Indexed OCR Text
Pages 141-160
بالحقائق وأقومهم قولا وحالا : لزم أن يكون أعلم الناس به أعلم الخلق بذلك، وأن يكون أعظمهم موافقة له واقتداء به أفضل الخلق. ولا يقال : هذه الفطرة يغيرها ما يوجد فى المنتسبين إلى السنة والحديث من تفريط وعدوان ، لأنه يقال : إن ذلك فى غيرهم أكثر ، والواجب مقابلة الجملة بالجملة فى المحمود والمذموم، هذه هى المقابلة العادلة . وإنما غير الفطرة قلة المعرفة بالحديث والسنة واتباع ذلك، مع ما يوجد فى المخالفين لها من نوع تحقيق لبعض العلم ، وإحسان لبعض العمل . فيكون ذلك شبهة فى قبول غيره، وترجيح صاحبه . ولا غرض لنا فى ذ کر الأشخاص. وقد ذكر أبو محمد بن قتيبة فى أول كتاب ((مختلف الحديث)) وغيره من العلماء فى هذا الباب مالا يحصى من الأمور المبينة لماذكرناه. وإنما المقصود: ذكر نفس الطريقة العلمية والعملية ، التى تعرف بحقائق الأمور الخبرية النظرية ، وتوصل إلى حقائق الأمور الإرادية العملية . فمتى كان غير الرسول قادراً على علم بذلك أو بيان له أو محبة لإفادة ذلك ؟ فالرسول أعلم بذلك وأحرص على الهدى ، وأقدر على بيانه منه . وكذلك أصحابه من بعده وأتباعهم. وهذه صفات الكمال والعلم والإرادة والإحسان والقدرة عليه ، كما قال النبى صلى الله عليه وسلم فى دعاء الاستخارة: ١٤١ ((اللهم إنى أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم . فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب)). فعلمنا صلى اللّه عليه وسلم أن نستخير اللّه بعلمه، فيعلمنا من علمه ما نعلم به الخير ، ونستقدره بقدرته، فيجعلنا قادرين. إذ الاستفعال هو طلب الفعل ، كما قال فى الحديث الصحيح : يقول الله تعالى: (( يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته، فاستطعمونی أطعمكم ، يا عبادى : كلكم ضال إلا من هديته ، فاستهدونى أهدكم ». فاستهداء الله طلب أن يَهدِينا، واستطعامه طلب أن يطعمنا، هذا قوت القلوب ، وهذا قوت الأجسام، وكذلك استخارته بعلمه واستقداره بقدرته. ثم قال: ((وأسألك من فضلك العظيم»؛ فهذا السؤال من جوده ومَنِّهِ ، وعطائه وإحسانه الذى يكون بمشيئته ورحمته وحنانه. ولهذا قال: ((فإنك تقدر ولا أقدر ، وتعلم ولا أعلم ، ولم يقل : إنى لا أرحم نفسى ؛ لأنه فى مقام الاستخارة يريد الخير لنفسه ويطلب ذلك . لكنه لا يعلمه ولا يقدر عليه، إن لم يعلمه الله إياه ويقدره عليه. فإذا كان الرسول أعلم الخلق بالحقائق الخبرية والطلبية ، وأحب الخلق للتعليم والهداية والإفادة ، وأقدر الخلق على البيان والعبارة : امتنع أن يكون من هو دونه أفاد خواصه معرفة الحقائق أعظم مما أفادها الرسول لخواصه ؛ ١٤٢ فامتنع أن يكون عند أحد من الطوائف من معرفة الحقائق ما ليس عند علماء الحديث. وإذا لم يكن فى الطوائف من هو أعلم بالحقائق وأبين لها منه: وجب أن يكون كل ما يذمون به من جهل بعضهم هو فى طائفة المخالف الذام لهم أكثر. فيكون الذام لهم جاهلا ظالماً ، فيه شعبة نفاق ؛ إذا كان مؤمناً . وهذا هو المقصود. ثم إن هذا الذى بيناه مشهود بالقلب ، أعلم ذلك فى كل أحد ممن أعرف مفصلا . وهذه جملة يمكن تفصيلها من وجوه كثيرة ؛ لكن ليس هذا موضعه . ١٤٣ فصل وأما قول من قال ، إن الحشوية على ضربين ، أحدهما : لا يتحاشى من الحشو والتشبيه والتجسيم. والآخر : تستر بمذهب السلف. ومذهب السلف إنما هو التوحيد والتنزيه ، دون التشبيه والتجسيم ، وكذا جميع المبتدعة يزعمون هذا فيهم ، كما قال القائل : وكل يدعى وصلاً لليلى وليلى لا تقر لهم بذاكا فهذا الكلام فيه حق وباطل . فمن الحق الذى فيه : ذم من يمثل الله بمخلوقاته ويجعل صفاته من جنس صفاتهم. وقد قال الله تعالى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ) ، وقال تعالى: (وَلَمْ يَكُن لَّهُكُفُوا أَحَدُ)، وقال: ( هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا). وقد بسطنا القول فى ذلك، وذكرنا الدلالات العقلية التی دل عليها كتاب اللّه فى نفى ذلك ، وبينا منه ما لم يذكره النفاة الذين يتسمون بالتنزيه، ولا يوجد فى كتبهم، ولا يسمع من أئمتهم؛ بل عامة حججهم التى يذكرونها حجج ضعيفة. لأنهم يقصدون إثبات حق وباطل ، فلا يقوم على ذلك حجة مطردة ١٤٤ سليمة عن الفساد ، بخلاف من اقتصد فى قوله وتحرى القول السديد . فإن الله يصلح عمله، كما قال تعالى: (يَأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُواْ اتَّقُواْاللَّهَ وَقُولُواقَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْذُنُوبَكُمْ ). وفيه من الحق إلاشارة إلى الرد على من انتحل مذهب السلف مع الجهل بمقالهم ، أو المخالفة لهم بزيادة أو نقصان. فتمثيل الله بخلقه والكذب على السلف من الأمور المنكرة ، سواء سمى ذلك حشواً أو لم يسم . وهذا يتناول كثيراً من غالية المثبتة الذين يروون أحاديث موضوعة فى الصفات مثل حديث ((عرق الخيل)» و«نزوله عشية عرفة على الجمل الأورق حتى يصافح المشاة ويعانق الركبان )) ، ((وتجليه لنيه فى الأرض)»، أو « رؤيته له علی کرسی بين السماء والأرض»، أو «رؤيته إياه فى الطواف)) أو ((فى بعض سكك المدينة » ، إلى غير ذلك من الأحاديث الموضوعة. فقد رأيت من ذلك أموراً من أعظم المنكرات والكفران. وأحضر لى غير واحد من الناس من الأجزاء والكتب ما فيه من ذلك ما هو من الافتراء على الله وعلى رسوله. وقد وضع لتلك الأحاديث أسانيد؛ حتى إن منهم من عمد إلى كتاب صنفه ((الشيخ أبو الفرج المقدسى)) فيما يمتحن به السنى من البدعى. نجعل ذلك الكتاب مما أوحاه اللّه إلى نبيه ليلة المعراج، وأمره أن يمتحن به الناس فمن أقرّ به فهو سنی، ومن لم يقربه فهو بدعى ، وزادوا فيه على الشيخ أبى الفرج أشياء لم يقلها هو ولا عاقل. والناس المشهورون قد يقول أحدهم من المسائل ١٤٥ والدلائل ما هو حق أو فيه شبهة حق . فإذا أخذ الجهال ذلك فغيروه صار فيه من الضلال ما هو من أعظم الإفك والمحال . والمقصود: أن كلامه فيه حق وفيه من الباطل أمور : - (أحدها) قوله: ((لا يتحاشى من الحشو والتجسيم، ذم للناس بأسماء ما أنزل الله بها من سلطان. والذى مدحه زين وذمه شين: هو الله . والأسماء التى يتعلق بها المدح والذم من الدين : لا تكون إلا من الأسماء التى أنزل الله بها سلطانه ، ودل عليها الكتاب والسنة أو الإجماع، كالمؤمن ، والكافر والعالم ، والجاهل ، والمقتصد، والملحد. فأما هذه (( الألفاظ الثلاثة )) فليست فی کتاب الله ، ولا فی حدیث عن رسول اللّه، ولا نطق بها أحد من سلف الأمة وأتمتها لا نفياً ولا إثباتاً . وأول من ابتدع الذم بها ((المعتزلة)) الذين فارقوا جماعة المسلمين، فاتباع سبيل المعتزلة دون سبيل سلف الأمة ترك القول السديد الواجب فى الدين ، واتباع لسبيل المبتدعة الضالين . وليس فيها ما يوجد عن بعض السلف ذمه إلا لفظ ((التشبيه))، فلو اقتصر عليه لكان له قدوة من السلف الصالح، ولو ذكر الأسماء التى نفاها الله فى القرآن مثل لفظ ((الكفؤ والند ، والسمى)) وقال: ((منهم من لا يتحاشى من التمثيل ونحوه)): لكان قد ذم بقول نفاه الله فى كتابه ، ودل القرآن على ذم قائله ثم ينظر : هل قائله موصوف بما وصفه به من الذم أم لا؟ . ١٤٦ فأما الأسماء التى لم يدل الشرع على ذم أهلها ولا مدحهم فيحتاج فيها إلى مقامين : - (أحدهما): بيان المراد بها . ( والثانى): بيان أن أولئك مذمومون فى الشريعة . والمعترض عليه له أن يمنع المقامين ، فيقول : لا نسلم أن الذين عنيتهم داخلون فى هذه الأسماء التى ذمتها ، ولم يقم دليل شرعی علی ذمها ، وإن دخلوا فيها . فلا نسلم أن كل من دخل فى هذه الأسماء فهو مذموم فى الشرع. (الوجه الثانى): أن هذا الضرب الذى قلت: «إنه لا يتحاشى من الحشو والتشبيه والتجسيم)) إما أن تدخل فيه مثبتة الصفات الخبرية التى دل عليها الكتاب والسنة ، أو لا تدخلهم . فإن أدخلتهم كنت ذاماً لكل من أثبت الصفات الخبرية. ومعلوم أن هذا مذهب عامة السلف ، ومذهب أئمة الدين . بل أئمة المتكلمين يثبتون الصفات الخبرية فى الجملة . وإن كان لهم فيها طرق کأبى سعيد بن كلاب ، وأبى الحسن الأشعرى ، وأئمة أصحابه : أبى عبد الله ابن مجاهد ، وأبى الحسن الباهلى ، والقاضى أبى بكر بن الباقلانى، وأبى إسحق الإسفرائینی ، وأبى بكر بن فورك، وأبى محمد بن اللبان، وأبى على بن شاذان، وأبى القاسم القشيرى ، وأبى بكر البيهقى ، وغير هؤلاء. فما من هؤلاء إلا من ١٤٧ يثبت من الصفات الخبرية ما شاء الله تعالى. وعماد المذهب عنهم: إثبات كل صفة فى القرآن. وأما الصفات التى فى الحديث : فمنهم من يثبتها ومنهم من لا يثبتها . فإذا كنت تذم جميع أهل الإثبات من سلفك وغيرهم ، لم يبق معك إلا الجهمية: من المعتزلة ، ومن وافقهم على نفى الصفات الخبرية: من متأخرى الأشعرية ونحوهم . ولم تذكر حجة تعتمد . فأى ذم لقوم فى أنهم لا يتحاشون مما عليه سلف الأمة وأئمتها وأئمة الذام لهم ؟ وإن لم تدخل فى اسم ((الحشوية)) من يثبت الصفات الخبرية، لم ينفعك هذا الكلام، بل قد ذكرت أنت فى غير هذا الموضع هذا القول. وإذا كان الكلام لا يخرج به الإنسان عن أن يذم نفسه ، أو يذم سلفه - الذين يقر هو بإمامتهم ، وأنهم أفضل ممن اتبعهم - كان هو المذموم بهذا الذم على التقديرين . وكان له نصيب من الخوارج الذين قال النبي صلى الله عليه وسلم لأولهم: ((لقد خبت وخسرت، إن لم أعدل))، يقول: إذا كنت مقراً بأنى رسول اللّه ، وأنت تزعم أنى أظلم، فأنت خائب خاسر. وهكذا من ذم من يقر بأنهم خيار الأمة وأفضلها ، وأن طائفته إنما تلقت العلم والإيمان منهم. هو خائب خاسر فى هذا الذم. وهذه حال الرافضة فى ذم الصحابة . ١٤٨ (الوجه الثالث) قوله: ((والآخر يتستر بمذهب السلف» ، إن أردت بالتستر الاستخفاء بمذهب السلف ؛ فيقال : ليس مذهب السلف مما يتستر به إلا فى بلاد أهل البدع ؛ مثل بلاد الرافضة والخوارج. فإن المؤمن المستضعف هناك قد يكتم إيمانه واستنانه ؛ كما كتم مؤمن آلفرعون إيمانه؛ وكما كان كثير من المؤمنين يكتم إيمانه . حين كانوا فى دار الحرب . فإن كان هؤلاء فى بلد أنت لك فيه سلطان - وقد تستروا بمذهب السلف- فقد ذمت نفسك ؛ حيث كنت من طائفة يستر مذهب السلف عندهم ؛ وإن كنت من المستضعفين المستقرين بمذهب السلف فلا معنى لذم نفسك . وإن لم تكن منهم ولا من الملأ فلا وجه لذم قوم بلفظ «التستر)). وإن أردت بالتستر : أنهم يجتنون به ، ويتقون به غيرهم ، ويتظاهرون به ، حتى إذا خوطب أحدهم قال: أنا على مذهب السلف - وهذا الذى أراده. والله أعلم - فيقال له : لا عيب على من أظهر مذهب السلف وانتسب اليه واعتزى إليه ، بل يجب قبول ذلك منه بالاتفاق. فإن مذهب السلف لا يكون إلا حقاً . فإن كان موافقاً له باطناً وظاهراً : فهو بمنزلة المؤمن الذى هو على الحق باطناً وظاهراً. وإن كان موافقاً له فى الظاهر فقط دون الباطن : فهو بمنزلة المنافق . فتقبل منه علانيته وتوكل سريرته إلى الله . فإنا لم نؤمر أن ننقب عن قلوب الناس ولا نشق بطونهم . ١٤٩ وأما قوله : ((مذهب السلف إنما هو التوحيد والتنزيه دون التجسيم والتشبيه » . فيقال له: لفظ ((التوحيد، والتنزيه، والتشبيه، والتجسم)) ألفاظ قد دخلها الاشتراك ، بسبب اختلاف اصطلاحات المتكلمين وغيرهم . وكل طائفة تعنى بهذه الأسماء ما لا يعنيه غيرهم . فالجهمية من المعتزلة وغيرهم يريدون (( بالتوحيد والتنزيه)» : نفى جميع الصفات، ((وبالتجسيم والتشبيه)): إثبات شىء منها، حتى إن من قال: ((إن الله يرى)) أو ((إن له عليا)» فهو عندهم مشبه مجسم. وكثير من المتكلمة الصفاتية يريدون بالتوحيد والتنزيه : نفى الصفات الخبرية أو بعضها ، وبالتجسيم والتشبيه إثباتها أو بعضها . والفلاسفة تعنى بالتوحيد : ما تعنيه المعتزلة وزيادة ، حتى يقولون : ليس له إلا صفة سلبية أو إضافية ، أو مركبة منهما . والاتحادية تعنى بالتوحيد : أنه هو الوجود المطلق ، ولغير هؤلاء فيه اصطلاحات أخرى . وأما التوحیدالذى بعث الله به الرسل وأنزل به الكتب: فليس هو متضمنا شيئاً من هذهالاصطلاحات ، بل أمر الله عباده أن يعبدوه وحده لا يشركوا ١٥٠ به شيئا فلا يكون لغيره نصيب فيما يختص به من العبادة وتوابعها - هذا فى العمل. وفى القول : هو الإيمان بما وصف به نفسه ووصفه به رسوله. فإن كنت تعنى أن مذهب السلف: هو التوحيد بالمعنى الذى جاء به الكتاب والسنة : فهذا حق. وأهل الصفات الخبرية لا يخالفون هذا. وإن عنيت أن مذهب السلف : هو التوحيد والتنزيه الذى يعنيه بعض الطوائف : فهذا يعلم بطلانه كل من تأمل أقوال السلف الثابتة عنهم ، الموجودة فی کتب آثارهم ؛ فليس فی کلام أحد من السلف كلمة توافق ما تختص به هذه الطوائف ، ولا كلمة تنفى الصفات الخبرية . ومن المعلوم: أن مذهب السلف إن كان يعرف بالنقل عنهم فليرجع فى ذلك إلى الآثار المنقوله عنهم ، وإن كان إنما يعرف بالاستدلال المحض بأن يكون كل من رأى قولا عنده هو الصواب قال: ((هذا قول السلف ، لأن السلف لا يقولون إلا الصواب، وهذا هو الصواب» ، فهذا هو الذى يجرئ المبتدعة على أن يزعم كل منهم: أنه على مذهب السلف ، فقائل هذا القول قد عاب نفسه بنفسه حيث انتحل مذهب السلف بلا نقل عنهم ، بل بدعواه : أن قوله هو الحق . وأما أهل الحديث : فإنما يذكرون مذهب السلف بالنقول المتواترة ، ١٥١ يذكرون من نقل مذهبهم من علماء الإسلام ، وتارة يروون نفس قولهم فى هذا الباب ، كما سلكناه فى جواب الاستفتاء . فإنا لما أردنا أن نبين مذهب السلف ذكر ناطريقين : أحدهما : أنا ذكرنا ما تيسر من ذكر ألفاظهم ، ومن روى ذلك من أهل العلم بالأسانيد المعتبرة. والثانى : أنا ذكرنا من نقل مذهب السلف من جميع طوائف المسلمين من طوائف الفقهاء الأربعة ، ومن أهل الحديث والتصوف ، وأهل الكلام کالأشعری وغيره . فصار مذهب السلف منقولا بإجماع الطوائف وبالتواتر ، لم تثبته بمجرد دعوى الإصابة لنا والخطأ مخالفنا، كما يفعل أهل البدع. ثم لفظ ((التجسيم، لا يوجد فى كلام أحد من السلف لا نفياً ولا إثباتاً فكيف يحل أن يقال : مذهب السلف نفى التجسيم أو إثباته ، بلا ذكر لذلك اللفظ ولا لمعناه عنهم؟ ! . وكذلك لفظ ((التوحيد)) بمعنى نفى شىء من الصفات لا يوجد فى كلام أحد من السلف. وكذلك لفظ ((التنزيه)) بمعنى نفى شىء من الصفات الخبرية لا يوجد فى كلام أحد من السلف . ١٥٢ نعم لفظ ((التشبيه، موجود فى كلام بعضهم وتفسيره معه ، كما قد كتبناه عنهم وأنهم أرادوا بالتشبيه تمثيل الله بخلقه، دون نفى الصفات التى فى القرآن والحديث . وأيضا فهذا الكلام لو كان حقا فى نفسه لم يكن مذكورا بحجة تتبع . وإنما هو مجرد دعوى على وجه الخصومة التى لا يعجز عنها من يستجيز ويستحسن أن يتكلم بلا علم ولا عدل . ثم إنه يدل على قلة الخبرة بمقالات الناس من أهل السنة والبدعة ، فإنه قال: (( وكذا جميع المبتدعة يزعمون أنهم على مذهب السلف)) ، فليس الأمر كذلك، بل الطوائف المشهورة بالبدعة ، كالخوارج والروافض لا يدعون أنهم على مذهب السلف ، بل هؤلاء يكفرون جمهور السلف . فالرافضة تطعن فى أبى بكر ، وعمر ، وعامة السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان، وسائر أئمة الإسلام. فكيف يزعمون أنهم على مذهب السلف ولكن ينتحلون مذهب أهل البيت كذباً وافتراء. وكذلك الخوارج قد كفروا عثمان، وعلياً، وجمهور المسلمين من الصحابة والتابعين؛ فكيف يزعمون أنهم على مذهب السلف؟. (الوجه الرابع) أن هذا الاسم ليس له ذكر فى كتاب الله ولا سنة رسوله ولا كلام أحد من الصحابة والتابعين ، ولا من أئمة المسلمين، ولا شيخ أو عالم ١٥٣ مقبول عند عموم الأمة . فإذا لم يكن ذلك لم یکن فى الذم به لا نص ولا إجماع ، ولا ما يصلح تقليده للعامة . فإذا كان الذم بلا مستند للمجتهد ولا للمقلدين عموما كان فى غاية الفساد والظلم ؛ إذ لو ذم به بعض من يصلح لبعض العامة تقليده لم يكن له أن يحتج به ؛ إذ المقلد الآخر لمن يصلح له تقليده لا يذم به . ثم مثل أبى محمد وأمثاله لم يكن يستحل أن يتكلم فى كثير من فروع الفقه بالتقليد ، فكيف يجوز له التكلم فى أصول الدين بالتقليد ؟ والنكتة: أن الذام به إما مجتهد وإما مقلد ، أما المجتهد فلا بد له من نص أو إجماع، أو دليل يستنبط من ذلك . فإن الذم والحمد من الأحكام الشرعية . وقد قدمنا بيان ذلك . وذكرنا أن الحمد والذم ، والحب والبغض، والوعد والوعيد ، والموالاة والمعاداة ، ونحو ذلك من أحكام الدين : لا يصلح إلا بالأسماء التى أنزل الله بها سلطانه. فأما تعليق ذلك بأسماء مبتدعة فلا يجوز ، بل ذلك من باب شرع دين لم يأذن به الله. وأنه لا بد من معرفة حدود ما أنزل الله على رسوله . والمعتزلة أيضاً تفسق من الصحابة والتابعين طوائف ، وتطعن فى كثير منهم وفيما رووه من الأحاديث التى تخالف آراءهم وأهواءهم ، بل تكفر أيضاً من يخالف أصولهم التى انتحلوها من السلف والخلف ، فلهم من الطعن فى علماء ١٥٤ السلف وفى عليهم ما ليس لأهل السنة والجماعة . وليس انتحال مذهب السلف من شعائرهم وإن كانوا يقررون خلافة الخلفاء الأربعة . ويعظمون من أئمة الإسلام وجمهورهم ما لا يعظمه أولئك فلهم من القدح فى كثير منهم ما ليس هذا موضعه. ((وللنظام ، من القدح فى الصحابة ما ليس هذا موضعه . وإن كان من أسباب انتقاص هؤلاء المبتدعة للسلف ما حصل فى المنتسبين إليهم من نوع تقصير وعدوان ، وما كان من بعضهم من أمور اجتهادية الصواب فى خلافها ، فإن ما حصل من ذلك صار فتنة للمخالف لهم : ضل به ضلالا كبيراً : فالمقصودهنا : أن المشهورين من الطوائف - بين أهل السنة والجماعة - العامة بالبدعة ليسوا منتحلين للسلف ، بل أشهر الطوائف بالبدعة: الرافضة ، حتى إن العامة لا تعرف من شعائر البدع إلا الرفض ، والسنى فى اصطلاحهم : من لا يكون رافضيا. وذلك لأنهم أكثر مخالفة للأحاديث النبوية ولمعانى القرآن، وأكثر قدحا فى سلف الأمة وأتمتها، وطعنا فى جمهور الأمة من جميع الطوائف فلما كانوا أبعد عن متابعة السلف كانوا أشهر بالبدعة . فعلم أن شعار أهل البدع: هو ترك انتحال اتباع السلف . ولهذا قال الإمام أحمد فى رسالة عبدوس بن مالك : ((أصول السنة عندنا التمسك بما كان عليه أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم)). ١٥٥ وأما متكلمة أهل الإثبات من الكلابية، والكرامية، والأشعرية، مع الفقهاء والصوفية ، وأهل الحديث: فهؤلاء فى الجملة لا يطعنون فى السلف ؛ بل قد يوافقونهم فى أكثر جمل مقالاتهم، لكن كل من كان بالحديث من هؤلاء أعلم، كان بمذهب السلف أعلم وله أتبع . وإنما يوجد تعظيم السلف عند كل طائفة بقدر استنانها، وقلة ابتداعها . أما أن يكون انتحال السلف من شعائر أهل البدع: فهذا باطل قطعا . فإن ذلك غير ممكن إلا حيث يكثر الجهل ويقل العلم. يوضح ذلك: أن كثيراً من أصحاب أبى محمد من أتباع أبى الحسن الأشعرى يصرحون بمخالفة السلف - فى مثل مسألة الإيمان . ومسألة تأويل الآيات والأحاديث - يقولون: ((مذهب السلف: أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص . وأما المتكلمون من أصحابنا: فمذهبهم كيت وكيت )) ، وكذلك يقولون: ((مذهب السلف: أن هذه الآيات والأحاديث الواردة فى الصفات لا تتأول. والمتكلمون يريدون تأويلها إما وجوبا وإما جوازاً))، ويذكرون الخلاف بين السلف وبين أصحابهم المتكلمين . هذا منطوق ألسنتهم ومسطور كتبهم . أفلا عاقل يعتبر ؟ ومغرور يزدجر ؟ : أن السلف ثبت عنهم ذلك حتى بتصريح المخالف، ثم يحدث مقالة تخرج عنهم. أليس هذا صريحاً: أن السلف كانوا ضالين عن التوحيد والتنزيه وعلمه المتأخرون؟! وهذا فاسد بضرورة العلم الصحيح والدين المتين . ١٥٦ وأيضاً فقد ينصر المتكلمون أقوال السلف تارة وأقوال المتكلمين تارة ، كما يفعله غير واحد مثل أبى المعالى الجوينى، وأبى حامد الغزالى، والرازى وغيرهم . ولازم المذهب الذى ينصرونه تارة أنه هو المعتمد . فلا يثبتون على دين واحد ، وتغلب عليهم الشكوك . وهذا عادة الله فيمن أعرض عن الكتاب والسنة . وتارة يجعلون إخوانهم المتأخرين أحذق وأعلم من السلف ، ويقولون : ((طريقة السلف أسلم، وطريقة هؤلاء أعلم وأحكم))، فيصفون إخوانهم بالفضيلة فى العلم والبيان ، والتحقيق والعرفان ، والسلف بالنقص فى ذلك والتقصير فيه ، أو الخطأ والجهل . وغايتهم عندهم: أن يقيموا أعذارهم فى التقصير والتفريط . ولا ريب أن هذا شعبة من الرفض ، فإنه وإن لم يكن تكفيراً للسلف - كما يقوله من يقوله من الرافضة والخوارج- ولا تفسيقاً لهم - كما يقوله من يقوله من المعتزلة والزيدية وغيرهم - كان تجهيلا لهم وتخطئة وتضليلا، ونسبة لهم إلى الذنوب والمعاصى، وإن لم يكن فسقاً فزَعماً : أن أهل القرون المفضلة فى الشريعة أعلم وأفضل من أهل القرون الفاضلة. ومن المعلوم بالضرورة لمن تدبر الكتاب والسنة ، وما اتفق عليه أهل السنة والجماعة من جميع الطوائف : أن خير قرون هذه الأمة - فى الأعمال والأقوال ، والاعتقاد وغيرها من كل فضيلة أن خيرها -: القرن الأول، ثم ١٥٧ الذين يلونهم ، ثم الذين يلونهم . كما ثبت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم من غير وجه ، وأنهم أفضل من الخلف فى كل فضيلة: من علم، وعمل ، وإيمان، وعقل، ودين، وبيان ، وعبادة، وأنهم أولى بالبيان لكل مشكل. هذا لا يدفعه إلا من كابر المعلوم بالضرورة من دين الاسلام، وأضله الله على علم؛ كما قال عبد الله بن مسعود رضى الله عنه: ((من كان منكم مستنا فليستن بمن قد مات. فإن الحى لا تؤمن عليه الفتنة ، أولئك أصحاب محمد: أبر هذه الأمة قلوبا، وأعمقها علما، وأقلها تكلفا ، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه، وإقامة دينه، فاعرفوا لهم حقهم ، وتمسكوا بهديهم، فإنهم كانوا على الهدى المستقيم »، وقال غيره : « عليكم بآثار من سلف فإنهم جاءوا بما يكفى وما يشفى، ولم يحدث بعدهم خير كامن لم يعلموه » . هذا ، وقد قال صلى الله عليه وسلم : (( لا يأتى زمان إلا والذی بعده شر منه ، حتى تلقوا ربكم)) ، فكيف يحدث لنا زمان فيه الخير فى أعظم المعلومات وهو معرفة الله تعالى؟ هذا لا يكون أبداً. وما أحسن ماقال الشافعى رحمه الله فى رسالته: «هم فوقنا فى كل علم وعقل ودین وفضل ، وكل سبب ينال به علم أو يدرك به هدى ، ورأيهم لنا خير من رأينا لأنفسنا» ! وأيضاً فيقال لهؤلاء الجهمية الكلابية - كصاحب هذا الكلام أبى محمد وأمثاله - كيف تدعون طريقة السلف ، وغاية ما عند السلف : أن يكونوا ١٥٨ موافقين لرسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فإن عامة ما عند السلف من العلم والإيمان : هو ما استفادوه من نبيهم صلى الله عليه وسلم: الذى أخرجهم الله به من الظلمات إلى النور، وهداهم به إلى صراط العزيز الحميد ، الذى قال الله فيه: (هُوَ الَّذِى يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ: ءَايَتٍ بِنَتٍ لَيُخْرِ حَكُمْ مِنَ الظَّلُّمَتِ إِلَى النُّورِ ) ، وقال تعالى : ( يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّقُواْاللَّهَ وَءَامِنُواْبِرَسُولِهِ، يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ، وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ، وَيَغْفِرْلَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * لِئَلََّبَعْلَ أَهْلُ الْكِتَبِ أَلََّيَقْدِرُونَ عَلَى شَىْءٍ مِّن فَضْلِ اللَّهِ)، وقال تعالى: (لَقَدْ مَنَّاللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولَا مِنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ ءَايَتِهِ، وَيُزَكِّيِهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ اُلْكِنَبَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِىِ ضَلَلٍ مُّبِينٍ ) وقال تعالى: (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَنَدْرِى مَا الْكِنَبُ وَلَ اُلْإِيمَنُ وَلَكِنِ جَعَلْنَهُ نُورًّا نَهْدِى بِهِ، مَن ◌َّشَآءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِىّ إِلَى صِرَاطٍ ◌ُسْتَقِيمٍ * صِرَّطِ اللَّهِالَّذِى لَهُ, مَا فِى السَّمَوَتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ). وأبو محمد وأمثاله قد سلكوا مسلك الملاحدة الذين يقولون : إن الرسول لم يبين الحق فى باب التوحيد ، ولا بين للناس ما هو الأمر عليه فى نفسه ، بل أظهر للناس خلاف الحق، والحق: إما كتمه وإما أنه كان غير عالم به . فإن هؤلاء الملاحدة من المتفلسفة ومن سلك سبيلهم من المخالفين لما جاء به الرسول فى الأمور العلمية ، كالتوحيد والمعاد وغير ذلك ، يقولون : إن الرسول أحكم الأمور العملية المتعلقة بالأخلاق والسياسة المنزلية والمدنية ، ١٥٩ وأتى بشريعة عملية هى أفضل شرائع العالم، ويعترفون بأنه لم يقرع العالم ناموس أفضل من ناموسه ولا أكمل منه . فإنهم رأوا حسن سياسته للعالم وما أقامه من سنن العدل ومحاه من الظلم . وأما الأمور العلمية التى أخبر بها - من صفات الرب وأسمائه وملائكته وكتبه ورسله ، واليوم الآخر والجنة والنار - فلما رأوها تخالف ما هم عليه صاروا فى الرسول فريقين : فغلاتهم يقولون : إنه لم يكن يعرف هذه المعارف؛ وإنما كان كماله فى الأمور العملية: العبادات والأخلاق. وأما الأمور العلمية : فالفلاسفة أعلم بها منه؛ بل ومن غيره من الأنبياء. وهؤلاء يقولون: إن علياً كان فيلسوفا ، وأنه كان أعلم بالعلميات من الرسول، وأن هارون كان فيلسوفا ، وكان أعلم بالعلمیات من موسى. وکثیرمنهم يعظم فرعون ويسمونه أفلاطون القبطى، ويدعون أن صاحب مدين الذى تزوج موسى ابنته - الذى يقول بعض الناس إنه شعيب - يقول هؤلاء: إنه أفلاطون أستاذ أرسطو، ويقولون: إن أرسطو هو الخضر - إلى أمثال هذا الكلام الذى فيه من الجهل والضلال ما لا يعلمه إلا ذو الجلال. أقل ما فيه جهلهم بتواريخ الأنبياء . فإن أرسطو باتفاقهم كان وزيراً ١٦٠