Indexed OCR Text
Pages 81-100
يعجب النبى صلى الله عليه وسلم، وهو أن يخرج متوكلا على الله، فيسمع الكلمة الطيبة: ((وكان يعجبه الفأل، ويكره الطيرة))، لأن الفأل تقوية لما فعله بإذن اللّه والتوكل عليه ، والطيرة معارضة لذلك، فيكره للإنسان أن يتطير ، وإنما تضر الطيرة من تطير، لأنه أضر نفسه . فأما المتوكل على الله فلا . وليس المقصود ذكر هذه الأمور وسبب إصابتها تارة وخطها تارات. وانما الغرض: أنهم يتعمدون فيها كذبا كثيرا ، من غير أن تكون قد دلت على ذلك دلالة ، كما يتعمد خلق كثير الكذب فى الرؤيا ، التى منها الرؤيا الصالحة ، وهى جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة ، وكما كانت الجن تخلط بالكلمة تسمعها من السماء مائة كذبة ، ثم تلقيها إلى الكهان . ولهذا ثبت فى صحيح مسلم عن معاوية بن الحكم السلمى قال: قلت: ((يا رسول الله! إنى حديث عهد بجاهلية وقد جاء الله بالإسلام، وإن منا رجالا يأتون الكهان . قال : فلا تأتهم. قال: قلت: ومنا رجال يتطيرون . قال: ذاك شىء يجدونه فى صدورهم ، فلا يصدهم. قال : قلت : ومنا رجال يخطون . قال : كان فى من الأنبياء يخط ، فمن وافق خطه فذاك » . فإذا كان ما هو من أجزاء النبوة ومن أخبار الملائكة ما قد يتعمد فيه الكذب الكثير فكيف بما هو فى نفسه مضطرب لا يستقر على أصل ؟ فلهذا تجد عامة من فى دينه فساد يدخل فى الأكاذيب الكونية ، مثل أهل الاتحاد. فإن ابن عربى - فى كتاب ((عنقاء مغرب)) وغيره - أخبر بمستقبلات كثيرة ، ٨١ عامتها كذب ، وكذلك ابن سبعين ، وكذلك الذين استخرجوا مدة بقاء هذه الأمة من حساب الجمل من حروف المعجم الذى ورثوه من اليهود ، ومن حركات الكواكب الذى ورثوه من الصابئة ؛ كما فعل أبو نصر الكندى ، وغيره من الفلاسفة ، وكما فعل بعض من تكلم فى تفسير القرآن من أصحاب الرازى ؛ ومن تكلم فى تأويل وقائع النساك من الماثلين إلى التشيع. وقد رأيت من أتباع هؤلاء طوائف يدعون أن هذه الأمور من الأسرار المخزونة والعلوم المصونة ، وخاطبت فى ذلك طوائف منهم ، وكنت أحلف لهم أن هذا كذب مفترى ، وأنه لا يجرى من هذه الأمور شىء ، وطلبت مباهلة بعضهم - لأن ذلك كان متعلقا بأصول الدين - ، وكانوا من الاتحادية الذين يطول وصف دعاويهم. فإن شيخهم الذى هو عارف وقته وزاهده عندهم: كانوا يزعمون أنه هو المسيح الذى ينزل ، وأن معنى ذلك نزول روحانية عيسى عليه السلام ، وأن أمه اسمها مريم ، وأنه يقوم بجمع الملل الثلاث ، وأنه يظهر مظهرا أكمل من مظهر محمد وغيره من المرسلين . ولهم مقالات من أعظم المنكرات يطول ذکرها ووصفها. ثم إن من عجيب الأمر : أن هؤلاء المتكلمين المدعين لحقائق الأمور العلمية والدينية المخالفين للسنة والجماعة يحتج كل منهم بما يقع له من حديث ٨٢ موضوع، أو مجمل لا يفهم معناه ، وكلما وجد أثرا فيه إجمال نزله على رأيه ، فیحتج بعضهم بالمكذوب ، مثل المكذوب المنسوب إلى عمر ((کنت کالزنجى)) ومثل ما يروونه من ((سر المعراج))، وما يروونه من ((أن أهل الصفة سمعوا المناجاة من حيث لا يشعر الرسول . فلما نزل الرسول أخبروه ، فقال: من أين سمعتم ؟ فقالوا : كنا نسمع الخطاب)). حتى إنى لما بينت لطائفة - تمشيخوا وصاروا قدوة للناس - : أن هذا كذب ما خلقه الله قط. قلت: ويبين لك ذلك أن المعراج كان بمكة بنص القرآن وبإجماع المسلمين ، والصفة إنما كانت بالمدينة ، فمن أين كان بمكة أهل صفة ؟. وكذلك احتجاجهم بأن أهل الصفة قاتلوا النبى صلى الله عليه وسلم وأصحابه مع المشركين لما انتصروا وزعموا أنهم مع اللّه ، ليحتجوا بذلك على متابعة الواقع سواء كان طاعة لله أو معصية، وليجعلوا حكم دينه هو ما كان ، كما قال الذين أشركوا : ( لَوْشَآءَ اللَّهُ مَآ أَشْرَكْنَا وَلَآ ءَابَآؤُنَا)، وأمثال هذه الموضوعات كثيرة. وأما المجملات : فمثل احتجاجهم بنهى بعض الصحابة عن ذكر بعض خفى العلم ، كقول على رضى الله عنه: ((حدثوا الناس بما يعرفون، ودعوا ما ينكرون ، أتحبون أن يكذب الله ورسوله؟)، وقول عبد الله بن مسعود: ٨٣ ((ما من رجل يحدث قوما بحديث لا تبلغه عقولهم إلا كان فتنة لبعضهم)) ، وقول عبد الله بن عباس فى تفسير الآيات: ((ما يؤمنك أنى لو أخبرتك بتفسيرها كفرت ، وكفرك بها تكذيبك بها ». وهذه الآثار حق ، لكن ينزل كل منهم ذاك الذى لم يحدث به على ما يدعيه هو من الأسرار والحقائق ، التى إذا كشفت وجدت من الباطل والكفر والنفاق، حتى إن أبا حامد الغزالى ((فى منهاج القاصدين ) وغيره ، هو وأمثاله تمثل بما يروى عن على بن الحسين أنه قال : لقيل لى : أنت ممن يعبد الوثنا یارب جوهر علم لو أبوح به يرون أقبح ما يأتونه حسنا ولا ستحل رجال مسلمون دمی فإذا كانت هذه طرق هؤلاء الذين يدعون من التحقيق وعلوم الأسرار ماخرجوا به عن السنة والجماعة، وزعموا أن تلك العلوم الدينية أو الكونية مختصة بهم، فآمنوا بمجملها ومتشابها ، وأنهم منحوا من حقائق العبادات وخالص الديانات ما لم يمنح الصدر الأول حفاظ الإسلام وبدور الملة ، ولم يتجرؤوا عليها برد وتكذيب ، مع ظهور الباطل فيها تارة وخفائه أخرى. فمن المعلوم أن العقل والدين يقتضيان أن جانب النبوة والرسالة أحق بكل تحقيق وعلم ومعرفة ، وإحاطة بأسرار الأمور وبواطنها . هذا لا ينازع فيه مؤمن . ونحن الآن فى مخاطبة من فى قلبه إيمان . ٨٤ وإذا كان الأمر كذلك فأعلم الناس بذلك أخصهم بالرسول ، وأعلمهم بأقواله ، وأفعاله ، وحركاته ، وسكناته ، ومدخله ، ومخرجه ، وباطنه، وظاهره ، وأعلهم بأصحابه وسيرته وأيامه، وأعظمهم بحثا عن ذلك وعن نقلته ، وأعظمهم تدينا به واتباعا له واقتداء به . وهؤلاء هم أهل السنة والحديث حفظا له، ومعرفة بصحيحه وسقيمه ، وفقها فيه وفهما يؤتيه الله إياه فى معانيه ، وإيمانا وتصديقا. وطاعة وانقيادا واقتداء واتباعا مع ما يقترن بذلك من قوة عقلهم وقياسهم وتميزهم ، وعظيم مكاشفاتهم ومخاطباتهم . فإنهم أسد الناس نظرا وقياسا ورأيا ، وأصدق الناس رؤيا وكشفا. أفلا يعلم من له أدنى عقل ودين أن هؤلاء أحق بالصدق والعلم والإيمان والتحقيق ممن يخالفهم ، وأن عندهم من العلوم ما ينكرها الجاهل والمبتدع ، وأن الذى عندهم هو الحق المبين ، وأن الجاهل بأمرهم والمخالف لهم هو الذى معه من الحشو ما معه ، ومن الضلال كذلك. وهذا باب يطول شرحه . فإن النفوس لها من الأقوال والأفعال ما لا يحصره إلا ذو الجلال. والأقوال إخبارات ، وإنشاءات كالأمر ، والنهى. فأحسن الحديث وأصدقه كتاب اللّه . خبره أصدق الخبر ، وبيانه أوضح البيان، وأمره أحكم الأمر، (فَأَتِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَءَايَتِهِ يُؤْمِنُونَ ) وكل ٨٥ من اتبع كلاما أو حديثا ـ مما يقال: إنه يلهمه صاحبه ، ويوحى إليه ، أو أنه ينشئه ويحدثه مما يعارض به القرآن - فهو من أعظم الظالمين ظلما. ولهذا لما ذكر الله سبحانه قول الذين ما قدروا الله حق قدره ، حيث أنكروا الإنزال على البشر ، ذكر المتشبهين به المدعين لماثلته من الأقسام الثلاثة . فإن الماثل له: إما أن يقول: إن الله أوحى إلى، أو يقول: أوحى إلى، وألقى إلى ، وقيل لى ، ولا يسمى القائل . أو يضيف ذلك إلى نفسه، ويذكر أنه هو المنشئ له . ووجه الحصر : أنه إما أن يحذف الفاعل أو يذكره ، وإذا ذكره فإما أن يجعله من قول اللّه، أو من قول نفسه. فإنه إذا جعله من كلام الشياطين لم يقبل منه، وما جعله من كلام الملائكة فهو داخل فيما يضيفه إلى اللّه ، وفيما حذف فاعله، فقال تعالى: ( وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْقَالَ أُوْحِىَ إِلَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَىْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ). وتدبر كيف جعل الأولين فى حيز الذى جعله وحيا من اللّه ولم يسم الموحى؟ فإنهما من جنس واحد فى ادعاء جنس الإنباء ، وجعل الآخر فى حيز الذى ادعى أن يأتى بمثله، ولهذا قال: ( مِمَنِ اُفْتَرَ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا) ، ثم قال: ( وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ) ، فالمفترى للكذب والقائل: أوحى إلى ولم يوح إليه شىء: من جملة الاسم الأول ، وقد قرن به الاسم الآخر، فهؤلاء الثلاثة المدعون لشبه النبوة . وقد تقدم قبلهم المكذب للنبوة . ٨٦ فهذا يعم جميع أصول الكفر التى هى تكذيب الرسل أو مضاهاتهم ، كمسيلة الكذاب وأمثاله . وهذه هى ((أصول البدع)) التى تردها نحن فى هذا المقام ، لأن المخالف للسنة يرد بعض ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ، أو يعارض قول الرسول بما يجعله نظيراً له: من رأى أو كشف أو نحو ذلك. فقد تبين أن الذين يسمون هؤلاء وأئمتهم حشوية هم أحق بكل وصف مذموم يذكرونه، وأئمة هؤلاء أحق بكل علم نافع وتحقيق ، وكشف حقائق واختصاص بعلوم لم يقف عليها هؤلاء الجهال ، المنكرون عليهم ، المكذبون لله ورسوله. فإن [ نبزهم] بالحشوية: إن كان لأنهم يروون الأحاديث بلا تمييز؛ فالمخالفون لهم أعظم الناس قولا لحشو الآراء والكلام الذى لا تعرف صحته ، بل يعلم بطلانه ، وإن كان: لأن فيهم عامة لا يميزون ؛ فما من فرقة من تلك الفرق إلا ومن أتباعها من أجهل الخلق وأكفرهم ، وعوام هؤلاء هم عمار المساجد بالصلوات وأهل الذكر والدعوات ، وحجاج البيت العتيق، والمجاهدون فى سبيل الله، وأهل الصدق والأمانة وكل خير فى العالم . فقد تبين لك أنهم أحق بوجوه الذم ، وأن هؤلاء أبعد عنها ، وأن الواجب على الخلق أن يرجعوا إليهم ؛ فيما اختصهم الله به من الوراثة النبوية التى لا توجد إلا عندهم. ٨٧ وأيضاً فينبغى النظر فى الموسومين بهذا الاسم وفى الواسمين لهم به : أيهما أحق؟ وقد علم أن هذا الاسم مما اشتهر عن النفاة ممن هم مظنة الزندقة، كما ذكر العلماء - كأبى حاتم وغيره - أن علامة الزنادقة تسميتهم لأهل الحديث حشوة. ونحن نتكلم بالأسماء التى لا نزاع فيها، مثل: لفظ ((الإثبات؛ والنفى ، فنقول : من المعلوم أن هذا من تلقيب بعض الناس لأهل الحديث الذين يقرونه على ظاهره . فكل من كان عنه أبعد كان أعظم ذماً بذلك : كالقرامطة ، ثم الفلاسفة ، ثم المعتزلة ، وهم يذمون بذلك المتكلمة الصفاتية من الكلابية والكرامية، والأشعرية، والفقهاء ، والصوفية وغيرهم. فكل من اتبع النصوص وأقرها سموه بذلك ، ومن قال بالصفات العقلية مثل: العلم والقدرة؛ دون الخبرية ، ونحو ذلك ، سمى مثبتة الصفات الخبرية حشوية ، كما يفعل أبو المعالى الجوينى، وأبو حامد الغزالى ونحوهما . ولطريقة أبى المعالى كان أبو محمد يتبعه فى فقهه وكلامه لكن أبو محمد كان أعلم بالحديث وأتبع له من أبى المعالى وبمذاهب الفقهاء. وأبو المعالى أكثر اتباعاً للكلام ، وهما فى العربية متقاربان. وهؤلاء يعيبون منازعهم ، إما لجمعه حشو الحديث من غير تمييز بين صحيحه وضعيفه. أو لكون اتباع الحديث فى مسائل الأصول من مذهب ٨٨ الحشو : لأنها مسائل علمية ، والحديث لا يفيد ذلك ؛ لأن اتباع النصوص مطلقاً فى المباحث الأصولية الكلامية حشو ، لأن النصوص لا تفى بذلك ؛ فالأمر راجع إلى أحد أمرين: إما ريب فى الإسناد أو فى المتن: إما لأنهم يضيفون إلى الرسول ما لم يعلم أنه قاله كأخبار الآحاد ويجعلون مقتضاها العلم ، وإما لأنهم يجعلون ما فهموه من اللفظ معلوماً وليس هو بمعلوم ، لما فى الأدلة اللفظية من الاحتمال . ولا ريب أن هذا عمدة كل زنديق ومنافق يبطل العلم بما بعث الله به رسوله. تارة يقول: لا نعلم أنهم قالوا ذلك ، وتارة يقول : لا نعلم ما أرادوا بهذا القول. ومتى انتفى العلم بقولهم أو بمعناه: لم يستفد من جهتهم علم، فيتمكن بعد ذلك أن يقول ما يقول من المقالات ، وقد أمن على نفسه أن يعارض بآثار الأنبياء؛ لأنه قد وكل ثغرها بذينك الدامحين الدافعين لجنود الرسول عنه، الطاعنين لمن احتج بها . وهذا القدر بعينه هو عين الطعن فى نفس النبوة ؛ وإن كان يقر بتعظيمهم وكالهم : إقرار من لا يتلقى من جهتهم علما ، فيكون الرسول عنده بمنزلة خليفة : يعطى السكة والخطبة رسماً ولفظاً ، كتابة وقولا ، من غير أن يكون له أمر أونهى مطاع. فله صورة الإمامة بما جعل له من السكة والخطبة ، وليس له حقيقتها . وهذا القدر - وإن استجازه كثير من الملوك - لعجز بعض الخلفاء عن ٨٩ القيام بواجبات الإمارة من الجهاد والسياسة ، كما يفعل ذلك كثير من نواب الولاة لضعف مستنيبه وعجزه؟ فيتركب من تقدم ذى المنصب والبيت وقوة نائبه صلاح الأمر ، أو فعل ذلك لهوى ورغبة فى الرئاسة ولطائفته، دون من هو أحق بذلك منه، وسلك مسلك المتغلبين بالعدوان - فمن المعلوم أن المؤمن باللهورسوله لا يستجيز أن يقول فى الرسالة: إنها عاجزة عن تحقيق العلم وبيانه ، حتى يكون الإقرار بها مع تحقيق العلم الإلهى من غيرها موجبا لصلاح الدين، ولا يستجيز أن يتعدى عليها بالتقدم بين يدى الله ورسوله، ويقدم علمه وقوله على علم الرسول وقوله، ولا يستجيز أن يسلط عليها التأويلات العقلية، ويدعى أن ذلك من كمال الدين ، وأن الدين لا يكون كاملا إلا بذلك. وأحسن أحواله : أن يدعى أن الرسول [كان] عالما بأن ما أخبر به له تأويلات وتبيان غير ما يدل عليه ظاهر قوله ومفهومه ، وأنه ما ترك ذلك إلا لأنه ما كان يمكنه البيان بين أولئك الأعراب ونحوهم، وأنه وكل ذلك إلى عقول المتأخرين، وهذا هو الواقع منهم . فإن المتفلسفة تقول: إن الرسل لم يتمكنوا من بيان الحقائق لأن إظهارها يفسد الناس، ولا تحتمل عقولهم ذلك، ثم قد يقولون: إنهم عرفوها . وقد يقول بعضهم: لم يعرفوها. أو أنا أعرف بها منهم، ثم يبينونها هم بالطرق القياسية الموجودة عندهم. ولم يعقلوا أنه إن كان العلم بها ممكنا فهو يمكن لهم، كما يدعون أنه يمكن لهم، وإلا فلا سبيل لهم إلى معرفتها بإقرارهم . وكذلك التعبير ٩٠ وبيان العلم بالخطاب والكتاب إن لم يكن ممكناً فلا يمكنكم ذلك وأنتم تتكلمون وتكتبون علمكم فى الكتب . وإن كان ذلك ممكنا فلا يصح قولكم: ((لم يمكن الرسل ذلك». وإن قلتم : يمكن الخطاب بها مع خاصة الناس دون عامتهم - وهذا قولهم - فمن المعلوم: أن علم الرسل يكون عند خاصتهم كما يكون عليكم عند خاصتكم. ومن المعلوم: أن كل من كان بكلام المتبوع وأحواله وبواطن أموره وظواهرها أعلم وهو بذلك أقوم: كان أحق بالاختصاص به. ولا ريب أن أهل الحديث أعلم الأمة وأخصها بعلم الرسول، وعلم خاصته: مثل الخلفاء الراشدين وسائر العشرة . ومثل : أبى بن كعب ، وعبدالله بن مسعود ، ومعاذ بن جبل ، وعبدالله بن سلام، وسلمان الفارسى، وأبى الدرداء، وعبادة بن الصامت، وأبى ذر الغفارى ؛ وعمار بن ياسر؛ وحذيفة بن اليمان. ومثل سعد بن معاذ ؛ وأسيد بن حضير ، وسعد بن عبادة، وعباد بن بشر ، وسالم مولى أبي حذيفة، وغير هؤلاء : من كان أخص الناس بالرسول وأعلمهم بباطن أموره وأتبعهم لذلك. فعلماء الحديث أعلم الناس بهؤلاء وببواطن أمورهم، وأتبعهم لذلك. فيكون عندهم العلم : علم خاصة الرسول وبطانته ، كما أن خواص الفلاسفة يعلمون علم ٩١ أئمتهم ، وخواص المتكلمين يعلمون علم أئمتهم ، وخواص القرامطة والباطنية يعلمون علم أئمتهم ، وكذلك أئمة الإسلام مثل أئمة العلماء ، فإن خاصة كل إمام أعلم بباطن أموره مثل مالك بن أنس : فإن ابن القاسم لما كان أخص الناس به وأعلمهم بباطن أمره اعتمد أتباعه على روايته ، حتى إنه تؤخذ عنه مسائل السر التى رواها ابن أبى الغمر ، وإن طعن بعض الناس فيها ، وكذلك أبو حنيفة : فأبو يوسف ومحمد وزفر أعلم الناس به ، وكذلك غيرهما . وقد يكتب العالم كتابا أو يقول قولا فيكون بعض من لم يشافهه به أعلم بمقصوده من بعض من شافهه به ، كما قال النبى صلى الله عليه وسلم: ((فرب مبلغ أوعى من سامع)، ، لكن بكل حال لا بد أن يكون المبلغ منن الخاصة العالمين بحال المبلغ عنه، كما يكون فى أتباع الأئمة من هو أفهم لنصوصهم من بعض أصحابهم . ومن المستقر فى أذهان المسلمين : أن ورثة الرسل وخلفاء الأنبياء هم الذين قاموا بالدين علما وعملا ودعوة إلى الله والرسول ، فهؤلاء أتباع الرسول حقاً وهم بمنزلة الطائفة الطيبة من الأرض التى زكت ، فقبلت الماء فأنبتت الكلا والعشب الكثير ، فزكت فى نفسها وزكى الناس بها . وهؤلاء هم الذين جمعوا بين البصيرة فى الدين والقوة على الدعوة ، ولذلك كانوا ورثة الأنبياء الذين قال اللّه تعالى فيهم: (وَأَذَكُرْ عِبَدَنَا إَِّهِيمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ أُوْلِ الْأَيْدِى وَالْأَبْصَرِ ) ٩٢ فالأيدى القوة فى أمر الله، والأبصار البصائر فى دين الله، فبالبصائر يدرك الحق ويعرف، وبالقوة يتمكن من تبليغه وتنفيذه والدعوة إليه . فهذه الطبقة كان لها قوة الحفظ والفهم والفقه فى الدين والبصر والتأويل ؛ فتفجرت من النصوص أنهار العلوم ، واستنبطت منها كنوزها، ورزقت فيها فهما خاصا ، كما قال أمير المؤمين على بن أبى طالب رضى الله عنه ، وقد سئل: ((هل خصكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بشىء دون الناس؟ فقال: لا ؛ والذى فلق الحبة وبرأ النسمة؛ إلا فهما يؤتيه الله عبدآ فی کتابه. فهذا الفهم هو بمنزلة الكلاً والعشب الذى أنبته الأرض الطيبة . وهو الذى تميزت به هذه الطبقة عن الطبقة الثانية ؛ وهى التى حفظت النصوص ، فكان همها حفظها وضبطها ؛ فوردها الناس وتلقوها بالقبول ؛ واستنبطوا منها واستخرجوا كنوزها واتجروا فيها ؛ وبذروها فى أرض قابلة للزرع والنبات؛ ورووها كل بحسبه. ( قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسِ مَشْرَبَهُمْ). وهؤلاء الذين قال فيهم النبى صلى الله عليه وسلم: ((نضر الله امرء اسمع مقالتی فوعاها ؛ ثم أداها كما سمعها ؛ فرب حامل فقه وليس بفقيه ؛ ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه )) . وهذا عبد الله بن عباس رضى الله عنهما حبر الأمة؛ وترجمان القرآن. مقدار ما سمعه من النبى صلى الله عليه وسلم لا يبلغ نحو العشرين حديثاً الذى ٩٣ يقول فيه: ((سمعت ورأيت)) وسمع الكثير من الصحابة، وبورك له فى فهمه والاستنباط منه ، حتى ملأ الدنيا علماً وفقهاً ، قال أبو محمد بن حزم: وجمعت فتواه فى سبعة أسفار كبار ، وهى بحسب ما بلغ جامعها ، وإلا فعلم ابن عباس كالبحر ، وفقهه واستنباطه وفهمه فى القرآن بالموضع الذى فاق به الناس، وقد سمعوا ما سمع، وحفظوا القرآن كما حفظه ، ولكن أرضه كانت من أطيب الأراضى وأقبلها للزرع ، فبذر فيها النصوص ، فأنبتت من كل زوج كريم، و(ذَلِكَ فَضْلُ اْللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ اَلْعَظِيمِ ). وأين تقع فتاوى ابن عباس ، وتفسيره ، واستنباطه من فتاوى أبى هريرة وتفسيره ؟ وأبو هريرة أحفظ منه ؛ بل هو حافظ الأمة على الإطلاق : يؤدى الحديث كما سمعه ويدرسه بالليل درساً ؛ فكانت همته مصروفة إلى الحفظ وتبليغ ما حفظه كما سمعه . وهمة ابن عباس : مصروفة إلى التفقه ، والاستنباط ، وتفجير النصوص ، وشق الأنهار منها واستخراج كنوزها . وهكذا ورثتهم من بعدهم : اعتمدوا فى دينهم على استنباط النصوص ، لا على خيال فلسفى، ولا رأى قياسى ، ولا غير ذلك من الآراء المبتدعات . لا جرم كانت الدائرة والثناء الصدق، والجزاء العاجل والآجل: لورثة الأنبياء التابعين لهم فى الدنيا والآخرة . فإن المرء على دين خليله، (قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُونَ اللّهَ فَتَّبِعُونِ يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ ). ٩٤ وبكل حال: فهم أعلم الأمة بحديث الرسول، وسيرته ومقاصده وأحواله. ونحن لا نعنى بأهل الحديث المقتصرين على سماعه، أو كتابته أو روايته، بل فعنى بهم: كل من كان أحق بحفظه ومعرفته وفهمه ظاهراً وباطناً ، واتباعه باطناً وظاهراً، وكذلك أهل القرآن. وأدنى خصلة فى هؤلاء : محبة القرآن والحديث ، والبحث عنهما وعن معانيهما والعمل بما علموه من موجبهما . ففقهاء الحديث أخبر بالرسول من فقهاء غيرهم ، وصوفيتهم أتبع للرسول من صوفية غيرهم، وأمراؤهم أحق بالسياسة النبوية من غيرهم، وعامتهم أحق بموالاة الرسول من غيرهم . ومن المعلوم : أن المعظمين للفلسفة والكلام المعتقدين لمضمونهما هم أبعد عن معرفة الحديث ، وأبعد عن اتباعه من هؤلاء . هذا أمر محسوس ، بل إذا كشفت أحوالهم وجدتهم من أجهل الناس بأقواله صلى الله عليه وسلم وأحواله، وبواطن أموره وظواهرها ، حتى لتجد كثيراً من العامة أعلم بذلك منهم، ولتجدهم لا يميزون بین ما قاله الرسول وما لم يقله، بل قد لا يفرقون بين حديث متواتر عنه ، وحديث مكذوب موضوع عليه . وإنما يعتمدون فى موافقته على ما يوافق قولهم سواء كان موضوعاً أو غير موضوع ، فيعدلون إلى أحاديث يعلم خاصة الرسول بالضرورة اليقينية أنها مكذوبة عليه، عن أحاديث يعلم خاصته بالضرورة اليقينية أنها قوله ، وهم ٩٥ لا يعلمون مراده، بل غالب هؤلاء لا يعلمون معانى القرآن، فضلا عن الحديث، بل كثير منهم لا يحفظون القرآن أصلا . فمن لا يحفظ القرآن ، ولا يعرف معانيه، ولا يعرف الحديث ولا معانيه، من أين يكون عارفا بالحقائق المأخوذة عن الرسول؟! وإذا تدبر العاقل وجد الطوائف كلها كلما كانت الطائفة إلى الله ورسوله أقرب كانت بالقرآن والحديث أعرف وأعظم عناية ، وإذا كانت عن الله وعن رسوله أبعد كانت عنهما أنأى! حتى تجد فى أئمة علاء هؤلاء من لا يميز بين القرآن وغيره، بل ربما ذكرت عنده آية، فقال : لا نسلم صحة الحديث ! وربما قال: لقوله عليه السلام كذا ، وتكون آية من كتاب اللّه. وقد بلغنا من ذلك عجائب ، وما لم يبلغنا أكثر . وحدثنى: ثقة أنه تولى مدرسة مشهد الحسين بمصر بعض أئمة المتكلمين رجلٌ يسمى شمس الدين الأصبهانى شيخ الأيكى، فأعطوه جزءاً من الربعة ◌ِالَِّالرَّهِالرَّحِْ الّصّ ) حتى قيل له: ألف لام مم صاد . فقرأ: (بنـ فتأمل هذه الحكومة العادلة! ليتبين لك أن الذين يعيبون أهل الحديث ويعدلون عن مذهبهم جهلة زنادقة منافقون بلا ريب . ولهذا لما بلغ الإمام أحمد عن ((ابن أبى قتيلة)) أنه ذكر عنده أهل الحديث بمكة ، فقال: قوم سوء . فقام الإمام أحمد - وهو ينفض ثو به ، ويقول: زنديق، زنديق، زنديق . ودخل بيته . فإنه عرف مغزاه . ٩٦ وعيب المنافقين للعلماء بما جاء به الرسول قديم ، من زمن المنافقين الذين كانوا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم. وأما أهل العلم فكانوا يقولون: هم «الأبدال، لأنهم أبدال الأنبياء وقائمون مقامهم حقيقة ، ليسوا من المعدمين الذين لا يعرف لهم حقيقة ، كل منهم يقوم مقام الأنبياء فى القدر الذى ناب عنهم فيه: هذا فى العلم والمقال ، وهذا فى العبادة والحال، وهذا فى الأمرين جميعاً. وكانوا يقولون : هم الطائفة المنصورة إلى قيام الساعة، الظاهرون على الحق . لأن الهدى ودين الحق الذى بعث الله به رسله معهم. وهو الذى وعد الله بظهوره على الدين كله ، و کفی بالله شهيداً . ٩٧ فصل وتلخيص النكتة : أن الرسل إما أنهم علموا الحقائق الخبرية والطلبية ، أو لم يعلموها، وإذا علموها : فإما أنه كان يمكنهم بيانها بالكلام والكتاب، أو لا يمكنهم ذلك ، وإذا أمكنهم ذلك البيان : فإما أن يمكن للعامة والخاصة ، أو للخاصة فقط . فإن قال : إنهم لم يعلموها ، وإن الفلاسفة والمتكلمين أعلم بها منهم ، وأحسن بياناً لها منهم ؛ فلا ريب أن هذا قول الزنادقة المنافقين . وسنتكلم معهم بعد هذا؛ إذ الخطاب هنا لبيان أن هذا قول الزنادقة ، وأنه لا يقوله إلا منافق أو جاهل . وإن قال : إن الرسل مقصدهم صلاح عموم الخلق ، وعموم الخلق لا يمكنهم فهم هذه الحقائق الباطنة ، خاطبوهم بضرب الأمثال لينتفعوا بذلك ، وأظهروا الحقائق العقلية فى القوالب الحسية ؛ فتضمن خطابهم عن اللّه وعن اليوم الآخر: من التخييل والتمثيل للمعقول بصورة المحسوس ما ينتفع به عموم الناس فى أمر الإيمان بالله وبالمعاد . وذلك يقرر فى النفوس من عظمة الله وعظمة اليوم الآخر ما يحض النفوس على عبادة الله ، وعلى الرجاء والخوف ؛ فينتفعون ٩٨ بذلك، وينالون السعادة بحسب إمكانهم واستعدادهم ؛ إذ هذا الذى فعلته الرسل هو غاية الإمكان فى كشف الحقائق لعموم النوع البشرى ، ومقصود الرسل : حفظ النوع البشرى ، وإقامة مصلحة معاشه ومعاده. فعلوم : أن هذا قول حذاق الفلاسفة ، مثل الفارابي وابن سينا وغيرهما ، وهو قول كل حاذق وفاضل من المتكلمين فى القدر الذى يخالف فيه أهل الحديث . فالفارابى يقول: ((إن خاصة النبوة جودة تخييل الأمور المعقولة فى الصور المحسوسة)) ، أو نحو هذه العبارة . وابن سينا يذكر هذا المعنى فى مواضع ، ويقول: «ما كان يمكن موسى ابن عمران مع أولئك العبرانيين ، ولا يمكن محمد مع أولئك العرب الجفاة ، أن يبينا لهم الحقائق على ما هى عليه ، فإنهم كانوا يعجزون عن فهم ذلك ، وإن فهموه على ما هو عليه انحلت عزماتهم عن اتباعه ، لأنهم لا يرون فيه من العلم ما يقتضى العمل)). وهذا المعنى يوجد فى كلام أبى حامد الغزالى وأمثاله ، ومن بعده: طائفة منه فى الإحياء وغير الإحياء ، وكذلك فى كلام الرازى . وأما الإتحادية ونحوهم من المتكلمين : فعليه مدارهم ، ومبنى كلام الباطنية والقرامطة عليه ، لكن هؤلاء ينكرون ظواهر الأمور العملية ٩٩ والعلمية جميعاً ، وأما غير هؤلاء فلا ينكرون العمليات الظاهرة المتواترة ، لكن قد يجعلونها لعموم الناس لا لخصوصهم ، كما يقولون مثل ذلك فى الأمور الخبرية . ومدار كلامهم: على أن الرسالة متضمنة لمصلحة العموم علما وعملا . وأما الخاصة فلا . وعلى هذا يدور كلام أصحاب ((رسائل إخوان الصفا) وسائر فضلاء المتفلسفة . ثم منهم من يوجب اتباع الأمور العملية من الأمور الشرعية ، وهؤلاء كثيرون فى متفقهتهم ومتصوفتهم وعقلاء فلاسفتهم . وإلى هنا كان ينتهى على ابن سينا ، إذ تاب والتزم القيام بالواجبات الناموسية . فإن قدماء الفلاسفة كانوا يوجبون اتباع النواميس التى وضعها أكابر حكماء البلاد ، فلأن يوجبوا اتباع نواميس الرسل أولى. فإنهم - كما قال ابن سينا -: ((انفق فلاسفة العالم على أنه لم يقرع العالم ناموس أفضل من هذا الناموس المحمدى ». وكل عقلاء الفلاسفة متفقون على أنه أكمل وأفضل النوع البشرى ، وأن جنس الرسل أفضل من جنس الفلاسفة المشاهير ، ثم قد يزعمون أن الرسل والأنبياء حكماء كبار ، وأن الفلاسفة الحكماء أنبياء صغار ، وقد يجعلونهم صنفين. وليس هذا موضع شرح ذلك. فقد تكلمنا عليه فى غير هذا الموضع . وإنما الغرض : أن هؤلاء الأساطين من الفلاسفة والمتكلمين غاية ١٠٠