Indexed OCR Text
Pages 61-80
وهذا التناقض فى إثبات هذا الموجود الذى ليس بخارج عن العالم ولا هو العالم ، الذى ترده فطرهم وشهودهم وعقولهم ؛ غير ما فى الفطرة من الإقرار بصانع فوق العالم ، فإن هذا إقرار الفطرة بالحق المعروف ، وذاك إنكار الفطرة بالباطل المنكر . ومن هذا الباب : ما ذكره محمد بن طاهر المقدسى فى حكايته المعروفة : أن الشيخ أبا جعفر الهمدانى حضر مرة والأستاذ أبو المعالى يذكر على المنبر: ((كان الله ولا عرش)) ونفى الاستواء - على ما عرف من قوله وإن كان فى آخر عمره رجع عن هذه العقيدة ، ومات على دين أمه وعجائز نيسابور - قال فقال الشيخ أبو جعفر ((يا أستاذ! دعنا من ذكر العرش - يعنى لأن ذلك إنما جاء فى السمع - أخبرنا عن هذه الضرورة التى نجدها فى قلوبنا: ما قال عارف قط (( يا الله)) إلا وجد من قلبه معنى يطلب العلو ، لا يلتفت يمنة ولا يسرة ، فكيف ندفع هذه الضرورة عن قلوبنا؟)) . فصرخ أبو المعالى ، ووضع يده على رأسه ، وقال . (( حیرنی الهمدانى » . أو كما قال و نزل. فهذا الشيخ تكلم بلسان جميع بنى آدم ، فأخبر أن العرش والعلم باستواء الله عليه إنما أخذ من جهة الشرع وخبر الكتاب والسنة، بخلاف الإقرار بعلو اللّه على الخلق من غير تعيين عرش ولا استواء ، فإن هذا أمر فطرى ضرورى نجده فى قلوبنا نحن وجميع من يدعو الله تعالى، فكيف ندفع هذه الضرورة عن قلوبنا ؟ !. ٦١ والجارية التى قال لها النبى صلى الله عليه وسلم: ((أين الله؟ قالت: فى السماء قال: أعتقها فإنها مؤمنة )) جارية أعجمية ، أرأيت من فقها وأخبرها بما ذكرته؟ وإنما أخبرت عن الفطرة التي فطرها الله تعالى عليها، وأقرها النبى صلى الله عليه وسلم على ذلك وشهد لها بالإيمان . فليتأمل العاقل ذلك يجده هادياً له على معرفة ربه ، والإقرار به كما ينبغى ؛ لا ما أحدثه المتعمقون والمتشدقون ممن سول لهم الشيطان وأملى لهم . ومن أمثلة ذلك : أن الذين لبسوا الكلام بالفلسفة من أكابر المتكلمين تجدهم يعدون من الأسرار المصونة والعلوم المخزونة : ما إذا تدبره من له أدنى عقل ودين وجد فيه من الجهل والضلال ما لم يكن يظن أنه يقع فيه هؤلاء ، حتى قد يكذب بصدور ذلك عنهم ، مثل تفسير حديث المعراج ، الذى ألفه أبو عبد الله الرازى الذى احتذى فيه حذو ابن سينا، وعين القضاة الهمدانى ، فإنه روی حدیث المعراج . بسياق طويل وأسماء عجيبة ، وتر تيب لا يوجد فى شىء من كتب المسلمين ، لا فى الأحاديث الصحيحة ولا الحسنة، ولا الضعيفة المروية عند أهل العلم . وإنما وضعه بعض السؤال والطرقية ، أو بعض شياطين الوعاظ أو بعض الزنادقة . ثم إنه مع الجهل بحديث المعراج - الموجود فى كتب الحديث والتفسير والسيرة، وعدوله عما يوجد فى هذه الكتب إلى مالم يسمع من عالم، ولا يوجد ٦٢ فى أثارة من علم - فسره بتفسير الصابئة الضالة المنجمين ، وجعل معراج الرسول ترقيه بفكره إلى الأفلاك ، وأن الأنبياء الذين رآهم هم الكواكب : فآدم هو القمر ، وإدريس هو الشمس ، والأنهار الأربعة هى العناصر الأربعة وأنه عرف الوجود الواجب المطلق ، ثم إنه يعظم ذلك ويجعله من الأسرار والمعارف التى يجب صونها عن أفهام المؤمنين ، وعلمائهم ، حتى إن طائفة من كانوا يعظمونه لما رأوا ذلك تعجبوا منه غاية التعجب ، وجعل بعض المتعصبين له يدفع ذلك حتى أروه النسخة بخط بعض المشايخ المعروفين الخبيرين بحاله ، وقد كتبها فى ضمن كتابه الذى سماه: ((المطالب العالية))، وجمع فيه عامة آراء الفلاسفة والمتكلمين . وتجد أبا حامد الغزالى - مع أن له من العلم بالفقه والتصوف والكلام والأصول وغير ذلك ، مع الزهد والعبادة وحسن القصد ، وتبحره فى العلوم الإسلامية أكثر من أولئك - يذكر فى كتاب ((الأربعين)) ونحوه كتابه : (((المضنون به على غير أهله)) ؛ فإذا طلبت ذلك الكتاب واعتقدت فيه أسرار الحقائق وغاية المطالب وجدته قول الصابئة المتفلسفة بعينه ، قد غيرت عباراتهم وترتيباتهم ، ومن لم يعلم حقائق مقالات العباد ومقالات أهل الملل يعتقد أن ذاك هو السر الذى كان بين النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر ، وأنه هو الذى يطلع عليه المكاشفون الذين أدركوا الحقائق بنور إلهى . فإن أبا حامد كثيراً ما يحيل فى كتبه على ذلك النور الإلهى ، وعلى ما يعتقد ٦٣ أنه يوجد للصوفية والعباد برياضتهم وديانتهم من إدراك الحقائق وكشفها لهم، حتی یزنوا بذلك ما ورد به الشرع. ۔۔۔ وسبب ذلك أنه كان قد علم بذكائه وصدق طلبه ، ما فى طريق المتكلمين والمتفلسفة من الاضطراب. وآتاه اللّه إيماناً مجملا - كما أخبر به عن نفسه - وصار يتشوف إلى تفصيل الجملة ، فيجد فى كلام المشايخ والصوفية ما هو أقرب إلى الحق، وأولى بالتحقيق من كلام الفلاسفة والمتكلمين، والأمر كما وجده ، لكن لم يبلغه من الميراث النبوى الذى عند خاصة الأمة من العلوم والأحوال : وما وصل إليه السابقون الأولون من العلم والعبادة ، حتى نالوا من المكاشفات العلمية والمعاملات العبادية ما لم ينله أولئك . فصار يعتقد أن تفصيل تلك الجملة يحصل بمجرد تلك الطريق ، حيث لم يكن عنده طريق غيرها ، لانسداد الطريقة الخاصة السنية النبوية عنه بما كان عنده من قلة العلم بها ، ومن الشبهات التى تقلدها عن المتفلسفة والمتكلمين ، حتى حالوا بها بينه وبين تلك الطريقة . ولهذا كان كثير الذم لهذه الحوائل ولطريقة العلم. وإنما ذاك لعلمه الذى سلكه، والذى حجب به عن حقيقة المتابعة للرسالة. وليس هو بعلم ، وإنما هو عقائد فلسفية وكلامية، كما قال السلف: ((العلم بالكلام هو الجهل))؛ وكما قال أبو يوسف: ((من طلب العلم بالكلام تزندق )). ٦٤ ولهذا صار طائفة من يرى فضيلته وديانته يدفعون وجود هذه الكتب عنه ، حتى كان الفقيه أبو محمد بن عبد السلام - فيما علقه عنه - ينكر أن يكون (( بداية الهداية)) من تصنيفه؛ ويقول: إنما هو تقول عليه ، مع أن هذه الكتب مقبولها أضعاف مردودها ، والمردود منها أمور محملة ، وليس فيها عقائد ، ولا أصول الدين . وأما ((المضنون به على غير أهله)) فقد كان طائفة أخرى من العلماء يكذبون ثبوته عنه ، وأما أهل الخبرة به وبحاله فيعلمون أن هذا كله كلامه، لعلمهم بمواد كلامه ومشابهة بعضه بعضاً ، ولكن كان هو وأمثاله - كما قدمت - مضطر بين لا يثبتون على قول ثابت . لأن عندهم من الذكاء والطلب ما يتشوفون به إلى طريقة خاصة الخلق، ولم يقدر لهم سلوك طريقٍ خاصةٍ هذه الأمة، الذين ورثوا عن الرسول صلى الله عليه وسلم العلم والإيمان ، وهم أهل حقائق الإيمان والقرآن ، - كما قدمناه - وأهل الفهم لكتاب الله والعلم والفهم لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأتباع هذا العلم بالأحوال والأعمال المناسبة لذلك ، كما جاءت به الرسالة. ولهذا كان الشيخ ( أبو عمرو بن الصلاح)، يقول - فيما رأيته بخطه -: أبو حامد كثر القول فيه ومنه . فأما هذه الكتب - يعنى المخالفة للحق - فلا يلتفت إليها . وأما الرجل فيسكت عنه ، ويفوض أمره إلى الله . ٦٥ ومقصوده أنه لا يذكر بسوء ، لأن عفو الله عن الناسى والمخطىء وتوبة المذنب تأتى على كل ذنب ، وذلك من أقرب الأشياء إلى هذا وأمثاله، ولأن مغفرة الله بالحسنات منه ومن غيره ، وتكفيره الذنوب بالمصائب تأتى على محقق الذنوب ، فلا يقدم الإنسان على انتفاء ذلك فى حق معين إلا بصيرة ، لا سيما مع كثرة الإحسان والعلم الصحيح ، والعمل الصالح والقصد الحسن . وهو يميل إلى الفلسفة ، لكنه أظهرها فى قالب التصوف والعبارات الإسلامية. ولهذا فقد رد عليه علماء المسلمين ، حتى أخص أصحابه أبو بكر بن العربى، فانه قال: (( شيخنا أبو حامد دخل فى بطن الفلاسفة ، ثم أراد أن يخرج منهم فماقدر)) . وقد حكى عنه من القول بمذاهب الباطنية ما يوجد تصديق ذلك فى كتبه . ورد عليه أبو عبد الله المازرى فى كتاب أفرده، ورد عليه أبو بكر الطرطوشى ورد عليه أبو الحسن المرغينانى رفيقه، رد عليه كلامه فى مشكاة الأنوار ونحوه، ورد عليه الشيخ أبو البيان، والشيخ أبو عمرو بن الصلاح ، وحذر من كلامه فى ذلك هو وأبو زكريا النواوى وغيرهما ، ورد عليه ابن عقيل ، وابن الجوزى وأبو محمد المقدسى وغيرهم. وهذا باب واسع ، فإن الخارجين عن طريقة السابقين الأولين من ٦٦ المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان لهم فى كلام الرسول ثلاث طرق : طريقة التخييل، وطريقة التأويل ، وطريقة التجهيل . ( فأهل التخييل) هم الفلاسفة والباطنية ، الذين يقولون : إنه خيل أشياء ، لا حقيقة لها فى الباطن، وخاصية النبوة عندهم التخييل . (وطريقة التأويل ) طريقة المتكلمين من الجهمية والمعتزلة وأتباعهم، يقولون: إن ما قاله له تأويلات تخالف ما دل عليه اللفظ ، وما يفهم منه ، وهو - وإن كان لم يبين مراده ولا بين الحق الذى يجب اعتقاده - فكان مقصوده أن هذا يكون سباً للبحث بالعقل ، حتى يعلم الناس الحق بعقولهم، ويجتهدوا فى تأويل ألفاظه إلى ما يوافق قولهم ليثابوا على ذلك ، فلم يكن قصده لهم البيان والهداية ، والإرشاد والتعليم ، بل قصده التعمية والتلبيس ، ولم يعرفهم الحق حتى ينالوا الحق بعقلهم ، ويعرفوا حينئذ أن كلامه لم يقصد به البيان ، فيجعلون حالهم فى العلم مع عدمه خيراً من حالهم مع وجوده. وأولئك المتقدمون كابن سينا وأمثاله، ينكرون على هؤلاء، ويقولون: ألفاظه كثيرة صريحة لا تقبل التأويل ، لكن كان قصده التخييل ، وأن يعتقد الناس الأمر على خلاف ما هو عليه . ( وأما الصنف الثالث ) الذين يقولون: إنهم أتباع السلف ، فيقولون: إنه لم يكن الرسول يعرف معنى ما أنزل عليه من هذه الآيات ، ولا أصحابه ٦٧ يعلمون معنى ذلك ، بل لازم قولهم: أنه هو نفسه لم يكن يعرف معنى ما تكلم به من أحاديث الصفات ، بل يتكلم بكلام لا يعرف معناه ، والذين ينتحلون مذهب السلف يقولون: إنهم لم يكونوا يعرفون معانى النصوص ، بل يقولون ذلك فى الرسول . وهذا القول من أبطل الأقوال ، ومما يعتمدون عليه من ذلك ما فهموه من قوله تعالى: ( وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ: إِلَّا اللَّهُ) ، ويظنون أن التأويل هو المعنى الذى يسمونه هم تأويلا ، وهو مخالف للظاهر . ثم هؤلاء قد يقولون: تجرى النصوص على ظاهرها ، وتأويلها لا يعلمه إلا الله، ويريدون بالتأويل: ما يخالف الظاهر ، وهذا تناقض منهم. وطائفة يريدون بالظاهر ألفاظ النصوص فقط ، والطائفتان غالطتان فى فهم الآية . وذلك أن لفظ ((التأويل)) قد صار بسبب تعدد الاصطلاحات ، له ثلاث معان :- (أحدها): أن يراد بالتأويل حقيقة ما يؤول إليه الكلام ، وإن وافق ظاهره . وهذا هو المعنى الذى يراد بلفظ التأويل فى الكتاب والسنة ، كقوله تعالى: ( هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَةٌ، يَوْمَ يَأْتِى تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْجَاءَتْ رُسُلُ رَيِّنَا بِالْحَقِّ )، ومنه قول عائشة: ((كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يكثر أن يقول فى ركوعه وسجوده: سبحانك اللهم ربنا ولك الحمد ، اللهم اغفر لى ، يتأول القرآن )). ٦٨ (والثانى) يراد بلفظ التأويل: ((التفسير)) وهو اصطلاح كثير من المفسرين ، ولهذا قال مجاهد - إمام أهل التفسير -: إن ((الراسخين فى العلم)) يعلمون تأويل المتشابه ، فإنه أراد بذلك تفسيره وبيان معانيه ، وهذا مما يعلمه الراسخون. (والثالث) أن يراد بلفظ ((التأويل)): صرف اللفظ عن ظاهره الذى يدل عليه ظاهره إلى ما يخالف ذلك ، لدليل منفصل يوجب ذلك. وهذا التأويل لا يكون إلا مخالفاً لما يدل عليه اللفظ ويبينه. وتسمية هذا تأويلا لم يكن فى عرف السلف ، وإنما سمى هذا وحده تأويلا طائفة من المتأخرين الخائضين فى الفقه وأصوله والكلام ، وظن هؤلاء أن قوله تعالى: ( وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيَهُ: إِلَّ اللَّهُ ) يراد به هذا المعنى ، ثم صاروا فى هذا التأويل على طريقين: قوم يقولون : إنه لا يعلمه إلا الله . وقوم يقولون: إن الراسخين فى العلم يعلمونه ، وكلا الطائفتين مخطئة . فإن هذا التأويل فی کثیر من المواضع - أو أكثرها وعامتها - من باب جنس تأويلات القرامطة والباطنية . تحريف الكلم عن مواضعه ، من وهذا هو التأويل الذى اتفق سلف الأمة وأئمتها على ذمه ، وصاحوا بأهله من أقطار الأرض ، ورموا فى آثارهم بالشهب . وقد صنف الإمام أحمد كتابا فى الرد على هؤلاء، وسماه: ((الرد على ٦٩ الزنادقة والجهمية ، فما شكت فيه من متشابه القرآن وتأولته على غير تأويله » فعاب أحمد عليهم أنهم يفسرون القرآن بغير ما هو معناه . ولم يقل أحمد ولا أحد من الأئمة : إن الرسول لم يكن يعرف معانى آيات الصفات وأحاديثها ، ولا قالوا : إن الصحابة والتابعين لهم بإحسان لم يعرفوا تفسير القرآن ومعانيه. كيف؟ وقد أمر الله بتدبر كتابه، فقال تعالى: (كِتَبُّ أَنزَ لْنَهُ إِلَيَكَ مُبَّكُ لِيَّبَّرُوَأْءَايَتِهِ )، ولم يقل: بعض آياته، وقال: ( أَفَلاَ يَتَدَبُّونَ اُلْقُرْءَانَ )، وقال: ( أَفَلَمْ يَدَّبَرُواْالْقَوَّلَ ) ، وأمثال ذلك فى النصوص التى تبين أن الله يحب أن يتدبر الناس القرآن كله، وأنه جعله نوراً وهدى لعباده، ومحال أن يكون ذلك مما لا يفهم معناه ، وقد قال أبو عبدالرحمن السلمى : حدثنا الذين كانوا يقرئوننا القرآن - عثمان بن عفان وعبد الله بن مسعود - أنهم قالوا: ((كنا إذا تعلمنا من النبي صلى الله عليه وسلم عشر آيات لم تجاوزها حتى نتعلم ما فيها من العلم والعمل، قالوا: ((فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعاً)) وهذه الأمور مبسوطة فى غير هذا الموضع . والمقصودهنا : أن من يقول فى الرسول وبيانه للناس مما هو من قول الملاحدة ، فكيف يكون قوله فى السلف ؟ حتى يدعى اتباعه ، وهو مخالف للرسول والسلف عند نفسه وعند طائفته ، فإنه قد أظهر من قول النفاة ما كان الرسول يرى عدم إظهاره ، لما فيه من فساد الناس . وأما عند أهل العلم والإيمان فلا . ٧٠ وقول النفاة باطل باطناً وظاهراً، والرسول صلى الله عليه وسلم ومتبعوه منزهون عن ذلك ، بل مات صلى اللّه عليه وسلم وتركنا على المحجة البيضاء ، ليلها كنهارها ، لا يزيغ عنها إلا هالك. وأخبرنا أن: «كل ما حدث بعده من محدثات الأمور فهو بدعة ، وكل بدعة ضلالة )) . وربما أنشد بعض أهل الكلام بيت مجنون بنى عامر : وليلى لا تقر لهم بذا كا وکل یدعی وصلا لليلى فمن قال من الشعر ما هو حكمة ، أو تمثل ببيت من الشعر فما تبين له أنه حق كان قريباً . أما إثبات الدعوى بمجرد كلام منظوم من شعر أو غيره فيقال لصاحبه: ينبغى أن تبين أن السلف لا يقرون بمن انتحلتهم . وهذا ظاهر فيما ذكره هو وغيره ممن يقولون عن السلف ما لم يقولوه، ولم ينقله عنهم أحد له معرفة بحالهم وعدل فيما نقل ، فإن الناقل لا بد أن يكون عالماً عدلا . فإن فرض أن أحداً نقل مذهب السلف كما يذكره، فإما أن يكون قليل المعرفة بآثار السلف ، كأنى المعالى، وأبى حامد الغزالى ، وابن الخطيب وأمثالهم، من لم يكن لهم من المعرفة بالحديث ما يعدون به من عوام أهل الصناعة ، فضلا عن خواصها ، ولم يكن الواحد من هؤلاء يعرف البخارى ومسلماً وأحاديثهما، إلا بالسماع ، كما يذكر ذلك العامة ، ولا يميزون بين الحديث الصحيح المتواتر ٧١ عند أهل العلم بالحديث ، وبين الحديث المفترى المكذوب ، وكتبهم أصدق شاهد بذلك فقيها عجائب. ويجد عامة هؤلاء الخارجين عن منهاج السلف من المتكلمة والمتصوفة يعترف بذلك ، إما عند الموت وإما قبل الموت ، والحكايات فى هذا كثيرة معروفة . هذا أبو الحسن الأشعرى : نشأ فى الاعتزال أربعين عاما يناظر عليه ، ثم رجع عن ذلك وصرح بتضليل المعتزلة وبالغ فى الرد عليهم. وهذا أبو حامد الغزالى [ مع فرط ذكائه وتألهه ومعرفته بالكلام والفلسفة ، وسلوكه طريق الزهد والرياضة والتصوف، ينتهى فى هذه المسائل إلى الوقف والحيرة، ويحيل فى آخر أمره على طريقة أهل الكشف ، وإن كان بعد ذلك رجع إلى طريقة أهل الحديث]، وصنف ((إلجام العوام عن علم الكلام » . [ وکذلك أبو عبد الله محمد بن عمر الرازى قال فى كتابه الذى صنفه فى أقسام اللذات]: ((لقد تأملت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية ، فما رأيتها تشفى عليلا ، ولا تروى غليلا ، ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن : [ أقرأ فى الإثبات ( الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ أَسْتَوَى)، (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُالطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّلِحُ يَرْفَعُهُ)، وأقرأ فى النفى (لَيْسَ كِمِثْلِهِ شَىْءٌ)، (وَلَا يُحِيطُونَ ٧٢ بِهِ، عِلْمًا)، (هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا)، ثم قال: ومن جرب مثل تجر بتی عرف مثل معرفتى] وكان يتمثل كثيراً : وأكثر سعى العالمين ضلال نهاية إقدام العقول عقال وحاصل دنيانا أذى ووبال وأرواحنا فى وحشة من جسومنا سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا وهذا إمام الحرمين ترك ما كان ينتحله ويقرره ، واختار مذهب السلف . وكان [يقول: (( يا أصحابنا لا تشتغلوا بالكلام! فلو أنى عرفت أن الكلام يبلغ بى إلى ما بلغ ما اشتغلت به))، وقال عند موته: ((لقد خضت البحر الخضم، وخليت أهل الإسلام وعلومهم، ودخلت فيما نهونى عنه. والآن: إن لم يتدار کنی ربى برحمته فالويل لابن الجوينى ، وها أنذا أموت على عقيدة أمى - أو قال -: عقيدة عجائز نيسابور)). وكذلك قال أبو عبد الله محمد بن عبد الكريم الشهرستانى: ((أخبر أنه لم يجد عند الفلاسفة والمتكلمين إلا الحيرة والندم )]، وكان ينشد : وسيرت طرفى بين تلك المعالم لعمری لقد طفت المعاهد كلها علی ذقن ، أو قارعاً سن نادم فلم أر إلا واضعاً كف حائر وابن الفارض - من متأخرى الاتحادية - صاحب القصيدة التائية المعروفة (( بنظم السلوك)، وقد نظم فيها الاتحاد نظماً رائق اللفظ، فهو أخبث من لحم ٧٣ خنزير فى صينية من ذهب. وما أحسن تسميتها بنظم الشكوك ! الله أعلم بها وبما اشتملت عليه وقد نفقت كثيرا وبالغ أهل العصر فى تحسينها والاعتداد بما فيها من الاتحاد - لما حضرته الوفاة أنشد : ما قد لقيت فقد ضيعت أيامى إن كان منزلتى فى الحب عندكم واليوم أحسبها أضغاث أحلام أمنية ظفرت نفسى بها زمناً ولقد كان من أصول الإيمان : أن يثبت الله العبد بالقول الثابت فى الحياة الدنيا وفي الآخرة، كما قال تعالى: (أَلَمْ تَرَكَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةٌ طَيِّبَةً كَشَجَرَقِ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِى السَّمَاءِ » تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَيّهَا وَ يَضْرِبُ وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ* اجْتُثَتْ مِن فَوْقِ الْأَرْضِ مَالَهَا مِن قَرَارِ * يُثَبِّثُ اَللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْبِالْقَوْلِ النَّابِتِ فِي الْخَيَوةِ الدُّنْيَاوَفِي الْآَخِرَةِ وَيُضِلُّ اَللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ). والكلمة : أصل العقيدة . فإن الاعتقاد هو الكلمة التى يعتقدها المرء ، وأطيب الكلام والعقائد : كلمة التوحيد واعتقاد أن لا إله إلا الله. وأخبث الكلام والعقائد: كلمة الشرك، وهو اتخاذ إله مع الله. فإن ذلك باطل لاحقيقة له ولهذا قال سبحانه: ( مَالَهَا مِن قَرَارٍ) ولهذا كان كلما بحث الباحث وعمل العامل على هذه الكلمات والعقائد الخبيثة لا يزداد إلا ضلالا وبعداً عن الحق وعلماً ببطلانها، كما قال تعالى: (وَاُلَّذِينَ كَفَرُوْأَعْمَلُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةِ يَحْسَبُهُ الَّمْثَانُ مَآءَ حَقَّ إِذَاجَآءَ هُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَقَّتُهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ * ٧٤ أَوَ كَظُ لُمَتٍ فِ بَحْرِلُِّيّ يَغْشَنُهُ مَوْجٌ مِن فَوْقِهِ، مَوْجٌ مِن فَوْقِهِ، سَحَابٌ خُلُمَتْ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضِ إِذَا أَخْرَجَ بَدَهُنَمْ يَكَدِّيَرَهُ وَمَن لَّيَجْعَلِ اللهُلَهُنُورًا فَمَالَهُ مِنْ نُورٍ ). فذكر سبحانه مثلين : - ( أحدهما ) : مثل الكفر والجهل المركب الذى يحسبه صاحبه موجوداً ، وفى الواقع يكون خيالا معدوماً كالسراب ، وأن القلب عطشان إلى الحق كعطش الجسد إلى الماء. فإذا طلب ما ظنه ماءً وجده سراباً ، ووجد الله عنده فوفاه حسابه واللّه سريع الحساب. وهكذا تجد عامة هؤلاء الخارجين عن السنة والجماعة . ( والمثل الثانى) : مثل الكفر والجهل البسيط الذى لا يتبين فيه صاحبه حقاً ولا يرى فيه هدى ، والكفر المركب مستلزم للبسيط ، وكل كفر فلا بد فيه من جهل مکب . فضرب الله سبحانه المثلين بذلك ليبين حال الاعتقاد الفاسد، ويبين حال عدم معرفة الحق- وهو يشبه حال المغضوب عليهم والضالين- حال المصمم على الباطل حتى يحل به العذاب ، وحال الضال الذى لا يرى طريق الهدى . فنسأل الله العظيم أن يثبتنا بالقول الثابت فى الحياة الدنيا وفي الآخرة ، وأن يرزقنا الاعتصام بالكتاب والسنة . ٧٥ ومن أمثلة ما ينسبه كثير من أتباع المشايخ والصوفية إلى المشايخ الصادقين: من الكذب والمحال ، أو يكون من كلامهم المتشابه الذى تأولوه على غير تأويله أو يكون من غلطات بعض الشيوخ وزلاتهم ، أو من ذنوب بعضهم وخطئهم مثل : كثير من البدع والفجور الذى يفعله بعضهم بتأويل سائغ أو بوجه غير سائغ ، فيعفى عنه أو يتوب منه أو يكون له حسنات يغفر له بها ، أو مصائب يكفر عنه بها ، أو يكون من كلام المتشبهين بأولياء الله من ذوى الزهادات والعبادات والمقامات ، وليس هو من أولياء اللّه المتقين ، بل من الجاهلين الظالمين المعتدين ، أو المنافقين أو الكافرين . وهذا كثير ملأ العالم ، تجد كل قوم يدعون من الاختصاص بالأسرار والحقائق ما لا يدعى المرسلون ، وأن ذلك عند خواصهم ، وأن ذلك لا ينبغى أن يقابل إلا بالتسليم ، ويحتجون لذلك بأحاديث موضوعة ، وتفسيرات باطلة . مثل قولهم عن عمر: (( إِن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتحدث هو وأبو بكر بحديث وكنت كالزنجى بينهما » ، فيجعلون عمر مع النبى صلى الله عليه وسلم وصديقه كالزنجى ، وهو حاضر يسمع الكلام. ثم يدعى أحدهم أنه علم ذلك بما قذف فى قلبه ، ويدعى كل منهم : أن ذلك هو ما يقوله من الزور والباطل ، ولو ذكرت ما فى هذا الباب من أصناف الدعاوى الباطلة لطال . فمنهم من يجعل للشيخ قصائد يسميها (( جنیب القرآن » ، ویکون وجده بها وفرحه بمضمونها أعظم من القرآن ، ويكون فيها من الكذب والضلال أمور. ٧٦ ومنهم من يجعل له قصائد فى الاتحاد ، وأنه خالق جميع الخلق ، وأنه خلق السموات والأرض، وأنه يسجد له و یعبد . ومنهم من يصف ربه فى قصائده بما نقل فى الموضوعات من أصناف التمثيل والتكيف والتجسيم ، التى هى كذب مفترى وكفر صريح : مثل موا كلته ومشاربته ، ومماشاته ومعانقته ، ونزوله إلى الأرض وقعوده فى بعض رياض الأرض ، ونحو ذلك . ويجعل كل منهم ذلك من الأسرار المخزونة والعلوم المصونة التى تكون لخواص أولياء الله المتقين. ومن أمثلة ذلك : أنك تجد عند الرافضة والمتشيعة ومن أخذ عنهم مِنْ دعوى علوم الأسرار والحقائق التى يدعون أخذها عن أهل البيت ، إما من العلوم الدينية ، وإما من علم الحوادث الكائنة ما هو عندهم من أجل الأمور التى يجب التواصى بكتمانها ، والإيمان بما لا يعلم حقيقته من ذلك . وجميعها كذب مختلق وإفك مفترى . فإن هذه الطائفة ((الرافضة)) من أكثر الطوائف كذباً وادعاء للعلم المكتوم ، ولهذا انتسبت إليهم الباطنية والقرامطة . وهؤلاء خرج أولهم فى زمن أمير المؤمنين على بن أبى طالب رضى الله عنه وصاروا يدعون أنه خص بأسرار من العلوم والوصية ، حتى كان يسأله عن ذلك خواص أصحابه ، فيخبرهم بانتفاء ذلك. ولما بلغه أن ذلك قد قيل كان يخطب الناس وينفى ذلك عن نفسه . ٧٧ وقد خرَّج أصحاب الصحيح كلام علىّ هذا من غير وجه، مثل ما فى الصحيح عن ((أبى جحيفة)) قال: ((سألت علياً هل عندكم شىء ليس فى القرآن؟ فقال: لا ، والذى فلق الحبة وبرأ النسمة ، ما عندنا إلا ما فى القرآن ، إلا فهما يعطيه الله الرجل فى كتابه وما فى هذه الصحيفة. قلت: وما فى الصحيفة؟ قال: العقل ، وفكاك الأسير، وأن لا يقتل مسلم بكافر ، ، ولفظ البخارى ((هل عندكم شىء من الوحى غير ما فى كتاب الله؟ قال : لا ، والذى فلق الحبة وبرأ النسمة ، ما أعلمه إلا فهما يعطيه الله رجلا فى القرآن)). وفى الصحيحين عن إبراهيم التيمى عن أبيه - وهذا من أصح إسنادٍ على وجه الأرض - عن على قال: ((ما عندنا شىء إلا كتاب الله، وهذه الصحيفة عن النبي صلى الله عليه وسلم: المدينة حرام ما بين عَير إلى ثور))، وفى رواية المسلم (( خطبنا على بن أبى طالب فقال: من زعم أن عندنا كتاباً نقرؤه إلا كتاب الله وما فى هذه الصحيفة - قال : وصحيفته معلقة فى قراب سيفه - فقد كذب ، فيها أسنان الإبل وأشياء من الجراحات، وفيها قال النبى صلى الله عليه وسلم : المدينة حرام ، الحديث. وأما الكذب والأسرار التى يدعونها عن جعفر الصادق : فمن أكبر الأشياء [ كذباً ] حتى يقال : ما كذب على أحد ما كذب على جعفر رضى الله عنه . ومن هذه الأمور المضافة كتاب ((الجفر)»، الذى يدعون أنه كتب فيه ٧٨ الحوادث، والجفر ولد الماعز . يزعمون أنه كتب ذلك فى جلده ، وكذلك كتاب ((البطاقة)) الذى يدعيه ابن الحلى ونحوه من المغاربة، ومثل كتاب: ((الجدول)) فى الهلال، و((الهفت)) عن جعفر وكثير من تفسير القرآن وغيره . ومثل كتاب ((رسائل إخوان الصفا)) الذى صنفه جماعة فى دولة بنى بويه بغداد ، وكانوا من الصابئة المتفلسفة المتحنفة ، جمعوا بزعمهم بين دين الصابئة المبدلين ، وبين الحنيفية ، وأتوا بكلام المتفلسفة وبأشياء من الشريعة ، وفيه من الكفر والجهل شىء كثير ، ومع هذا فإن طائفة من الناس - من بعض أ کابر قضاة النواحی - يزعم أنه من كلام جعفر الصادق . وهذا قول زنديق وتشنيع جاهل . ومثل ما يذكره بعض العامة من ملاحم ((ابن غنضب))؛ ويزعمون أنه كان معلماً الحسن والحسين . وهذا شىء لم يكن فى الوجود باتفاق أهل العلم، وملاحم ((ابن غنضب)) إنما صنفها بعض الجهال فى دولة نور الدين ونحوها، وهو شعر فاسد يدل على أن ناظمه جاهل . وكذلك عامة هذه الملاحم المروية بالنظم ونحوه ، عامتها من الأكاذيب، وقد أحدث فى زماننا من القضاة والمشايخ غير واحدة منها ، وقد قررت بعض هؤلاء على ذلك ، بعد أن ادعی قدمها ، وقلت له : بل أنت صنفتها ، وليستها ٧٩ على بعض ملوك المسلمين لما كان المسلمون محاصرى عكة ، وكذلك غيره من القضاة وغيرهم لبسوا على غير هذا الملك . وباب الكذب فى الحوادث الكونية أكثر منه فى الأمور الدينية ، لأن تشوف الذين يغلبون الدنيا على الدين إلى ذلك أكثر، وإن كان لأهل الدين إلى ذلك تشوف ، لكن تشوفهم إلى الدين أقوى ، وأولئك ليس لهم من الفرقان بين الحق والباطل من النور ما لأهل الدين . فلهذا كثر الكذابون فى ذلك ، ونفق منه شىء كثير ، وأكلت به أموال عظيمة بالباطل ، وقتلت به نفوس كثيرة من المتشوفة إلى الملك ونحوها . ولهذا ينوعون طرق الكذب فى ذلك ويتعمدون الكذب فيه : تارة بالإحالة على الحركات والأشكال الجسمانية الإلهية من حركات الأفلاك والكواكب. والشهب والرعود ، والبروق والرياح ، وغير ذلك ، وتارة بما يحدثونه هم من الحركات والأشكال، كالضرب بالرمل والحصى والشعير ، والقرعة باليدونحو ذلك ، مما هو من جنس الاستقسام بالأزلام ؛ فإنهم يطلبون علم الحوادث بما يفعلونه من هذا الاستقسام بها، سواء كانت قداحا أو حصى ، أو غير ذلك مما ذكره أهل العلم بالتفسير . فكل ما يحدثه الإنسان بحركة من تغيير شىء من الأجسام ليستخرج به علم ما يستقبله فهو من هذا الجنس ؛ بخلاف الفأل الشرعى ، وهو الذى كان ٨٠