Indexed OCR Text

Pages 261-280

ونفخة الصعق والقيام ذكرهما فى قوله: ( وَنُفِخَ فِي الصُّورِفَصَعِقَ مَن فِى
السَّمَوَتِ وَمَنْ فِ اُلْأَرْضِ إِلَّ مَن شَآءَ اللَّهُ ثُمَ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَاهُمْ قِيَامٌ يُنَظُرُونَ).
وأما الاستثناء فهو متناول لمن فى الجنة من الحور العين ، فإن الجنة ليس
فيها موت ، ومتناول لغيرهم. ولا يمكن الجزم بكل من استثناه اللّه، فإن الله
أطلق فی کتابه .
وقد ثبت فى الصحيح أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: ((إن الناس يصعقون
يوم القيامة فأكون أول من يفيق فأجد موسى آخذاً بساق العرش ، فلا أدرى
هل أفاق قبلى أم كان ممن استثناء الله؟ ، وهذه الصعقة قد قيل إنها رابعة ، وقيل
إنها من المذكورات فى القرآن.
وبكل حال: النبى صلى الله عليه وسلم قد توقف فى موسى ، وهل هو داخل
فى الاستثناء فيمن استثناء الله أم لا؟ فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم لم يخبر
بكل من استثنى اللّه: لم يمكنا نحن أن تجزم بذلك ، وصار هذا مثل العلم بوقت
الساعة وأعيان الأنبياء ، وأمثال ذلك مما لم يخبر به ، وهذا العلم لا ينال
إلا بالخبر . والله أعلم وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.
٢٦١

قال شيخ الإسلام
تقى الدين أبو العباس أحمد بن تيمية -
رحمه الله :-
فصل
مذهب سائر المسلمين بل وسائر أهل الملل إثبات «القيامة الكبرى))،
وقيام الناس من قبورهم، والثواب والعقاب: هناك، وإثبات الثواب والعقاب
فى البرزخ - ما بين الموت إلى يوم القيامة - هذا قول السلف قاطبة وأهل السنة
والجماعة ؛ وإنما أنكر ذلك فى البرزخ قليل من أهل البدع.
لكن من أهل الكلام من يقول : هذا إنما يكون على البدن فقط ، كأنه
ليس عنده نفس تفارق البدن ؛ كقول من يقول ذلك من المعتزلة والأشعرية .
ومنهم من يقول: بل هو على النفس فقط . بناء على أنه ليس فى البرزخ
عذاب على البدن ولا نعيم ، كما يقول ذلك ابن ميسرة ، وابن حزم.
٢٦٢

ومنهم من يقول: بل البدن ینعم ويعذب بلا حياة فيه ، كما قاله طائفة من
أهل الحديث ، وابن الزاغونى يميل إلى هذا فى مصنفه فى حياة الأنبياء فى قبورهم،
وقد بسط الكلام على هذا فى مواضع.
والمقصود هنا : أن كثيراً من أهل الكلام ينكر أن يكون للنفس وجود بعد
الموت ولاثواب ولا عقاب ، ويزعمون أنه لم يدل على ذلك القرآن والحديث،
كما أن الذين أنكروا عذاب القبر والبرزخ مطلقاً زعموا أنه لم يدل على ذلك
القرآن ، وهو غلط ؛ بل القرآن قد بين فى غير موضع بقاء النفس بعد فراق
البدن ، وبين النعيم والعذاب فى البرزخ .
وهو سبحانه وتعالى فى السورة الواحدة يذكر ((القيامة الكبرى)) و ((الصغرى»
كما فى سورة الواقعة ، فإنه ذكر فى أولها القيامة الكبرى ، وأن الناس يكونون
أزواجاً ثلاثة، كما قال تعالى: (إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ * لَيَّسَ لِوَقْعَنِهَا كَاذِبَةٌ * خَافِضَةٌ
رَّافِعَةُ * إِذَارُحَّتِ الْأَرْضُ رَجَّا * وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسَّا * فَكَانَتْ هَبَآءُ مُنْبَثًاً
*
وَكُنُ أَزْوَجَا ثَثَّةً ).
ثم إنه فى آخرها ذكر القيامة الصغرى بالموت، وأنهم ثلاثة أصناف بعد
الموت، فقال: ( فَلَوْلَا إِذَابَغَتِ الْحُلْقُوَمَ * وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ نَنظُرُونَ * وَنَحْنُ أَقْرَبُ
إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِن لَّانُصِرُونَ * فَلَوْلَا إِنَ كُمْ غَيْرَ مَدِينِنَ * تَرْجِعُونَهَا إِنَّكُمُ صَدِقِينَ
وَأَمَّا إِن كَانَ مِنْ أَصْحَبٍ
فَأَمَّ إِن كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ * فَرَوْعٌ وَرَتْحَانٌ وَجَنَّتُ نَّعِيرٍ *
*
اَلْيَمِينِ * فَسَلَهُلَّكَ مِنْ أَصْحَبِ أَلْيَمِينِ * وَأَمَّ إِن كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ
*
٢٦٣

فُلٌ مِنْ حَمِيمٍ * وَتَصْلِيَةُ جَمِيرٍ )، فهذا فيه أن النفس تبلغ الحلقوم وأنهم لا يمكنهم
رجعها، وبین حال المقربين وأصحاب اليين والمكذبين حينئذ.
وفى سورة القيامة: ذكر أيضا القيامتين فقال: (لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَمَةِ)،
ثم قال: ( وَلَ أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللََّامَةِ ): وهى نفس الإنسان.
وقد قيل : إن النفس تکون لوامة وغیر لوامة ، ولیس کذلك . بل نفس
كل إنسان لوامة ، فإنه ليس بشر إلا يلوم نفسه ويندم إما فى الدنيا وإما فى
الآخرة ، فهذا إثبات النفس. ثم ذكر معاد البدن فقال: ( أَيَحْسَبُ الإِنسَنُ أَلَّن
تَجْمَعَ عِظَامَهُ( * بَلَى قَدِّرِينَ عَلَأَن ◌ُّسَوِّىَ بَنَانَهُ, * بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسَنُّ لِيَفْجُرَأَمَامَهُ( * يَسْئَلُ أَانَ يَوْمُالْقِيْمَةِ).
ووصف حال القيامة إلى قوله: (تَظُنُّأَن يُفْعَلَ بِهَا فَافِرَةٌ ).
ثم ذكر الموت فقال: ( كَلَّ إِذَا بَغَتِ التََّافِىَ)، وهذا إثبات للنفس وأنها
تبلغ التراقى كما قال هناك: (بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ )، والتراقى متصلة بالحلقوم.
ثم قال: (وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ ) يرقيها، وقيل: من صاعد يصعد بها إلى اللّه؟
والأول أظهر؛ لأن هذا قبل الموت، فإنه قال: ( وَ أَنَّهُ الْفِرَاقُ ) فدل على
أنهم يرجونه ويطلبون له راقياً يرقيه ، وأيضاً فصعودها لا يفتقر إلى طلب من
يرقى بها ، فإن لله ملائكة يفعلون ما يؤمرون، والرقية أعظم الأدوية فإنها دواء
٢٦٤

روحانى؛ ولهذا قال النبى صلى الله عليه وسلم فى صفة المتوكلين: ((لا يسترقون))
والمراد أنه يخاف الموت، ويرجو الحياة بالراقى؛ ولهذا قال:(وَظَنَّأَنَّهُ الْفِرَاقُ)
ثم قال: (وَلْنَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ * إِلَىرَيِّكَ يَوْمیدٍ الْمَسَاقُ ) فدل على نفس
موجودة قائمة بنفسها تساق إلى ربها ، والعرض القائم بغيرهلا يساق، ولا بدن
الميت ، فهذا نص فى إثبات نفس تفارق البدن تساق إلى ربها ، كما نطقت بذلك
الأحاديث المستفيضة فى قبض روح المؤمن وروح الكافر.
ثم ذكر بعد هذا صفة الكافر بقوله مع هذا الوعيد الذى قدمه: ( فَلَصَدَقَ
وَلَ صَلَى ) وليس المراد أن كل نفس من هذه النفوس كذلك.
وكذلك سورة ((ق)) هى فى ذكر وعيد القيامة ، ومع هذا قال فيها :
)
وَجَآءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَاكُنْتَ مِنْهُ تَجِدُ)، ثم قال بعد ذلك: (وَنُفِخَ
فِ الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ) ، فذكر القيامتين: الصغرى والكبرى، وقوله:
( وَجَآءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقّ ) أى جاءت بما بعد الموت من ثواب وعقاب،
وهو الحق الذى أخبرت به الرسل ، ليس مراده أنها جاءت بالحق الذى هو
الموت ؛ فإن هذا مشهور لم ينازع فيه ، ولم يقل أحد : إن الموت باطل حتى
يقال: جاءت بالحق.
وقوله: ( ذَلِكَ مَاكُنتَ مِنْهُ تِيدٌ) ، فالإنسان وإن كره الموت فهو يعلم
أنه تلاقيه ملائكته، وهذا كقوله: (وَأَعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْنِيَكَ الْيَفِينُ ) واليقين
٢٦٥

ما بعد الموت ، كما قال التى صلى اللّه عليه وسلم: ((أما عثمان بن مظعون فقد
جاءه اليقين من ربه )) ؛ وإلا فنفس الموت - مجرد عما بعده - أمر مشهور لم ينازع
فيه أحد حتى يسمى يقيناً .
وذكر عذاب القيامة والبرزخ معاً فى غير موضع : ذكره فى قصة
آل فرعون فقال: (وَحَاقَ بِثَالِ فِرْعَوْنَ سُوءُ اٌلْعَذَابِ * النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا
وَعَشِيَّا وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ أَدْ خِلُوَاْ ءَالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّاُلْعَذَابٍ) ، وقال فى قصة قوم
نوح: (مِّمَّا خَطِيْشَِهِمْ أُغْرِقُوْ فَأُدْ خِلُواْنَارًا فَلَمْ يَجِدُ واْلَمُ مِّن دُونِ اللَّهِ أَنْصَارًا) مع إخبار
نوح لهم بالقيامة فى قوله: (وَاللهُ أَنْبَّكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَانًا * ثُمَُّعِيَةٌ كُرِفِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ
إِخْرَاجًا ).
وقدذكرنا فى غير موضع: أن الرسل قبل محمد أنذروا بالقيامة الكبرى
تكذيباً لمن نفى ذلك من المتفلسفة، وقال عن المنافقين: (سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ
يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ) ، قال غير واحد من العلماء : المرة الأولى فى الدنيا
والثانية فى البرزخ؛ (ثُمَّيُرَدُونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ ) فى الآخرة.
وقال تعالى فى الأنعام: (وَلَوْتَرَىّ إِذِالظَّالِمُونَ فِ غَمَرَتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَئِكَةُ
بَاسِطُوْ أَيْدِيهِمْ أَخْرِ جُواْأَنْفُسَكُمْ أَلْيَوْمَ تُّجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللّهِ
غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ ءَايَتِهِ، تَسْتَكْبِرُونَ * وَلَقَدْجِئْتُمُونَا فُرَدَى كَمَا خَقْنَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ
مَّاخَوَّلْنَكُمْ وَرَآءَ ظُهُورِكُمْ ) ، وهذه صفة حال الموت وقوله:
٢٦٦

(أَخْرِجُوَأْأَنفُسَكُمُ) دل على وجود النفس التى تخرج من البدن ، وقوله :
( أَلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ ) دل على وقوع الجزاء عقب الموت.
وقال تعالى فى الأنفال: ( وَلَوْ تَرَىّ إِذْ يَتَوَنَّ الَّذِينَ كَفَرُ واْ الْمَلَئِكَةُ يَضْرِبُونَ
وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَرَهُمْ وَذُوقُواْ عَذَابَ الْحَرِيقِ * ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ
لَيْسَ بِظَلَّمِ لِلْعَبِيدِ ) وهذا ذوق له بعد الموت.
وقد ثبت فى الصحيحين من غير وجه: أن النبى صلى الله عليه وسلم لما أتى
المشركين يوم بدر فى القليب ناداهم: (( يا فلان! يا فلان ! هل وجدتم ما وعد
ربكم حقاً؟ فقد وجدت ماوعدنی ربی حقا» . وهذا دليل على وجودهم وسماعهم،
وأنهم وجدوا ما وعدوه بعد الموت من العذاب ، وأما نفس قتلهم فقد علمه
الأحياء منهم .
وقال تعالى فى سورة النساء: ( إِنَّالَّذِينَ تَوَقَُّهُمُ الْمَلَئِكَةُ ظَالِمِىّ أَنْفُسِهِمْ قَالُواْفِيمَ
كُمْ قَالُواْكُنَا مُسْتَضْعَفِينَ فِ الْأَرْضِّ قَالُواْأَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَنَّهُمْ
جَهَنَّمٌ وَسَآءَتْ مَصِيرًا)، وهذا خطاب لهم إذا توفتهم الملائكة ؛ وهم لا يعاينون
الملائكة إلا وقد يئسوا من الدنيا ، ومعلوم أن البدن لم يتكلم لسانه ؛ بل هو
شاهد : يعلم أن الذى يخاطب الملائكة هو النفس ، والمخاطب لا يكون
عرضاً.
وقال تعالى فى النحل: ( الَّذِينَ تَنَوَفَّهُمُ الْمَلَئِكَةُ ظَالِمِىّ أَنْفُسِهِمْ فَلْقَواْ السَّلَمَ
٢٦٧

مَاكُنَّانَعْمَلُ مِن سُوْعِبَّ إِنَّاللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ * فَأَدْخُلُواْ أَبْوَبَ جَهَتَمَ
خَلِينَ فِيَهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِنَ)، وهذا إلقاء للسلم إلى حين الموت،
وقول للملائكة ما كنا نعمل من سوء وهذا إنما يكون من النفس .
وقد قال فى النحل : (الَّذِينَ نَوَقَُّهُمُ الْمَئِكَةُ طَيِِّنٌ يَقُولُونَ سَلَنْمُ عَلَيْكُمْ أَدْ خُلُواْ
اُلْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْتَعْمَلُونَ)، وقال فى السجدة: ( إِنَّالَّذِينَ قَالُواْرَبُّنَا لَهُ ثُمَّ
أُسْتَقَمُواْ تَتَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَبِكَةُ أَلََّتَخَافُواْ وَلَا تَحْزَنُواْ وَأَبْشِرُواْ بِالْجَنَّةِ الَّتِى
كُتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَآؤُكُمْ فِى الْحَيَوْةِ الدُّنْيَاوَ فِ الْآَخِرَةِّوَلَكُمْفِيهَا
مَا تَشْتَهِىّ أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَذَّعُونَ )، وقد ذكروا أن هذا التنزل
عند الموت .
وقال تعالى فى سورة آل عمران: (وَلَا تَحْسَبَنَّالَّذِينَ قُتِلُواْفِى سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَتَا
ج
بَلْ أَحْيَاءُ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَآءَ اتَنُهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ، وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ
يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلَّ خَوْفُ عَلَيْهِمْ وَلَهُمْ يَحْزَنُونَ * يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ
وَفَضْلٍ وَأَنَّاللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ)، وقال قبل ذلك فى سورة البقرة: ( وَلَا
نَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فِى سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَتُّ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِن لَّا تَشْعُرُونَ).
وأيضاً فقال تعالى: ( اللَّهُ يَتَوَفَّى اُلْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَأَلَتِى لَمْ تَمُتْ فِىِ مَنَامِهَا
فَيُمْسِكُ اَلَتِى قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ اَلْأُخْرَىِّ إِلَى أَجَلِ مُسَمَّى ) ، وهذا
٢٦٨

بيان لكون النفس تقبض وقت الموت ؛ ثم منها ما يمسك فلا يرسل إلى بدنه:
وهو الذى قضى عليه الموت ، ومنها ما يرسل إلى أجل مسمى. وهذا إنما
یکون فى شىء يقوم بنفسه ، لا فى عرض قائم بغيره، فهو بيان لوجود النفس
المفارقة بالموت .
والأحاديث الصحيحة توافق هذا ، كقول النبى صلى الله عليه وسلم :
(( باسمك ربي وضعت جنبي وبك أرفعه ، فإن أمسكت نفسي فارحمها ، وإن
أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين)) . وقال - لما ناموا عن صلاة
الصبح -: ((إن الله قبض أرواحنا حيث شاء)).
وقال تعالى: (وَهُوَ الَّذِى يَتَوَفَّدِكُمْ بِأَلَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَاجَرَحْتُمِ بِالنَّهَارِثُمَ يَبْعَثُكُمْ
فِيهِ لِيُقْضَىّ أَجَلٌ مُسَمَّىٌ ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْ جِعُكُمْ ثُمَّ ◌ُنَِّّئُكُم بِمَاكُنْتُمْ تَعْمَلُونَ * وَهُوَاُلْقَاهِرُفَوْقَ
عِبَادِهِ وَيُّرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَآءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْثُ تَوَقَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرُِّونَ *
ثُمَّرُدُّوَا إِلَى اللَّهِ مَوْلَئُهُمُ الْحَقِّ أَلَ لَهُ الْحَكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ اَلْحَسِينَ ) ، فهذا توف لها
بالنوم إلى أجل الموت الذى ترجع فيه إلى الله، وإخبار [أن] الملائكة تتوفاها
بالموت ثم يردون إلى الله ، والبدن وما يقوم به من الأعراض لا يرد ، إنما
يرد الروح.
وهو مثل قوله فى يونس: ( وَرُدُّوَ اْ إِلَى اللَّهِ)، وقال تعالى: ( إِنَّ إِلَى
رَبِّكَ الرُّجْعَ)، وقال تعالى: (يَأَيُّهَا النَّفْسُ الْمُطْمَسِنَّةُ * أَرْجِعِيّ إِلَى رَبِّكِ رَضِيَةً
٢٦٩

مَرضِيَّةٌ * فَادْخُلِ فِ عِبَدِى * وَادْخُلِ جَنَِّى)، وقال تعالى: ( قُلْ يَوَقَّنكُمْ مَّلَكُ اَلْمَوْتِ
وتوفى الملك إنما
الَّذِى ؤُكِلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ ) ،
يكون لما هو موجود قائم بنفسه ؛ وإلا فالعرض القائم بغيره لا يتوفى ، فالحياة
القائمة بالبدن لا تتوفی ، بل تزول وتعدم كما تعدم حر کته وإدراكه.
وقال تعالى فى المؤمنين: ( حَتََّإِذَاجَآءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبٍّ ارْجِعُونِ * لَعَّيّ
أَعْمَلُ صَلِ حَا فِيمَاتَكُ كَّ إِنَّهَا كَلِمَةُ هُوَ قَّائِلُّهَا وَ مِنْ وَرَآبِهِمْ بَعُ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ) ،
فقوله : (آرْجِعُونِ ) طلب الرجمع النفس الى البدن ، كما قال فى الواقعة: (فَلَوَلَاً
إِنْ كَنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِنَ * تَرْجِعُونَهَ إِن كُ صَدِقِينَ ) ، وهو يبين أن النفس موجودة
تفارق البدن بالموت، قال تعالى: ( إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَآبِهِمْ بَرَزَغُ إِلَى يَوْمِ
يُبْعَثُونَ ). آخره .
والحمد لله رب العالمين. وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
٢٧٠

سئل شيخ الإسلام رحمه الله:
عن ((الروح المؤمنة)) أن الملائكة تتلقاها وقصعد بها إلى السماء التى
فيها الله.
فأجاب :
أما الحديث المذكور فى «قبض روح المؤمن ، وأنه يصعد بها إلى السماء
التى فيها اللّه)): فهذا حديث معروف جيد الإسناد، وقوله ((فيها الله)) بمنزلة
قوله تعالى: (ءَأَمِثُم مَّن فِ السَّمَآءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُم ◌ْأَرْضَ فَإِذَا هِىَ تَمُورُ * أَمْ أَمِنْتُ مَّن فِى
وبمنزلة
السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًّا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرٍ ) ،
ما ثبت فى الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لجارية معاوية بن الحكم:
((أين الله)) قالت: فى السماء، قال: ((من أنا)) قالت أنت رسول الله. قال:
(«أعتقها فإنها مؤمنة)).
وليس المراد بذلك أن السماء تحصر الرب وتحويه ، كما تحوى الشمس
والقمر وغيرهما ، فإن هذا لا يقوله مسلم ، ولا يعتقده عاقل ، فقد قال سبحانه
وتعالى: ( وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ ) والسموات فى الكرسى كحلقة
ملقاة فى أرض فلاة ، والكرسى فى العرش كحلقة ملقاة فى أرض فلاة ، والرب
٢٧١

سبحانه فوق سمواته ، على عرشه ، بائن من خلقه ؛ ليس فى مخلوقاته شیء من
ذاته، ولا فى ذاته شىء من مخلوقاته .
وقال تعالى: ( وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِ جُذُوعِالنَّخْلِ) وقال: (فَسِيحُواْ فِى الْأَرْضِ)
وقال : ( يَتِيهُونَ فِى الْأَرْضِ) وليس المراد أنهم فى جوف النخل ، وجوف
الأرض؛ بل معنى ذلك أنه فوق السموات، وعليها ، بأن من المخلوقات ، كما
أخبر فى كتابه عن نفسه أنه خلق السموات والأرض فى ستة أيام ، ثم استوى
على العرش.
وقال: (يَعِيسَىّ إِّ مُتَوَفِيكَ وَرَافِعُكَ إِلَّ) وقال تعالى: (تَعْرُجُ اُلْمَلَتَبِكَةُ
وَالرُّوحُ إِلَيْهِ ) وقال: (بَلِ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ). وأمثال ذلك فى الكتاب والسنة
وجواب هذه المسألة مبسوط فى غير هذا الموضع.
٢٧٢

سئل هل يتكلم الميت في قبره؟ :-
فقال: وأما سؤال السائل هل يتكلم الميت فى قبره نجوابه أنه يتكلم ، وقد
يسمع أيضاً من كله؛ كما ثبت فى الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:
(إنهم يسمعون قرع نعالهم، وثبت عنه فى الصحيح أن الميت يسأل فى قبره؛
فيقال له: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ فيثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت،
فيقول: اللّه ربى، والإسلام دينى، ومحمد نبى. ويقال له: ما تقول فى هذا الرجل
الذی بعث فيكم ؟ فيقول المؤمن : هو عبد الله ورسوله، جاءنا بالبينات والهدى
فَآمنا به واتبعناه؛ وهذا تأويل قوله تعالى: ( يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ
فِي الْحَيَوَةِ الدُّنْيَاوَفِي الْآخِرَةِ).
وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنها نزلت فى عذاب القبر، وكذلك
يتكلم المنافق فيقول: آه، آه ، لا أدرى! سمعت الناس يقولون شيئا فقلته ؛
فيضرب بمرزبة من حديد، فيصيح صيحة يسمعها كل شىء إلا الإنسان .
وثبت عنه فى الصحيح أنه قال: ((لولا أن لا تدافنوا لسألت الله أن يسمعكم
عذاب القبر مثل الذى أسمع، وثبت عنه فى الصحيح أنه نادى المشركين يوم
بدر: لما ألقاهم فى القليب. وقال: ((ما أتم بأسمع لما أقول منهم». والآثار فى
هذا كثيرة منتشرة ، والله أعلم.
•
٢٧٣

سئل شيخ الإسلام
رحمه الله تعالى:
عن سؤال منكر ونكير الميت إذا مات تدخل الروح فى جسده ويجلس
ويجاوب منكراً ونكيراً ، فيحتاج موتاً ثانياً ؟!
فأجاب :-
عود الروح إلى بدن الميت فى القبر ليس مثل عودها إليه فى هذه الحياة
الدنيا ؛ وإن كان ذاك قد يكون أكمل من بعض الوجوه، كما أن النشأة الأخرى
ليست مثل هذه النشأة ؛ وإن كانت أ کمل منها ، بل كل موطن فى هذه الدار وفى
البرزخ والقيامة: له حكم يخصه ؛ ولهذا أخبر النبي صلى اللّه عليه وسلم: أن الميت
يوسع له فى قبره ويسأل ونحو ذلك ، وإن كان التراب قد لا يتغير فالأرواح
تعاد إلى بدن الميت وتفارقه .
وهل يسمى ذلك موتا؟ فيه قولان .
٠١//٥
قيل يسمى ذلك موتا. وتأولوا على ذلك قوله تعالى: ( رَبَّنَا أَمَتْنَا أَثْنَيْنِ
وَأَحْيَيْتَنَا الْنَتَيْنِ): قيل إن الحياة الأولى فى هذه الدار، والحياة الثانية فى القبر.
٢٧٤

والموتة الثانية فى القبر، والصحيح أن هذه الآية كقوله: (وَكُنْتُمْ أَفْوَتًا فَأَحْيَكُمْ
ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ) فالموتة الأولى قبل هذه الحياة ، والموتة الثانية بعد هذه
الحياة. وقوله تعالى: (ثُمَّ يُحْيِيَكُمْ) بعد الموت. قال تعالى: (مِنْهَ خَلَقْتَكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ
وَمِنْهَا تُخْرِ جُكُمْ تَارَةً أُخْرَى) وقال: (قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُونُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ).
فالروح تتصل بالبدن متى شاء اللّه تعالى، وتفارقه متى شاء اللّه تعالى،
لا يتوقت ذلك بمرة ولا مرتين ، والنوم أخو الموت .
ولهذا كان النبى صلى الله عليه وسلم يقول إذا أوى إلى فراشه: ((باسمك
اللهم أموت وأحيا، وكان إذ استيقظ يقول: ((الحمد لله الذى أحيانا بعد ما
أماتنا وإليه النشور ، فقد سمى النوم موتا ، والاستيقاظ حياة.
وقد قال تعالى: ( اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِى لَمْ تَمُتْ فِى مَنَامِهَا
فَيُمْسِكُ الَّتِى قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ اَلْأُخْرَىَ إِلَ أَجَلٍ مُسَمَّى ) فبين أنه
يتوفى الأنفس على نوعين: فيتوفاها حين الموت ، ويتوفى الأنفس التى لم تمت
بالنوم ثم إذا ناموافمن مات فى منامه أمسك نفسه ، ومن لم يمت أرسل نفسه .
ولهذا كان النبى صلى الله عليه وسلم إذا أوى إلى فراشه قال : «باسمك ربی
وضعت جنبي وبك أرفعه ، فإن أمسكت نفسي فارحمها وإن أرسلتها فاحفظها
بما تحفظ به عبادك الصالحين » .
والنائم يحصل له فى منامه لذة وألم ، وذلك يحصل للروح والبدن ، حتى
٢٧٥

إنه يحصل له فى منامه من يضربه ؛ فيصبح والوجع فى بدنه ، ويرى فى منامه
أنه أطعم شيئاً طيباً فيصبح وطعمه فى فه وهذا موجود . فإذا كان النائم يحصل
لروحه وبدنه من النعيم والعذاب ما يحس به - والذى إلى جنبه لا يحس به -
حتى قد يصيح النائم من شدة الألم ؛ أو الفزع الذى يحصل له ويسمع اليقظان
صياحه، وقد يتكلم إما بقرآن، وإما بذكر، وإما بجواب.
واليقظان يسمع ذلك وهو نائم ، عينه مغمضة ، ولو خوطب لم يسمع،
فكيف ينكر حال المقبور الذى أخبر الرسول صلى اللّه عليه وسلم أنه يسمع
قرع نعالهم؟ وقال: ((ما أنتم أسمع لما أقول منهم).
والقلب يشبه القبر ؛ ولهذا قال صلى الله عليه وسلم لما فاتته صلاة العصر
يوم الخندق: ((ملأ الله أجوافهم وقبورهم ناراً، وفى لفظ: «قلوبهم وقبورهم
ناراً، وفرق بينهما فى قوله: ( بُعْثِرَمَا فِ اُلْقُبُورِ * وَحُصِلَ مَا فِ الصُّدُورِ ) وهذا
تقريب وتقرير لإمكان ذلك .
ولا يجوز أن يقال: ذلك الذى يجده الميت من النعيم والعذاب - مثلما -
يجده النائم فى منامه؛ بل ذلك النعيم والعذاب أكمل وأبلغ وأتم . وهو نعيم
حقيقى وعذاب حقيقي ، ولكن يذكر هذا المثل لبيان إمكان ذلك ، إذا قال
السائل: الميت لا يتحرك فى قبره، والتراب لا يتغير ، ونحو ذلك، مع أن هذه
المسألة لها بسط يطول، وشرح لا تحتمله هذه الورقة، والله أعلم. وصلى الله
على محمد وآ له وصحبه وسلم.
٢٧٦

وسئل :-
عن الصغير ، وعن الطفل إذا مات. هل يمتحن؟ إلخ
(١) الوقوف فيهم وأن يقال: اللّه أعلم بما كانوا عاملين، ولبسطه موضع
آخر. وإذا مات الطفل فهل يمتحن فى قبره ويسأله منكر ونكير ؟ فيه قولان
فی مذهب أحمد وغيره .
أحدهما: أنه لا يمتحن ، وأن المحنة إنما تكون على من كلف فى الدنيا ، قاله
طائفة منهم القاضى أبو يعلى وابن عقيل .
والثانى: أنهم يمتحنون ذكره أبو حكيم الهمدانى، وأبو الحسن بن عبدوس،
ونقله عن أصحاب الشافعى. وعلى هذا التفصيل ((تلقين الصغير والمجنون)) من
قال إنه يمتحن فى القبر لقنه ، ومن قال لا يمتحن لم يلقنه . وقد روى مالك وغيره
عن أبى هريرة رضى الله عنه؛ أنه صلى الله عليه وسلم صلى على طفل. فقال:
(اللهم قه عذاب القبر وفتنة القبر)، وهذا القول موافق لقول من قال: إنهم
يمتحنون فى الآخرة ، وإنهم مكلفون يوم القيامة ، كما هو قول أكثر أهل العلم
(١) سقط أول الجواب.
٢٧٧

وأهل السنة من أهل الحديث والكلام، وهو الذى ذكره أبو الحسن الأشعرى
عن أهل السنة واختاره، وهو مقتضى نصوص الإمام أحمد والله أعلم.
وإذا دخل أطفال المؤمنين الجنة فأرواحهم وأرواح غيرهم من المؤمنين فى
الجنة . وإن كانت درجاتهم متفاضلة، والصغار يتفاضلون بتفاضل آباتهم،
وتفاضل أعمالهم - إذا كانت لهم أعمال - فإن إبراهيم بن النبي صلى اللّه عليه وسلم
ليس هو كغيره ، والأطفال الصغار يثابون على ما يفعلونه من الحسنات ،
وإن كان القلم مرفوعا عنهم فى السيئات ؛ كما ثبت فى الصحيح: أن النبى صلى الله
عليه وسلم رفعت إليه امرأة صباً من محفة فقالت: ألهذا حج؟ قال: «نعم. ولك
أجر » رواه مسلم فى صحيحه .
وفى السنن أنه قال «مروهم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر، وفرقوا
بينهم فى المضاجع)، وكانوا يصومون الصغار يوم عاشوراء وغيره، فالصبى يثاب
على صلاته وصومه ، وحجه وغير ذلك من أعماله ، ويفضل بذلك على من لم
يعمل كعمله، وهذا غير ما يفعل به إكراماً لأبويه ، كما أنه فى النعم
الدنيوية قد ينتفع بما يكسبه وبما يعطيه أبواه، ويتميز بذلك على من ليس كذلك.
وأرواح المؤمنين فى الجنة ، كما جاءت بذلك الآثار ، وهو كما قال النبي
صلى الله عليه وسلم: ((نسمة المؤمن تعلق من الجنة)) أى تأكل ولم يوقت
فى ذلك وقت قبل يوم القيامة .
٢٧٨

والأرواح مخلوقة بلا شك ، وهى لا تعدم ولا تفنى ؛ ولكن موتها
مفارقة الأبدان ، وعند النفخة الثانية تعاد الارواح إلى الأبدان.
وأهل الجنة الذين يدخلونها على صورة أبيهم آدم عليه السلام، طول أحدهم
ستون ذراعا . كما ثبت ذلك فى الأحاديث الصحيحة .
وقد قال بعض الناس : إن أطفال الكفار يكونون خدم أهل الجنة ،
ولا أصل لهذا القول.
وقد ثبت فى الصحيحين أن الجنة يبقى فيها فضل عن أهل الدنيا ، فينشئ الله
لها خلقاً آخر فيسكنهم الجنة ، فإذا كان يسكن من ينشئه من الجنة من غير ولد آدم
فى فضول الجنة فكيف بمن دخلها من ولد آدم وأسكن فى غير فضولها ؟ فليسوا
أحق بأن يكونوا من أهل الجنة ؛ ممن ينشأ بعد ذلك ويسكن فضولها.
وأما الورود المذكور فى قوله تعالى: ( وَإِن ◌ِّنَكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا ) فقد فسره
النبى صلى الله عليه وسلم فى الحديث الصحيح، رواه مسلم فى صحيحه عن جابر:
((بأنه المرور على الصراط، والصراط هو الجسر؛ فلا بد من المرور عليه لكل
من يدخل الجنة ، من كان صغيراً فى الدنيا ومن لم يكن .
(والولدان) الذين يطوفون على أهل الجنة: خلق من خلق الجنة ليسوا من
أبناء الدنيا؛ بل أبناء أهل الدنيا إذا دخلوا الجنة كمل خلقهم كأهل الجنة ، على
صورة آدم، أبناء ثلاث وثلاثين فى طول ستين ذراعا؛ كما تقدم . وقد روى أن
العرض سبعة أذرع. والله أعلم.
٢٧٩

سئل الشيخ - حر اللّه:
عن الصغير هل يحيا ويسأل أو يحيا ولا يسأل ؟ وبماذا يسأل عنه؟ وهل
يستوى فى الحياة ، والسؤال من يكلف ومن لا يكلف ؟
فأجاب :-
الحمد لله رب العالمين . أما من ليس مكلفاً كالصغير والمجنون فهل يمتحن
فى قبره ويسأله منكر ونكير؟ على قولين للعلماء .
أحدهما : أنه يمتحن وهو قول أكثر أهل السنة ، ذكره أبو الحسن بن
عبدوس عنهم ، وذكره أبو حكيم النهروانى وغيرهما .
والثانى: أنه لا يمتحن فى قبره ، كما ذكره القاضى أبو يعلى ، وابن عقيل
وغيرهما . قالوا لأن المحنة إنما تكون لمن يكلف فى الدنيا .
ومن قال بالأول: يستدل بما فى الموطأ عن أبى هريرة رضى الله عنه أنه صلى
الله عليه وسلم صلى على صغير لم يعمل خطيئة قط، فقال: ((اللهم قه عذاب القبر
وفتنة القبر ، وهذا يدل على أنه يفتن .
٢٨٠