ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم، وما من رجل يتطهر فيحسن الطهور، ثم يعمد إلى مسجد من هذه المساجد ، إلا كتب الله له بكل خطوة يخطوها حسنة ، ويرفعه بها درجة ، ويحط عنه بها خطيئة، ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق ، ولقد كان الرجل يؤتى به يهادى بين رجلين حتى يقام فى الصف . وهذا باب واسع قد نبهنا بما كتبناه على سبيل الهدى فى هذا الأمر الفارق بين أهل التوحيد الحنفاء أهل ملة إبراهيم المتبعين لدين الله الذى بعث به رسله ، وأنزل به كتبه ، وبين من لبس الحق بالباطل ، وشاب الحنيفية بالإشراك. قال تعالى: ( وَسْتَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَنِءَ الِهَةً يُعْبَدُونَ )، وقال تعالى: (وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِىَ إِلَيْهِ أَنَّهُ لَآ إِلَهَ إِلَّ أَنْ فَاعْبُدُونِ ). ٥٢٥ وقال تعالى: (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِى كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنْ أَعْبُدُواْ اللّهَ وَأَجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ)، وقال تعالى: ( وَمَا أُمِرُ وَإِلَّا لِيَعْبُدُواْاللّه ◌ُخْلِصِينَ لَهُ الَّذِينَ حُنَفَاءَ) الآية . وقال تعال: ( فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلِدِينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِى فَطَرَ النَّاسَ عَلَيَّهَا لَا نَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ اُلِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ * مُنِينَ إِلَيْهِ وَأَتَّقُوهُ وَأَقِيمُواْالصَّلَوَةَ وَلَا تَكُونُواْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَالَدَيْهِمْ فَرِحُونَ). والله سبحانه وتعالى أعلم؟ ٥٢٦ قال شيخ الإسلام رحمه الله: فصل وأما ((الصحابة)) و((التابعون)): فقال غير واحد من الأئمة: إن كل من صحب النبى صلى الله عليه وسلم أفضل ممن لم يصحبه مطلقاً؛ وعينوا ذلك فى مثل معاوية، وعمر بن عبد العزيز ؛ مع أنهم معترفون بأن سيرة عمر بن عبد العزيز أعدل من سيرة معاوية ، قالوا : لكن ما حصل لهم بالصحبة من الدرجة أمر لا يساويه ما يحصل لغيرهم بعلمه . واحتجوا بما فى الصحيحين أنه قال: (( لا تسبوا أصحابي ! فوا الذى نفسى بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا لما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه » ، قالوا : فإذا كان جبل أحد ذهبا لا يبلغ نصف مد أحدهم كان فى هذا من التفاضل ما يبين أنه لم يبلغ أحد مثل منازلهم التى أدركوها بصحبة النبى صلى الله عليه وسلم . وفى المسألة بسط وبيان لا يحتمله هذا المكان . ٥٢٧ سئل رحمه الله تعالى: عن رجلين تنازعا فى ساب ((أبى بكر))؛ أحدهما يقول: يتوب الله عليه ، وقال الآخر : لا يتوب الله عليه؟ . فأجاب : - الصواب الذى عليه أئمة المسلمين أن كل من تاب تاب الله عليه، كما قال الله تعالى: ( قُلْ يَعِبَادِىَ الَّذِينَ أَسْرَ فُواْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا نَقْنَ طُواْ مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّاللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُالرَّحِيمُ ) ، فقد ذكر فى هذه الآية أنه يغفر للتائب الذنوب جميعاً؛ ولهذا أطلق وعم. وقال فى الآية الأخرى: (إِنَّ اللّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ مَادُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ ) ، فهذا فى غير التائب، ولهذا قيد وخصص . وليس سب بعض الصحابة بأعظم من سب الأنبياء ؛ أو سب الله تعالى، و ((اليهود والنصارى)) الذين يسبون نينا سراً بينهم إذا تابوا وأسلموا قبل ذلك منهم باتفاق المسلمين، والحديث الذى يروى: ((سب صحابتى ذنب لا يغفر)) : كذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، والشرك الذى لا يغفره الله، يغفره ٥٢٨ لمن تاب باتفاق المسلمين ، وما يقال : إن فى ذلك حقاً لآدمى يجاب عنه من ((وجهين)) : (أحدهما): أن الله قد أمر بتوبة ((السارق، و((الملقب، ونحوهما من الذنوب التى تعلق بها حقوق العباد، كقوله: (وَالسَارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَقْطَعُوْاْ أَيْدِ يَهُمَا جَزَآءُ بِمَا كَسَبَا نَكَلًا مِنَ اللهِوَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * فَنَ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ، وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ)، وقال: ( وَلَا تَنَابَزُواْبِالْأَ لْقَبِّ بِئْسَ الِأَسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيَمَنَّ وَمَن لَّمَ يَّتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُ الَِّمُونَ) ، ومن توبة مثل هذا أن يعوض المظلوم من الإحسان إليه بقدر إساءته إليه . ( الوجه الثانى) : أن هؤلاء متأولون؛ فإذا تاب الرافضى من ذلك ، واعتقد فضل الصحابة ، وأحبهم ، ودعا لهم : فقد بدله الله السيئة بالحسنة، كغيره من المذنبین . ٥٢٩ وسئل :- عن «جماعة، اجتمعوا على أمور متنوعة فى الفساد، ومنهم من إذا قرئ عليه أحاديث النبي صلى اللّه عليه وسلم التى يكون راويها ((عبد الله بن مسعود))؛ أو قيل له: هذا مذهب عبد الله بن مسعود شرع فى تنقيصه ، وأخذ يقدح فيه ، ويجعله ضعيف الرواية ، ويزعم أنه كان بين الصحابة منقوصا ، حتى إن بعضهم لم يثبت فى المصاحف قراءته ، وإنه كان يحذف من القرآن المعوذتين؟ فأجاب رحمه الله : أجلاء الصحابة ، (((ابن مسعود)) - رضى الله عنه - مر. وأكابرهم ، حتى كان يقول فيه عمر بن الخطاب: كنيف ملئ علماً. وقال أبوموسى: ما كنا نعد ((عبد الله بن مسعود)) إلا من أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ من كثرة ما نرى دخوله وخروجه. وقال له صلى اللّه عليه وسلم ((إذنك علىّ أن ترفع الحجاب، وأن تسمع بوادى حتى أنهاك)) وفى السنن: «اقتدوا بالذين من بعدى: أبى بكر وعمر، وتمسكوا بهدى ابن أم عبد». وفى الصحيح من سره أن يقرأ القرآن غضا كما أنزل فليقرأ على قراءة ابن أم عبد، ولما فتح العراق بعثه عليهم ليعلمهم الكتاب والسنة ، فهو أعلم الصحابة ٥٣٠ الذين بعثهم إلى العراق ، وقال فيه أبو موسى : لا تسألونى عن شىء ما دام هذا الخبر فيكم . وكان ابن مسعود يقول: لو أعلم أن أحداً أعلم بكتاب الله منى تبلغه الإبل لأتيته . وهو أحد الثلاثة الذين سماهم معاذ بن جبل عند- موته لما بكى مالك بن يخامر السكسكى فقال له معاذ بن جبل: ما يبكيك؟ فقال: والله ما أبكى على رحم بينى وبينك، ولا على دنيا أصيبها منك ولكن أبكى على العلم والإيمان اللذين كنت أتعلمهما منك، فقال : إن العلم والإيمان مكانهما من ابتغاهما وجدهما ، اطلب العلم عند ((أربعة)) فان أعياك هؤلاء؛ فسائر أهل الأرض أعجز ، فسمى له (((ابن مسعود))، و((أبي بن كعب))، و((عبد الله بن سلام)) وأظن الرابع ( أبا الدرداء)). وسئل على عن علماء الناس؟ فقال : واحد بالعراق ابن مسعود . وابن مسعود فى العلم من طبقة عمر، وعلى ، وأبى ، ومعاذ. وهو من الطبقة الأولى من علماء الصحابة ؛ فمن قدح فيه أو قال : هو ضعيف الرواية فهو من جنس الرافضة الذين يقدحون فى أبى بكر وعمر وعثمان ، وذلك يدل على إفراط جهله بالصحابة ، أو زندقته ونفاقه . ٥٣١ سئل رحمه الله تعالى :- عن رجل يناظر مع آخر فى « مسألة المصراة))، وردها إذا أراد المشترى فاستدل من ادعى جواز الرد بحديث أبى هريرة المتفق عليه ؛ فعارضه الخصم بأن قال: ((أبو هريرة)) لم يكن من فقهاء الصحابة. وقد أنكر عليه عمر بن الخطاب كثرة الرواية، ونهاه عن الحديث، وقال: إن عدت تحدث فعلت وفعلت، وكذا أنكر عليه ابن عباس ، وعائشة أشياء. فهل ما ذكره الخصم صحيح أم لا؟ وما يجب على من تكلم فى أبى [ هريرة] بهذا الكلام؟. فأجاب : الحمد لله. هذا الراد مخطئ من وجوه : - ( أحدها ) : قوله إنه لم يكن من فقهاء الصحابة ؛ فإن عمر بن الخطاب ولى أبا هريرة على البحرين ؛ وهم خيار المسلمين ، الذين هاجر وفدهم إلى النى صلى الله عليه وسلم، وهم وفد ((عبد القيس)). وكان أبو هريرة - أميرهم - هو الذى يفتيهم بدقيق الفقه؛ مثل ((مسألة ٥٣٢ المطلقة)) دون الثلاث ؛ إذا تزوجت زوجا أصابها، هل تعود إلى الأول على الثلاث؟ - كما هو قول ابن عباس وابن عمر، وهو مذهب أبى حنيفة ورواية عن عمر، بناء على أن إصابة الزوج تهدم ما دون الثلاث كما هدمت الثلاث - أو تعود على ما بقى ؟ كما هو قول عمر وغيره من أكابر الصحابة وهو مذهب مالك والشافعى ، وأحمد فى المشهور عنه ؛ بناءاً على أن إصابة الزوج الثانى إنما هى غاية التحريم الثابت بالطلاق الثلاث ، فهو الذى يرتفع بها والمطلقة دون الثلاث لم تحرم ، فلا ترفع الإصابة منها شيئاً ؛ فأفتى أبو هريرة بهذا القول . ثم سأل عمر فأقره على ذلك وقال : لو أفتيت بغيره لأوجعتك ضرباً . وكذلك أفتى أبو هريرة فى دقائق ((مسائل الفقه)) مع فقهاء الصحابة؛ كابن عباس وغيره من أشهر الأمور . وأقواله المنقولة فى فتاويه تدل على ذلك. وإذا كان عمر وعلى أفقه من عمران بن حصین . وأبى موسى الأشعرى : لم يخرجا بذلك من الفقه، وكذلك إذا كان معاذ وابن مسعود ونحوهما أفقه من أبى هريرة وعبد الله بن عمر ونحوهما: لم يخرجا بذلك من الفقه . (الثانى) أن يقال لهذا المعترض: جميع علماء الأمة عملت بحديث أبى هريرة فيما يخالف القياس والظاهر، كما عملوا جميعهم بحديثه عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها)). وعمل أبو حنيفة ٥٣٣ مع الشافعى وأحمد وغيرهما بحديثه عن النبى صلى الله عليه وسلم: (( من أكل أو شرب ناسياً فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه، مع أن القياس عند أبى حنيفة أنه يفطر؛ فترك القياس لحديث أبى هريرة ، ونظائر ذلك تطول. ومالك مع الشافعى وأحمد : عملوا بحديث أبى هريرة فى غسل الإناء من ولوغ الكلب سبعاً ، مع أن القياس عند مالك أنه لا يغسل ؛ لأنه طاهر عنده، بل الأمة يتركون القياس لما هو دون حديث أبى هريرة ، كما ترك أبو حنيفة القياس فى مسألة (( القهقهة، بحديث مرسل لا يعرف من رواه من الصحابة وحديث أبى هريرة أثبت منه باتفاق الأمة . ( الثالث ) أن يقال: المحدث إذا حفظ اللفظ الذى سمعه لم يضره أن لا يكون فقيها ، كالملقنين بحروف القرآن ، وألفاظ التشهد والأذان ونحو ذلك. وقد قال صلى الله عليه وسلم: ((نضر الله امرءاً سمع حديثاً فبلغه إلى من لم يسمعه فرب حامل فقه غير فقيه ، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه )) وهذا بين فى أنه يؤخذ حديثه الذى فيه الفقه من حامله ، الذى ليس بفقيه ؛ ويأخذ عمن هو دونه فى الفقه ؛ وإنما يحتاج فى الرواية إلى الفقه إذا كان قد روى بالمعنى ، فاف أن غير الفقيه يغير المعنى وهو لا يدرى . و((أبو هريرة)) كان من أحفظ الأمة ، وقد دعا له النى صلى الله عليه وسلم (( بالحفظ)) قال: فلم أنس شيئاً سمعته بعد ؛ ولهذا روى حديث المصراة وغيره بلفظ رسول الله صلى الله عليه وسلم. ٥٣٤ ( الرابع): أن الصحابة كلهم كانوا يأخذون بحديث أبى هريرة ، كعمر وابن عمر وابن عباس وعائشة ، ومن تأمل كتب الحديث عرف ذلك. (الخامس) : أن أحداً من الصحابة لم يطعن فى شىء رواه أبو هريرة ، بحیث قال : إنه أخطأ فى هذا الحديث ؛ لا عمر ولا غيره ؛ بل كان لأبى هريرة مجلس إلى حجرة عائشة ، فيحدث ويقول : يا صاحبة الحجرة ! هل تنكرين مما أقول شيئا ؟ فلما قضت عائشة صلاتها لم تنكر ما رواه ، لكن قالت : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يسرد الحديث سردكم، ولكن كان يحدث حديثاً لو عده العاد لحفظه . فأنكرت صفة الأداء لاما أداه . وكذلك ابن عمر قيل له : هل تنكر مما يحدث أبو هريرة شيئاً ؟ فقال : لا ولكن أخبر وجبنا . فقال أبو هريرة ما ذنى إن كنت حفظت ونسوا. وكانوا يستعظمون كثرة روايته حتى يقول بعضهم أكثر أبو هريرة ؛ حتى قال أبو هريرة : الناس يقولون أكثر أبو هريرة ، والله الموعد؛ أما إخوانى من المهاجرين : فكان يشغلهم الصفق بالأسواق. وأما إخوانى من الأنصار: فكان يشغلهم عمل أموالهم، وكنت امرءاً مسكينا ألزم رسول الله صلى الله عليه وسلم فكنت أشهد إذا غابوا ، وأحفظ إذا نسوا ؛ ولقد حدثنا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حديثاً . ثم قال: ((أيكم يبسط ثوبه، فبسطت ثوبى. فدعا لى. فلم أنس بعد شيئا سمعته منه صلى الله عليه وسلم . ٥٣٥ وروى عنه أنه كان يجزئ الليل ((ثلاثة أجزاء)): ثلثاً يصلى، وثلثاً يكرر على الحديث ، وثلثاً ينام . فقد بين أن سبب حفظه ملازمة النى صلى اللّه عليه وسلم، وقطع العلائق ودعاؤه له . وكان عمر بن الخطاب يستدعى الحديث من أبى هريرة ، ويسأله عنه ولم ينه عن رواية ما يحتاج إليه من العلم الذى سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم ، ولا توعده على ذلك. ولكن كان عمر يحب التثبت فى الرواية ؛ حتى لا يجترئ الناس فيزاد فى الحديث . ولهذا طلب من أبى موسى الأشعرى من يوافقه على حديث الاستئذان ؛ مع أن أبا موسى من أكابر الصحابة وثقاتهم باتفاق الأئمة. (السادس) : أن الصحابة كانوا يرجعون فى مسائل الفقه إلى من هو دون أبى هريرة فى الفقه ، كما رجع عمر بن الخطاب إلى حمل بن مالك وغيره فى «دية الجنين ، وكما رجع عثمان بن عفان إلى الفريعة بنت مالك فى لزوم المتوفى عنها ((لمنزل الوفاة)، وكما رجع عمر بن الخطاب وغيره فى « توريث المرأة من دية زوجها، إلى الضحاك بن سفيان الكلابى ، وكما رجع زيد بن ثابت وغيره إلى امرأة من الأنصار فى سقوط طواف الوداع عن الحائض. ٥٣٦ ! وكذلك ابن مسعود لما أفتى ((المفوضة المتوفى عنها)) بمهر المثل؛ فقام رجال من أشجع فشهدوا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى فى بروع بنت واشق بمثل ما قضيت به ؛ ففرح عبد الله بذلك فرحاً شديداً !! وأبو بكر الصديق وّث الجدة بحديث المغيرة بن شعبة ، ومحمد بن سلمة ، ونظائر هذا كثيرة . (السابع): أن يقال: المخالف لحديث أبى هريرة فى ((المصراة)) يقول: إنه يخالف الأصول أو قياس الأصول. فيقال له : بل القول فيه كالقول فى نظائره التى اتبعت فيها النصوص، فهذا الحديث ورد فيما يخالف غيره لا فيما يماثل غيره ؛ والقياس هو التسوية بين المتماثلين ، والتفريق بين المختلفين ؛ وذلك أن من خالفه يقول : إنه أثبت الرد بالمعيب ، وقدر بدل المتلف ؛ بل إن كان من المثليات ضمن بمثله وإلا فقيمته ، وهذا مضمون بغير مثل ولا قيمة ، وجعل الضمان على المشترى والخراج بالضمان . فيقال له : الرد يثبت بالتدليس ، ويثبت باختلاف الصفة باتفاق الأمة ، (والمدلس، الذى أظهر أن المبيع على صفة وليس هو عليها كالواصف لها بلسانه ، وهذا النوع من الخيار غير خيار الرد بالعيب. ٥٣٧ ويقال له : المشترى لم يضمن اللبن الحادث على ملكه . ولكن ضمن ما فى الضرع؛ فإنه لما اشترى المصراة وفيها لبن تلف عنده : كان عليه ضمانه؛ وإنما قدر الشارع البدل لأنه اختلط اللبن القديم باللبن الحادث ، فلم يبق يعرف مقدار اللبن القديم . فلهذا لم يمكن ضمانه بمثله ولا بقيمته ، فقدر الشارع فى ذلك بدلا يقطع به النزاع ، كما قدر ديات النفس وديات الأعضاء ومنافعها ، ونحو ذلك من المقدرات التى يقطع بها نزاع الناس ، فإنه إذا أمكن العلم بمقدار الحق : كان هو الواجب . وإذا تعذر ذلك شرع الشارع ما هو أمثل الطرق وأقربها إلى الحق. فتارة يأمر بالخرص إذا تعذر الكيل أو الوزن ؛ إقامة للظن مقام العلم عند تعذر العلم، ويأمر بالاستهام لتعيين المستحق عند كمال الإبهام . وتارة يقدر بدل الاستحقاق إذا لم يكن طريق آخر لقطع الشقاق ؛ ورد المشترى للصاع بدل ما أخذ من اللبن من هذا الباب . وفى المسألة حكاية ثانية ذكرها ((أبو سعيد بن السمعانى)) عن الشيخ العارف يوسف الهمدانى، عن الشيخ الفقيه أبى إسحاق الشيرازى ، عن القاضى أبى الطيب الطبرى ، قال : كنا جلوساً بالجامع ببغداد ، جاء خراسانى سألنا عن المصراة. فأجبناه فيها ، واحتججنا بحديث أبى هريرة ، فطعن فى أبى هريرة، i 1 1 ٥٣٨ فوقعت حية من السقف وجاءت حتى دخلت الحلقة وذهبت إلى ذلك الأعجبى فضر بته فقتلته . ونظير هذه ما ذكره الطبرانى فى ((كتاب السنة)) عن زكريا بن يحي الساجى قال: كنا نختلف إلى بعض الشيوخ لسماع حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فاسترعنا فى المشى، ومعنا شاب ماجن. فقال: ارفعوا أرجلكم عن أجنحة الملائكة. لا تكسروها. قال : فما زال حتى جفته رجلاه ، ولهذا نظائر، نسأل الله تعالى الاعتصام بكتابه ، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم واتباع ما أقام من دليله ، والله سبحانه أعلم. ٥٣٩ ومثل أيضاً: رحمه الله تعالى: عن فرقة من المسلمين يقرون بالشهادتين ويصومون، ويحجون ويخرجون الزكاة ، ويجاهدون أنفسهم فى مرضاة الله، غير أنهم يكفرون سابى صحابة النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يرجوا لأحد توبة إذا تاب وإن المصر على ذلك مخلد فى النار، ومن قال بتوبتهم يسموهم (الرجوية)، ولا يصلون إلا مع من يتحققون عقيدته ، وما يتفوه أحدهم من شىء أو يسأل عن شىء إلا يقول : إن شاء الله . فهل هم مصيبون فى أفعالهم؟ أم مخطئون فى أقوالهم؟ فأجاب : - الحمد لله. هؤلاء قوم مسلمون لهم ما لأمثالهم من المسلمين، يثيهم الله على إيمانهم بالله ورسوله، وطاعتهم لله ورسوله؛ ولا يذهب بذلك إيمانهم وتقواهم بما غلطوا فيه من هذه المسائل ، كسائر طوائف المسلمين الذين أصابوا فى جمهور ما يعتقدونه ويعملونه ؛ وقد غلطوا فى قليل من ذلك ، فهؤلاء بمنزلة أمثالهم من المسلمين . ٥٤٠