Indexed OCR Text

Pages 21-40

فإن أولئك كانوا كثير الإضاعة لمواقيت الصلاة ، كما جاءت فيهم الأحاديث:
(( سيكون بعدى أمراء يؤخرون الصلاة عن وقتها ، فصلوا الصلاة لوقتها ،
واجعلوا صلاتكم معهم نافلة)) . لكن كانت البدع فى القرون الثلاثة الفاضلة
مقموعة ، وكانت الشريعة أعز وأظهر ، وكان القيام بجهاد أعداء الدين من
الكافرين والمنافقين أعظم .
وفى دولة ((أبى العباس المأمون)) ظهر «الخرمية)) ونحوهم من المنافقين،
وعرب من كتب الأوائل المجلوبة من بلاد الروم ما انتشر بسبه مقالات
الصابئين ، وراسل ملوك المشركين من الهند ونحوهم حتى صار بينه
ويدنهم مودة .
فلما ظهر ما ظهر من الكفر والنفاق فى المسلمين ، وقوی ماقوى من حال
المشركين وأهل الكتاب ؛ كان من أثر ذلك: ما ظهر من استيلاء الجهمية ؛
والرافضة ، وغيرهم من أهل الضلال ، وتقريب الصابئة ونحوهم من المتفلسفة .
وذلك بنوع رأى يحسبه صاحبه عقلا وعدلا ، وإنما هو جهل وظلم ، إذالتسوية
بين المؤمن والمنافق؛ والمسلم والكافر أعظم الظلم ، وطلب الهدى عند أهل
الضلال أعظم الجهل ، فتولد من ذلك محنة الجهمية ، حتى امتحنت الأمة بنفى
الصفات والتكذيب بكلام الله ورؤيته ، وجرى من محنة الإمام أحمد وغيره
ما جرى ، مما يطول وصفه .
وكان فى أيام (المتوكل)) قد عز الإسلام ، حتى ألزم أهل الذمة بالشروط
٢١

العمرية ؛ وألزموا الصغار ، فعزت السنة والجماعة ، وقمعت الجهمية والرافضة
ونحوهم. وكذلك فى أيام ((المعتضد))، والمهدى، والقادر، وغيرهم من
الخلفاء الذين كانوا أحمد سيرة وأحسن طريقة من غيرهم. وكان الإسلام فى
زمنهم أعز ، وكانت السنة بحسب ذلك .
وفى دولة ((بنى بويه)) ونحوهم: الأمر بالعكس ، فإنهم كان فيهم أصناف
المذاهب المذمومة. قوم منهم زنادقة، وفيهم قرامطة كثيرة ومتفلسفة ، ومعنزلة
ورافضة ، وهذه الأشياء كثيرة فيهم غالبة عليهم. فصل فى أهل الإسلام والسنة فى
أيامهم من الوهن ما لم يعرف ، حتى استولى النصارى على ثغور الإسلام ،
وانتشرت القرامطة فى أرض مصر والمغرب والمشرق وغير ذلك ، وجرت
حوادث كثيرة.
ولما كانت مملكة محمود بن سبكتكين من أحسن ممالك بني جنسه : كان
الإسلام والسنة فى مملكته أعز ، فإنه غزا المشركين من أهل الهند ، ونشر
من العدل ما لم ينشره مثله . فكانت السنة فى أيامه ظاهرة ، والبدع فى
أيامه مقموعة .
وكذلك السلطان ((نور الدين محمود)» الذى كان بالشام، عز أهل الإسلام
والسنة فى زمنه ، وذل الكفار وأهل البدع ممن كان بالشام ومصر وغيرهما
من الرافضة والجهمية ونحوهم. وكذلك ما كان فى زمنه من خلافة بنى العباس
٢٢

ووزارة ابن هبيرة لهم ، فإنه كان من أمثل وزراء الإسلام . ولهذا كان له من
العناية بالإسلام والحديث ما ليس لغيره .
وما يوجد من إقرار أئمة الكلام والفلسفة وشهادتهم على أنفسهم وعلى
بنى جنسهم بالضلال ، ومن شهادة أئمة الكلام والفلسفة بعضهم على بعض
كذلك؛ فأكثر من أن يحتمله هذا الموضع ، وكذلك ما يوجد من رجوع
أئمتهم إلى مذهب عموم أهل السنة وجائزٍ هم كثير، وأئمة السنة والحديث لا يرجع
منهم أحد، لأن ((الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب لا يسخطه أحد)) وكذلك
ما يوجد من شهادتهم لأهل الحديث بالسلامة والخلاص من أنواع الضلال ،
وهم لا يشهدون لأهل البدع إلا بالضلال. وهذا باب واسع كما قدمناه .
وجميع الطوائف المتقابلة من أهل الأهواء تشهد لهم بأنهم أصلح من
الآخرين وأقرب إلى الحق ، فنجد كلام أهل النحل فيهم وحالهم معهم بمنزلة
كلام أهل الملل مع المسلمين وحالهم معهم.
وإذا قابلنا بين الطائفتين - أهل الحديث ، وأهل الكلام - فالذى
يعيب بعض أهل الحديث وأهل الجماعة بحشو القول : إنما يعيبهم بقلة المعرفة ؛
أو بقلة الفهم. أما الأول: فبأن يحتجوا بأحاديث ضعيفة أو موضوعة؛ أو بآثار
لا تصلح للاحتجاج. وأما الثانى: فبأن لا يفهموا معنى الأحاديث الصحيحة ،
بل قد يقولون القولين المتناقضين ولا يهتدون للخروج من ذلك .
٢٣

والأمر راجع إلى شيئين : - إما زيادة أقوال غير مفيدة يظن أنها مفيدة،
كالأحاديث الموضوعة ، وإما أقوال مفيدة لكنهم لا يفهمونها ، إذكان اتباع
الحديث يحتاج أولا إلى صحة الحديث . وثانياً إلى فهم معناه ، كاتباع القرآن .
فالخلل يدخل عليهم من ترك إحدى المقدمتين . ومن عابهم من الناس فإنما
یعیہم بهذا.
ولا ريب أن هذا موجود فى بعضهم ، يحتجون بأحاديث موضوعة فى
مسائل ((الأصول والفروع)) وبآثار مفتعلة وحكايات غير صحيحة، ويذكرون
من القرآن والحديث ما لا يفهمون معناه ، وربما تأولوه على غير تأويله ؛
ووضعوه على غير موضعه .
ثم إنهم بهذا المنقول الضعيف والمعقول السخيف قد يكفرون ويضللون،
ويبدعون أقواماً من أعيان الأمة ويجهلونهم ، ففى بعضهم من التفريط فى الحق
والتعدى على الخلق ما قد يكون بعضه خطأ مغفوراً، وقد يكون منكراً من
القول وزورا ، وقد يكون من البدع والضلالات التى توجب غليظ العقوبات
فهذا لا ينكره إلا جاهل أو ظالم ، وقد رأيت من هذا عجائب.
لكن هم بالنسبة إلى غيرهم فى ذلك كالمسلمين بالنسبة إلى بقية الملل ، ولا
ريب أن فى كثير من المسلمين من الظلم والجهل والبدع والفجور ما لا يعلمه إلا
من أحاط بكل شىء علماً ، لكن كل شر يكون فى بعض المسلمين فهو فى غيرهم
٢٤

أكثر، وكل خير يكون فى غيرهم فهو فيهم أعلى وأعظم ، وهكذا أهل الحديث
بالنسبة إلى غيرهم .
وبيان ذلك : أن ما ذكر من فضول الكلام الذى لا يفيد مع اعتقاد أنه
طريق إلى التصور والتصديق - هو فى أهل الكلام والمنطق أضعاف أضعاف
أضعاف ما هو فى أهل الحديث ؛ فبإزاء احتجاج أولئك بالحديث الضعيف
احتجاج هؤلاء بالحدود والأقيسة الكثيرة العقيمة ؛ التى لا تفيد معرفة ؛ بل
تفيد جهلا وضلالا ، وبإزاء تكلم أولئك بأحاديث لا يفهمون معناها تكلف
هؤلاء من القول بغير علم ما هو أعظم من ذلك وأكثر ، وما أحسن قول
الإمام أحمد !: ((ضعيف الحديث خير من رأى فلان)).
ثم لأهل الحديث من المزية: أن ما يقولونه من الكلام الذى لا يفهمه
بعضهم هو كلام فى نفسه حق ، وقد آمنوا بذلك ، وأما المتكلمة : فيتكلفون
من القول ما لا يفهمونه ولا يعلمون أنه حق ، وأهل الحديث لا يستدلون
بحديث ضعيف فى نقض أصل عظيم من أصول الشريعة ، بل إما فى تأييده؛
وإما فى فرع من الفروع ، وأولئك يحتجون بالحدود والمقاييس الفاسدة فى
نقض الأصول الحقة الثابتة .
إذا عرف هذا فقدقال الله تعالى عن أتباع الأئمة من أهل الملل المخالفين للرسل:
( فَلَمَّا جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَتِ فَرِحُواْبِمَا عِندَهُم مِّنَ الْعِلْمِ) ، وقال تعالى:
٢٥

( يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِ النَّارِ يَقُولُونَ يَلَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَاْ) إلى قوله :
( وَالْعَنْهُمْ لَعْنَا كَبِيرًا)، ومثل هذا فى القرآن كثير.
وإذا كانت ((سعادة الدنيا والآخرة)) هى باتباع المرسلين. فمن المعلوم
أن أحق الناس بذلك : هم أعلمهم بآثار المرسلين وأتبعهم لذلك ، فالعالمون
بأقوالهم وأفعالهم ، المتبعون لهاهم أهل السعادة فى كل زمان ومكان ، وهم
الطائفة الناجية من أهل كل ملة ، وهم أهل السنة والحديث من هذه الأمة .
فإنهم يشاركون سائر الأمة فيما عندهم من أمور الرسالة ، ويمتازون
عنهم بما اختصوا به من العلم الموروث عن الرسول ؛ مما يجهله غيرهم
أو یكذب به .
والرسل - صلوات الله وسلامه عليهم - عليهم البلاغ المبين ، وقد
بلغوا البلاغ المبين . وخاتم الرسل محمد صلى الله عليه وسلم: أنزل الله كتابه
مصدقاً لما بين يديه من الكتاب ومهيمناً عليه ؛ فهو الأمين على جميع الكتب
وقد بلغ أبين البلاغ وأتمه وأكمله ، وكان أنصح الخلق لعباد الله، وكان
بالمؤمنين رؤوفاً رحيما ، بلغ الرسالة وأدى الأمانة ، وجاهد فى الله حق جهاده،
وعبد الله حتى أتاه اليقين. فأسعد الخلق وأعظمهم نعبما وأعلاهم درجة : أعظمهم
اتباعاً وموافقة له علماً وعملا .
وأما غير أتباعه من أهل الكلام ؛ فالكلام فى أقيستهم التى هى حججهم
٢٦

وبراهينهم على معارفهم وعلومهم ، وهذا يدخل فيه كل من خالف شيئاً من
السنة والحديث ؛ من المتكلمين والفلاسفة . فالكلام فى هذا المقام واسع
لا ينضبط هنا ، لكن المعلوم من حيث الجملة : أن الفلاسفة والمتكلمين من
أعظم بنى آدم حشواً وقولا للباطل ، وتكذيباً للحق فى مسائلهم ودلائلهم ؛
لا يكاد - والله أعلم - تخلو لهم مسألة واحدة عن ذلك .
وأذكر أنى قلت مرة لبعض من كان ينتصر لهم من المشغوفين بهم - وأنا
إذ ذاك صغير قريب العهد من الاحتلام - كل ما يقوله هؤلاء ففيه باطل ، إما
فى الدلائل وإما فى المسائل ، إما أن يقولوا مسألة تكون حقاً لكن يقيمون
عليها أدلة ضعيفة ، وإما أن تكون المسألة باطلا . فأخذ ذلك المشغوف بهم
يعظم هذا، وذكر ((مسألة التوحيد))، فقلت: التوحيد حق. لكن اذكر ماشئت
من أدلتهم التى تعرفها حتى أذكر لك ما فيه . فذكر بعضها بحروفه حتى فهم الغلط
وذهب إلى ابنه - وكان أيضاً من المتعصبين لهم - فذكر ذلك له قال فأخذ يعظم
ذلك على ، فقلت : أنا لا أشك فى التوحيد، ولكن أشك فى هذا الدليل المعين.
ويدلك على ذلك أمور : -
أحدها : أنك تجدهم أعظم الناس شكا واضطرابا، وأضعف الناس علماً
ويقينا، وهذا أمر يجدونه فى أنفسهم ويشهده الناس منهم، وشواهد ذلك أعظم
من أن تذكر هنا . وإنما فضيلة أحدهم باقتداره على الاعتراض والقدح والجدل
ومن المعلوم : أن الاعتراض والقدح ليس بعلم ولا فيه منفعة ، وأحسن
٢٧

أحوال صاحبه : أن يكون بمنزلة العامى ، وإنما العلم فى جواب السؤال. ولهذا
تجد غالب حججهم تتكافأ ، إذكل منهم يقدح فى أدلة الآخر .
وقد قيل : إن الأشعرى - مع أنه من أقربهم إلى السنة والحديث وأعلهم
بذلك - صنف فى آخر عمره كتابا فى تكافؤ الأدلة يعنى أدلة [على ] الكلام،
فإن ذلك هو صناعته التى يحسن الكلام فيها، وما زال أئمتهم يخبرون بعدم الأدلة
والهدى فى طريقهم، كما ذكر ناه عن أبى حامد وغيره، حتى قال أبو حامد الغزالى
(((أكثر الناس شكا عند الموت أهل الكلام)).
وهذا أبو عبد الله الرازى من أعظم الناس فى هذا الباب - باب الحيرة
والشك والاضطراب - لكن هو مسرف فى هذا الباب ؛ بحيث له نهمة فى
التشكيك دون التحقيق ، بخلاف غيره ؛ فإنه يحقق شيئا ويثبت على نوع من
الحق ، لكن بعض الناس قد يثبت على باطل محض ، بل لا بد فيه من نوع من
الحق. وكان من فضلاء المتأخرين وأبرعهم فى الفلسفة والكلام : ابن واصل
الحموى، كان يقول: ((أستلقى على قفاى وأضع الملحفة على نصف وجهى ،
ثم أذكر المقالات ، وحجج هؤلاء وهؤلاء واعتراض هؤلاء وهؤلاء حتى
يطلع الفجر ، ولم يترجح عندى شىء ، ولهذا أنشد الخطابى.
حجج تهافت كالزجاج ، تخالها حقا ؛ وكل كاسر مكسور
فإذا كانت هذه حال حججهم فأى لغو باطل وحشو يكون أعظم من هذا؟
٢٨

وكيف يليق بمثل هؤلاء أن ينسبوا [إلى الحشو] أهل الحديث والسنة؟ الذين
هم أعظم الناس علما ويقيناً وطمأنينة وسكينة ، وهم الذين يعلمون ؛ ويعلمون
أنهم يعلمون؛ وهم بالحق يوقنون لا يشكون ولا يمترون.
فأما ما أوتيه علماء أهل الحديث وخواصهم من اليقين والمعرفة والهدى :
فأمر يجل عن الوصف. ولكن عند عوامهم من اليقين والعلم النافع ما لم يحصل
منه شىء لأئمة المتفلسفة المتكلمين . وهذا ظاهر مشهود لكل أحد.
غاية ما يقوله أحدهم: إنهم جزموا بغير دليل ، وصمموا بغير حجة ، وإنما
معهم التقليد . وهذا القدر قد يكون فى كثير من العامة . لكن جزم العلم غير
جزم الهوى. فالجازم بغير علم يجد من نفسه أنه غير عالم بما جزم به، والجازم بعلم
يجد من نفسه أنه عالم ؛ إذكون الإنسان عالماً وغير عالم مثل كونه سامعاً ومبصراً
وغير سامع ومبصر ، فهو يعلم من نفسه ذلك : مثل ما يعلم من نفسه كونه محباً ومبغضاً
ومريداً وكارها ؛ ومسروراً ومحزونا؛ ومنعماً ومعذباً ؛ وغير ذلك . ومن
شك فى كونه يعلم مع كونه يعلم - فهو بمنزلة من جزم بأنه علم وهو لا يعلم، وذلك
نظير من شك فى كونه سمع ورأى؛ أو جزم بأنه سمع ورأى مالم يسمعه ويراه.
والغلط أو الكذب يعرض للإنسان فى كل واحد من طر فى النفي والإثبات،
لكن هذا الغلط أو الكذب العارض لا يمنع أن يكون الإنسان جازما بما
لا يشك فيه من ذلك، كما يجزم بما يجده من الطعوم والأرابيح، وإن كان قد
يعرض له من الانحراف ما يجد به الحلو مراً.
٢٩

فالأسباب العارضة لغلط الحس الباطن أو الظاهر والعقل : بمنزلة المرض
العارض لحركة البدن والنفس ، والأصل هو الصحة فى الإدراك وفى الحركة .
فإن الله خلق عباده على الفطرة. وهذه الأمور يعلم الغلط فيها بأسبابها الخاصة؛
كالمرة الصفراء العارضة للطعم، وكالحول فى العين، ونحوذلك ، وإلا فمن حاسب
نفسه على ما يجزم به وجد أكثر الناس الذين يجزمون بما لا يجزم به إنما
جزمهم لنوع من الهوى، كما قال تعالى: (وَإِذَّ كَثِيرَّضِلُونَ بِأَهْوَابِهِمٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ )،
وقال: ( وَمَنْ أَضَلُّ مِمَنِ اتَّبَعَ هَوَنُهُ بِغَيْرِ هُدَى مِّنَ اللَّهِّ).
ولهذا تجد اليهود يصممون ويصرون على باطلهم ، لما فى نفوسهم من
الكبر والحسد والقسوة وغير ذلك من الأهواء. وأما النصارى فأعظم ضلالا
منهم، وإن كانوا فى العادة والأخلاق أقل منهم شراً، فليسوا جازمين بغالب
ضلالهم ، بل عند الاعتبار تجد من ترك الهوى من الطائفتين ونظر نوع نظر
تبين له الإسلام حقاً .
والمقصودهنا: أن معرفة الإنسان بكونه يعلم أو لا يعلم: مرجعه إلى وجود
نفسه عالمة. ولهذا لا تحتج على منكر العلم إلا بوجودنا نفوسنا عالمة، كما احتجوا
على منكرى الأخبار المتواترة بأنا نجد نفوسنا عالمة بذلك وجازمة به كعلمنا
وجزمنا بما أحسسناه. وجعل المحققون وجود العلم بخبر [من] الأخبار هو الضابط
فى حصول التواتر؛ إذ لم يحدوه بعدد ولا صفة ؛ بل متى حصل العلم كان هو
المعتبر . والإنسان يجد نفسه عالمة ، وهذا حق.
٣٠

فإنه لا يجوز أن يستدل الإنسان على كونه عالما بدليل ، فإن علمه بمقدمات
ذلك الدليل يحتاج إلى أن يجد نفسه عالمة بها ، فلو احتاج علمه بكونه عالما
إلى دليل أفضى إلى الدور أو التسلسل ؛ ولهذا لا يحس الإنسان بوجود العلم
عند وجود سببه إن كان بديهيا ؛ أو إن كان نظريا إذا علم المقدمتين . وبهذا
استدل على منكرى إفادة النظر العلم ، وإن كان فى هذه المسألة تفصيل ليس
هذا موضعه .
فالغرض : أن من نظر فى دليل يفيد العلم وجد نفسه عالمة عند علمه بذلك
الدليل ، كما يجد نفسه سامعة رائية عند الاستماع للصوت والترائى للشمس
أو الهلال ، أو غير ذلك . والعلم يحصل فى النفس كما تحصل سائر الإدراكات
والحركات بما يجعله الله من الأسباب، وعامة ذلك بملائكة الله تعالى. فإن الله
سبحانه ينزل بها على قلوب عباده من العلم والقوة وغير ذلك ما يشاء.
ولهذا قال النبى صلى الله عليه وسلم لحسان: ((اللهم أيده بروح القدس))،
وقال تعالى: (كَتَبَ فِ قُلُوبِهِمُ الْإِيمَنَ وَأَيَّدَهُم بِرُوجٍ مِّنْهُ)، وقال صلى الله عليه
وسلم: ((من طلب القضاء واستعان عليه وكل إليه ، ومن لم يطلب القضاء ولم
يستعن عليه أنزل الله عليه ملكا يسدده))، وقال عبد الله بن مسعود: (( كنا
نتحدث أن السكينة تنطق على لسان عمر))، وقال ابن مسعود أيضاً: ((إن
للملك لمة وللشيطان لمة ، فلة الملك : إيعاد بالخير وتصديق بالحق . ولمة الشيطان
إيعاد بالشر وتكذيب بالحق)، وهذا الكلام الذى قاله ابن مسعود هو محفوظ
٣١

عنه ، وربما رفعه بعضهم إلى النبى صلى الله عليه وسلم. وهو كلام جامع الأصول
ما يكون من العبد من علم وعمل ، من شعور وإرادة.
وذلك : أن العبد له قوة الشعور والإحساس والإدراك، وقوة الإرادة
والحركة ، وإحداهما أصل الثانية مستلزمة لها، والثانية مستلزمة للأولى ومكملة لها .
فهو بالأولى يصدق بالحق ويكذب بالباطل ، وبالثانية يحب النافع الملائم له ؛
ويبغض الضار المنافى له . والله سبحانه خلق عباده على الفطرة التى فيها معرفة
الحق والتصديق به ، ومعرفة الباطل والتكذيب به ، ومعرفة النافع الملائم
والمحبة له ، ومعرفة الضار المنافى والبغض له بالفطرة . فما كان حقاً موجوداً
صدقت به الفطرة ، وما كان حقاً نافعاً عرفته الفطرة فأحبته واطمأنت إليه .
وذلك هو المعروف، وما كان باطلا معدوما كذبت به الفطرة فأبغضته
الفطرة فأنكرته . قال تعالى: (يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَنُهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ).
والإنسان كما سماه النبى صلى الله عليه وسلم حيث قال: ((أصدق الأسماء
حارث وهمام ، فهو دائماً يهم ويعمل، لكنه لا يعمل إلا ما يرجو نفعه أو دفع
مضرته ، ولكن قد يكون ذلك الرجاء مبنياً على اعتقاد باطل ، إما فى نفس
المقصود: فلا يكون نافعاً ولا ضاراً، وإما فى الوسيلة: فلا تكون طريقاً إليه.
وهذا جهل . وقد يعلم أن هذا الشىء يضره ويفعله ، ويعلم أنه ينفعه ويتركه؛
لأن ذلك العلم عارضه ما فى نفسه من طلب لذة أخرى أو دفع ألم آخر، جاهلا ،
ظالماً ، حيث قدم هذا على ذاك. ولهذا قال أبو العالية: ((سألت أصحاب محمد
٣٢

صلى الله عليه وسلم عن قوله تعالى: ( إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوَءَ
◌ِجَهَلَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ )؟ فقالوا. كل من عصى الله فهو جاهل ، وكل من
تاب قبل الموت فقد تاب من قريب ».
وإذا كان الإنسان لا يتحرك إلا راجيا . وإن كان راهباً خائفاً لم يسع
[ إلا ] فى النجاة ولم يهرب [إلا] من الخوف، فالرجاء لا يكون إلا بما يلقى
فى نفسه من الإيعاد بالخير ، الذى هو طلب المحبوب ، أو فوات المكروه ،
فكل بنى آدم له اعتقاد ؛ فيه تصديق بشىء وتكذيب بشىء ، وله قصد وإرادة
لما يرجوه مما هو عنده محبوب ممكن الوصول إليه ، أو لوجود المحبوب عنده؛
أو لدفع المكروه عنه .
واللّه خلق العبد يقصد الخير فيرجوه بعمله ، فإذا كذب بالحق فلم يصدق
به ولم يرج الخير فيقصده ويعمل له : كان خاسراً بترك تصديق الحق وطلب
الخير ، فكيف إذا كذب بالحق وكره إرادة الخير؟ فكيف إذا صدق بالباطل
وأراد الشر؟ فذكر عبد الله بن مسعود أن لقلب ابن آدم لمة من الملك ولمة من
الشيطان ، فلة الملك تصديق بالحق ، وهو ما كان [ من ] غير جنس الاعتقاد
الفاسد ، و [لمه الشيطان] هو تكذيب بالحق وإيعاد بالشر، وهو ما كان
من جنس إرادة الشر ، وظن وجوده: إما مع رجائه إن كان مع هوى
نفس ، وإما مع خوفه إن كان غير محبوب لها . وكل من الرجاء والخوف
مستلزم للآخر .
٣٣

فبدأ العلم الحق، والإرادة الصالحة: من لمة الملك. ومبدأ الاعتقاد الباطل
والإرادة الفاسدة: من لمة الشيطان. قال اللّه تعالى: (الشَّيْطَنُ يَعِدُ كُمُ الْفَقْرَ
وَيَأْمُرُ كُمْ بِالْفَحْشَآءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلًاً)، وقال تعالى: ( إِنَّمَا
ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُحَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ) أى: يخوفكم أولياءه، وقال تعالى: (وَإِذْزَيَّنَ لَهُمُ
الشَّيْطَانُ أَعْمَلَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌلَّكُمْ).
والشيطان وسواس خناس ، إذا ذكر العبد ربه خنس ، فإذا غفل عن ذكره
وسوس ، فلهذا كان ترك ذكر الله سبباً ومبدأ لنزول الاعتقاد الباطل والإرادة
الفاسدة فى القلب ، ومن ذكر الله تعالى: تلاوة كتابه وفهمه ومذاكرة العلم ،
كما قال معاذ بن جبل: ((ومذاكرته تسبيح».
وقد تنازع أهل الكلام فى حصول العلم فى القلب عقب النظر فى الدليل ،
فقال بعضهم : ذلك على سبيل التولد . وقال المنكرون للتولد: بل ذلك بفعل اللّه
تعالى. والنظر إما متضمن للعلم وإما موجب له . وهذا ينصره المنتسبون للسنة
من المتكلمين ومن وافقهم من الفقهاء من أصحاب مالك والشافعى وأحمد
وغيرهم ، وقالت المتفلسفة : بل ذلك يحصل بطريق الفيض من العقل الفعال
عند استعداد النفس لقبول الفيض. وقد يزعمون أن العقل الفعال هو ((جبريل)).
فأما قول القائلين ((إن ذلك بفعل الله)) فهو صحيح بناء على أن الله هو معلم
كل علم وخالق كل شىء ؛ لكن هذا كلام مجمل ليس فيه بيان لنفس السبب
٣٤

الخاص ، وأما قول القائلين بالتولد: فبعضه حق وبعضه باطل ، [فإن ] كان
دعواهم أن العلم المتولد هو حاصل بمجرد قدرة العبد ؛ [ فذلك] باطل قطعاً،
ولكن هو حاصل بأمرين : قدرة العبد ، والسبب الآخر ، كالقوة التى فى
السهم والقبول الذى فى المحل . ولا ريب أن النظر هو بسبب ، ولكن الشأن
فيما به يتم حصول العلم.
وأما زعم المتفلسفة أنه بالعقل الفعال : فمن الخرافات التى لا دليل عليها . وأبطل
من ذلك زعمهم: أن ذلك هو جبريل، وزعمهم: أن كل ما يحصل فى عالم العناصر
من الصور الجسمانية وكالاتها : فهو من فيضه وبسبيه ، فهو من أبطل الباطل .
ولكن إضافتهم ذلك إلى أمور روحانية: صحيح فى الجملة . فإن اللّه سبحانه
وتعالى يدبر أمر السموات والأرض بملائكته التى هى السفراء فى أمره ،
ولفظ ((الملك)) يدل على ذلك . وبذلك أخبرت الأنبياء ، وقد شهد الكتاب
والسنة من ذلك بما لا يتسع هذا الموضع لذكره ، كما ذكره النبي صلى الله عليه
وسلم فى ملائكة تخليق الجنين وغيره.
وأما تخصيص روح واحد متصل بفلك القمر يكون هو رب هذا العالم
فهذا باطل . وليس هذا موضع استقصاء ذلك ، ولكن لا بد أن يعلم أن المبدأ
فى شعور النفس وحركتها : هم الملائكة ، أو الشياطين ، فالملك يلقى التصديق
بالحق والأمر بالخير، والشيطان يلقى التكذيب بالحق والأمر بالشر. والتصديق
والتكذيب مقرونان بنظر الإنسان ؛ كما أن الأمر والنهى مقرونان بإرادته.
٣٥

فإذا كان النظر فى دليل هاد - كالقرآن - وسلم من معارضات الشيطان
تضمن ذلك النظر العلم والهدى . ولهذا أمر العبد بالاستعاذة من الشيطان الرجيم
عند القراءة. وإذا كان النظر فى دليل مضل والناظر يعتقد صحته ؛ بأن تكون
مقدمتاه أو إحداهما متضمنة للباطل ، أو تكون المقدمات صحيحة لكن التأليف
ليس بمستقيم : فإنه يصير فى القلب بذلك اعتقاد فاسد ، وهو غالب شبهات أهل
الباطل المخالفين للكتاب والسنة من المتفلسفة والمتكلمين ونحوهم.
فإذا كان الناظر لا بد له من منظور فيه . والنظر فى نفس المتصور
المطلوب حكمه لا يفيد علماً ؛ بل ربما خطر له بسبب ذلك النظر أنواع
من الشبهات ؛ يحسبها أدلة ، لفرط تعطش القلب إلى معرفة حكم تلك المسألة
وتصدیق ذلك التصور .
وأما النظر المفيد للعلم: فهو ما كان فى دليل هاد . والدليل الهادى
- على العموم والإطلاق - هو (( كتاب الله )، و ( سنة نبيه) فإن الذى جاءت
به الشريعة من نوعى النظر : هو ما يفيد وينفع ويحصل الهدى ، وهو بذكر
الله وما نزل من الحق.
فإذا أراد النظر والاعتبار فى الأدلة المطلقة من غير تعيين مطلوب فذلك
النظر فى كتاب الله وتدبره؛ كما قال تعالى: (قَدْ جَاءَ كُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ
وَكِتَبٌ مُبِيٌٌ * يَهْدِى بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَمِ وَيُخْرِجُهُم
مِنَ الظُّلُمَتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ، وَيَهْدِ يِهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ). وقال تعالى :
٣٦

(وَكَذَلِكَ أَوْ حَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ نَّدْرِى مَا الْكِتَبُ وَلَ الْإِيمَنُ وَلَكِن جَعَلْنَهُنُورًا
تَهْدِى بِهِ مَن نَّشَآءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِىّإِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * صِرَاطِ اَللَّهِ الَّذِى لَهُ.
مَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِ اَلْأَرْضِّ ◌َلَا إِلَى اللَّهِتَصِيُ اُلْأُمُورُ ).
وأما النظر فى مسألة معينة وقضية معينة ؛ لطلب حكمها والتصديق بالحق
فيها ؛ والعبد لا يعرف ما يدله على هذا أو هذا : فمجرد هذا النظر لا يفيد.
بل قد يقع له تصديقات يحسبها حقاً وهى باطل . وذلك من إلقاء الشيطان.
وقد يقع له تصديقات تكون حقاً ، وذلك من إلقاء الملك.
وكذلك إذا كان النظر فى الدليل الهادى وهو القرآن، فقد يضع الكلم
مواضعه ويفهم مقصود الدليل فيهتدى بالقرآن، وقد لا يفهمه ، أو يحرف الكلم
عن مواضعه فيضل به ، ويكون ذلك من الشيطان . كما قال تعالى: ( وَنُنَزِّلُ
مِنَ الْقُرْءَانِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينُّ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلََّّ خَسَارًا)،
وقال: ( يُضِلُّ بِهِ، كَثِيرًا وَيَهْدِى بِهِ، كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهٍِإِلَّا الْفَسِقِينَ)،
وقال: (فَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَنَّا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ * وَأَمَّالَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم
مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ) وقال: (قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ هُدَّى
وَشِفَاءٌ وَلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِىّءَاذَانِهِمْ وَقْرٌوَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمَى)، وقال: ( هَذَا
بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدَى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ).
فالناظر فى الدليل بمنزلة المترائى للهلال ، قد يراه ، وقد لا يراه لعشى فى
بصره ، وكذلك أعمى القلب .
٣٧

وأما الناظر فى المسألة : فهذا يحتاج إلى شيئين : إلى أن يظفر بالدليل
الهادى وإلى أن يهتدى به وينتفع . فأمره الشرع بما يوجب أن ينزل على قلبه
الأسباب الهادية ، ويصرف عنه الأسباب المعوقة : وهو ذكر الله تعالى ،
والغفلة عنه . فإن الشيطان وسواس خناس ، فإذا ذكر العبد ربه خنس ، وإذا
غفل عن ذ کر الله وسوس.
و((ذكر الله)) يعطى الإيمان، وهو أصل الإيمان . والله سبحانه هو
رب كل شىء وملیکه، وهو معلم كل علم وواهبه ، فكما أن نفسه أصل لكل شىء
موجود ، فذكره والعلم به أصل لكل علم، وذكره فى القلب.
والقرآن يعطى العلم المفصل فيزيد الإيمان ، كما قال ((جندب بن عبد الله
البجلى)) وغيره من الصحابة: ((تعلمنا الإيمان، ثم تعلمنا القرآن، فازددنا إيماناً))
ولهذا كان أول ما أنزل الله على نبيه: ﴿اقْرَأْبِ سْوِرَيِّكَ الَّذِى خَلَقَ)، فأمره
أن يقرأ باسم اللّه؛ فتضمن هذا الأمر بذكر الله وما نزل من الحق ، وقال:
(بِأَسْمِرَبِّكَ الَّذِى خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنسَنَ مِنْ عَلَقٍ * أَقْرَأْوَرَبُّكَ اَلْأَكْرِمُ * الَّذِى عَلََّ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ
الْإِنسَنَ مَالَعْلَمَ ).
فذكر سبحانه أنه خلق أكرم الأعيان الموجودة عموماً وخصوصاً وهو
الإنسان، وأنه المعلم للعلم عموماً وخصوصاً للإنسان، وذكر التعليم بالقلم الذى
هو آخر المراتب، ليستلزم تعليم القول وتعليم العلم الذى فى القلب .
٣٨

وحقيقة الأمر : أن العبد مفتقر إلى ما يسأله من العلم والهدى ، طالب
سائل، فبذكر الله والافتقار إليه يهديه اللّه ويدله، كما قال: ((يا عبادى!
كلكم ضال إلا من هديته ، فاستهدونى أهدكم ، ، وكما كان النبى صلى الله
عليه وسلم يقول: ((اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل ، فاطر
السموات والأرض ، عالم الغيب والشهادة ، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا
فيه يختلفون ، اهدنى لما اختلف فيه من الحق بإذنك ، انك تهدى من تشاء
إلى صراط مستقيم،.
وبما يوضح ذلك : أن الطالب للعلم بالنظر والاستدلال ، والتفكر
والتدبر ، لا يحصل له ذلك إن لم ينظر فى دليل يفيده العلم بالمدلول عليه، ومتى
كان العلم مستفاداً بالنظر ، فلا بد أن يكون عند الناظر من العلم المذكور
الثابت فى قلبه ما لا يحتاج حصوله إلى نظر ؛ فيكون ذلك المعلوم أصلا وسبباً
للتفكر الذى يطلب به معلوماً آخر ، ولهذا كان الذكر متعلقاً بالله ، لأنه
سبحانه هو الحق المعلوم ، وكان التفكر فى مخلوقاته ، كما قال الله تعالى:
( الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَمًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِ خَلْقِ السَّمَوَتِ
وَاَلْأَرْضِ ).
وقد جاء الأثر: ((تفكروا فى المخلوق ولا تتفكروا فى الخالق))؛ لأن
التفكير والتقدير يكون فى الأمثال المضروبة ، والمقاييس ، وذلك يكون فى
الأمور المتشابهة ، وهى المخلوقات.
٣٩

وأما الخالق - جل جلاله ، سبحانه و تعالى - فليس له شبيه ولا نظير ،
فالتفكر الذى مبناه على القياس ممتنع فى حقه ، وإنما هو معلوم بالفطرة ،
فيذكره العبد . وبالذكر ، وبما أخبر به عن نفسه: يحصل للعبد من العلم به
أمور عظيمة ؛ لا تنال بمجرد التفكير والتقدير - أعنى من العلم به نفسه؛ فإنه
الذى لا تفكير فيه .
فأما العلم بمعانى ما أخبر به ، ونحو ذلك : فيدخل فيها التفكير والتقدير
كما جاء به الكتاب والسنة ، ولهذا كان كثير من أرباب العبادة والتصوف
يأمرون بملازمة الذكر ، ويجعلون ذلك هو باب الوصول إلى الحق . وهذا
حسن إذا ضموا إليه تدبر القرآن والسنة واتباع ذلك ، وكثير من أرباب
النظر والكلام يأمرون بالتفكر والنظر ، ويجعلون ذلك هو الطريق إلى
معرفة الحق .
والنظر صحيح إذا كان فى حق ودليل كما تقدم ، فكل من الطريقين فيها
حق، لكن يحتاج إلى الحق الذى فى الأخرى ، ويجب تنزيه كل منهما عما
دخل فيها من الباطل ، وذلك كله باتباع ما جاء به المرسلون؛ وقد بسطنا
الكلام فى هذا فى غير هذا الموضع ؛ وبينا طرق أهل العبادة والرياضة
والذكر ؛ وطريق أهل الكلام والنظر والاستدلال ؛ وما فى كل منهما من مقبول
ومردود ؛ وبينا ما جاءت به الرسالة من الطريق الكاملة الجامعة لكل حق .
وليس هذا موضع بسط ذلك .
٤٠