Indexed OCR Text
Pages 381-400
عن الفريقين فبين اللّه تعالى فى هذه: أن هؤلاء الذين عبد تموهم من دونى هم عبادی لن يستنكفوا عن عبادتى، وأنهما لو استنكفا عن عبادتى لعذ بتهما عذاباً أليما ، والمسيح هو الظاهر وهو من نوع البشر، وهذا الكلام فيه نظر. والله أعلم بحقيقته. ثم نقول : إن كان هذا هو المراد فلا كلام، وإن أريد أن الانتقال مر الأدنى إلى الأعلى: فاعلم - نور اللّه قلبك وشرح صدرك للإسلام - أن للملائكة خصائص ليست للبشر؛ لا سيما فى الدنيا . هذا مالا يستريب فيه لبيب، أنهم اليوم على مكان ، وأقرب إلى الله، وأظهر جسوماً، وأعظم خلقاً ، وأجمل صوراً، وأطول أعماراً ، وأيمن آثاراً، إلى غير ذلك من الخصال الحميدة، مما نعلمه ومما لا نعلمه . وللبشر أيضاً خصائص ومزايا؛ لكن الكلام فى مجموع كل واحدة من المزيتين أيهما أفضل: هذا طريق ممهد لهذه الآية وما بعدها . وهو وراء ذلك؛ حیث جری ما یو جب تفضیل الملك فلما تمیزوا به، واختصوا به من الأمور التى لا تنبغی لمن دونهم فيها أن يتفضل عليهم فيما هو من أسبابها . وذلك أن المسيح لو فرض استنكافه عن عبادة الله: فإنما هو لما أيده الله من الآيات، كما أبرأ الأكمه والأبرص وأحيا الموتى وغير ذلك؛ ولأنه خرج فى خلقه عن بنى آدم ، وفى عزوفه عن الدنيا ، وما فيها : أعطى الزهد، وما من صفة من هذه الصفات إلا والملائكة أظهر منه فيها ، فإنهم كلهم خلقوا من ٣٨١ غير أبوين ومن غير أم ؛ وقد كان فرس جبريل يحيى به التراب الذى يمر عليه ؛ وعلم ما يدخر العباد فى بيوتهم على الملائكة سهل . وفى حديث أبرص وأقرع وأعمى: « أن الملك مسح عليهم فبرءوا، فهذه الأمور التى من أجلها عبد المسيح ، وجعل ابن الله عز وجل للملائكة منها أوفر نصيب، وأعلى منها ، وأعظم مما للمسيح ، وهم لا يستنكفون عن عبادته ، فهو أحق خلق أن لا يستنكف ؛ وأما القرب من الله والزلفى لديه فأمور وراء هذه الآيات . وأيضاً فأقصى ما فيها تفضيلهم على المسيح ؛ إذ هو فى هذه الحياة الدنيا ؛ وأما إذا استقر فى الآخرة وكان ما كان مما لست أذكر: فمن أين يقال إنهم هناك أفضل منه؟ . (الحجة الثانية): قوله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: (قُل لَّ أَقُولُ لَكُمُ عِنْدِى خَزَّابِنُ اللَّهِ وَلَ أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَ أَقُولُ لَكُمْ إِّ مَلَكُ) ومثله فى هود، فالاحتجاج فی ھذا من وجوه :۔ أحدها : أنه قرن استقرار خزائنه ، وعلم الغيب بنفى القول بأنه ملك ، وسلبها عن نفسه فى نسق واحد ، فإذا كان حال من يعلم الغيب ، ويقدر على الخزائن أفضل من حال من لا يكون كذلك : وجب أن يكون حال الملك أفضل من حال من ليس بملك ، وإن كان نبينا كما فى الآية . وثانيها : أنه إنما نفى عن نفسه حالاً أعظم من حاله الثابتة ، ولم ينف حالاً ٣٨٢ دون حاله ؛ لأن من اتصف بالأعلى فهو على ما دونه أقدر ؛ فدل على أن حال الملك أفضل من حاله أن يكون ملكا وهو المطلوب. وثالثها : ما ذكر القاضى أنه لولا ما استقر فى نفوس المخاطبين من أن الملك أعظم ؛ لما حسن مواجهتهم بسلب شىء هو دون مرتبته ، وهذا الاعتقاد الذى كان فى نفوس المخاطبين: أمر قرروا عليه ، ولم ينكره عليهم ، فثبت أنه حق. والجواب من وجوه :- (أحدها) : أنه نفى أن يكون عالما بالغيب وعنده خزائن اللّه ، ونفى أن يكون ملكا لا يأكل ولا يشرب ولا يتمتع ؛ وإذا نفى ذلك عن نفسه : لم يجب أن يكون الملك أفضل منه، ألا ترى أنه لو قال: ولا أنا كانب ولا أنا قارئ لم يدل على أن الكاتب والقارئ أفضل ممن ليس بكاتب ولا قارئ ، فلم يكن فى الآية حجة . وأيضاً ما قال القاضى إنهم طلبوا صفات الألوهية وهى العلم والقدرة والغنى: وهى: أن يكون عالما بكل شىء، قديرا على كل شىء ، غنيا عن كل شىء - فسلب عن نفسه صفات الألوهية، ولهذا قالوا: (مَالِ هَذَا الرَّسُولِ بَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِى فِي الْأَسْوَاقِ) وقال تعالى: محتجا عنه: (وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّ إِنَّهُمْ لَيَأْ كُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِ الْأَسْوَاقِ) فكأنهم أرادوا منه صفة الملائكة أنيكون ٣٨٣ متلبسا بها ، فإن الملائكة صمد لا يأكلون ولا يشربون ، والبشر لهم أجواف يأكلون ويشربون ؛ فكان الأمر إلى هذه الصفة، وهذا بين إن شاء الله. (وثانيها): أن الآخر أكمل فى أمر من الأمور، فنفى عن نفسه حال الملك فى ذلك ، ولم يلزم أن يكون له فضيلة يمتاز بها ، وقد تقدم مثل هذا فيما ذكر من حال الملك وعظمته ، وأنه ليس للبشر من نوعه مثله؛ ولكن لم لا قلت من غير نوعه للبشر ما هو أفضل منه؟ . ولهذا إذا سئل الإنسان عما يعجز عنه: قد يقول لست بملك ، وإن كان المؤمن أفضل من حال الجن ، والملك من الملوك . ( وثالثها ) أن أقصى ما فيه تفضيل الملك فى تلك الحال، ولو سلم ذلك لم ينف أن يكون فيما بعد أفضل من الملك ؛ ولهذا تزيد قدرته وعليه وغناه فى الآخرة ، وهذا كما لو قال الصبى: لا أقول إنى شيخ ، ولا أقول إنى عالم، ومن الممكن ترقيه إلى ذلك، وأكمل منه . (الحجة الثالثة): قول إبليس لآدم وحواء: (إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْتَكُونَا مِنَ الْخَلِدِينَ ) تقديره كراهة أن تكونا أو لئلا تكونا؛ فلولا أن كونهما ملكين حالة هى أكمل من كونهما بشرين : لما أغراهما بها، ولما ظنا أنها هى الحالة العليا؛ ولهذا قرنها بالخلود، والخالد أفضل من الفانى، والملك أطول حياة من الآدمى، فيكون أعظم عبادة وأفضل من الآدمى. ٣٨٤ والجواب من وجوه : - (أحدها): ما ذكره القاضى أن قوله: ( إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ ) ظن أن الملائكة خير منهما، كما ظن أنه خير من آدم وكان مخطئاً. وقوله: (أَوْتَكُونَا مِنَ اْخَلِدِينَ ) ظناً منه أنهما يؤثران الخلود؛ لما فى ذلك من السلامة من الأمراض والأسقام والأوجاع، والآفات والموت ؛ لأن الخالد فى الجنة هذه حاله، ولم يخرج هذا مخرج التفضيل على الأنبياء ، ألا ترى أن الحور والولدان المخلوقين فى الجنة خالدون فيها وليسوا بأفضل من الأنبياء ؟ ( وثانيها ) أن الملك أفضل من بعض الوجوه، وكذلك الخلودآ ثر عندهما فالا إليه . (وثالثها): أن حالهما تلك كانت حال ابتداء لا حال انتهاء، فإنهما فى الانتهاء قد صارا إلى الخلود الذى لا حظر فيه ولا معه ، ولا يعقبه زوال ، وكذلك يصيران فى الانتهاء إلى حال هى أفضل وأكمل من حال الملك ، الذى أراداها أولا ، وهذا بيّن . (الحجة الرابعة): قوله تعالى: (اللَّهُ يَصْطَفِى مِنَ الْمَلَبِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ) فبدأ بهم ، والابتداء إنما يكون بالأفضل والأشرف، فالأفضل والأشرف ، كما بدأ بذلك فى قوله: (فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِنَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَآءِ وَالصَِّحِينَ ) فبدأ بالأكمل والأفضل. ٣٨٥ والجواب : أن الابتداء قد يكون كثيراً بغير الأفضل ، بل يبتدأ بالشىء لأسباب متعددة، كما فى قوله تعالى: ( وَإِذْ أَ خَذْنَا مِنَ النَِّعِنَ مِشَقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ تُحِ وَإِبْرَهِيمَ ) ولم يدل ذلك على أن نوحاً أفضل من إبراهيم ، والنبي صلى الله عليه وسلم أفضل؛ وكذلك قوله: (إِنَّالْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ) لا يدل على أن المسلم أفضل من المؤمن؛ فلعله - والله أعلم - إنما بدأ بهم لأن الملائكة أسبق خلقاً ورسالة ؛ فإنهم أرسلوا إلى الجن والإنس ؛ فذكر الأول ، فالأول : فى الخلق ، والرسالة : على ترتيبهم فى الوجود. وقد قال تعالى: (يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَثًا وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ الذُّكُورَ) والذكور أفضل من الإناث. وقال: ( وَآلِينِ وَالزَّيْتُونِ) (وَالشَّمْسِ وَضُحَنِهَا) الآيات. و( فِيهِمَا فَكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرَُّانٌ) ، إلى غير ذلك ، ولم يدل التقديم فى شىء من هذه المواضع على فضل المبدوء به ، فعلم أن التقديم ليس لازماً للفضل . (الحجة الخامسة): قوله تعالى: ( فَلَمَّارَأَيْنَهُوَأَكْبَرْنَهُ وَقَطّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلََّ مَلَكٌ كَرِيمٌ ) فدل على أن الملك أفضل من البشر، وهن إنما أردن أن يتبين لهن حال هى أعظم من حال البشر. وقد أجابوا عنه ( بجوابين). أحدهما : أنهن لم يعتقدن أن الملائكة أحسن من جميع النبيين وإن لم يروهم لمخبر ٣٨٦ أخبرهم فسكن إلى خبره ، فلما هالهن حسنه قلن: (مَاهَذَا بَشَرِّ إِنْ هَذَآ إِلَا مَلَكٌ كَرِيمٌ ) لأن هذا الحسن ليس بصفة بشر . وثانيهما : أنهن اعتقدن أن الملائكة خير من النبيين ، فكان هذا الاعتقاد خطأ منهن، ولا يقال إنه لما لم يقرن بالإنكار دل على أنه حق، فإن قولهن: (مَاهَذَا بَشَرًا ) خطأ. وقولهن: (إِنْ هَذَآ إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ ) خطأ أيضاً فى غيبتهن عنه أنه بشر وإثباتهن أنه ملك، وإن لم يقرن بالإنكار: دل على أنه حق، وأن قولهن: ): خطأ فى نفيهن عنه البشرية وإثباتهن له (مَا هَذَا بَشَرًّا إِنْ هَذَآ إِلََّ مَلَكٌ كَرِيمٌ الملائكية ؛ وإن لم يقرن بالإنكار لغيبة عقولهن عند رؤيته، فلم يلمن فى تلك الحال على ذلك . وأقول أيضاً : إن النسوة لم يكن يقصدن أنه فى؛ بل ولا أنه من الصالحين إذ ذاك ، ولم يشهدن له فضلا على غيره من البشر فى الصلاح والدين ، وإنما شهدن بالفضل فى الجمال والحسن ، وسباهن جماله فشبهنه بحال الملائکة ، ولیس هذا من التفضيل فی شیء من الذی نرید . ثم نقول: إذا كان التفضيل بالجمال حقاً : فقد ثبت أن أهل الجنة تدخل الزمرة الأولى ووجوههم كالشمس ، والذين يلونهم كالقمر الحديث ؛ فهذه حال السعداء عند المنتهى، وإن كان فى الجمال والملك تفضيل : فإنما هو فى هذه الحياة الدنيا؛ لعلم عليه النساء وأكثر الناس. ٣٨٧ وأما مافضل الله عباده الصالحين، وما أعده الله من الكرامة: فأكثر الناس عنه بمعزل ، ليس لهم نظر إليه، وكذلك ما آتاهم الله من العلم الذى غبطتهم الملائكة به من أول ما خلقهم ، وهو ما به يفضلون. فهذا الجواب وما قبله. ذِى قُوَّةٍ عِندَ * (الحجة السادسة): قوله تعالى: ( إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍكَرٍِ ذِى الْعَشْ مَكِينِ * مُطَاعٍ ثَّأَمِينٍ ) فهذه صفة جبرائيل. ثم قال: ( وَمَاصَاحِئُكُبِمَجْنُونٍ ) فوصف جبرائيل بالكرم والرسالة، والقوة والتمكين عنده ، وأنه مطاع وأنه أمين ، فوصفه بهذه الصفات الفاضلة ثم عطف عليه بقوله : ( وَمَاصَاحِبُّكُمْبِمَجْنُونٍ ) فأضاف الرسول البشری الینا وسلب عنه الجنون ، وأثبت له رؤية جبرائيل ، ونفى عنه البخل والتهمة ، وفى هذا تفاوت عظيم بين البشر والملائكة ، وبين الصفات والنعم ، وهذا قاله بعض المعتزلة ، زل به عن سواء السبيل . والجواب : أولا: أين هو من قوله: ( أَمْ نَشْرَعْ لَكَ صَدْرَكَ ) إلى آخرها وقوله: ( وَالضُّحَى * وَاَلَيْلِ إِذَا سَجَى)؟ وقوله: ( إِنَّ فَحْنَالَكَ فَتْحًا مُبِينًا) الآيات: (عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا فَحْمُودًا)؟. وأين هو عن قصة المعراج التى تأخر فيها جبرائيل عن مقامه ؟ ثم أين هو عن الخلة ؟ وهو التقريب ؛ فهذا نزاع من لم يقدر النبى صلى الله عليه وسلم قدره . ٣٨٨ ثم نقول ثانياً : لما كان جبرائيل هو الذى جاء بالرسالة ، وهو صاحب الوحى وهو غيب عن الناس ؛ لم يروه بأبصارهم، ولم يسمعوا كلامه بآذانهم وزعم زاعمون أن الذى يأتيه شيطان يعلمه ما يقول ، أو أنه إنما يعلمه إياه بعض الإنس . أخبر الله العباد أن الرسول الذى جاء به، ونعته أحسن النعت. وبين حاله أحسن البيان ، وذلك كله إنما هو تشريف لمحمد صلى الله عليه وسلم، ونفى عنه ما زعموه، وتقرير للرسالة؛ إذ كان هو صاحبه الذى يأتيه بالوحى ، فقال: ) أى أن الرسول البشرى لم ينطق به من عند نفسه، ( إِنَّهُلَقَوْلُ رَسُولٍگِ وإنما هو مبلغ يقول ما قيل له ؛ فكان فى اسم الرسول إشارة إلى محض التوسط والسعاية . ثم وصفه بالصفات التى تنفى كل عيب ؛ من القوة والمكنة ، والأمانة والقرب من الله سبحانه ، فلما استقر حال الرسول الملكى ، بين أنه من جهته ، وأنه لا يجىء إلا بالخير . وكان الرسول البشرى معلوم ظاهره عندهم ، وهو الذى يبلغهم الرسالة، ولولا هؤلاء لما أطاقوا الأخذ عن الرسول الملكى؛ وإنما قال: (صَاحِبُكُم) إشارة إلى أنه قد صحبكم سنين قبل ذلك ، ولا سابقة له بما تقولون فيه وترمونه ؛ من الجنون والسحر وغير ذلك ؛ وأنه لولا سابقته وصحبته إياكم لما استطعتم الأخذ عنه ؛ ألا تسمعه يقول : ٣٨٩ ( وَلَوْ جَعَلْنَهُ مَلَكًّا لَّجَعَلْنَهُ رَجُلًا) - تميزاً - من المرسلين؛ ثم حقق رسالته بأنه رأى جبرائيل، وأنه مؤتمن على ما يأخذه عنه ، فقام أمر الرسالة بهاتين الصفتين، وجاء على الوجه الأبلغ والأكمل والأصلح. وقد احتجوا بآيات تقدم التنبيه على مقاصدها ؛ من وصف الملائكة بالتسبيح ، والطاعة ، والعبادة وغير ذلك. (الحجة السابعة): الحديث المشهور الصحيح عن الله عز وجل أنه قال: ((من ذکرنی فی نفسه ذ کر ته فی نفسى ، ومن ذ کرفی فی ملا ذ کرته فی ملاً خير منه» . والملأ الذى يذكر الله الذاكر فيه، هم: (الملائكة) وقد نطق الحديث بأنهم أفضل من الملا الذين يذكر العبدفيهم ربه ، وخير منهم ، وقد قال بعضهم: وكم من ملا ذكر الله فيه والرسول حاضر فيهم؛ بل وقع ذلك فى مجالس الرسول كلهم ، فأين العدول عن هذا الحديث الصحيح؟ ! الجواب : أن هذا الحديث صحيح ، وهو أجود وأقوى ما احتجوا به ، وقد أجابوا عنه بوجهين : (أحدهما) أضعف من الآخر ، وهو أن الخير يجوز أن يرجع إلى الذكر ، لا إلى المذكور فيهم ، تقديره ذكرته ذكراً خيراً من ذكره ، لأن ذكر الله كلامه ، وهذا ليس بشىء ، فإن الخير مجرور صفة للملا ، وقد وصل بقوله منهم، ولم يقل منه، ولولا ذلك المعنى لقيل ذكرته فى ملا خيراً ٣٩٠ منه بالنصب ، وصلة الضمير الذكر. وهذا من أوضح الكلام لمن له فقه بالعربية ونعوذ بالله من التنطع. ( وثانيهما) أنه محمول على ملأ خير منه ليس فيهم فى، فإن الحديث عام عموما مقصوداً شاملا، كيف لا؛ والأنبياء والأولياء هم أهل الذكر ومجالسهم مجالس الرحمة ؟ فكيف يجىء استثنائهم؟! لكن هنا أوجه متوجهة : - (أحدها): ((أن الملأ الأعلى، الذين يذكر الله من ذكره فيهم: هم صفوة الملائكة وأفضلهم، والذاكر فيهم للعبد هو الله يقال ينبغى أن يفرض على موازنة أفضل بنى آدم يجتمعون فى مجلس نبيه صلى الله عليه وسلم، وإن كان أفضل البشر، لكن الذين حوله ليس أفضل من بقى من البشر الفضلاء، فإن الرسل والأنبياء، أفضل منهم . (وثانيها ) : أن مجلس أهل الأرض إن كان فيه جماعة من الأنبياء يذكر العبد فيهم ربه: فالله تعالى يذكر العبد فى جماعات من الملائكة أكثر من أولئك فيقع الخير للكثرة التى لا يقوم لها شىء ، فإن الجماعة كلما كثروا كانوا خيراً من القليل . ( وثالثها) : أنه لعله فى الملا الأعلى جماعة من الأنبياء يذكر الله العبد فيهم ؛ فإن أرواحهم هناك. ٣٩١ (ورابعها): أن من الناس من فرق بين الخير والأفضل، فيقال الخير للأنفع (وخامسها): أنه لا يدل على أن الملأ الأعلى أفضل من هؤلاء الذاكرين إلا فى هذه الدنيا، وفى هذه الحال لأنهم لم يكملوا بعد، ولم يصلحوا أن يصيروا أفضل من الملأ الأعلى ، فالملأ الأعلى خير منهم فى هذه الحالة ، كما يكون الشيخ العاقل خيراً من عامة الصبيان ، لأنه إذ ذاك فيه من الفضل ما ليس فى الصبيان، ولعل فى الصبيان فى عاقبته أفضل منه بكثير ، ونحن إنما نتكلم على عاقبة الأمر ومستقره . فليتدبر هذا فإنه جواب معتمد إن شاء الله، والله سبحانه أعلم بحقائق خلقه وأفاضلهم، وأحكم فى تدبيرهم ، ولا حول ولا قوة إلا بالله. هذا ما تيسر تعليقه وأنا عجلان، فی حین من الزمان ، والله المستعان ، وهو المسؤول أنيهدى قلوبنا ويسدد ألسنتنا وأيدينا، والحمد لله رب العالمين. ٣٩٢ سئل شيخ الإسلام رحمه الله :- عن ((خديجة)) ((وعائشة)): أمى المؤمنين أيهما أفضل؟ فأجاب : بأن سبق خديجة ، وتأثيرها فی أول الإسلام ؛ ونصرها ، وقيامها فى الدين لم تشركها فيه عائشة ، ولا غيرها من أمهات المؤمنين. وتأثير عائشة فى آخر الإسلام، وحمل الدین، وتبليغه إلى الأمة، وإدرا کها من العلم ما لم تشركها فيه خديجة ، ولا غيرها مما تميزت به عن غيرها . ٣٩٣ وقال شيخ الإسلام رحمه اللّه :- فصل وأفضل نساء هذه الأمة ((خديجة))، و ((عائشة))، و((فاطمة)). وفى تفضیل بعضهن على بعض نزاع، و تفصيل ليس هذا موضعه. وخديجة وعائشة من أزواجه . فإذا قيل بهذا الاعتبار: إن جملة ((أزواجه)) أفضل من جملة ((بناته)) كان صحيحاً ؛ لأن أزواجه أكثر عدداً، والفاضلة فيهن أكثر من الفاضلة فی بناته . ٣٩٤ وقال شيخ الإسلام فصل وأما (( نساء النبى صلى الله عليه وسلم ، فلم يقل: إنهن أفضل من العشرة إلا أبو محمد بن حزم ، وهو قول شاذ لم يسبقه إليه أحد ، وأنكره عليه من بلغه من أعيان العلماء، ونصوص الكتاب والسنة تبطل هذا القول. وحجته التى احتج بها فاسدة ؛ فإنه احتج على ذلك بأن المرأة مع زوجها فى درجته فى الجنة ، ودرجة النبى صلى الله عليه وسلم أعلى الدرجات فيكون أزواجه فى درجته ، وهذا يوجب عليه: أن يكون أزواجه أفضل من الأنبياء جميعهم ، وأن تكون زوجة كل رجل من أهل الجنة أفضل ممن هو مثله ، وأن يكون من يطوف على النبى صلى الله عليه وسلم من الولدان، ومن يزوج به من الحور العين أفضل من الأنبياء والمرسلين ، وهذا كله مما يعلم بطلانه عموم المؤمنين. وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام، فإنما ذكر فضلها على النساء فقط . وقد ثبت ٣٩٥ فى الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «كمل من الرجال كثير؛ ولم يكمل من النساء إلا عدد قليل ، إما اثنتان أو أربع، وأكثر أزواجه لسن من ذلك القليل . والأحاديث المفضلة للصحابة كقوله صلى الله عليه وسلم: «لو كنت متخذا من أهل الأرض خليلا لا تخذت أبا بكر خليلا » يدل على أنه ليس فى الأرض أهل: لا من الرجال ولا من النساء أفضل عنده من أبى بكر، وكذلك ما ثبت فى الصحيح عن على أنه قال: خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ، ثم عمر . وما دل على هذا من النصوص التى لا يتسع لها هذا الموضع. وبالجملة فهذا قول شاذ لم يسبق إليه أحد من السلف ، وأبو محمد مع كثرة علمه وتبحره ، وما يأتى به من الفوائد العظيمة: له من الأقوال المنكرة الشاذة ما يعجب منه كما يعجب مما يأتى به من الأقوال الحسنة الفائقة ، وهذا كقوله: إن مريم نبية ، وإن آسية نبية ، وإن أم موسى نبية . وقد ذكر القاضى أبو بكر ، والقاضى أبو يعلى، وأبو المعالى ، وغيرهم: الإجماع على أنه ليس فى النساء نبية ، والقرآن والسنة دلا على ذلك. كما فى قوله : ) ، وقوله : وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّ رِجَالًا نُّوحِىَّ إِلَيْهِم مِّنْ أَهْلِ الْقُرَىّ ) (مَا الْمَسِيحُ أَبْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ) ، ذكر أن غاية ما انتهت إليه أمه: الصديقية ، وهذا مبسوط فى غير هذا الموضع. ٣٩٦ وقال شيخ الإسلام :- ـصل وأما أبو بكر والخضر فهذا يبنى على نبوة الخضر، وأكثر العلماء على أنه ليس بنى ، وهو اختيار أبى على بن أبى موسى وغيره من العلماء، فعلى هذا أبو بكر وعمر أفضل منه . والقول الثانى : أنه نى . واختاره أبو الفرج بن الجوزى وغيره ؛ فعلى هذا هو أفضل من أبى بكر ؛ لكن النى صلى الله عليه وسلم وعيسى بن مريم هما أفضل منه بالاتفاق ، ومحمد فى أول هذه الأمة وعيسى فى آخرها . ٣٩٧ وسئل رحمه الله: عن رجلين اختلفا . فقال أحدهما : أبو بكر الصديق ، وعمر بن الخطاب - رضى الله عنهما - أعلم، وأفقه من على بن أبى طالب - رضى الله عنه - وقال الآخر: بل على بن أبى طالب أعلم ، وأفقه من أبى بكر وعمر . فأى القولين أصوب؟ وهل هذان الحديثان وهما قوله: صلى الله عليه وسلم ((أقضاكم على، وقوله: « أنا مدينة العلم ، وعلى بابها ، صحیحان؟ وإذا کانا صحیحین ؛ فهل فيهما دليل أن عليا أعلم وأفقه من أبى بكر وعمر - رضى الله عنهم أجمعين؟ وإذا ادعى مدع: أن إجماع المسلمين على أن عليا رضى الله عنه أعلم وأفقه من أبى بكر وعمر - رضى الله عنهم أجمعين - يكون محقا أو مخطئا؟. فأجاب : الحمد لله : لم يقل أحد من علماء المسلمين المعتبرين: إن عليا أعلم، وأفقه من أبی بکر وعمر، بل ولامن أبی بکروحده. ومدعى الإجماع علىذلك من أجهل الناس، وأكذبهم ؛ بل ذكر غير واحد من العلماء إجماع العلماء على أن أبا بكر الصديق أعلم من على . منهم الإمام: منصور بن عبد الجبار السمعانى المروذى؛ أحد أئمة السنة من أصحاب الشافعى ذكر فى كتابه: ((تقويم الأدلة على الإمام)) ٣٩٨ إجماع علماء السنة على أن أبا بكر أعلم من على. وما علمت أحداً من الأئمة المشهورين ينازع فى ذلك . وكيف وأبو بكر الصديق كان بحضرة النبى صلى الله عليه وسلم يفتى، ويأمر ، وينهى، ويقضى، ويخطب؟! كما كان يفعل ذلك إذا خرج هو وأبو بكر يدعو الناس إلى الإسلام، ولما هاجرا جميعاً، ويوم حنين ، وغير ذلك من المشاهد والنبي صلى الله عليه وسلم ساكت يقره على ذلك ، ويرضى بما يقول، ولم تكن هذه المرتبة لغيره . وكان النبي صلى الله عليه وسلم فى مشاورته لأهل العلم، والفقه ، والرأى من أصحابه: يقدم فى الشورى أبا بكر ، وعمر ، فهما اللذان يتقدمان فى الكلام، والعلم بحضرة الرسول عليه السلام على سائر أصحابه . مثل قصة مشاورته فى أسرى بدر. فأول من تكلم فى ذلك أبو بكر، وعمر ؛ وكذلك غير ذلك. وقد روى فى الحديث أنه قال لهما: ((إذا اتفقتما على أمر لم أخالفكما ، ولهذا كان قولها حجة فى أحد قولى العلماء، وهو إحدى الروايتين عن أحمد - وهذا بخلاف قول عثمان، وعلى. وفى السنن عنه أنه قال ((اقتدوا باللذين من بعدى: أبى بكر وعمر)). ولم يجعل هذا الغيرهما، بل ثبت عنه أنه قال: ((عليكم بستى، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي . تمسكوا بها ، وعضوا عليها بالنواجذ ، وإياكم ومحدثات ٣٩٩ الأمور: فإن كل بدعة ضلالة )) فأمر باتباع سنة الخلفاء الراشدين. وهذا يتناول الأئمة الأربعة. وخص أبا بكر وعمر بالاقتداء بهما . ومرتبة المقتدى به فى أفعاله، وفيما سنه للمسلمين: فوق سنة المتبع فيما سنه فقط . وفى صحيح مسلم أن أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم كانوا معه فى سفر فقال: (( إن يطع القوم أبا بكر وعمر يرشدوا)). وقد ثبت عن ابن عباس : أنه كان يفتى من كتاب الله . فإن لم يجد فيما سنه رسول الله صلى الله عليه وسلم. فإن لم يجد أفتى بقول أبى بكر وعمر؛ ولم يكن يفعل ذلك بعثمان وعلى. و «ابن عباس، حبر الأمة ، وأعلم الصحابة، وأفقهم فى زمانه؛ وهو يفتى بقول أبى بكر وعمر : مقدماً لقولهما على قول غيرهما من الصحابة. وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ((اللهم فقهه فى الدين وعليه التأويل )). وأيضاً فأبو بكر ، وعمر كان اختصاصهما بالنبى صلى الله عليه وسلم فوق اختصاص غيرهما . وأبو بكر كان أكثر اختصاصاً . فإنه كان يسمر عنده عامة الليل يحدثه فى العلم، والدين ، ومصالح المسلمين. كما روى أبو بكر بن أبى شية. حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن عمر قال: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسمر عند أبى بكر فى الأمر من أمور المسلمين وأنا معه » . وفى الصحيحين عن عبد الرحمن بن أبى بكر : أن أصحاب الصفة كانوا ٤٠٠