Indexed OCR Text

Pages 221-240

قال: ولأنه لو كان الروح غير مخلوق ما دخلت النار ، ولانها لو كانت غير
مخلوقة لما حجبت عن اللّه ، ولا غيبت فى البدن ولا ملكها ملك الموت ، ولما
كانت صورة توصف؛ ولأنها لو لم تكن مخلوقة لم تحاسب ولم تعذب ، ولم
تتعبد ولم تخف ، ولم ترج. ولأن أرواح المؤمنين تتلألأ وأرواح الكفار
سود مثل الحم.
وقال صلى الله عليه وسلم: ((أرواح الشهداء فى حواصل طير خضر ترقع
فى الجنة، وتأوى فى فناء العرش. وأرواح الكفار فى برهوت)).
وقال الشيخ أبو يعقوب النهر جورى: هذه الأرواح من أمر الله مخلوقة.
خلقها الله من الملكوت ، كما خلق آدم من التراب ، وكل عبد نسب روحه
إلى ذات الله أخرجه ذلك إلى التعطيل، والذين نسبوا الأرواح إلى ذات الله
هم أهل الحلول الخارجون إلى الإباحة ، وقالوا إذا صفت أرواحنا من أكدار
نفوسنا فقد اتصلنا ؛ وصرنا أحراراً ، ووضعت عنا العبودية ، وأبيح لنا
كل شىء من اللذات من النساء ، والأموال وغير ذلك. وهم زنادقة هذه الأمة
وذكر عدة مقالات لها وللزنادقة .
قلت: واعلم أن القائلين بقدم الروح صنفان :
(صنف) من الصابئة الفلاسفة ، يقولون : هى قديمة أزلية لكن ليست من
٢٢١

ذات الرب ، كما يقولون ذلك: فى العقول، والنفوس الفلكية ، ویزعم من دخل
من أهل الملل فيهم أنها هى الملائكة .
(وصنف) من زنادقة هذه الأمة وضلالها - من المتصوفة والمتكلمة والمحدثة
يزعمون أنها من ذات الله، وهؤلاء أشر قولا من أولئك، وهؤلاء جعلوا
الآدمى نصفین : نصف لاهوت ، وهو روحه. ونصف ناسوت، وهو جسده :
نصفه رب و نصفه عبد .
وقد كفر الله النصارى بنحو من هذا القول فى المسيح ، فكيف بمن يعم
ذلك فى كل أحد ؟ حتى فى فرعون : وهامان ، وقارون ! وكلما دل على أن
الإنسان عبد مخلوق مربوب، وأن الله ربه وخالقه ومالكه وإلهه ، فهو يدل
على أن روحه مخلوقة .
فإن الإنسان عبارة عن البدن والروح معاً ، بل هو بالروح أخص منه
بالبدن ، وإنما البدن مطية للروح، كما قال أبو الدرداء. إنما بدنى مطيتى، فإن
رفقت بها بلغتنى ، وإن لم أرفق بها لم تبلغنی . وقد رواه ابن منده وغيره عن
ابن عباس قال : لا تزال الخصومة يوم القيامة بين الخلق حتى تختصم الروح
والبدن ، فتقول الروح للبدن: أنت عملت السيئات: فيقول البدن للروح: أنت
أمرتنى؛ فيبعث الله ملكا يقضى بينهما، فيقول: إنما مثلكما كمثل مقعد وأعمى
دخلا بستانا؛ فرأى المقعد فيه ثمراً معلقاً؛ فقال للأعمى: إنى أرى ثمراً ولكن
٢٢٢

لا أستطيع النهوض إليه، وقال الأعمى : لكنى أستطيع النهوض إليه ولكنى
لا أراه ؛ فقال له المقعد: تعال فاحملنى حتى أقطفه ؛ حمله وجعل يأمره فيسير به
إلى حيث يشاء فقطع الثمرة؛ قال ((الملك)): فعلى أيهما العقوبة؟ فقالا عليهما
جميعاً قال فكذلك أنتما .
وأيضاً فقد استفاضت الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم بأن الأرواح
تقبض ، وتنعم وتعذب ، ويقال لها: اخرجى أيتها الروح الطيبة كانت فى
الجسد الطيب : اخرجى أيتها الروح الخبيثة ، كانت فى الجسد الخبيث ، ويقال
للأولى أبشرى بروح وريحان ، ويقال للثانية: أبشرى بحميم وغساق وآخر
من شكله أزواج. وأن أرواح المؤمنين تعرج إلى السماء، وأن أرواح الكفار
لا تفتح لها أبواب السماء.
وفى صحيح مسلم عن عبد الله بن شقيق عن أبى هريرة رضى الله عنه قال:
«إذا خرجت روح المؤمن تلقاها ملکان یصعدان بها ، قال حماد فذ کر من طيب
ريحها وذكر المسك؛ قال فيقول أهل السماء: روح طيبة جاءت من قبل الأرض
صلى الله عليك، وعلى جسد كنت تعمرينه ؛ فينطلق به إلى ربه ؛ ثم يقول :
انطلقوا به إلى آخر الأجل ؛ قال : وإن الكافر إذا خرجت روحه قال حماد
وذكر من نتنها وذكر لعناً ، فيقول أهل السماء: روح خبيثة جاءت من قبل
الأرض ، قال فيقال: انطلقوا به إلى آخر الأجل . قال أبو هريرة رضى الله
عنه فلما ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم النتن رد على أنفه ريطة كانت عليه.
٢٢٣

وفى حديث المعراج الصحيح أن النبى صلى الله عليه وسلم رأى آدم، وأرواح
بنيه عن يمينه وشماله، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فلما علونا السماء فإذا
رجل عن يمينه أسودة ، وعن شماله أسودة ، قال فإذا نظر قبل يمينه ضحك، وإذا
نظر قبل شماله بكى ، قال : مرحبا بالنبى الصالح والابن الصالح ، قال قلت :
ياجبريل! من هذا؟ قال: هذا آدم صلى الله عليه وسلم، وهذه الأسودة عن
يمينه وشماله نسم بنيه ، فأهل اليمين أهل الجنة ، والأسودة التى عن شماله أهل
النار ، فإذا نظر قبل يمينه ضحك، وإذا نظر قبل شماله بكى.
وقد ثبت أيضاً أن أرواح المؤمنين والشهداء وغيرهم فى الجنة ، قال الإمام
أحمد فى رواية حنبل أرواح الكفار فى النار ، وأرواح المؤمنين فى الجنة ،
والأبدان فى الدنيا ، يعذب الله من يشاء، ويرحم بعفوه من يشاء، وقال
عبد الله بن أحمد: سألت أبي عن أرواح الموتى: أتكون فى أفنية قبورها؟ أم فى
حواصل طير؟ أم تموت كما تموت الأجساد؟ فقال قد روى عن النبى صلى الله
عليه وسلم: أنه قال: ((نسمة المؤمن إذا مات طائر تعلق فى شجر الجنة، حتى
یرجعه الله إلى جسده يوم يبعثه )).
وقد روى عن عبد الله بن عمرو أنه قال : أرواح المؤمنین فی أجواف طير
خضر كالزرازير ، يتعارفون فيها ويرزقون من ثمرها ، قال : وقال بعض الناس:
أرواح الشهداء فى أجواف طير خضر ، تأوى إلى قناديل فى الجنة معلقة بالعرش.
وقد روى مسلم فى صحيحه عن مسروق قال : سألنا عبد الله -- يعنى ابن
٢٢٤

مسعود - عن هذه الآية: (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَتَأَبَلْ أَحْيَاءُ
ج
، فقال: أما إنا قد سألنا عن ذلك رسول الله صلى الله
عِندَرَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ )
عليه وسلم فقال: ((إن أرواحهم فى جوف طير خضر ، لها قناديل معلقة
بالعرش، تسرح فى الجنة حيث تشاء؛ ثم تأوى إلى تلك القناديل ، فاطلع عليهم
ربك اطلاعة فقال: هل تشتهون شيئاً؟ فقالوا: أى شىء نشتهى وبحن نسرح فى
الجنة حيث نشاء؟ - ففعل بهم ذلك ثلاث مرات - فلما رأوا أنهم لن يتركوا
من أن يسألوا قالوا: يارب نريد أن ترد أرواحنا فى أجسادنا حتى نقتل فى سبيلك
مرة أخرى ، فلما رأى أن ليس لهم حاجة تركوا)).
وقد قال الله تعالى: (يَأَيَُّهَا النَّفْسُ الْمُطْمَسِنَّةُ * أَرْجِعِيّ إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً*
، تخاطبها بالرجوع إلى ربها ،
فَادْ خُلِ فِ عِبَدِى ** وَأَدْخُلِ جَنَِّى)
وبالدخول فى عباده ودخول جنته ، وهذا تصريح بأنها مربوبة . والنفس هنا
هى الروح التى تقبض ، وإنما تتنوع صفاتها، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم فى
الحديث الصحيح - لما ناموا عن صلاة الفجر فى السفر - قال: ((إن الله قبض
أرواحنا حيث شاء، وردها حيث شاء - وفى رواية - قبض أنفسنا حيث شاء))
وقال تعالى: ( اللَّهُ يَتَوَنَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِى لَمْ تَمُتْ فِىِ مَنَامِهَاً فَيُمْسِكُ
الَتِى قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ ) والمقبوض المتوفى هى الروح، كما فى صحيح مسلم عن أم
سلمة قالت : دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم، على أبى سلمة وقد شق بصره،
فأغمضه ، ثم قال: ((إن الروح إذا قبض تبعه البصر فضج ناس من أهله فقال:
٢٢٥

لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير، فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون ، ثم قال :
«اللهم اغفر لأبى سلمة وارفع درجته فى المهديين، واخلفه فى عقبه فى الغابرين،
واغفر لنا وله يارب العالمين وافسح له فى قبره، ونور له فیه».
وروى مسلم أيضاً عن أبى هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
((ألم تروا أن الإنسان إذا مات شخص بصره))! قالوا: بلى. قال: ((فكذلك حين
يتبع بصره نفسه)» فسماه تارة روحاً ، وتارة نفساً .
وروی أحمد بن حنبل ، وابن ماجة. عن شداد بن أوس قال : قال رسول
الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا حضر تم موتاكم فاغمضوا البصر؛ فإن البصر يتبع
الروح، وقولوا خيراً ، فإنه يؤمن على ما يقول أهل الميت».
ودلائل هذا الأصل وبيان مسمى ( الروح والنفس)) وما فيه من الاشتراك
كثير لا يحتمله هذا الجواب ، وقد بسطناه فى غير هذا الموضع.
فقد بان بما ذكر ناه أن من قال: إن أرواح بنى آدم قديمة غير مخلوقة ، فهو
من أعظم أهل البدع الحلولية ، الذين يجر قولهم إلى التعطيل ، يجعل العبد هو
الرب وغير ذلك من البدع الكاذبة المضلة .
وأما قوله تعالى: ( قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِى ) فقد قيل إن الروح هنا ليس
هو روح الآدمى، وإنما هو ملك فى قوله (١) ( يَوْمَ يَقُومُ الزُُّحُ وَالْمَلَئِكَةُ صَفَّا)
(١) نسخة أو ما ذكر في قوله يوم يقوم الروح الخ.
٢٢٦

وقوله : (تَعْرُجُ الْمَلَبِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ ) وقوله: (نَنَزَّلُ الْمَلَئِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا
بِإِذْنِ رَتِهِم ). وقيل: بل هو روح الآدمى، والقولان مشهوران ، وسواء كانت
الآية تعمهما ، أو تتناول أحدهما ، فليس فيها ما يدل على أن الروح غير
مخلوقة لو جهین :
أحدهما أن الأمر فى القرآن يراد به المصدر تارة ، ويراد به المفعول تارة
أخرى وهو المأمور به؛ كقوله تعالى: ( أَنَأَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعِْلُوهُ ) ،
وقوله : ( وَكَانَ أَمْرُاللَّهِقَدَرَامَّقْدُورًا ) وهذا فى لفظ غير الأمر؛ كلفظ
الخلق والقدرة والرحمة والكلمة وغير ذلك. ولو قيل إن الروح بعض أمر الله
أو جزء من أمر الله. ونحو ذلك مما هو صريح فى أنها بعض أمر الله؛ لم يكن
المراد بلفظ الأمر إلا المأمور به لا المصدر ؛ لأن الروح عين قائمة بنفسها؛
تذهب وتجئ وتنعم وقعذب ، وهذا لا يتصور أن يكون مسمى مصدر أمر
يأمر أمراً. وهذا قول سلف الأمة وأئمتها وجمهورها.
ومن قال من المتكلمين إن الروح عرض قائم بالجسم ؛ فليس عنده مصدر
أمر يأمر أمراً.
والقرآن إذا سمى أمر الله فالقرآن كلام ((الله)) والكلام اسم مصدر كلم
يكلم تكليما وكلاماً، وتكلم تكلماً وكلاماً . فإذا سمى أمراً بمعنى المصدر كان ذلك
مطابقاً ، لاسيما والكلام نوعان: أمر وخبر .
٢٢٧

أما الأعيان القائمة بأنفسها فلا تسمى أمراً لا بمعنى المفعول به وهو
المأمور به كماسمى المسيح كلمة لأنه مفعول بالكلمة، وكما يسمى المقدور قدرة
والجنة رحمة، والمطر رحمة، فى مثل قوله: (فَأَنْظُرْ إِلَى ءَاثَرِ رَحْمَتِ اَللَّهِ كَيْفَ
يُحِى الأَرْضَ بَعْدَمَوْتِهَا )، وفى قول النبى صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه
أنه قال للجنة: ((أنت رحمتی أرحم بك من شئت))، وقوله: إن الله خلق
الرحمة - يوم خلقها - مائة رحمة ، ونظائر ذلك كثيرة ، وهذا جواب أبى سعيد
الخراز، قال: فإن قيل: قد قال تعالى: (قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِى ) وأمره
منه قيل أمره تعالى هو المأمور به المكون بتكوين المكون له.
وكذلك قال ابن قتيبة فى ( كتاب المشكل): أقسام الروح ، فقال: هى
روح الأجسام التى يقبضها الله عند الممات، والروح جبريل . قال تعالى:
( نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ)، وقال: (وَأَيَّدْنَهُ بِرُوجِ الْقُدُسِ ) : أى جبريل.
والروح فيما ذكره المفسرون ملك عظيم من ملائكة الله تعالى ، يقوم
وحده فيكون صفا، وتقوم الملائكة صفاً ، وقال تعالى: (وَيَسْئَلُونَكَ
عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِى )، قال: ونسب الروح إلى اللّه لأنه بأمره،
أو لأنه بكلمته .
والوجه الثانى: أن لفظة (من) فى اللغة قد تكون لبيان الجنس ، كقولهم.
باب من حديد. وقد تكون لابتداء الغاية ، كقولهم . خرجت من مكة فقوله
تعالى. (قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِى ) ليس نصاً فى أن الروح بعض الأمر، ومن
٢٢٨

جنسه ، بل قد تكون لابتداء الغاية إذكونت بالأمر ، وصدرت عنه ، وهذا
معنى جواب الإمام أحمد فى قوله. وروح منه حيث قال: ( وَرُوٌ مِّنْهُ) يقول:
من أمره كان الروح منه كقوله: ( وَسَخََّلَكُمَّا فِى السَّمَوَتِ وَمَا فِ الْأَرْضِ ◌َمِيعًامِنْهُ )
، ونظير هذا أيضاً قوله. (وَمَابِكُمْ مِن نَّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ).
فإذا كانت المسخرات والنعم من الله، ولم تكن بعض ذاته بل منه صدرت،
لم يجب أن يكون معنى قوله فى المسيح. روح منه. أنها بعض ذات الله. ومعلوم
أن قوله: ( روح منه) أبلغ من قوله: (الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِى ) فإذا كان قوله
وروح منه لا يمنع أن يكون مخلوقاً ، ولا يوجب أن يكون بعضاً له ، فقوله:
( الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَّ ) أولى بأن لا يمنع أن يكون مخلوقاً ولا يوجب أن يكون
ذلك بعضاً له بل ولا بعضاً من أمره.
وهذا الوجه يتوجه إذا كان الأمر هو الأمر الذى هو صفة من صفات
اللّه، فهذان الجوابان كل منهما مستقل، ويمكن أن يجعل منهما جواب مركب ،
فيقال: قوله: (الزُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِى ) إما أن يراد بالأمر المأمور به ، أو صفة
للّه تعالى، وإن أريد به الأول أمكن أن تكون الروح بعض ذلك، فتكون
مخلوقة . وإن أريد بالأمر صفة (الله) كان قوله الروح من أمر ربى كقوله
وروح منه ، وقوله: جميعاً منه ونحو ذلك.
وإنما نشأت الشبهة حيث ظن الظان أن الأمر صفة لله قديمة، وأن روح
٢٢٩

بنى آدم بعض تلك الصفة ، ولم تدل الآية على واحد من المقدمتين ، والله
سبحانه أعلم.
وقد يجىء اسم الروح فى القرآن بمعنى آخر، كقوله: (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ
رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا ) وقوله: (كَتَبَ فِ قُلُوبِهِمُ الْإِيمَنَ وَأَتَّدَهُم بِرُوحٍمِّنْهُ)،
ونحو ذلك. فالقرآن الذى أنزله الله كلامه ولكن ليس الكلام فى هذا مما
يتعلق بالسؤال .
وأما قول السائل هل المفوض إلى اللّه أمر ذاتها أو صفاتها أو مجموعهما؟
فليس هذا من خصائص الكلام فى الروح؛ بل لا يجوز لأحد أن يقفو ما ليس له
به علم ، ولا يقول على الله ما لا يعلم. قال تعالى: (وَلَنَقْفُ مَالَيْسَ لَكَ بِهِ،عِلْمُ
إِنَّالسَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أَوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا). وقال تعالى: (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ
رَبِ الْفَوَحِشَ مَاظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَآلْإِثْمَ وَالْبَغْىَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُواْبُِللَّهِ مَالَمُنْزِّبِهِ،
سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُواْ عَلَى اللَّهِمَا لَنَعْلَمُونَ )
وقال تعالى:
وقد قالت الملائكة
(أَلَمْيُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَقُ اَلْكِتَبِ أَنْ لَّا يَقُولُواْ عَلَى اللهِإِلََّ الْحَقَّ )
لما قال لهم: (أَنِْجُونِ بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءٍ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ * قَالُواْ سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا
( هَلْ
وقد قال موسى للخضر :
إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ اْحَكِيمُ )
أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشدًا) وقال الخضر لموسى لما نقر العصفور
فى البحر: ما نقص على وعلمك من علم اللّه إلا كما نقص هذا العصفور من
هذا البحر .
٢٣٠

وليس فى الكتاب والسنة أن المسلمين نهوا أن يتكلموا فى الروح بما دل
عليه الكتاب والسنة لا فى ذاتها ولا فى صفاتها ، وأما الكلام بغير علم فذلك محرم
فى كل شىء، ولكن قد ثبت فى الصحيحين عن ابن مسعود أن النبى صلى الله عليه
وسلم كان فى بعض سكك المدينة ، فقال بعضهم . سلوه عن الروح. وقال بعضهم
لا تسألوه فيسمعكم ما تكرهون، قال فسألوه وهو متكئ على العسيب ، فأنزل
الله هذه الآية.
فبين بذلك أن ملك الرب عظيم، وجنوده، وصفة ذلك ، وقدرته أعظم
من أن يحيط به الآدميون ، وهم لم يؤتوا من العلم إلا قليلا فلا يظن من يدعى
العلم أنه يمكنه أن يعلم كل ما سئل عنه ولا كل ما فى الوجود ، فما يعلم جنود
ربك إلا هو .
-
٢٣١

سئل الشيخ رحمه الله:
عن قائل يقول : إن لم يتبين لى حقيقة ماهية الجن وكنه صفاتهم ؛ وإلا فلا
أتبع العلماء فى شىء.
فأجاب :
أما كونه لم يتبين له كيفية الجن وماهياتهم؛ فهذا ليس فيه إلا إخباره بعدم
علمه لم ينكر وجودهم ؛ إذ وجودهم ثابت بطرق كثيرة غير دلالة الكتاب
والسنة فإن من الناس من رآهم ، وفيهم من رأى من رآهم ، وثبت ذلك عنده
بالخبر واليقين .
ومن الناس من كلمهم وكلموه ، ومن الناس من يأمرهم وينهاهم ويتصرف
فيهم : وهذا يكون للصالحین وغير الصالحین ، ولو ذ کرت ما جری لی ولاصحابى
معهم : لطال الخطاب .
وكذلك ما جرى لغيرنا ؛ لكن الاعتماد على الأجوبة العلمية يكون على
ما يشترك الناس فى علمه. لا يكون بما يختص بعلمه المجيب، إلا أن يكون الجواب
لمن يصدقه فیما يخبر به .
٢٣٢

سئل الشيخ رحمه اللّه:
عن الجان المؤمنين: هل هم مخاطبون (( بفروع الإسلام ، كالصوم ،
والصلاة ، وغير ذلك من العبادات؟ أوهم مخاطبون بنفس التصديق لا غير؟
فأجاب :
لا ريب أنهم مأمورون بأعمال زائدة على التصديق ، ومنهيون عن أعمال
غير التكذيب، فهم مأمورون بالأصول والفروع بحسبهم ، فإنهم ليسوا مماثلى
الإنس فى الحد والحقيقة ؛ فلا يكون ما أمروا به ونهوا عنه مساويا لما على
الإنس فى الحد ؛ لكنهم مشاركون الإنس فى جنس التكليف بالأمر والنهى ،
والتحليل والتحريم. وهذا ما لم أعلم فيه نزاعاً بين المسلمين .
وكذلك لم يتنازعوا أن أهل الكفر والفسوق والعصيان منهم يستحقون
لعذاب النار ، كما يدخلها من الآدميين ؛ لكن تنازعوا فى أهل الإيمان منهم ؛
فذهب الجمهور من أصحاب مالك والشافعى وأحمد وأبى يوسف ومحمد : إلى أنهم
يدخلون الجنة . وروى فى حديث رواه الطبرانى «أنهم يكونون فى ربض الجنة.
يراهم الإنس من حيث لا يرونهم» .
٢٣٣

وذهب طائفة منهم أبو حنيفة - فيما نقل عنه - إلى أن المطيعين منهم
يصيرون ترابا كالبهائم ، ويكون ثوابهم النجاة من النار .
وهل فيهم رسل أم ليس فيهم إلا نذر؟ على قولين:
فقيل: فيهم رسل لقوله تعالى: (يَمَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ أَلَّيَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنْكُمْ).
وقيل : الرسل من الإنس؛ والجن فيهم النذر، وهذا أشهر؛ فإنه أخبر
عنهم باتباع دين محمد صلى الله عليه وسلم، وأنهم (وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِم مُنذِرِينَ
قَالُواْيَقَوْمَنَآ إِنَّا سَمِعْنَا كِتَبَا أُنزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى) الآية قالوا وقوله: (أَلَمْ يَأْتِّكُمْ
رُسُلٌ مِّنَكُمْ) كقوله: (يَخْرُجُ مِنْهُمَا الُؤْلُوَالْمَرْحَانُ) وإنما يخرج من المالح،
وكقوله: ( وَجَعَلَ اُلْقَمَرَفِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا ) والقمر فى واحدة.
وأما التكليف بالأمر والنهى والتحليل والتحريم : فدلائله كثيرة ، مثل
ما فى مسلم عن عبد الله بن مسعود عن النى صلى الله عليه وسلم: (( أتانى داعى
الجن ، فذهبت معه فقرأت عليهم القرآن، فانطلقوا فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم،
وسألوه الزاد فقال: لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه يقع فى أيديكم ، أوفر ما
يكون ، وكل بعرة علف لدوابكم؛ فقال النبى صلى الله عليه وسلم: ((لا تستنجوا
بالعظم والروث (١) )) وذلك لئلا يفسد عليهم طعامهم وعلفهم، وهذا يبين أنما
أباح لهم من ذلك ما ذكر اسم الله عليه دون ما لم يذكر اسم الله عليه.
(١) الحديث روى فى صحيح مسلم جـ ١ ص ٣٣٢ رقم ٤٥٠
٢٣٤

وقال تعالى: ( وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَلَهُمْ) إلى قوله. (إِّ أَخَافُ اللَّهَ
وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ ) فأخبر عن الشيطان أنه يخاف الله، والعقوبة إنما تكون
على ترك مأمور أو فعل محظور ، وليس هو هنا التصديق .
وأيضاً فإبليس الذى هو أبو الجن . لم تكن معصيته تكذيبا ، فإن الله
أمره بالسجود، وقد علم أن الله أمره، ولم یکن بينه وبين الله رسول يكذبه ،
ولما امتنع عن السجود لآدم عاقبه الله العقوبة البليغة؛ ولهذا قال النبى صلى الله
عليه وسلم: ((إذا سجد ابن آدم اعتزل الشيطان يبكى)) الحديث.
وقد قال تعالى فى قصة سليمان: (وَلِسُلَيْمَنَ الرِّيحَ غُدُوُهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ)
إلى قوله. (عَذَابِ السَّعِيرِ ) وقد جعل فى ذلك ما أمرهم به من طاعة
سلمان، وقد قال تعالى عن إبليس. إنه عصى ولم يقل كذب ، وقد قال تعالى.
مـ
عن الجن. (يَقَوْمَنَآ إِنَّا سَمِعْنَا كِتَبًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِمُوسَى) إلى قوله. (وَمَن
الآية . فأمروا بإجابة داعى اللّه ،
لَا يُحِبْ دَاعِىَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجٍِ فِ الْأَرْضِ )
الذى هو الرسول . والإجابة والاستجابة هى طاعة الأمر والنهى ، وهى العبادة
التى خلق لها الثقلان؛ كما قال تعالى: ( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَاُلْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ).
ومن قال ((إن العبادة)) هى المعرفة الفطرية الموجودة فيها ، وأن ذلك هو
الإيمان وهو داخل فى الثقلين فقط : فإن ذلك لو كان كذلك لم يكن فى الثقلين
كافر، والله أخبر بكفر إبليس وغيره من الجن والإنس، وقد قال تعالى:
٢٣٥

(لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمَعَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْأَجْمَعِينَ ) وأخبر أنه يملؤها منه ومن أتباعه
وهذا يبين أنه لا يدخلها إلا من اتبعه ، فعلم أن من يدخلها من الكفار والفساق
من أتباع إبليس ؛ ومعلوم أن الكفار ليسوا بمؤمنين، ولا عارفين اللّه معرفة
یکونون بها مؤمنين.
ولكن اللام لبيان الجملة الشرعية ، المتعلقة بالإرادة الشرعية ، كما فى
قوله تعالى: (يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَاَيُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) وقوله (يُرِيدُ اللَّهُ
لِيُبَيِّنَ لَكُمْ ) الآية.
وقد تكون لبيان العاقبة الكونية كما فى قوله: (فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ
صَدْرَمُ لِلْإِسْلَمِ) الآية؛ وهذا كقوله تعالى: (وَلَيَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّ مَن رَّحِمَ
رَبُّكَّ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ ) أى خلق قوماً للاختلاف ، وقوماً للرحمة، وقال:
( وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنّ وَالْإِنسِ) فاللام فى قوله تعالى: ( وَمَا خَلَفْتُ
الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ) وإن كانت هى اللام فى هذه الآية فإن مدلولها لام
إرادة الفاعل ومقصوده ، ولهذا تنقسم فى كتاب الله إلى إرادة دينية، وإرادة
كونية ؛ كما تنقسم فى كتاب الله تعالى الكلمات، والأمر والحكم والقضاء،
والتحريم والإذن ، وغير ذلك.
وأيضاً فقوله تعالى: (يَمَعْشَرَ الِنِّ وَالْإِنسِ اَلَوْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنْكُمْ يَقُضُونَ
عَلَيْكُمْ ءَايَتِ وَ يُنْذِرُونَكُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَذَا) إلى قوله: ( وَشَهِدُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ
٢٣٦

كَانُواْ كَفِينَ). فبين أن الثقلين جميعاً تلت عليهم الرسل آيات الله، ولهذا لما
قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة على الصحابة قال ((للجن كانوا))
الحديث . دعاهم إلى طاعة الله لما فيه من الأمر والنهى؛ لا إلى مجرد حديث
لا طاعة معه ، فإن مثل هذا التصديق ، كان مع إبليس ، فلم يغن عنه
من الله شيئاً .
والدلائل الدالة على هذا الأصل، وما فى الحديث والآثار: من كون الجن
يحجون ويصلون ويجاهدون ، وأنهم يعاقبون على الذنب: كثيرة جداً.
وقد قال تعالى فيما أخبر عنهم ( وَأَنَِّنَّالصَِّحُونَ وَمِنَّادُونَ ذَلِكَ كُنَاطَرَبِقَ
قِدَدًا ) قالوا مذاهب شتى مسلمين، ويهود ونصارى ، وشيعة، وسنة.
فأخبر أن منهم الصالحون ، ومنهم دون الصالحين، فيكون: إما مطيعاً
فى ذلك فيكون مؤمناً ، وإما عاصياً فى ذلك فيكون كافراً ، ولا ينقسم مؤمن
إلى صالح وإلى غير صالح ، فإن غير الصالح لا يعتقد صلاحه لترك الطاعات،
فالصالح هو القائم بما وجب عليه، ودون الصالح لا بد أن يكون عاصيا فى بعض
ما أمر به، وهو قسم غير الكافر ، فإن الكافر لا يوصف بمثل ذلك ، وهذا يبين
أن فيهم من يترك بعض الواجبات ، والله أعلم.
٢٣٧

سئل رحمه الله :-
عن حديث النبي صلى اللّه عليه وسلم: ((إن النطفة تكون أربعين يوما
نطفة ، ثم أربعين يوما علقة ، ثم أربعين مضغة ، ثم يكون التصوير
والتخطيط والتشكيل)) ثم ورد عن حذيفة بن أسيد: ((أنه إذا مر للنطفة
اثنتان وأربعون ليلة بعث اللّه تعالى إليها ملكافصورها، وخلق سمعها وبصرها،
وجلدها ولحمها، وعظامها، ثم يقول يارب! أذكر، أم أنثى؟ شقى أم سعيد؟
فما الرزق وما الأجل؟ ، وذكر الحديث ، فما الجمع بين الحديثين؟؟ .
فأجاب : -
الحمد لله رب العالمين: أما الحديث الأول فهو فى الصحيحين عن عبد الله بن
مسعود قال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم - وهو الصادق المصدوق:
(إن أحدكم يجمع خلقه فى بطن أمه أربعين يومانطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك،
ثم يكون مضغة مثل ذلك ، ثم يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح ، ويؤمر
بأربع كلمات : بكتب رزقه ، وأجله ، وعمله ، وشقي أو سعيد. فوالذى
لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع
٢٣٨

فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها ، وإن أحدكم ليعمل بعمل
أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل
أهل الجنة فيدخلها )) .
وفى طريق آخر : وفى رواية. «ثم يبعث الله ملكا ويؤمر بأربع كلمات ،
ويقال اكتب عمله، وأجله، ورزقه ، وشقي أو سعيد. ثم ينفخ فيه الروح)) فهذا
الحديث الصحيح ليس فيه ذكر التصوير متى يكون ؛ لكن فيه أن الملك يكتب
رزقه وأجله ، وعمله وشقي أو سعيد. قبل نفخ الروح وبعد أن يكون مضغة .
وحديث أنس بن مالك الذى فى الصحيح يوافق هذا وهو مرفوع قال :
((إن الله عز وجل وكل بالرحم ملكا فيقول: أى رب نطفة! أى رب علقة !
أى رب مضغة! فإذا أراد الله أن يقضى خلقها قال الملك: أى رب ! ذكر أم
أنثى؟ شقي أو سعيد؟ فما الرزق فما الأجل؟ فيكتب كذلك فى بطن أمه)).
فبين فى هذا أن الكتابة تكون بعد أن يكون مضغة .
وأما حديث حذيفة بن أسيد فهو من أفراد مسلم ، ولفظه. «سمعت النبى
صلى الله عليه وسلم يقول: ((إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة . بعث الله إليها
ملكا ، فصورها، وخلق سمعها وبصرها ، وجلدها ولحمها وعظامها . ثم يقول
يارب أذكر أم أنثى؟ فيقضى ربك ما شاء ، ويكتب الملك ؛ ثم يقول يا رب
رزقه؟ فيقضى ربك ما شاء ويكتب الملك ؛ ثم يقول . يا رب أجله؟ فيقضى
٢٣٩

ربك ما شاء ويكتب الملك ؛ ثم يخرج الملك بالصحيفة فى يده ، فلا يزيد على
ما أمر ولا ينقص)).
فهذا الحديث فيه أن تصويرها بعد اثنتين وأربعين ليلة ، وأنه بعد
تصويرها وخلق سمعها وبصرها ، وجلدها ولحمها وعظامها ، يقول الملك يا رب!
أذكر أم أنثى ؟ ومعلوم أنها لا تكون لحما وعظاما حتى تكون مضغة . فهذا
موافق لذلك الحديث فى أن كتابة الملك تكون بعد ذلك ، إلا أن يقال : المراد
تقدير اللحم والعظام.
وقد روى هذا الحديث بألفاظ فيها إجمال بعضها أبين من بعض ؛ فمن
ذلك ما رواه مسلم أيضا عن حذيفة ، سمعت رسول الله صل الله عليه وسلم
يقول: «إن النطفة تكون فى الرحم أربعين ليلة، ثم يتسور عليها الذى يخلِّقها
فيقول: يا رب! أذكر، أم أنثى؟ فيجعله الله ذكراً، أو أنثى. ثم يقول :
يا رب ! سوى، أو غير سوى؟ فيجعله الله تعالى سوياً أو غير سوى ثم يقول:
يارب! ما أجله وخلقه؟ ثم يجعله الله شقياً أو سعيداً)).
فهذا فيه بيان أن كتابة رزقه وأجله ، وشقاوته وسعادته : بعد أن يجعله
ذكراً أو أنثى، وسويا ، أو غير سوى.
وفى لفظ لمسلم قال: ((يدخل الملك على النطفة بعد ماتستقر فى الرحم بأربعين
ليلة أو بخمس وأربعين ليلة. فيقول: يا رب! أشقى؛ أو سعيد؟ فيكتب.
يا رب! أذكر، أم أنثى؟ فيكتب رزقه، ويكتب عمله، وأثره ، وأجله؛
٢٤٠