Indexed OCR Text

Pages 361-380

ولم يأت أن آدم سجد للملائكة ، بل لم يؤمر آدم وبنوه بالسجود إلا لله
رب العالمين، ولعل ذلك - والله أعلم بحقائق الأمور - لأنهم أشرف
الأنواع، وهم صالحوا بنى آدم ليس فوقهم أحد يحسن السجود له إلا لله رب
العالمين ، وهم أكفاء بعضهم لبعض ، فليس لبعضهم مزية بقدر ما يصلح له
السجود، ومن سواهم فقد سجد لهم من الملائكة للأب الأقوم ، ومن البهائم
للابن الأكرم.
وأما قولهم: لم يسبق لآدم ما يوجب الإكرام له بالسجود فلغو من القول،
هذى به بعض من اعتزل الجماعة ، فإن نعم اللّه تعالى وأياديه وآلائه على عباده
ليست بسبب منهم ، ولو كانت بسبب منهم فهو المنعم بذلك السبب، فهو المنعم
به ويشكرهم على نعمه ؛ وهو أيضاً باطل على قاعدتهم لا حاجة لنا إلى
بیانه ههنا .
وقوله: ( وَلَهُ يَسْجُدُونَ) فإنه إن سلم أنه يفيد الحصر فالقصد منه - والله
أعلم - الفضل بينهم وبين البشر الذين يشركون بربهم ويعبدون غيره فأخبرهم
أن الملائكة لا تعبد غيره، ثم هذا عام وتلك الآية خاصة فيستثنى آدم ، ثم يقال:
السجود على ضربين سجود عبادة محضة ، وسجود تشريف . فأما الأول
فلا يكون إلا لله، وأما الثانى فلم قلت إنه كذلك؟ والآية محمولة على الأول
توفيقاً بين الدلائل .
وأما (السؤال الثانى) فروى عن بعض الأولين : أن الملائكة الذين
٣٦١

سجدوا لآدم ملائكة فى الأرض فقط؛ لا ملائكة السموات . ومنهم من يقول :
ملائكة السموات دون الكروبيين ، وانتحى ذلك بعض المتأخرين، واستنكر
سجود الأعليين من الملائكة لآدم مع عدم التفاتهم إلى ما سوى الله ، ورووا
فى ذلك: «إن من خلق الله خلق لا يدرون: أخلق آدم أم لا))؟
ونزع بقوله: ( أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ ) والعالون هم ملائكة السماء،
وملائكة السماء لم يؤمروا بالسجود لآدم ، فاعلم أن هذه المقالة أولاً ليس معها
ما يوجب قبولها؛ لامسموع ولامعقول ، إلا خواطر وسوانح ،ووساوسمادتها
من عرش إبليس ، يستفزهم بصوته [ ليرد عنهم ] النعمة التى حرص على ردها عن
أبيهم قديماً ، أو مقالة قد قالها من يقول الحق والباطل ، لكن معنا ما يوجب
ردها من وجوه.
أحدها : أنه خلاف ما عليه العامة من أهل العلم بالكتاب والسنة، وإذا
كان لا بد من التقليد فتقليدهم أولى .
وثانيها: أنه خلاف ظاهر الكتاب العزيز ، وخلاف نصه ، فإن الاسم
المجموع المعرف بالألف واللام يوجب استيعاب الجنس ، قال تعالى: (وَإِذْ
قُلْنَا لِلْمَلَتِكَةِ أَسْجُدُ واْلَِّدَمَ) ، فسجود الملائكة يقتضى جميع الملائكة ، هذا مقتضى
اللسان الذى نزل به القرآن ، فالعدول عن موجب القول العام إلى الخصوص
لا بد له من دليل يصلح له ، وهو معدوم.
٣٦٢

وثالثها: أنه قال: ( فَسَجَدَ الْمَلَئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ) فلو لم يكن الاسم الأول
يقتضى الاستيعاب والاستغراق لكان توكيده بصيغة كل موجبة لذلك ومقتضية له
ثم لو لم يفد تلك الإفادة ، لكان قوله أجمعون توكيداً وتحقيقاً بعد توكيدوتحقيق،
ومن نازع فى موجب الأسماء العامة فإنه لا ينازع فيها بعد توكيدها بما يفيد العموم
بل إنما يجاء بصيغة التوكيد قطعاً لاحتمال الخصوص وأشباهه .
وقد بلغنى عن بعض السلف أنه قال : ما ابتدع قوم بدعة إلا فى القرآن
ما يردها ، ولكن لا يعلمون، فلعل قوله: (كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ) جىء به لزعم
زاعم يقول: إنما سبجد له بعض الملائكة لاكلهم ، وكانت هذه الكلمة رداً لمقالة
هؤلاء . ومن اختلج فى سره وجه الخصوص بعد هذا التحقيق والتوكيد فليعز
نفسه فى الاستدلال بالقرآن والفهم ، فإنه لا يثق بشىء يؤخذ منه ، ياليت
شعرى! لو كانت الملائكة كلهم سجدوا وأراد الله أن يخبرنا بذلك ، فأى كلمة
أتم وأعم، أم يأتى قول يقال: أليس هذا من أبين البيان؟
ورابعها: أن هذه الكلمة تكررت فى القرآن ، وقال النبى صلى الله عليه
وسلم فى حديث الشفاعة وأسجد لك ملائكته ، وكذلك فى محاجة موسى وآدم،
ومن الناس من يقول : إن القول العام إذا قرن به الخاص وجب أن يقرن به
البيان، فلا يجوز تأخيره عنه ، لئلا يقع السامع فى اعتقاد الجهل ؛ ولم يقترن
بشىء من هذه الكلمات دليل تخصيص ، فوجب القطع بالعموم.
وقال آخرون - وهو الأصوب -: يجوز تأخير البيان عن وقت الخطاب
٣٦٣

لكن بعد البحث عن دليل التخصيص ، والله أعلم . فيجب القول بالعموم ،
وإذا كانت القصة قد تکررت ولیس فیہا ما يدل على الخصوص فليس دعوى
الخصوص فيها من البهتان .
وأما إنكارهم لسجود الكروبيين فليس بشىء، لأنهم سجدوا طاعة وعبادة
لربهم ، وزاد قائل ذلك أنهم أفضل من آدم إذا ثبت أنهم لم يسجدوا، والحكايات
المرسلة لا تقيم حقاً ولا تهدم باطلا ؛ وتفسيرهم ( آلْعَالِينَ ) بالکرو پیین قول فی
كتاب الله سبحانه وتعالى بلا علم، ولا يعرف ذلك عن إمام متبع. ولا فى اللفظ
دليل عليه ، وقيل: (أَسْتَكْبَرَتَ) أطلبت أن تكون كبيراً من هذا الوقت؟ أم كنت
عالياً قبل ذلك؟ ولاحاجة بنا إلى تفسير كلام اللّه بآرائنا، والله أعلم بتفسيره.
وههنا ( سؤال ثالث) وهو : أن السجود له قد يكون الساجدون سجدوا
له مع فضلهم عليه ، فإن الفاضل قد يخدم المفضول ، فنقول : اعلم أن منفعة
الأعلى للأدنى غير مستنكرة ؛ فإن سيد القوم خادمهم، فالنبي صلى الله عليه وسلم
أفضل الناس، وأنفع الناس للناس ، لكن منفعته فى الحقيقة يعود إليه ثوابها ،
وتمام التقرب إلى الله يحصل بنفع خلقه، فهذا يصلح أن يورد على من احتج
بتدبيرهم لنا ، ففضلهم علينا لكثرة منفعتهم لنا ، وأما نفس السجود فلا منفعة
فيه للسجود له إلا مجرد تعظيم وتشريف وتكريم ، ولا يصلح ألبتة أن يكون
من هو أفضل أسفل ممن دونه وتحته فى الشرف ، والمحقق؛ لا المتوهم؛ فافهم هذا
فإن تحته سر .
٣٦٤

الدليل الثانى: قوله قصصاً عن إبليس: (أَرَءَيْنَكَ هَذَا الَّذِى كَرَّمْتَ عَّ)؟
فإن هذا نص فى تكريم آدم على إبليس إذ أمر بالسجود له .
الدليل الثالث : إن الله تعالى خلق آدم بيده ، كما ذكر ذلك فی الکتاب
والسنة ، والملائكة لم يخلقهم بيده بل بكلمته ، وهذا يقوله جميع من يدعى
الإسلام سنيهم ومبتدعهم - بل وعليه أهل الكتاب ، فإن الناس فى يدى الله
على ثلاثة أقوال : -
أما أهل السنة فيقولون: يدا اللّه صفتان من صفات ذاته، حكمها حكم جميع
صفاته: من حياته وعلمه، وقدرته وإرادته ، وكلامه. فيثبتون جميع صفاته
التى وصف بها نفسه ، ووصفه بها أنياؤه ، وإن شاركت أسماء صفاته أسماء
صفات غيره. كما أن له أسماء قد يسمى بها غيره، مثل: رؤوف ، رحيم ، عليم
سميع، بصير حليم، صبور، شكور، قدير ، مؤمن ، على ، عظيم، كبير، مع نقی
المشابهة فى الحقيقة والمائلة، كما فى قوله تعالى: ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ
الْبَصِيرُ) جمعت هذه الآية بين الإثبات والتنزيه، ونسبة صفاته إليه كنسبة خلقه
إليه والنسبة والإضافة تشابه النسبة والإضافة .
ومن هذا الوجه جاء الاشتراك فى أسمائه وأسماء صفاته ، كما شبهت الرؤية
برؤية الشمس والقمر، تشبيها للرؤية لا المرئى ، كما ضرب مثله مع عباده
المملوكين كمثل بعض خلقه مع ملوكيهم ، وله المثل الأعلى فى السموات ، فتدبر
٣٦٥

هذا فإنه مجلاة شبهة ومصفاة كدر ، جميع ما نسمعه ، وينسب إليه ، ويضاف :
من الأسماء، والصفات: هو كما يليق باللّه، ويصلح لذاته.
والفريقان الآخران - أهل التشبيه والتمثيل -: منهم من يقول: يد
كيدى - تعالى الله عن ذلك - وأهل النفى والتعطيل يقولون: اليدان هما:
النعمتان والقدرتان ، والله أكبر كبيراً .
وبكل حال اتفق هؤلاء كلهم على أن لآدم فضيلة ومزية ليست لغيره ،
إذ خلقه بيده.
(الوجه الثالث ): إن ذلك معدود فى النعم التى أنعم الله بها على آدم حين
قال له موسى: ((خلقك اللّه بيده)). وكذلك يقال له: يوم القيامة؛ وإنما
ذ کروا ذلك له فى النعم التی خصه الله بها من بین المخلوقین دون الذی شورك فيها
فهذا بيان واضح دليل على فضله على سائر الخلق ، كما ذكر زيد بن أسلم أن
الله تعالى قال للملائكة: ((لا أجعل صالح ذرية من خلقت بيدى كمن قلت له
کی فکان ».
(الدليل الرابع): ما احتج به بعض أصحابنا على تفضيل الأنبياء على
الملائكة بقوله: (إِنَّاللّهَاصْطَفَ ءَدَمَ وَنُوحًا وَءَالَ إِبْرَاهِيمَ وَءَالَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَلَمِينَ )،
وقوله: ( وَلَقَدٍ أُخْتَرْنَهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَلَمِينَ)، واسم (العالمين)
يتناول الملائكة والجن والإنس ، وفيه نظر؟ لأن أصناف العالمين قد يراد به
٣٦٦

جميع أصناف الخلق كما فى قوله تعالى: (الْحَمْدُ لِلَِّرَبِّ الْعَلَمِينَ)، وقد يراد به
الآدميون فقط على اختلاف أصنافهم، كما فى قوله تعالى: ( أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ
اُلْعَلَمِينَ )، ( أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍمِنَ الْعَلَمِينَ) ، وهم كانوا
لا يأتون البهائم ولا الجن .
وقد يراد بالعالمين أهل زمن واحد، كما فى قوله: ( أُخْتَرْنَهُمْ عَلَى عِلْمٍ
عَلَى الْعَلَمِينَ).
فقوله: ( إِنَّاللَّهَ اصْطَفَ ءَدَمَ وَنُوحًّا وَءَالَ إِبْرَاهِيمَ وَءَالَ عِمْرَنَ) الآية.
تحتمل جميع أصناف الخلق. ويحتمل أن المراد بنو آدم فقط. وللمحتج بها أن
يقول: اسم العالمین عام جمیع أصناف المخلوقات التى بها يعلم الله ، وهیآيات له
ودلالات عليه ، لا سيما أولوا العلم منهم مثل: الملائكة ، فيجب إجراء الاسم
على عمومه إلا إذا قام دليل يوجب الخصوص.
وقد احتج أيضاً بقوله: ( وَلَقَذْ كَرَّمْنَابَنِىّءَدَمَ ) الآية. وهو دليل ضعيف
بل هو بالضد كما قررناه.
(الدليل الخامس) : قوله: ( إِنِ جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ) ، وفيها
دليل على تفضيل الخليفة من وجهين: ((أوله))) أن الخليفة يفضل على من هو
خليفة عليه، وقد كان فى الأرض ملائكة ، وهذا غايته أن يفضل على من فى
الأرض من الملائكة. ((وثانيهما)): أن الملائكة طلبت من الله تعالى أن يكون
٣٦٧

الاستخلاف فيهم، والخليفة منهم ، حيث قالوا : (أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُفِيهَا
وَيَسْفِكُ الدِّمَآءَ ) الآية. فلولا أن الخلافة درجة عالية أعلى من درجاتهم لما
طلبوها وغبطوا صاحبها .
(الدليل السابع) تفضيل بنى آدم عليهم بالعلم حين سألهم الله عز وجل عن
علم الأسماء فلم يجيبوه ؛ واعترفوا أنهم لا يحسنونها فأنبأهم آدم بذلك ؛ وقد قال
تعالى: ﴿ هَلْ يَسْتَوِى الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ).
(والدليل الثامن) : وهو أول الأحاديث ما رواه حماد بن سلمة عن
أبى المهزم عن أبى هريرة عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لزوال الدنيا
على الله أهون من قتل رجل مؤمن، والمؤمن أكرم على الله من الملائكة
الذین عنده ».
وهذا نص فى أن المؤمنين أكرم على الله من الملائكة المقربين.
ثم ذكر ما رواه الخلال عن أبى هريرة : خطبنا رسول اللّه صلى اللّه
عليه وسلم، وذكر كلاماً قال فى آخره: ((ادنوا ووسعوا لمن خلفكم)) فدنا
الناس وانضم بعضهم إلى بعض ، فقال رجل : أنوسع للملائكة أو للناس؟
قال : للملائكة، إنهم إذا كانوا معكم لم يكونوا من بين أيديكم ولا من خلفكم،
ولكن عن أيمانكم وشمائلكم . قالوا: ولم لا يكونون من بين أيدينا ومن خلفنا؟
أمن فضلنا عليهم أو من فضلهم علينا؟ قال : نعم. أنتم أفضل من الملائكة)).
٣٦٨

رواه الخلال ، وفيه القطع بفضل البشر على الملائكة ، لكن لا يعرف حال
إسناده، فهو موقوف على صحة إسناده.
وروى عبد الله بن أحمد فى (( كتاب السنة)) عن عروة بن رويم قال:
أخبرنى الأنصارى عن النبى صلى الله عليه وسلم أن الملائكة قالوا: ربنا خلقتنا
وخلقت بنى آدم ، فعلتهم يأكلون ويشربون ، ويلبسون ويأتون النساء،
ويركبون الدواب ، وينامون ويستريحون ، ولم تجعل لنا شيئاً من ذلك ، فاجعل
لهم الدنيا ولنا الآخرة.
وذكر الحديث مرفوعاً كما تقدم موقوفاً عن زيد بن أسلم عن أبيه .
وزيد بن أسلم زيد فى علمه وفقهه وورعه ، حتى ان كان على بن الحسين ليدع
مجالس قومه ويأتى مجلسه ، فلامه الزهرى فى ذلك فقال : إنما يجلس حيث
يقتفع؛ أو قال يجد صلاح قلبه .
وقد كان يحضر مجلسه نحو أربعمائة طالب للعلم ، أدنى خصلة فيهم الباذل
ما فى يده من الدنيا ، ولا يستأثر بعضهم على بعض ، فلا يقول مثل
هذا القول إلا عن (١) بين والكذب على الله عز وجل أعظم من الكذب
على رسوله .
وأقل ما فى هذه الآثار أن السلف الأولين كانوا يتناقلون بينهم : أن
صالحى البشر أفضل من الملائكة من غير نكير منهم لذلك ، ولم يخالف أحد
(١) بياض بالأصل.
٣٦٩

منهم فى ذلك ، إنما ظهر الخلاف بعد تشتت الأهواء بأهلها، وتفرق الآراء،
فقد كان ذلك كالمستقر عندهم .
(الدليل الحادى عشر): أحاديث المباهاة مثل: أن اللّه تعالى ينزل كل ليلة
إلى سماء الدنيا وعشية عرفة فيباهى ملائكته بالحاج ، وكذلك يباهى بهم
المصلين، يقول: ((انظروا إلى عبادي قد قضوا فريضة وهم ينتظرون أخرى))
وكلا الحديثين فى صحيح مسلم . والمباهاة لا تكون إلا بالأفاضل.
فإن قيل هذه الأخبار رواها آحاد غير مشهورين ، ولا هى بتلك الشهرة،
فلا توجب علماً ، والمسألة علمية .
قلنا: ((أولا)) من قال إن المطلق فى هذه القضية اليقين الذى لا يمكن
نقيضه؟ بل يكفى فيها الظن الغالب ، وهو حاصل.
ثم ما المراد بقوله: علمية ؟ أتريد أنه لا علم؟ فهذا مسلم. ولكن كل
عقل راجح يستند إلى دليل فإنه علم ، وإن كان فرقة من الناس لا يسمون علماً
إلا ما كان يقيناً لا يقبل الانتقاض، وقد قال تعالى: ( فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّمُؤْمِنَاتٍ)
وقد استوفى القول فى ذلك فى غير هذا الموضع ، فإن أريد علمية : لأن المطلوب
الاستيقان ؛ فهذا لغو من القول لا دليل عليه ، ولو كان حقاً لوجب الإمساك
عن الكلام فی کل أمر غير على إلا باليقين ، وهو تهافت بين .
ثم نقول : هى بمجموعها وانضمام بعضها إلى بعض ومجيئها من طرق
٣٧٠

متباينة قد توجب اليقين الأولى الخبرة بعلم الإسناد ، وذوى البصيرة بمعرفة
الحديث ورجاله ، فإن هذا علم اختصوا به كما اختص كل قوم بعلم ؛ وليس من
لوازم حصول العلم لهم حصوله لغيرهم ، إلا أن يعلموا ما علموا مما به يميزون
بین صحيح الحدیث وضعيفه .
والعلوم على اختلاف أصنافها وتباين صفاتها لا توجب اشتراك العقلاء
فيها ، لاسيما السمعيات الخبريات ، وإن زعم فرقة من أولى الجدل ان
الضروريات يجب الاشتراك فيها ، فإن هذا حق فى بعض الضروريات؛ لا فى
جميعها ، مع تجويزنا عدم الاشتراك فى شىء من الضروريات ، لكن جرت
سنة الاشتراك بوقوع الاشتراك فى بعضها ، فغلط أقوام جعلوا وجوب الاشتراك
فى جميعها ، جحدوا كثيراً من العلم الذى اختص به غيرهم.
ثم نقول : لو فرضنا أنها لا تفيد العلم وإنما تفيد ظناً غالباً؛ أو أن
المطلوب هو الاستيقان؛ فنقول : المطلوب حاصل بغير هذه الأحاديث ، وإنما
هى مؤكدة مؤيدة لتجتمع أجناس الأدلة على هذه المقالة.
(الدليل الثانى عشر): قد كان السلف يحدثون الأحاديث المتضمنة فضل
صالحى البشر على الملائكة، وتروى على رؤوس الناس ، ولو كان هذا منكراً
لأنكروه، فدل على اعتقادهم ذلك.
وهذا إن لم يفد اليقين القاطع ، فإن بعض الظن لم يقصر عن القوى
٣٧١

الغالب ، وربما اختلف ذلك باختلاف الناس واختلاف أحوالهم .
(الدليل الثالث عشر) وهو البحث الكاشف عن حقيقة المسألة - وهو
أن نقول: التفضيل إذا وقع بين شيئين فلا بد من معرفة الفضيلة ما هى ؟ ثم
ينظر أيهما أولى بها؟.
وأيضاً فإنا إنما تكلمنا فى تفضيل صالحى البشر إذا كملوا ووصلوا إلى
غايتهم وأقصى نهايتهم ، وذلك إنما يكون إذا دخلوا الجنة، ونالوا الزلفى، وسكنوا
الدرجات العلى ، وحياهم الرحمن وخصهم بمزيد قربه ، وتجلى لهم، يستمتعون
بالنظر إلی وجھہ الکریم، وقامت الملائکة فی خدمتهم یاذن ربهم .
فلينظر الباحث فى هذا الأمر! فإن أكثر الغالطين لما نظروا فى الصنفين
رأوا الملائكة بعين التمام والكمال ، ونظروا الآدمى وهو فى هذه الحياة
الخسيسة الكدرة ، التى لا تزن عند اللّه جناح بعوضة وليس هذا بالإنصاف.
فأقول : فضل أحد الذاتين على الأخرى إنما هو بقربها من الله تعالى، ومن
مزيد اصطفائه وفضل اجتبائه لنا ، وإن كنا نحن لا ندرك حقيقة ذلك.
هذا على سبيل الإجمال ، وعلى حسب الأمور التى هى فى نفسها خبر محض،
وكمال صرف، مثل الحياة والعلم والقدرة، والزكاة والطهارة، والطيب والبراءة
من النقائص والعيوب ، فنتكلم على الفضلين :
(أما الأول): فإن جنة عدن خلقها الله تعالى وغرسها بيده، ولم يطلع على
٣٧٢

ما فيها ملكاً مقرباً ، ولا نياً مرسلا، وقال لها: تكلمى ! فقالت: (قد أفلح
المؤمنون). جاء ذلك فى أحاديث عديدة ، وأنه ينظر إليها فى كل سحر ، وهى
داره ، فهذه كرامة اللّه تعالى لعباده المؤمنين، التى لم يطلع عليها أحد من الملائكة
ومعلوم أن الأعلين مطلعون على الأسفلين من غير عكس ، ولا يقال : هذا فى
حق المرسلين ، فإنها إنما بنيت لهم ، لكن لم يبلغوا بعد إبان سكناها وإنما هى
معدة لهم ؛ فإنهم ذاهبون إلى كمال ، ومنتقلون إلى علو وارتفاع ، وهو
جزاؤهم وثوابهم.
وأما الملائكة فإن حالهم اليوم شبيهة بحالهم بعد ذلك ، فإن ثوابهم متصل
وليست الجنة مخلوقة ، وتصديق هذا قوله تعالى: ( فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أَخْفِىَ لَهُم
مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ ).
فقيقة ما أعده الله لأوليائه غيب عن الملائكة ، وقد غيب عنهم أولا حال
آدم فى النشأة الأولى وغيرها .
وفضل عباد الله الصالحين يبين فضل الواحد من نوعهم ؛ فالواحد من
فوعهم إذا ثبت فضلهم على جميع الأعيان والأشخاص ثبت فضل نوعهم على جميع
الأنواع ، إذ من الممتنع ارتفاع شخص من أشخاص النوع المفضول إلى أن
يفوق جميع الأشخاص والأنواع الفاضلة ، فإن هذا تبديل الحقائق وقلب
الأعيان عن صفاتها النفسية ؛ لكن ربما فاق بعض أشخاص النوع الفاضل مع
٣٧٣

امتياز ذلك عليه بفضل نوعه وحقيقته ، كما أن فى بعض الخيل ما هو خير من
بعض الخيل ، ولا يكون خيرا من جميع الخيل.
إذا تبين هذا فقد حدّث العلماء المرضيون وأولياؤه المقبولون: أن محمداً
رسول الله صلى الله عليه وسلم مجلسه ربه على العرش معه.
روى ذلك محمد بن فضيل عن ليث عن مجاهد؛ فى تفسير: (عَسَى أَن
يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا ) وذكر ذلك من وجوه أخرى مرفوعة وغير مرفوعة
قال ابن جرير : وهذا ليس مناقضاً لما استفاضت به الأحاديث من أن المقام
المحمود هو الشفاعة، باتفاق الأئمة من جميع من ينتحل الإسلام ويدعيه، لا يقول
إن إجلاسه على العرش منكراً - وإنما أنكره بعض الجهمية ولا ذكره فى تفسير
الآية منكر - . وإذا ثبت فضل فاضلنا على فاضلهم ثبت فضل النوع على النوع ،
أعنى صالحنا عليهم.
((وأما النوات)) فإن ذات آدم خلقها الله بيده، وخلقها الله على صورته
ونفخ فيه من روحه ، ولم يثبت هذا لشىء من الذوات ، وهذا بحر يغرق فيه
السابح ، لا يخوضه إلا كل مؤيد بنور الهداية ، وإلا وقع إما فى تمثيل ، أو فى
تعطيل . فليكن ذو اللب على بصيرة أن وراء علبه مرماة بعيدة ، وفوق كل
ذى علم عليم . وليوقن كل الإيقان بأن ما جاءت به الآثار النبوية حق ظاهراً
وباطناً، وإن قصر عنه عقله ولم يبلغه عليه (فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ وَحَقٌ مِثْلَ مَآَ
فلا تلجن باب إنكار ، ورد وإمساك وإغماض - رد
أَّكُمْ نَنطِقُونَ )
٣٧٤

لظاهره وتعجباً من باطنه - حفظاً لقواعدك التى كتبتها بقواك وضبطتها
بأصولك التى عقلتك عن جناب مولاك .
إياك مما يخالف المتقدمين من التنزيه وتوق التمثيل والتشبيه ولعمری إن هذا هو
الصراط المستقيم ؛ الذى هو أحد من السيف ؛ وأدق من الشعر ومن لم يجعل
الله له نوراً فما له من نور .
وأما الصفات التى تتفاضل فمن ذلك الحياة السرمدية والبقاء الأبدى
فى الدار الآخرة وليس للملك أكثر من هذا؛ وإن كانت حياتنا هذه منغوصة
بالموت فقد أسلفت أن التفضيل إنما يقع بعد كمال الحقيقتين ، حتى لا يبقى
إلا البقاء وغير ذلك من العلم الذى امتازت به الملائكة.
فنقول : غير منكر اختصاص كل قبيل من العلم بما ليس للآخر ، فإن
الوحى للرسل على أنحاء، كما قال تعالى: ( وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلََّ وَحْيَا أَوْ
مِن وَرَآٍِ حِجَابٍ أَوْيُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِىَ بِإِذْنِهِ، مَايَشَآءُ ) ، فبين أن الكلام للبشر
على ثلاثة أوجه : منها واحد يكون بتوسط الملك .
ووجهان آخران ليس للملك فيهما وحى وأين الملك من ليلة المعراج ،
ويوم الطور ، وتعليم الأسماء وأضعاف ذلك؟.
ولو ثبت أن علم البشر فى الدنيا لا یکون إلا علی أیدی الملائكة - وهو
والله باطل - فكيف يصنعون بيوم القيامة ؟! وقد قال النبى صلى الله عليه وسلم
٣٧٥

« فيفتح الله على من محامده والثناء عليه بأشياء يلهمنيها ، لم يفتحها على
أحد قبلى ».
وإذا تبين هذا : أن العلم مقسوم من الله؛ وليس كما زعم هذا الغبى بأنه
لا یکون إلا بأیدی الملائكة على الإطلاق، وهو قول بلا علم ، بل الذى يدل
عليه القرآن أن الله تعالى اختص آدم بعلم لم يكن عند الملائكة ، وهو علم
الأسماء الذى هو أشرف العلوم، وحكم بفضله عليهم لمزيد العلم، فأين العدول
عن هذا الموضع إلى بنيات الطريق؟ ومنها القدرة.
وزعم بعضهم أن الملك أقوى وأقدر ، وذکر قصة جبرائيل بأنه شديد
القوى ، وأنه حمل قرية قوم لوط على ريشة من جناحه ، فقد آتى الله بعض
عباده أعظم من ذلك ، فأغرق جميع أهل الأرض بدعوة نوح، وقال النبي صلى
الله عليه وسلم: ((إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره)) ورب أشعث
أغبر مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبره! وهذا عام فى كل
الأشياء، وجاء تفسير ذلك فى آثار: إن من عباد اللّه من لو أقسم على الله أن
يزيل جبلا، أو الجبال عن أما كنها لأزالها، وأن لا يقيم القيامة لما أقامها،
وهذا مبالغة.
ولا يقال: إن ذلك يفضل بقوة خلقت فيه، وهذا بدعوة يدعوها ، لأنهما
فى الحقيقة يؤولان إلى واحد ، هو مقصود القدرة ومطلوب القوة ، وما من
٣٧٦

أجله يفضل القوى على الضعيف . ثم هب أن هذا فى الدنيا فكيف تصنعون فى
الآخرة؟ وقد جاء فى الأثر: (( يا عبدى! أنا أقول للشيء كن فيكون ، أطعنى
أجعلك تقول للشيء كن فيكون ، يا عبدى أنا الحى الذى لا يموت ، أطعنى
أجعلك حياً لا تموت))، وفى أثر: «إن المؤمن تأتيه التحف من الله: من الحى
الذى لا يموت إلى الحى الذى لا يموت)) فهذه غاية ليس وراءها مرمى ، كيف
لا وهو بالله يسمع وبه يبصر وبه يبطش وبه يمشى؟ فلا يقوم لقوته قوة.
وأما الطهارة والنزاهة ، والتقديس والبراءة عن النقائص والمعائب،
والطاعة التامة الخاصة لله، التى ليس معها معصية ولا سهو ولا غفلة ، وإنما
أفعالهم وأقوالهم على وفق الأمر ، فقد قال قائل من أين للبشر هذه الصفات؟
وهذه الصفات على الحقيقة هى أسباب الفضل ، كما قيل : لا أعدل بالسلامة
شيئاً . فالجواب من وجوه : -
(أحدها): إنا إذا نظرنا إلى هذه الأحوال فى الآخرة كانت فى الآخرة
للمؤمنين على أكمل حال وأتم وجه ، وقد قدمنا أن الكلام ليس فى تفضيلهم
فى هذه الحياة فقط ، بل عند الكمال والتمام والاستقرار فى دار الحيوان، وفيه
وجه قاطع لكل ما كان من جنس هذا الكلام ، فأين هم من أقوام تكون
وجوههم مثل القمر ومثل الشمس ، لا يبولون ولا يتمخطون ، ولا
يبصقون ، ما فيهم ذرة من العيب ولا من النقص ؟!
( الوجه الثانى): إن هذا بعينه هو الدليل على فضل الآدمى ، والملائكة
٣٧٧

مخلوقون على طريقة واحدة، وصفة لازمة ، لا سبيل الى انفكاكهم عنها ، والبشر
بخلاف ذلك .
(الوجه الثالث ): أن ما يقع من صالحى البشر من الزلات والهفوات
ترفع لهم به الدرجات ، وتبدل لهم السيئات حسنات ، فإن الله يحب التوابين
ويحب المتطهرين ، ومنهم من يعمل سيئة تكون سبب دخول الجنة ، ولو لم
يكن - العفو أحب إليه لما ابتلى بالذنب أكرم الخلق عليه، وكذلك فرحه
بتوبة عبيده ، وضحكه من علم العبد أنه لا يغفر الذنوب إلا اللّه ، فافهم هذا فإنه
من أسرار الربوبية ، وبه ينكشف سبب مواقعة المقربين الذنوب .
(الوجه الرابع): ما روى: (( أن الملائكة لما استعظمت خطايا بنى آدم
ألتقى الله تعالى على بعضهم الشهوة فواقعوا الخطيئة)) وهو احتجاج من اللّه تعالى
على الملائكة ؛ وأما العبادة فقد قالوا إن الملائكة دائموا العبادة والتسبيح، ومنهم
قیام لا يقعدون ، وقعود لا يقومون، ور کوع لا يسجدون، وسجود لا يركعون
( يُسَبِّحُونَ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُّرُونَ).
والجواب : أن الفضل بنفس العمل وجودته ، لا بقدرہ و کثرته ، كما قال
تعالى: ( إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةٌ لَّا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ) وقال:
) ورب تسبيحة من إنسان أفضل من
إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَمَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا
)
ملء الأرض من عمل غيره، وكان إدريس يرفع له فى اليوم مثل عمل جميع أهل
٣٧٨

الأرض؛ وإن الرجلين ليكونان فى الصف وأجر ما بين صلاتهما كما بين
السماء والأرض.
وقد روى: (( أن أنين المذنبين أحب إلىّ من زجل المسبحين)).
وقد قالوا : إن علماء الآدميين مع وجود المنافى والمضاد أحسن
وأفضل . ثم هم فى الحياة الدنيا وفى الآخرة يلهمون التسبيح ، كما يلهمون النفس؛
وأما النفع المتعدى، والنفع للخلق، وتدبير العالم فقد قالوا هم تجرى أرزاق
العباد على أيديهم، وينزلون بالعلوم والوحى ، ويحفظون ويمسكون وغير ذلك
من أفعال الملائكة .
والجواب: أن صالح البشر لهم مثل ذلك وأكثر منه، ويكفيك من ذلك
شفاعة الشافع المشفع فى المذنبين ، وشفاعته فى البشر كى يحاسبوا ، وشفاعته فى
أهل الجنة حتى يدخلوا الجنة. ثم بعد ذلك تقع شفاعة الملائكة ، وأين هم من
قوله: ( وَمَا أَرْسَلْنَكَ إِلَّرَحْمَةً لِلْعَلَمِينَ)؟ وأين هم عن الذين: ( يؤثرون على
أنفسهم ولو كان بهم خصاصة)؟ وأين هم من يدعون إلى الهدى ودين الحق؛
ومن سن سنة حسنة؟ وأين هم من قوله صلى الله عليه وسلم: ((إن من أمتى من يشفع
فى أكثر من ربيعة ومضر))؟ وأين هم من الأقطاب، والأوتاد، والأغواث ؛
والأبدال، والنجباء؟ (١)
فهذا - هداك الله - وجه التفضيل بالأسباب المعلومة؛ ذكرنا منه أنموذجاً
(١) هكذا بالأصل .
٣٧٩

نهجنا به السبيل ، وفتحنا به الباب إلى درك فضائل الصالحين من تدبر ذلك،
وأوتى منه حظاً رأى وراء ذلك ما لا يحصيه إلا الله، وإنما عدل عن ذلك
قوم لم يكن لهم من القول والعلم إلا ظاهره ، ولا من الحقائق إلا رسومها؛
فوقعوا فى بدع وشبهات ، وتاهوا فى مواقف ومجازات ، وها نحن نذكر
ما احتجوا به .
(الحجة الأولى): قوله تعالى: (لَّن يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْدَاللَّهِ
وَلَا الْمَلَتِكَةُ الْمُقَرَبُونَ ) والذى يريد إثبات ذل الأعاظم، وانقياد الأكابر: إنما
يبدأ بالأدنى فالأدنى مترقياً إلى الأعلى ، فالأعلى ليرقى المخاطب فى فهم عظمة من
انقيد له، وأطيع درجة درجة ؛ وإلا فلو فوجئ بانقياد الأعظم ابتداء: لما
حصل تبين مراتب العظمة ؛ ولوقع ذكر الأدنى بعد ذلك ضائعاً؛ بل يكون
رجوعاً ونقصاً .
ولهذا جرت فطرة الخلق أن يقال: فلان لا يأتينى ، وفلان يأتينى ، أى
کیف یستنكف عن الإتيان إلى؟ وفلان أكرم منه وأعظم ، وهو بأتينى ، ولا
يقال لا يأبى فلان أن يكرمك، ولا من هو فوقه. فالانتقال من المسيح إلى
الملائكة دليل على فضلهم ؛ كيف وقد نعتوا بالقرب الذى هو عين الفضائل ؟!
و((الجواب)): زعم القاضى أن هذا ليس من عطف الأعلى على الأدنى؛ وإنما
هو عطف ساذج. قال: وذلك أن قوماً عبدوا المسيح وزعموا أنه ابن الله
سبحانه، وقوما عبدوا الملائكة وزعموا أنها بنات اللّه، كما حكى الله تعالى
٣٨٠