Indexed OCR Text

Pages 101-120

ما يقولون: هذا القول ، ونحن ذكرنا الأمر على وجه التقسيم العقلى الحاصر،
الثلا يخرج عنه قسم ، ليتبين أن المخالف لعلماء الحديث علما وعملا: إما جاهل ،
وإما منافق، والمنافق جاهل وزيادة ، كما سنبينه إن شاء الله. والجاهل هنا
فيه شعبة نفاق، وإن كان لا يعلم بها فالمنكر لذلك جاهل منافق.
فقلنا : إن من زعم أنه وكبار طائفته أعلم من الرسل بالحقائق ، وأحسن
بياناً لها : فهذا زنديق منافق إذا أظهر الإيمان بهم باتفاق المؤمنين . وسیجیء
الكلام معه .
وإن قال: إن الرسل كانوا أعظم علماً وبياناً ، لكن هذه الحقائق لا يمكن
عليها ، أو لا يمكن بيانها مطلقاً ، أو يمكن الأمران للخاصة.
قلنا: فينئذ لا يمكنكم أنتم ما عجزت عنه الرسل من العلم والبيان.
إن قلتم : لا يمكن عليها.
قلنا: فأنتم وأكابركم لا يمكنكم عليها بطريق الأولى .
وإن قلتم: لا يمكنهم بيانها.
قلنا : فأتم وأ كابر كم لا یمکنکم بيانها.
وإن قلتم : يمكن ذلك للخاصة دون العامة .
قلنا : فيمكن ذلك من الرسل للخاصة دون العامة .
١٠١

فإن ادعوا أنه لم يكن فى خاصة أصحاب الرسل من يمكنهم فهم ذلك : جعلوا
السابقين الأولين دون المتأخرين فى العلم والإيمان. وهذا من مقالات الزنادقة؛
لأنه قد جعل بعض الأمم الأوائل من اليونان والهند ونحوهم أكمل عقلا
وتحقيقاً للأمور الإلهية والعبادية من هذه الأمة . فهذا من مقالات المنافقين
الزنادقة ؛ إذ المسلمون متفقون على أن هذه الأمة خير الأمم وأكملهم ، وأن
أكمل هذه الأمة وأفضلها هم سابقوها .
وإذا سلم ذلك فأعلم الناس بالسابقين وأتبعهم لهم : هم أهل الحديث وأهل
السنة . ولهذا قال الإمام أحمد فى رسالة عبدوس بن مالك: ((أصول السنة
عندنا : التمسك بما كان عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والاقتداء
بهم ، وترك البدع ، وكل بدعة ضلالة. والسنة عندنا : آثار رسول الله صلى
الله عليه وسلم))، والسنة تفسر القرآن، وهى دلائل القرآن، أى دلالات
على معناه .
ولهذا ذكر العلماء : أن الرفض أساس الزندقة ، وأن أول من ابتدع
الرفض إنما كان منافقاً زنديقاً ، وهو عبد الله بن سبأ، فإنه إذا قدح فى
السابقين الأولين فقد قدح فى نقل الرسالة، أو فى فهمها ، أو فى اتباعها . فالرافضة
تقدح تارة فى علمهم بها، وتارة فى اتباعهم لها - وتحيل ذلك على أهل البيت
وعلى المعصوم الذى ليس له وجود فى الوجود .
والزنادقة من الفلاسفة والنصيرية وغيرهم : يقدحون تارة فى النقل : وهو
١٠٢

قول جهالهم. وتارة يقدحون فی فهم الرسالة : وهو قول حذاقهم ، کما یذهب
إليه أكابر الفلاسفة والاتحادية ونحوهم. حتى كان التلمسانى مرة مريضا فدخل
عليه شخص ومعه بعض طلبة الحديث ، فأخذ يتكلم على قاعدته فى الفكر : أنه
حجاب ، وأن الأمر مداره على الكشف ، وغرضه كشف الوجود المطلق،
فقال ذلك الطالب : فما معنى قول أم الدرداء : ((أفضل عمل أبى الدرداء:
التفكر ؟)) ، فتبرم بدخول مثل هذا عليه ، وقال للذى جاء به : كيف يدخل
على مثل هذا ؟ ثم قال : أتدرى يابنى ما مثل أبى الدرداء وأمثاله؟ مثلهم : مثل
أقوام سمعوا كلاما وحفظوه لنا ، حتى نكون نحن الذين نفهمه ونعرف مراد
صاحبه ، ومثل بريد حمل كتابا من السلطان إلى نائبه ، أو نحو ذلك ؛ فقد
طال عهدى بالحكاية ، حدثنى بها الذى دخل عليه وهو ثقة يعرف ما يقول فى
هذا . وكان له فى هذه الفنون جولان كثير .
وكذلك ابن سينا ، وغيره: يذكر من التنقص بالصحابة ما ورثه من أبيه
وشيعته القرامطة ؛ حتى تجدهم إذا ذكروا فى آخر الفلسفة حاجة النوع الإنسانى
إلى الإمامة عرضوا بقول الرافضة الضلال ، لكن أولئك يصرحون من السب
بأكثر مما يصرح به هؤلاء.
ولهذا تجد بين ((الرافضة)) ((والقرامطة)) ((والاتحادية)) اقتران واشتباه.
يجمعهم أمور .
منها : الطعن فى خيار هذه الأمة ، وفما عليه أهل السنة والجماعة ، وفيما
١٠٣

استقر من أصول الملة وقواعد الدين ، ويدعون باطنا امتازوا به واختصوا به
عمن سواهم ، ثم هم مع ذلك متلاعنون ، متباغضون مختلفون ، كما رأيت
وسمعت من ذلك ما لا يحصى ، كما قال اللّه عن النصارى: (وَمِنَ
الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَرَىَ أَخَذْنَا مِيثَقَهُمْ فَنَسُواْ حَظًا مِّمَاذُكِرُواْ بِهِ، فَأَغْرَيْنَا
بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَاُلْبَغْضَآءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَمَةِ)، وقال عن اليهود: (وَأَلْفَيَّنَا بَيْنَهُمُ
اُلْعَدَوَةَ وَالْبَغْضَآءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَمَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُ وْنَارًا لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَ هَا اللّهُ).
وكذلك المتكلمون المخلطون الذين يكونون تارة مع المسلمين - وإن كانوا
مبتدعين - وتارة مع الفلاسفة الصابتين . وتارة مع الكفار المشركين . وتارة
يقابلون بين الطوائف وينتظرون لمن تكون الدائرة . وتارة يتحيرون بين
الطوائف. وهذه الطائفة الأخيرة قد كثرت فى كثير من انتسب إلى الإسلام
من العلماء والأمراء وغيرهم ، لا سيما لما ظهر المشركون من الترك على أرض
الإسلام بالمشرق فى أثناء المائة السابعة. وكان كثير من ينتسب إلى الإسلام فيه
من النفاق والردة ما أوجب تسليط المشركين وأهل الكتاب على بلاد المسلمين.
فتجد أبا عبد الله الرازى يطعن فى دلالة الأدلة اللفظية على اليقين ، وفى
إفادة الأخبار للعلم . وهذان هما مقدمتا الزندقة ، كما قدمناه . ثم يعتمد فيما أقر
به من أمور الإسلام على ما علم بالاضطرار من دين الإسلام، مثل العبادات
والمحرمات الظاهرة ، وكذلك الإقرار بمعاد الأجساد - بعد الاطلاع على التفاسير
والأحاديث - يجعل العلم بذلك مستفادا من أمور كثيرة ؛ فلا يعطل تعطيل
١٠٤

الفلاسفة ؛ الصابتين ، ولا يقر إقرار الحنفاء العلماء المؤمنين . وكذلك
(((الصحابة)) وإن كان يقول بعدالتهم فيما نقلوه وبعلمهم فى الجملة، لكن يزعم
فى مواضع : أنهم لم يعلموا شبهات الفلاسفة وما خاضوا فيه ، إذ لم
يجد مأثوراً عنهم التكلم بلغة الفلاسفة ، ويجعل هذا حجة له فى الردعلى
(١)
من زعم(١).
وكذلك هذه المقالات لا تجدها إلا عند أجهل المتكلمين فى العلم وأظلهم
من هؤلاء المتكلمة والمتفلسفة والمنشيعة والاتحادية فى ((الصحابة، مثل قول
كثير من العلماء والمتأمرة: أنا أشجع منهم ، وإنهم لم يقاتلوا مثل العدو الذى
قاتلناه ، ولا باشروا الحروب مباشرتنا، ولا ساسوا سياستنا، وهذا لا تجده
إلا فى أجهل الملوك وأظلهم.
فإنه إن أراد أن نفس ألفاظهم ، وما يتوصلون به إلى بيان مرادهم من
المعانى لم يعلوه : فهذا لا يضرهم ؛ إذ العلم بلغات الأمم ليس مما يجب
على الرسل وأصحابهم ، بل يجب منه ما لا يتم التبليغ إلا به ؛ فالمتوسطون
بينهم من التراجمة يعلمون لفظ كل منهما ومعناه . فإن كان المعنيان واحداً
كالشمس والقمر ، وإلا علموا ما بين المعنيين من الاجتماع والافتراق ، فينقل
لكل منهما مراد صاحبه ؛ كما يصور المعانى ويبين ما بين المعنيين من التماثل ،
والتشابه ، والتقارب .
(١) بياض بالاصل قدر ثلاث كلمات.
١٠٥

(فالصحابة) كانوا يعلمون ما جاء به الرسول. وفيما جاء به بيان الحجة على
بطلان كفر كل كافر ، وبيان ذلك بقياس صحيح أحق وأحسن بياناً من
مقاييس أولئك الكفار؛ كما قال تعالى: ( وَلَ يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَكَ بِالْحَقِّ
وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا) ، أخبر سبحانه أن الكفار لا يأتونه بقياس عقلى لباطلهم
إلا جاءه اللّه بالحق، وجاءه من البيان والدليل، وضرب المثل بما هو أحسن
تفسيراً وكشفاً وإيضاحا للحق من قياسهم.
وجميع ما تقوله الصابئة والمتفلسفة وغيرهم من الكفار - من حكم
أو دليل - يندرج فيما علمه الصحابة .
وهذه الآية ذكرها الله تعالى بعد قوله: (وَقَالَ الرَّسُولُ يَرَبٍ إِنَّ قَوْمِى أَتَّخَذُواْ
هَذَا الْقُرْءَانَ مَهْجُورًا * وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيِّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِنُّ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا
وَنَصِيرًا ) فبين أن من هجر القرآن فهو من أعداء الرسول، وأن هذه العداوة
أمر لا بد منه، ولا مفر عنه، ألا ترى إلى قوله تعالى: (وَيَوْمَ يَعَضُ الظَّالِمُ
عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَلَيْتَنِ أَخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً * يَوَيِّلَنَى لَيْتَنِى لَوْ أَتَّخِذْ فُلَا نَّا خَلِيلًا *
لَّقَدْ أَضَلَِّى عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَآءَ فِى وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَنِّ خَذُولًا ).
واللّه تعالى قد أرسل نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم إلى جميع العالمين، وضرب
الأمثال فما أرسله به لجميعهم، كما قال تعالى: (وَلَقَدْ ضَرَ بْنَا لِلنَّاسِ فِ هَذَا الْقُرْءَانِ مِنْكُلِّ
مَثَلِ لَّعَلَّهُمْ يَنَذَكَّرُونَ) فأخبر أنه ضرب لجميع الناس فى هذا القرآن من كل مثل.
١٠٦

ولا ريب أن الألفاظ فى المخاطبات تكون بحسب الحاجات ؛ كالسلاح
فى المحاربات . فإذا كان عدو المسلمين - فى تحصنهم وتسلحهم - على صفة
غير الصفة التى كانت عليها فارس والروم : كان جهادهم بحسب ما توجبه
الشريعة التى مبناها على تحرى ما هو لله أطوع وللعبد أنفع ، وهو الأصلح
فى الدنيا والآخرة.
وقد يكون الخبير بحروبهم أقدر على حربهم ممن ليس كذلك، لا لفضل
قوته وشجاعته ، ولكن لجانسته لهم، كما يكون الأعجمى المتشبه بالعرب - وهم
خيار العجم - أعلم بمخاطبة قومه الأعاجم من العربى ، وكما يكون العربى المتشبه
بالعجم - وهم أدنى العرب - أعلم بمخاطبة العرب من العجمى.
فقد جاء فى الحديث: ((خيار مجمكم: المتشبهون بعربكم . وشرار عربكم
المتشبهون بعجمكم)).
ولهذا لما حاصر النبى صلى الله عليه وسلم الطائف رماهم بالمنجنيق؛
وقاتلهم قتالا لم يقاتل غيرهم مثله فى المزاحفة : كيوم بدر وغيره ، وكذلك
لما حوصر المسلمون عام الخندق اتخذوا من الخندق ما لم يحتاجوا إليه فی غیر
الحصار . وقيل : إن سلمان أشار عليهم بذلك ، فسلموا ذلك له ، لأنه طريق
إلى فعل ما أمر الله به ورسوله.
وقد قررنا فى قاعدة ((السنة والبدعة)) : أن البدعة فى الدين هى ما لم يشرعه
١٠٧

الله ورسوله، وهو ما لم يأمر به أمر إيجاب ولا استحباب . فأما ما أمر به أمر
إيجاب أو استحباب، وعلم الأمر به بالأدلة الشرعية: فهو من الدين الذى شرعه
الله، وإن تنازع أولو الأمر فى بعض ذلك . وسواء كان هذا مفعولا على عهد
النبى صلى الله عليه وسلم أو لم يكن ، فما فعل بعده بأمره - من قتال المرتدين،
والخوارج المارقين ، وفارس والروم والترك، وإخراج اليهود والنصارى من
جزيرة العرب وغير ذلك - هو من سنته .
ولهذا كان عمر بن عبد العزيز يقول: ((سن رسول الله صلى الله عليه وسلم
سنناً : الأخذ بها تصديق لكتاب الله، واستكمال لطاعة الله، وقوة على دين الله.
ليس لأحد تغييرها ولا النظر فى رأى من خالفها ؛ من اهتدى بها فهو مهتد.
ومن استنصر بها فهو منصور . ومن خالفها واتبع غير سبيل المؤمنين ولاه الله
ما تولى وأصلاه جهنم وساءت مصيراً)).
فسنة خلفائه الراشدين : هى مما أمر الله به ورسوله ، وعليه أدلة شرعية
مفصلة ليس هذا موضعها .
فكما أن اللّه بين فى كتابه مخاطبة أهل الكتاب ، وإقامة الحجة عليهم بما بينه
من أعلام رسالة محمد صلى الله عليه وسلم ، وبما فى كتبهم من ذلك ، وما حرفوه
وبدلوه من دينهم، وصدق بما جاءت به الرسل قبله ؛ حتى إذا سمع ذلك الكتابى
العالم المنصف وجد ذلك كله من أبين الحجة وأقوم البرهان.
١٠٨

والمناظرة والمحاجة لا تنفع إلا مع العدل والإنصاف ، وإلا فالظالم يححد
الحق الذى يعلمه : وهو المسفسط والمقرمط، أو يمتنع عن الاستماع والنظر فى
طريق العلم: وهو المعرض عن النظر والاستدلال . فكما أن الإحساس الظاهر
لا يحصل للمعرض ولا يقوم للجاحد ، فكذلك الشهود الباطن لا يحصل
للمعرض عن النظر والبحث . بل طالب العلم يجتهد فى طلبه من طرقه . ولهذا
سمى مجتهداً، كما يسمى المجتهد فى العبادة وغيرها مجتهداً ، كما قال بعض السلف :
(( ما المجتهد فيكم إلا كاللاعب فيهم»، وقال أبى بن كعب وابن مسعود:
(((اقتصاد فى سنة، خير من اجتهاد فى بدعة))، وقد قال النبي صلى اللّه عليه وسلم:
(((إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر))، وقال
معاذ بن جبل، ويروى مرفوعا وهو محفوظ عن معاذ: (عليكم بالعلم.
فإن تعليمه حسنة ، وطلبه عبادة ، ومذاكرته تسبيح ، والبحث عنه جهاد ،
وتعليمه لمن لا يعلمه صدقة، وبذله لأهله قربة)) ، جعل الباحث عن العلم مجاهداً
فی سبیل الله .
ولما كانت المحاجة لا تنفع إلا مع العدل، قال تعالى: (وَلَا تُحَدِلُواْأَهْلَ
الْكِتَبِ إِلَّا بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنُ إِلَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ)، فالظالم ليس علينا أن نجادله
بالتی هی أحسن .
وإذا حصل من مسلمة أهل الكتاب الذين علموا ما عندهم بلغتهم وترجموا
لنا بالعربية انتفع بذلك فى مناظرتهم ومخاطبتهم ، كما كان عبد الله بن سلام،
١٠٩

وسلمان الفارسى ، وكعب الأحبار ، وغيرهم ، يحدثون بما عندهم من العلم ،
وحينئذ يستشهد بما عندهم على موافقة ما جاء به الرسول ، ويكون حجة عليهم
من وجه ، وعلى غيرهم من وجه آخر ، كما بيناه فى موضعه .
والألفاظ العبرية تقارب العربية بعض المقاربة، كما تتقارب الأسماء فى
الاشتقاق الأكبر . وقد سمعت ألفاظ التوراة بالعبرية من مسلمة أهل الكتاب
فوجدت اللغتين متقاربتين غاية التقارب ، حتى صرت أفهم كثيراً من كلامهم
العبرى بمجرد المعرفة بالعربية .
والمعانى الصحيحة إما مقاربة لمعانى القرآن ، أو مثلها ، أو بعينها ، وإن
كان فى القرآن من الألفاظ والمعانى خصائص عظيمة .
فإذا أراد المجادل منهم أن يذكر ما يطعن فى القرآن بنقل أو عقل ، مثل
أن ينقل عما فى كتبهم عن الأنبياء ما يخالف ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم ،
أو خلاف ما ذكره الله فى كتبهم، كزعمهم للنبي صلى الله عليه وسلم أن الله
أمرهم بتحميم الزانى دون رجمه : أمكن للنبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين أن
يطلبوا التوراة ومن يقرؤها بالعربية ويترجمها من ثقات التراجمة، كعبد الله
ابن سلام ونحوه، لما قال لخبرهم: ((ارفع يدك عن آية الرجم)) فإذا هى
تلوح. ورجم النبي صلى الله عليه وسلم الزانيين منهما، بعد أن قام عليهم الحجة
من كتابهم. وذلك أنه موافق لما أنزل اللّه عليه من الرجم، وقال: ((اللهم إنى
١١٠

أول من أحيا أمرك إذ أماتوه))، ولهذا قال ابن عباس - فى قوله: (إِنَّآ أَنْزَلْنَا
التَّوْرَنَةَ فِيَهَا هُدِّى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ) قال -: محمد صلى الله
عليه وسلم، من النبيين الذين أسلموا ، وهو لم يحكم الا بما أنزل الله عليه، كما
قال: ( وَأَنِ أَحْكُمْ بَيْنَهُم بِمَآ أَنْزَلَ اللَّهُ ).
وكذلك يمكن أن يقرأ من نسخة مترجمة بالعربية ، قد ترجمها الثقات
بالخط واللفظ العربيين يعلم بهما ما عندهم ، بواسطة المترجمين الثقات من
المسلمين ، أو ممن يعلم خطهم منا : كزيدبن ثابت ونحوه لما أمره النبى صلى
اللّه عليه وسلم أن يتعلم ذلك، والحديث معروف فى السنن ، وقد احتج به
البخارى فى ( باب ترجمة الحاكم ، وهل يجوز ترجمان؟) ، قال: وقال خارجة
ابن زيد [بن ثابت ] عن زيد بن ثابت: «أن النبى أمره أن يتعلم كتاب اليهود،
حتى كتبت للنبي صلى الله عليه وسلم [كتبه]، وأقرأته كتبهم إذا كتبوا إليه)).
والمكاتبة بخطهم والمخاطبة بلغتهم : من جنس واحد، وإن كانا قد يجتمعان
وقد ينفرد أحدهما عن الآخر ، مثل كتابة اللفظ العربى بالخط العبرى وغيره
من خطوط الأعاجم ، وكتابة اللفظ العجمى بالخط العربى ، وقيل : يكتفى
بذلك. ولهذا قال سبحانه: (كُلُّالطَّعَامِ كَانَ حِلَّا لِبَنِىّ إِسْرَّهِ يلَ إِلَّ مَا حَرَّمَ إِسْرَاءِيلُ
عَلَى نَفْسِهِ، مِن قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَنَةُ قُلْ فَأَتُواْ بِالتَّوْرَنَةِ فَتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَدِّقِينَ).
فأمرنا أن نطلب منهم إحضار التوراة وتلاوتها إن كانوا صادقين فى نقل
١١١

ما يخالف ذلك ، فإنهم كانوا: (يَلْوُنَ أَلْسِنَتَهُم بِالْكِنَبِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَبِ
وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَبِ) و(يَكْتُبُونَ الْكِتَبَ بِأَيْدِ بِهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِندِ اللّهِ )
ويكذبون فى كلامهم وكتابهم. فلهذا لا تقبل الترجمة إلا من ثقة .
فإذا احتج أحدهم على خلاف القرآن برواية عن الرسل المتقدمين ، مثل
الذى يروى عن موسى أنه قال: (( تمسكوا بالسبت ما دامت السموات
والأرض)) ، أمكننا أن نقول لهم: فى أى كتاب هذا؟ أحضروه - وقد علمنا
أن هذا ليس فى كتبهم وإنما هو مفترى مكذوب ، وعندهم النبوات التى هى
مئتان وعشرون ، و(كتاب المثنوى) الذى معناه المثناة ، وهى التى جعلها
عبد الله بن عمرو فينا من أشراط الساعة، فقال: ((لا تقوم الساعة
حتى يقرأ فيهم بالمثناة ، ليس أحد يغيرها ، قيل: وما المثناة؟ قال: ما استكتب
من غير كتاب الله)).
وكذلك إذا سئلوا عما فى الكتاب من ذكر أسماء الله وصفاته لتقام الحجة
عليهم وعلى غيرهم ، بموافقة الأنبياء المتقدمين لمحمد صلى الله عليه وسلم، خرفوا
الكلم عن مواضعه : أمكن معرفة ذلك ، كما تقدم.
وإن ذكروا حجة عقلية فهمت أيضاً مما فى القرآن بردها إليه : مثل
إنكارهم للنسخ بالعقل ، حتى قالوا: لا ينسخ ما حرمه ، ولا ينهى عما أمر به.
فقال تعالى : (
سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَاوَلَّئُهُمْ عَن قِبْلَئِهِمُ الَّتِ كَانُواْ عَلَيْهَا
(
١١٢

قال البراء بن عازب - [كما] فى الصحيحين - ((هم اليهود)، فقال سبحانه :
(قُل لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُّ يَهْدِى مَن يَشَآءُ إِلَى صِرَطٍ مُسْتَقِيمٍ ).
فذكر ما فى النسخ من تعليق الأمر بالمشيئة الإلهية ، ومن كون الأمر الثانى
قد يكون أصلح وأنفع، فقوله: ( يَهْدِى مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ) بيان
للأصلح الأنفع، وقوله: ( مَن يَشَآءُ ) رد للأمر إلى المشيئة.
وعلى بعض ما فى الآية اعتماد جميع المتكلمين حيث قالوا : التكليف
إما تابع لمحض المشيئة ، كما يقوله قوم ، أو تابع للمصلحة ، كما يقوله قوم .
وعلى التقديرين فهو جائز.
ثم إنه سبحانه بين وقوع النسخ بتحريم الحلال فى التوراة ، بأنه أحل
لإسرائيل أشياء ثم حرمها فى التوراة ، وأن هذا كان تحليلا شرعياً بخطاب ،
لم يكونوا استباحوه بمجرد البقاء على الأصل ، حتى لا يكون رفعه نسخاً ، كما
يدعیه قوم منهم ، وأمر بطلب التوراة فى ذلك. وهكذا وجدناه فيها ، كما حدثنا
بذلك مسلمة أهل الكتاب فی غیر موضع.
وهكذا مناظرة الصابئة الفلاسفة ، والمشركين ، ونحوهم ، فإن الصابى
الفيلسوف إذا ذكر ما عند قدماء الصابئة الفلاسفة من الكلام - الذى عرب
وترجم بالعربية وذكره - إما صِرفاً ، وإما على الوجه الذى تصرف فيه
متأخروهم بزيادة أو نقصان ، وبسط واختصار ، ورد بعضه وإتيان بمعان
١١٣

أخر، ليست فيه ونحو ذلك - فإن ذكر مالا يتعلق بالدين ، مثل مسائل («الطب،
و ((الحساب) المحض التى يذكرون فيها ذلك، وكتب من أخذ عنهم ، مثل :
محمد بن زكريا الرازى ، وابن سينا ونحوهم من الزنادقة الأطباء ما غايته :
انتفاع بآثار الكفار والمنافقين فى أمور الدنيا ، فهذا جائز . كما يجوز السكنى
فی دیارهم ، ولبس ثيابهم وسلاحهم ، وكما تجوز معاملتهم على الأرض ، كما عامل
النبي صلى الله عليه وسلم يهود خيبر، وكما استأجر النبى صلى الله عليه وسلم هو،
وأبو بكر لما خرجا من مكة مهاجرين ((ابن أريقط،-رجلا من بنى الديل - هادياً
خريتاً ، والخريت الماهر بالهداية، وائتمناه على أنفسهما ودوابهما، وواعداه غار
ثور صبح ثالثة، وكانت خزاعة عيبة نصح رسول الله صلى الله عليه وسلم مسلمهم
وكافرهم ، وكان يقبل نصحهم . وكل هذا فى الصحيحين ، وكان أبو طالب ينصر
النبى صلى الله عليه وسلم ويذب عنه مع شركه ، وهذا كثير.
فإن المشركين وأهل الكتاب فيهم المؤتمن، كما قال تعالى:(وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ مَنْ
إِن تَأْمَنُهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِةٍإِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لََّ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَادُمْتَ عَلَيْهِ
قَابِمًا )، ولهذا جاز اتمان أحدهم على المال، وجاز أن يستطب المسلم الكافر
إذا كان ثقة ، نص على ذلك الأمة كأحمد وغيره ، إذ ذلك من قبول خبرهم
فيما يعلمونه من أمر الدنيا واتمان لهم على ذلك ، وهو جائز إذا لم يكن فيه
مفسدة راجحة ، مثل ولايته على المسلمين وعلوه عليهم ونحو ذلك .
فأخذ علم الطب من كتبهم مثل الاستدلال بالكافر على الطريق واستطبابه ،
١١٤

بل هذا أحسن. لأن كتبهم لم يكتبوها لمعين من المسلمين حتى تدخل فيها الخيانة
وليس هناك حاجة إلى أحد منهم بالخيانة ، بل هى مجرد انتفاع بآثارهم ،
كالملابس والمساكن والمزارع والسلاح ونحو ذلك.
وإن ذكروا ما يتعلق((بالدین) فإن نقلوه عن الأنبياء كانوا فيه كأهل الكتاب
وأسوأ حالا ، وإن أحالوا معرفته على القياس العقلى فإن وافق ما فى القرآن
فهو حق ، وإن خالفه ففى القرآن بيان بطلانه بالأمثال المضروبة ، كما قال
تعالى: ( وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّ ◌ِثْنَكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا ) ، ففى القرآن
الحق ، والقياس البين الذى يبين بطلان ما جاءوا به من القياس ، وإن كان
ما يذكرونه محملا فيه الحق - وهو الغالب على الصابئة المبدلين، مثل ((أرسطو))
وأتباعه ، وعلى من اتبعهم من الآخرين -قبل الحق ورد الباطل، والحق من
ذلك لا يكون بيان صفة الحق فيه كبيان صفة الحق فى القرآن . فالأمر فى هذا
موقوف على معرفة القرآن ومعانيه و تفسيره وترجمته .
والترجمة والتفسير ((ثلاث طبقات)):
(أحدها ) : ترجمة مجرد اللفظ ، مثل نقل اللفظ بلفظ مرادف، ففى هذه
الترجمة تريد أن تعرف أن الذى يعنى بهذا اللفظ عند هؤلاء هو بعينه الذى يعنى
باللفظ عند هؤلاء. فهذا علم نافع. إذ كثير من الناس يقيد المعنى باللفظ ، فلا
يجرده عن اللفظين جميعا .
١١٥

( والثانى): ترجمة المعنى وبيانه ، بأن يصور المعنى للمخاطب ، فتصوير
المعنى له وتفهيمه إياه قدر زائد على ترجمة اللفظ ، كما يشرح للعربى كتابا عربيا
قد سمع ألفاظه العربية ، لكنه لم يتصور معانيه ولا فهمها ، وتصوير المعنى
يكون بذكر عينه أو نظيره ، إذ هو تركيب صفات من مفردات يفهمها المخاطب
يكون ذلك المركب صور ذلك المعنى : إما تحديداً وإما تقريبا .
( الدرجة الثالثة ) : بيان صحة ذلك وتحقيقه بذكر الدليل والقياس الذى
يحقق ذلك المعنى ، إما بدليل مجرد وإما بدليل يبين علة وجوده.
وهنا قد يحتاج إلى ضرب أمثلة ومقاييس تفيده التصديق بذلك المعنى ، كما
يحتاج فى ((الدرجة الثانية)) إلى أمثلة تصور له ذلك المعنى . وقد يكون نفس
قصوره مفيدا للعلم بصدقه. وإذا كفى تصور معناه فى التصديق به لم يحتج إلى
قیاس ، ومثل ، ودليل آخر .
فإذا عرف القرآن هذه المعرفة : فالكلام الذى يوافقه أو يخالفه من كلام
أهل الكتاب والصابتين والمشركين لا بد فيه من الترجمة للفظ والمعنى أيضاً .
وحينئذ فالقرآن فيه تفصيل كل شىء، كما قال تعالى: (مَا كَانَ حَدِيثًاً يُفْتَرَى
وَلَكِنْ تَصْدِيِقَ الَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَىْءٍ )، وقال (وَنَزَّْنَا عَلَيْكَ
اُلْكِتَبَ تِبْيَنَا لِكُلِّ شَىْءٍ).
ومعلوم أن الأمة مأمورة بتبليغ القرآن لفظه ومعناه ، كما أمر بذلك
١١٦

الرسول ولا يكون تبليغ رسالة الله إلا كذلك، وأن تبليغه إلى العجم قد يحتاج
إلى ترجمة لهم ، فيترجم لهم بحسب الإمكان . والترجمة قد تحتاج إلى ضرب
أمثال لتصوير المعانى ، فيكون ذلك من تمام الترجمة .
وإذا كان من المعلوم: أن أكثر المسلمين، بل أكثر المنتسبين منهم إلى
العلم ، لا يقومون بترجمة القرآن وتفسيره وبيانه ؛ فلأن يعجز غيرهم عن ترجمة
ما عنده وبيانه أولى بذلك . لأن عقل المسلمين أكمل ، وكتابهم أقوم قيلا ،
وأحسن حديثاً ، ولغتهم أوسع ، لا سيما إذا كانت تلك المعانى غير محققة ؛
بل فيها باطل كثير . فإن ترجمة المعانى الباطلة وتصويرها صعب . لأنه ليس لها
نظیر من الحق من کل وجه .
فإذا سئلنا عن كلام يقولونه : هل هو حق أو باطل؟ ومن أين يتبين الحق
فيه والباطل .
قلنا : - من القول - بالحجة والدليل؛ كما كان المشركون وأهل الكتاب
يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مسائل، أو يناظرونه، وكما كانت
الأمم تجادل رسلها . إذكثير من الناس يدعى موافقة الشريعة للفلسفة .
(مثال ذلك): إذا ذكروا «العقول العشرة))، ((والنفوس التسعة))،
وقالوا: إن العقل الأول هو الصادر الأول عن الواجب بذاته ، وأنه من لوازم
ذاته ومعلول له ، وكذلك الثانى عن الأول ، وإن لكل فلك عقلا ونفسا.
١١٧

قيل: قولكم ((عقل، ونفس، لغة لكم، فلا بد من ترجمتها ، وإن
كان اللفظ عربياً فلا بد من ترجمة المعنى.
فيقولون: ((العقل)) هو الروح المجردة عن المادة - وهى الجسد
وعلائقها - سموه عقلا ويسمونه مفارقاً، ويسمون تلك: المفارقات للمواد؛
لأنها مفارقة للأجساد ؛ كما أن روح الإنسان إذا فارقت جسده كانت مفارقة
للمادة التى هى الجسد. ((والنفس)): هى الروح المدبرة للجسم، مثل نفس الإنسان
إذا كانت فى جسمه . فتى كانت فى الجسم كانت محركة له . فإذا فارقته صارت
عقلا محضاً : أى يعقل العلوم من غير تحريك بشىء من الأجسام ، فهذه
العقول والنفوس.
وهذا الذى ذكر ناه من أحسن الترجمة عن معنى العقل والنفس ، وأكثرهم
لا يحصلون ذلك .
قالوا : وأثبتنا لكل فلك نفساً : لأن الحركة اختيارية ، فلا تكون
إلا لنفس. ولكل نفس عقلا: لأن العقل كامل لا يحتاج إلى حركة، والمتحرك
يطلب الكمال فلا بد أن يكون فوقه ما يشبه به ، وما يكون علة له . ولهذا
كانت حركة أنفسنا للتشبه بما فوقنا من العقول. وكل ذلك تشبه بواجب الوجود
بحسب الإمكان .
والأول لا يصدر عنه إلا عقل . لأن النفس تقتضى جسما ، والجسم فيه
١١٨

کثرة ، والصادر عنه لا يكون إلا واحد. ولهم فى الصدور اختلاف كثير ليس
هذا موضعه .
قيل لهم: أما إثباتكم أن فى السماء أرواحاً: فهذا يشبه ما فى القرآن وغيره
من كتب الله؛ ولكن ليست هى (الملائكة))، كما يقول الذين يزعمون منكم أنهم
آمنوا بما أنزل على الرسول ، وما أنزل من قبله . ويقولون: ما أردنا
إلا الإحسان والتوفيق بين الشريعة والفلسفة ، فإنهم قالوا : العقول والنفوس
عند الفلاسفة : هی الملائكة عند الأنبياء ، ولیس کذلك ، لکن تشبهها من
بعض الوجوه .
فإن اسم الملائكة والملك يتضمن أنهم رسل الله، كما قال تعالى: ( جَاعِلِ
اُلْمَلَبِكَةِ رُسُلًا)، وكما قال: ( وَالْمُرْسَتِ عُرْفًا)، فالملائكة رسل الله فى
تنفيذ أمره الكونى الذى يدبر به السموات والأرض، كما قال تعالى: ( حَّ
إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْثُ تَوَقَّتْهُ رُسُلْنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ)، وكما قال: (بَلَ وَرُسُلْنَا
لَدَ بِهِمْ يَكْثُبُونَ)، وأمره الدينى الذى تنزل به الملائكة، فإنه قال: ( يُنَزِّلُ
الْمَلَبِكَةَبِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ، عَلَى مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِة )، وقال تعالى: (وَمَا كَانَ لِبَشَرِ أَنْ
يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلََّ وَحْيَا أَوْ مِن وَرَآٍ حَادٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِىَ بِإِذْنِهِ، مَا يَشَآءُ إِنَّهُ عَلِىُّ
حَكِيمُ )، وقال تعالى: ( اللَّهُ يَصْطَفِى مِنَ الْمَلَبِكَةِ رُسُلَّا وَمِنَ
النَّاسِنَّ ).
وملائكة الله لا يحصى عددهم إلا اللّه، كما قال تعالى: (وَمَاجَعَلْنَا أَصْحَبَالنَّارِ
١١٩

إِلَّا مَلَئِكَةُ وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُواْ لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِنَبَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ ءَامَنُواْإِيمَنَّاً
وَلَ يَابَ الَّذِينَ أُوتُواْلَكِنَبَ وَالْمُؤْمِنُونٌّ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم ◌َّرٌَّ وَالْكَفِرُونَ مَاذَاأَرَادَاللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا كَذَلِكَ
يُضِلُ اللهُمَن يَهُ وَيَهْدِى مَن يَشَاءُ وَمَا يَعَمُ جُنُوَ رَبِكَ إِلَّهُوَ).
وقيل لهم : الذى فى الكتاب والسنة ، من ذكر الملائكة وكثرتهم ،
أمر لا يحصر، حتى قال النبى صلى الله عليه وسلم: «أَّت السماء
وُحُقَّ لها أن تتط ، ما فيها موضع أربع أصابع إلا ملك قائم أو قاعد ،
أو راكع؛ أو ساجد،، وقال الله تعالى: (تَكَادُ السَمَوَتُ يَنَفَطَّرْنَ مِن
فَوْقِهِنَّ وَالْمَلَبِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِرَبِهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِى الْأَرْضِ أَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ
اٌلْغَفُورُ الرَّحِيمُ ) .
فمن جعلهم عشرة ، أو تسعة عشر ، أو زعم أن التسعة عشر الذين
على سقر: هم العقول والنفوس ؛ فهذا من جهله بما جاء عن الله ورسوله .
وضلاله فى ذلك بين : إذ لم تتفق الأسماء فى صفة المسمى ولا فی قدره ، كما
تكون الألفاظ المترادفة . وإنما اتفق المسميان فى كون كل منهما روحاً
متعلقاً بالسموات .
وهذا من بعض صفات ملائكة السموات ، فالذى أثبتوه [هو ] بعض
١٢٠