Indexed OCR Text

Pages 181-200

فصل
فلما كان المجلس الثانى يوم الجمعة فى اثنى عشر رجب ، وقد أحضروا
أكثر شيوخهم ممن لم يكن حاضراً ذلك المجلس، وأحضروا معهم زيادة «صفى
الدين الهندى ، وقالوا : هذا أفضل الجماعة وشيخهم فى علم الكلام، وبحثوا فيما
بينهم ، واتفقوا وتواطئوا، وحضروا بقوة واستعداد غير ما كانوا عليه ؛ لأن
المجلس الأول أتاهم بغتة ، وإن كان أيضاً بغتة للمخاطب ، الذى هو المسؤول
والمجيب والمناظر .
فلما اجتمعنا : وقد أحضرت ما كتبته من الجواب عن أسئلتهم المتقدمة ،
الذى طلبوا تأخيره إلى اليوم : حمدت الله بخطبة الحاجة؛ خطبة ابن مسعود رضى
اللّه عنه، ثم قلت: إن الله تعالى أمرنا بالجماعة والائتلاف، ونهانا عن
الفرقة والاختلاف .
وقال لنا فى القرآن: (وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اَللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُواْ ) وقال:
( إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِ شَىْءٍ ) وقال: (وَلَا تَكُونُواْ
كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَأَخْتَلَفُوْ مِنْ بَعْدِ مَاجَآءَ هُمُ الْبَيِّنَتُ ).
١٨١

وربنا واحد، وكتابنا واحد، ونبينا واحد؛ وأصول الدين لا تحتمل
التفرق والاختلاف ؛ وأنا أقول ما يوجب الجماعة بين المسلمين، وهو متفق
عليه بين السلف ؛ فإن وافق الجماعة فالحمد لله ؛ وإلا فمن خالفنى بعد ذلك: كشفت
له الأسرار، وهتكت الأستار، وبينت المذاهب الفاسدة ، التى أفسدت الملل
والدول ؛ وأنا أذهب إلى سلطان الوقت على البريد ، وأعرفه من الأمور ما لا
أقوله فى هذا المجلس ، فإن للسلم كلاماً ، وللحرب كلاما.
وقلت : لا شك أن الناس يتنازعون ؛ يقول هذا أنا حنبلى، ويقول هذا
أنا أشعرى، ويجرى بينهم تفرق وفتن، واختلاف على أمور لا يعرفون
حقيقها .
وأنا قد أحضرت ما یبین اتفاق المذاهب فما ذكرته، وأحضرت( کتاب
تبيين كذب المفترى، فيما ينسب إلى الشيخ أبى الحسن الأشعرى رحمه الله)
تأليف الحافظ أبى القاسم ابن عساكر رحمه الله .
وقلت : لم يصنف فى أخبار الأشعرى المحمودة كتاب مثل هذا ؛ وقد
ذكر فيه لفظه الذى ذكره فى كتابه «الإبانة)).
فلما انتهيت إلى ذكر المعتزلة: سأل الأمير عن معنى المعتزلة ، فقلت : كان
الناس فى قديم الزمان قد اختلفوا فى الفاسق الملى ، وهو أول اختلاف حدث
فى الملة ، هل هو كافر أو مؤمن ؟ فقالت الخوارج: إنه كافر . وقالت الجماعة:
١٨٢

إنه مؤمن. وقالت طائفة: نقول هو فاسق، لا مؤمن ولا كافر ، ننزله منزلة بين
المنزلتين ، وخلدوه فى النار، واعتزلوا حلقة الحسن البصرى وأصحابه - رحمه
اللّه تعالى - فسموا معتزلة .
وقال الشيخ الكبير بجبته وردائه: ليس كما قلت؛ ولكن أول مسألة
اختلف فيها المسلمون مسألة الكلام، وسمى المتكلمون متكلمين لأجل تكلمهم فى
ذلك، وكان أول من قالها عمرو بن عبيد، ثم خلفه بعد موته عطاء بن واصل ،
هكذا قال وذكر نحواً من هذا .
فغضبت عليه وقلت : أخطأت؛ وهذا كذب مخالف للإجماع. وقلت له :
لا أدب ولا فضيلة؛ لا تأدبت معى فى الخطاب ، ولا أصبت فى الجواب؟!
ثم قلت : الناس اختلفوا فى مسألة الكلام فى خلافة المأمون ، وبعدها فى
أواخر المائة الثانية ، وأما المعتزلة فقد كانوا قبل ذلك بكثير ، فى زمن عمرو بن
عبيد بعد موت الحسن البصرى، فى أوائل المائة الثانية ، ولم يكن أولئك قد
تكلموا فى مسألة الكلام، ولا تنازعوا فيها ، وإنما أول بدعتهم تكلمهم فى
مسائل الأسماء والأحكام والوعيد .
فقال: هذا ذكره الشهر ستانى فى كتاب الملل والنحل . فقلت : الشهر ستانى
ذكر ذلك فى اسم المتكلمين ، لم سموا متكلمين؟ لم يذكره فى اسم المعتزلة،
١٨٣

والأمير إنما سأل عن اسم المعتزلة ، وأنكر الحاضرون عليه ؛ وقالوا: غلطت.
وقلت : فى ضمن كلامى أنا أعلم كل بدعة حدثت فى الإسلام ، وأول من ابتدعها ،
وما كان سبب ابتداعها .
وأيضا فيما ذكره الشهر ستانى ليس بصحيح فى اسم المتكلمين ، فإن
المتكلمين كانوا يسمون بهذا الاسم ، قبل منازعتهم فى مسألة الكلام ، وكانوا
يقولون عن واصل بن عطاء أنه متكلم ، ويصفونه بالكلام ، ولم يكن الناس
اختلفوا فى مسألة الكلام .
وقلت أنا وغيرى: إنما هو واصل بن عطاء؛ أى: لا عطاء بن واصل كما
ذكره المعترض ، قلت : وواصل لم يكن بعد موت عمرو بن عبيد وإنما
کان قرینه .
وقد روى أن واصلا تكلم مرة بكلام ، فقال عمرو بن عبيد : لو بعث فى
ما كان يتكلم بأحسن من هذا؛ وفصاحته مشهورة ، حتى قيل إنه كان ألتغ،
وكان يحترز عن الراء، حتى قيل له : أمر الأمير أن يحفر بئر. فقال: أوعز
القائد أن يقلب قليب فى الجادة .
ولما انتهى الكلام إلى ما قاله الأشعرى : قال الشيخ المقدم فيهم لا ريب
أن الإمام أحمد إمام عظيم القدر ، ومن أكبر أئمة الإسلام ، لكن قد انتسب
إليه أناس ابتدعوا أشياء .
١٨٤

فقلت : أما هذا فق ، وليس هذا من خصائص أحمد ، بل ما من إمام
إلا وقد انتسب إليه أقوام هو منهم برىء ، قد انتسب إلى مالك أناس مالك
برىء منهم، وانتسب إلى الشافعى أناس هو برىء منهم، وانتسب إلى أبى حنيفة
أناس هو برىء منهم ، وقد انتسب إلى موسى عليه السلام أناس هو منهم
برىء ، وانتسب إلى عيسى عليه السلام أناس هو منهم برىء ، وقد
انتسب إلى على بن أبى طالب أناس هو برىء منهم ، ونبينا صلى الله عليه وسلم
قد انتسب إليه من القرامطة والباطنية وغيرهم من أصناف الملحدة والمنافقين،
من هو برىء منهم .
وذكر فى كلامه ؛ أنه انتسب إلى أحمد ناس من الحشوية والمشبهة ، ونحو
هذا الكلام .
فقلت : المشبهة والمجسمة فى غير أصحاب الإمام أحمد أكثر منهم فيهم؛ هؤلاء
أصناف الأكراد كلهم شافعية ، وفيهم من التشبيه والتجسيم مالا يوجد فى صنف
آخر ، وأهل جيلان فيهم شافعية وحنبلية . قلت : وأما الحنبلية المحضة فليس فيهم
من ذلك ما فى غيرهم .
وكان من تمام الجواب أن الكرامية المجسمة كلهم حنفية ، وتكلمت على
لفظ الحشوية - ما أدرى جواباً عن سؤال الأمير أو غيره ، أو عن غير
جواب - فقلت : هذا اللفظ أول من ابتدعه المعتزلة ؛ فإنهم يسمون الجماعة
١٨٥

والسواد الأعظم الحشو ؛ كما تسميهم الرافضة الجمهور ، وحشو الناس هم عموم
الناس وجمهورهم ، وهم غير الأعيان المتميزين يقولون هذا من حشو الناس كما
يقال هذا من جمهورهم.
وأول من تكلم بهذا عمرو بن عبيد ، وقال : كان عبد الله بن عمر
رضى الله عنه حشوياً: فالمعتزلة سموا الجماعة حشوا ، كما تسميهم الرافضة الجمهور.
وقلت - لا أدرى فى المجلس الأول أو الثانى - أول من قال إن الله جسم
هشام بن الحكم الرافضى.
وقلت لهذا الشيخ : من فى أصحاب الإمام أحمد رحمه الله حشوى بالمعنى
الذى تريده؟ الأثرم ، أبو داود، المروذى ، الخلال ، أبو بكر عبد العزيز،
أبو الحسن التميمى ، ابن حامد، القاضى أبو يعلى، أبو الخطاب، ابن عقيل ؟
ورفعت صوتى وقلت: سهم ، قل لى منهم؟ من هم(١)؟.
أبكذب ابن الخطيب وافترائه على الناس فى مذاهبهم تبطل الشريعة ،
وتندرس معالم الدين ؟ كما نقل هو وغيره عنهم أنهم يقولون : إن القرآن القديم
هو أصوات القارئين ، ومداد الكاتبين ، وأن الصوت والمداد قديم أزلى
من قال هذا؟ وفى أى كتاب وجد هذا عنهم؟ قل لى !.
وكما نقل عنهم أن الله لا يرى فى الآخرة باللزوم الذى ادعاه ، والمقدمة
التى نقلها عنهم ؛ وأخذت أذكر ما يستحقه هذا الشيخ ، من أنه كبير الجماعة
(١) هكذا وردت في المطبوع ولعل الصواب [ من هم؟ من هم؟ ].
١٨٦

وشيخهم ، وأن فيه من العقل والدين ما يستحق أن يعامل بموجبه ؛ وأمرت
بقراءة العقيدة جميعها عليه ؛ فإنه لم يكن حاضراً فى المجلس الأول ، وإنما
أحضروه فى الثانى انتصاراً به .
وحدثنى الثقة عنه بعد خروجه من المجلس ، أنه اجتمع به وقال له :
أخبرنى عن هذا المجلس ، فقال: مالفلان ذنب ولا لى ، فإن الأمير سأل عن
شىء فأجابه عنه ، فظننته سأل عن شىء آخر .
وقال: قلت لهم أتم مالكم على الرجل اعتراض، فإنه نصر ترك التأويل،
وأنتم تنصرون قول التأويل ، وهما قولان للأشعرى .
وقال: أنا أختار قول ترك التأويل ، وأخرج وصيته التى أوصى بها ،
وفيها قول ترك التأويل.
قال الحاكى لى : فقلت له : بلغني عنك أنك قلت فى آخر المجلس - لما أشهد
الجماعة على أنفسهم بالموافقة - لا تكتبوا عنى نفياً ولا إثباتاً فلم ذاك؟
فقال : لوجهين : -
أحدهما : أنى لم أحضر قراءة جميع العقيدة فى المجلس الأول.
والثانى: لأن أصحابى طلبونى لينتصروابى ، فما كان يليق أن أظهر مخالفتهم،
فسكت عن الطائفتين .
١٨٧

وأمرت غير مرة أن يعاد قراءة العقيدة جميعها على هذا الشيخ فرأى بعض
الجماعة أن ذلك تطويل ، وأنه لا يقرأ عليه إلا الموضع الذى لهم عليه سؤال ،
وأعظمه لفظ الحقيقة ، فقرءوه عليه؛ فذكر هو بحثا حسنا يتعلق بدلالة اللفظ،
فيسنته ومدحته عليه ، وقلت : لا ريب أن الله حى حقيقة، عليم حقيقة،
سميع حقيقة ، بصير حقيقة وهذا متفق عليه بين أهل السنة والصفاتية من جميع
الطوائف ؛ ولو نازع بعض أهل البدع فى بعض ذلك : فلا ريب أن الله موجود
والمخلوق موجود ، ولفظ الوجود سواء كان مقولا عليهما بطريق الاشتراك
اللفظى فقط، أو بطريق التواطؤ المتضمن للاشتراك لفظاً ومعنى، أو بالتشكيك
الذى هو نوع من التواطؤ .
فعلى كل قول : فاللّه موجود حقيقة ، والمخلوق موجود حقيقة ، ولا
يلزم من إطلاق الاسم على الخالق والمخلوق بطريق الحقيقة محذور ، ولم
أرجح فى ذلك المقام قولا من هذه الثلاثة على الآخر؛ لأن غرضى تحصل(١) على
كل مقصودى .
وكان مقصودى تقرير ما ذكرته على قول جميع الطوائف ، وأن أبين
اتفاق السلف ومن تبعهم على ماذكرت ، وأن أعيان المذاهب الأربعة،
والأشعرى ، وأ كابر أصحابه على ما ذكرته ؛ فإنه قبل المجلس الثانى : اجتمع بى
من أكابر علماء الشافعية ، والمنتسبين إلى الأشعرية والحنفية وغيرهم من عظم
خوفهم من هذا المجلس وخافوا انتصار الخصوم فيه وخافوا على نفوسهم أيضاً
(١) هكذا وردت في المطبوع ولعل الصواب [ أن أحصل ] .
١٨٨

من تفرق الكلمة فلو أظهرت الحجة التى ينتصر بها ما ذكرته أو لم يكن من أئمة
أصحابهم من يوافقها لصارت فرقة ولصعب عليهم أن يظهروا فى المجالس العامة
الخروج عن أقوال طوائفهم بما فى ذلك من تمكن أعدائهم من أغراضهم.
فإذا كان من أثّة مذاهبهم من يقول ذلك ، وقامت عليه الحجة ، وبان
أنه مذهب السلف: أمكنهم إظهار القول به مع ما يعتقدونه فى الباطن . من أنه
الحق ، حتى قال لى بعض الأكابر من الحنفية - وقد اجتمع بى - لو قلت هذا
مذهب أحمد وثبت على ذلك لا نقطع النزاع .
ومقصوده أنه يحصل دفع الخصوم عنك بأنه مذهب متبوع ، ويستريح
المنتصر والمنازع من إظهار الموافقة.
فقلت: لا والله؛ ليس لأحمد بن حنبل فى هذا اختصاص ، وإنما هذا
اعتقاد سلف الأمة وأئمة أهل الحديث : وقلت أيضا هذا اعتقاد رسول الله
صلى الله عليه وسلم ، وكل لفظ ذكرته فأنا أذكر به آية، أو حديثا، أو إجماعا
سلفيا، وأذكر من ينقل الإجماع عن السلف من جميع طوائف المسلمين، والفقهاء
الأربعة ، والمتكلمين ، وأهل الحديث، والصوفية .
وقلت لمن خاطبنى من أكابر الشافعية - لأبين أن ما ذكرته هو قول
السلف، وقول أئمة أصحاب الشافعى، وأذكر قول الأشعرى ، وأئمة أصحابه
التى ترد على هؤلاء الخصوم، ولينتصرن كل شافعى، وكل من قال بقول الأشعرى
١٨٩

الموافق لمذهب السلف ، وأبين أن القول المحكى عنه فى تأويل الصفات الخبرية
قول لا أصل له فى كلامه، وإنما هو قول طائفة من أصحابه ، فالأشعرية قولان
ليس للأشعری قولان.
فلما ذكرت فى المجلس أن جميع أسماء الله التى سمى بها المخلوق كلفظ الوجود
الذى هو مقول بالحقيقة على الواجب ، والممكن ، على الأقوال الثلاثة :
تنازع كبيران ، هل هو مقول بالاشتراك أو بالتواطؤ ؟
فقال أحدهما: هو متواطئ وقال الآخر هو مشترك؛ لئلا يلزم التركيب.
وقال هذا : قد ذكر خر الدين أن هذا النزاع مبنى على أن وجوده هل
هو عين ماهيته أم لا؟. فمن قال إن وجود كل شىء عين ماهيته ، قال :
إنه مقول بالاشتراك، ومن قال إن وجوده قدر زائد على ماهيته ، قال : إنه
مقول بالتواطؤ .
فأخذ الأول يرجح قول من يقول: إن الوجود زائد على الماهية ؛ لينصر
أنه مقول بالتواطؤ .
فقال الثانى: ليس مذهب الأشعرى وأهل السنة أن وجوده عين ماهيته ،
فأنكر الأول ذلك.
فقلت : أما متكلمو أهل السنة فعندهم أن وجود كل شىء عين ماهيته ؛
١٩٠

وأما القول الآخر فهو قول المعتزلة إن وجود كل شىءقدر زائد على ماهيته ، وكل
منهما أصاب من وجه، فإن الصواب أن هذه الأسماء مقولة بالتواطؤ ، كما قد
قررته فى غير هذا الموضع، وأجبت عن شبهة التركيب بالجوابين المعروفين .
وأما بناء ذلك على كون وجود الشىء عين ماهيته أو ليس عينه : فهو من
الغلط المضاف إلى ابن الخطيب ، فإنا وإن قلنا إن وجود الشىء عين ماهيته :
لا يجب أن يكون الاسم مقولا عليه وعلى نظيره بالاشتراك اللفظى فقط ،
كما فى جميع أسماء الأجناس .
فإن اسم السواد مقول على هذا السواد وهذا السواد بالتواطؤ، وليس
عين هذا السواد هو عين هذا السواد، إذ الاسم دال على القدر المشترك بينهما،
وهو المطلق الكلى ؛ لكنه لا يوجد مطلقاً بشرط الإطلاق إلا فى الذهن ،
ولا يلزم من ذلك نفى القدر المشترك بين الأعيان الموجودة فى الخارج ، فإنه
على ذلك تنتفى الأسماء المتواطئة ، وهى جمهور الأسماء الموجودة ، فى الغالب
(وهى أسماء الأجناس اللغوية) وهو الاسم المطلق على الشىء، وعلى كل ما أشبهه
سواء كان اسم عين أو اسم صفة ، جامداً أو مشتقاً ، وسواء كان جنساً
منطقياً أو فقهياً أو لم يكن . بل اسم الجنس فى اللغة يدخل فيه الأجناس ،
والأصناف ، والأنواع ، ونحو ذلك . وكلها أسماء متواطئة ، وأعيان
مسمياتها فى الخارج متميزة .
وطلب بعضهم إعادة قراءة الأحاديث المذكورة فى العقيدة ؛ ليطعن فى
١٩١

بعضها ، فعرفت مقصوده . فقلت : كأنك قد استعددت للطعن فى حديث
الأوعال : حديث العباس بن عبد المطلب - وكانوا قد تعنتوا حتى ظفروا بما
تكلم به زكى الدين عبد العظيم ، من قول البخارى فى تأريخه : عبد الله بن
عميرة لا يعرف له سماع من الأحنف - فقلت : هذا الحديث مع أنه رواه أهل
السنن كأنى داود ، وابن ماجه ، والترمذى ، وغيرهم : فهو مروى من
طريقين مشهورين ، فالقدح فى أحدهما لا يقدح فى الآخر .
فقال: أليس مداره على ابن عميرة ، وقد قال البخارى : لا يعرف له سماع
من الأحنف؟ .
فقلت : قد رواه إمام الأئمة ابن خزيمة ، فى كتاب التوحيد ، الذى
اشترط فيه أنه لا يحتج فيه إلا بما نقله العدل عن العدل ، موصولا إلى النبي صلى
الله عليه وسلم؛ قلت والإثبات مقدم على النفى ، والبخارى إنما نفى معرفة سماعه
من الأحنف ، لم ينف معرفة الناس بهذا ، فإذا عرف غيره - كإمام الأئمة
ابن خزيمة - ما ثبت به الإسناد : كانت معرفته وإثباته مقدماً على نفى غيره
وعدم معرفته .
ووافق الجماعة على ذلك ، وأخذ بعض الجماعة يذكر من المدح
ما لا يليق أن أحكيه ، وأخذوا يناظرون فى أشياء لم تكن فى العقيدة ،
ولكن لها تعلق بما أجبت به فى مسائل ، ولها تعلق بما قد يفهمونه من
١٩٢

العقيدة. فأحضر بعض أكابرهم ((كتاب الأسماء والصفات)) للبيهقى - رحمه الله
تعالى - فقال: هذا فيه تأويل الوجه عن السلف ، فقلت : لعلك تعنى قوله
تعالى: (وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْغَرِبُّ فَأَتْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اُللَّهِ ) فقال: نعم. قد قال
مجاهد والشافعى يعنى قبلة الله . فقلت: نعم: هذا صحيح عن مجاهد والشافعى
وغيرهما ، وهذا حق ، وليست هذه الآية من آيات الصفات .
ومن عدهافى الصفات فقد غلط ، كما فعل طائفة ؛ فإن سياق الكلام
يدل على المراد حيث قال: ( وَلَّهِالْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُّ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَتَمَّ وَجْهُ اللَّهِ )
والمشرق والمغرب الجهات.
والوجه هو الجهة ؛ يقال أى وجه تريده؟ أى أى جهة ، وأنا أريد
هذا الوجه أى هذه الجهة، كما قال تعالى: ( وَلِكُلِّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِيهَا ) ولهذا قال:
(فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ) أى تستقبلوا وتتوجهوا، والله أعلم. وصلى الله
على محمد .
١٩٣

نقل الشيخ على الدين:
أن الشيخ قدس اللهروحه قال :-
فى مجلس نائب السلطنة الأفرم - لما سأله عن اعتقاده وكان الشيخ أحضر
عقيدته (( الواسطية )) قال - هذه كتبتها من نحو سبع سنين ، قبل مجىء التتار
إلى الشام ؛ فقرئت فى المجلس .
ثم نقل علم الدين عن الشيخ أنه قال : كان سبب كتابتها أن بعض قضاة
واسط من أهل الخير والدين شكى ما الناس فيه - بلادهم فى دولة التتر - من
غلبة الجهل ، والظلم ، ودروس الدين والعلم؛ وسألنى أن أكتب له ((عقيدة»
فقلت له: قد كتب الناس عقائد أئمة السنة؛ فألح فى السؤال، وقال: ما أحب
إلا عقيدة تكتبها أنت.
فكتبت له هذه العقيدة - وأنا قاعد بعد العصر فأشار الأمير لكاتبه فقرأها
على الحاضرين حرفا حرفا فاعترض بعضهم على قولى فيها : ومن الإيمان بالله
الإيمان بما وصف به نفسه ، ووصفه به رسوله: من غير تحريف ، ولا تعطیل ،
ولا تكييف ، ولا تمثيل . ومقصوده أن هذا ينفى التأويل الذى هو صرف
اللفظ عن ظاهره: إما وجوباً وإما جوازاً .
١٩٤

فقلت: إنى عدلت عن لفظ التأويل إلى لفظ التحريف ؛ لأن التحريف
اسم جاء القرآن بذمه ، وأنا تحريت فى هذه العقيدة اتباع الكتاب والسنة ،
فنفيت ما ذمه الله من التحريف ، ولم أذكر فيها لفظ التأويل؛ لأنه لفظ له عدة
معان ؛ كما بينته فى موضعه من القواعد .
فإن معنى لفظ التأويل فى كتاب اللّه غير لفظ التأويل فى اصطلاح المتأخرين
من أهل الأصول والفقه . وغير معنى لفظ التأويل فى اصطلاح كثير من أهل
التفسير والسلف .
وقلت لهم ذكرت فى النفى التمثيل ، ولم أذكر التشبيه ؛ لأن التمثيل نفاه
الله بنص كتابه حيث قال: ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ).
وأخذوا يذكرون نفى التشبيه والتجسيم ، ويطنبون فى هذا ، ويعرضون
بما ينسبه بعض الناس إلينا من ذلك .
فقلت قولى من غير تكييف ولا تمثيل ينفى كل باطل ؛ وإنما اخترت
هذين الاسمين : لأن التكييف ما ثور نفيه عن السلف كما قال ربيعة ، ومالك ،
وابن عيينة ، وغيرهم المقالة - التى تلقاها العلماء بالقبول - الاستواء معلوم ،
والكيف مجهول ، والإيمان به واجب ، والسؤال عنه بدعة فاتفق هؤلاء
السلف على أن الكيف غير معلوم لنا ؛ فنفيت ذلك اتباعا لسلف الأمة .
وهو أيضاً منفى بالنص ؛ فإن تأويل آيات الصفات يدخل فيها حقيقة
١٩٥

الموصوف . وحقيقة صفاته غير معلومة ، وهذا من التأويل الذى لا يعلمه
إلا الله، كما قررت ذلك فى قاعدة مفردة ذكرتها فى ((التأويل والمعنى، والفرق
بين علمنا بمعنى الكلام وبين علينا بتأويله .
وكذلك التمثيل منفى بالنص والإجماع القديم مع دلالة العقل على نفيه،
ونفى التكييف ؛ إذ كنه البارى غير معلوم للبشر .
وذكرت فى ضمن ذلك كلام الخطابى الذى نقل أنه مذهب السلف : وهو
((إجراء آيات الصفات، وأحاديثها على ظاهرها مع نفى الكيفية والتشبيه عنها ؛
إذ الكلام فى الصفات فرع الكلام فى الذات : يحتذى حذوه ويتبع فيه مثاله
فإذا كان إثبات الذات إثبات وجود لا إثبات تكييف ؛ فكذلك إثبات الصفات
إثبات وجود لا إثبات تكييف ».
فقال أحد كبراء المخالفين فيئذ يجوز أن يقال هو جسم؛ لا كالأجسام.
فقلت له أنا وبعض الفضلاء إنما قيل : إنه يوصف اللّه بما وصف به نفسه،
وبما وصفه به رسوله ؛ وليس فى الكتاب والسنة أن اللّه جسم حتى يلزم هذا.
وأول من قال إن الله جسم: هشام بن الحكم الرافضى.
وأما قولنا: فهم الوسط فى فرق الأمة كما أن الأمة هى الوسط فى الأمم .
فهم وسط فى باب صفات الله بين أهل التعطيل الجهمية ، وأهل التمثيل
المشبهة فقيل لى أنت صنفت اعتقاد الإمام أحمد ، وأرادوا قطع النزاع لكونه
مذهباً متبوعاً .
١٩٦

فقلت : ما خرجت إلا عقيدة السلف الصالح جميعهم ؛ ليس للإمام أحمد
اختصاص بهذا. وقلت : قد أمهلت من خالفنى فى شىء منها ثلاث سنين فإن
جاء بحرف واحد عن القرون الثلاثة يخالف ما ذكرته فأنا أرجع عن ذلك ،
وعلى أن آتى بنقول جميع الطوائف عن القرون الثلاثة يوافق ما ذكرته من
الحنفية والمالكية والشافعية والحنبلية والأشعرية ، وأهل الحديث وغيرهم.
ثم طلب المنازع الكلام فى (مسألة الحرف والصوت). فقلت : هذا الذى
يحكى عن أحمد وأصحابه أن صوت القارئين ، ومداد المصاحف قديم أزلى كذب
مفترى ، لم يقل ذلك أحمد، ولا أحد من علماء المسلمين .
وأخرجت كراساً وفيه ماذكره أبو بكر الخلال فى ((كتاب السنة)) عن الإمام
أحمد، وما جمعه صاحبه أبو بكر المروذى من كلام أحمد ، وكلام أئمة زمانه
فی آن من قال : لفظی بالقرآن مخلوق فهو جهمی ، ومن قال : غير مخلوق فهو
مبتدع. قلت: فكيف بمن يقول لفظى أزلى؟ ! فكيف بمن يقول صوتى قديم؟!
فقال المنازع : إنه انتسب إلى أحمد أناس من الحشوية والمشبهة، ونحو هذا
الكلام فقلت : المشبهة والمجسمة فى غير أصحاب الإمام أحمد أكثر منهم فيهم:
فهؤلاء أصناف الأكراد كلهم شافعية ، وفيهم من التشبيه والتجسيم ما لا يوجد
فى صنف آخر ، وأهل جيلان فيهم شافعية وحنبلية ؛ وأما الحنبلية المحضة فليس
فيهم من ذلك ما فى غيرهم، والكرامية المجسمة كلهم حنفية .
١٩٧

وقلت له : من فى أصحابنا حشوى بالمعنى الذى تريده؟ الأثرم ، أبوداود
المروزى ، الخلال ، أبو بكر عبد العزيز ، أبو الحسن التميمى ، ابن حامد ،
القاضى أبو يعلى، أبو الخطاب ، ابن عقيل ؛ ورفعت صوتى وقلت : سمهم
قل لى من منهم؟ .
أبكذب ابن الخطيب وافترائه على الناس فى مذاهبهم تبطل الشريعة ،
وتندرس معالم الدين كما نقل هو وغيره عنهم أنهم يقولون : القرآن القديم هو
أصوات القارئين ، ومداد الكاتبين؛ وأن الصوت والمداد ، قديم أزلى .
من قال هذا ؟ وفى أى كتاب وجد عنهم هذا ؟ قل: لى . وكما نقل عنهم أن الله
لا يرى فى الآخرة باللزوم الذى ادعاه، والمقدمة التى نقلها عنهم.
ولما جاءت ((مسألة القرآن)، وأنه كلام الله غير مخلوق، منه بدأ وإِليه
يعود : نازع بعضهم فى كونه منه بدأ وإليه يعود وطلبوا تفسير ذلك ، فقلت :
أما هذا القول : فهو المأثور والثابت عن السلف . مثل ما نقله عمرو بن دينار
قال : أدركت الناس منذ سبعين سنة يقولون الله الخالق وما سواه مخلوق؛
إلا القرآن فإنه كلام الله غير مخلوق منه بدأ وإليه يعود . ومعنى منه بدأ أى
هو المتكلم به ، وهو الذى أنزله من لدنه ، ليس هو كما تقوله الجهمية أنه خلق
فى الهواء أو غيره ، وبدأ من غيره.
وأما إليه يعود : فإنه يسرى به فى آخر الزمان من المصاحف والصدور
١٩٨

فلا يبقى فى الصدور منه كلمة ، ولا فى المصاحف منه حرف . ووافق على ذلك
غالب الحاضرين. فقلت: هكذا قال النبى صلى الله عليه وسلم: ((ما تقرب العباد
إلى اللّه بمثل ما خرج منه)): يعنى القرآن . وقال خباب بن الأرت : يا هنتاه
تقرب إلى الله بما استطعت؛ فلن يتقرب إلى اللّه بشىء أحب إليه مما خرج منه.
وقلت: وأن اللّه تكلم به حقيقة، وأن هذا القرآن الذى أنزله الله على محمد
صلى الله عليه وسلم هو كلام اللّه حقيقة؛ لا كلام غيره، ولا يجوز إطلاق القول
بأنه حكاية عن كلام اللّه أو عبارة ؛ بل إذا قرأ الناس القرآن، أو كتبوه فى
المصاحف لم يخرج بذلك عن أن يكون كلام اللّه تعالى حقيقة. فإن الكلام إنما
يضاف حقيقة إلى من قاله مبتدئاً . لا إلى من قاله مبلغاً مؤدياً .
فامتعض بعضهم من إثبات كونه كلام اللّه حقيقة، بعد تسليمه أن الله
تكلم به حقيقة ثم إنه سلم ذلك لما بين له أن المجاز يصح نفيه ؛ وهذا لا يصح
نفيه ، وأن أقوال المتقدمين المأثورة عنهم ، وشعر الشعراء المضاف إليهم هو
كلامهم حقيقة .
ولما ذكرت فيها أن الكلام إنما يضاف حقيقة إلى من قاله مبتدئا لا إلى
من قاله مبلغا استحسنوا هذا الكلام وعظموه.
وذكرت ما أجمع عليه سلف الأمة من أنه سبحانه فوق العرش، وأنه معنا
حق على حقيقته؛ لا يحتاج إلى تحريف، ولكن يصان عن الظنون الكاذبة ،
١٩٩

وليس معنى قوله ( وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَاكُنُمْ) أنه مختلط بالخلق ، فإن هذا لا توجبه
اللغة ، وهو خلاف ما أجمع عليه سلف الأمة ، وخلاف ما فطر الله عليه
الخلق، بل القمر آية من آيات الله من أصغر مخلوقاته؛ وهو موضوع فى السماء
وهو مع المسافر أينما كان .
ولما ذكرت: أن جميع أسماء اللّه التى يسمى بها المخلوق - كلفظ ((الوجود)):
الذى هو مقول بالحقيقة على الواجب والممكن : تنازع كبيران هل هو مقول
بالاشتراك ، أو بالتواطؤ ؟ فقال أحدهما هو متواطىء. وقال آخر هو مشترك
لئلا يلزم التركيب.
وقال هذا : قد ذكر خير الدين أن هذا النزاع مبنى على أن وجوده هل هو
عين ما هيته أم لا ؟ فمن قال : إن وجود كل شىء عين ما هيته قال : إنه مقول
بالاشتراك ومن قال إن وجوده قدر زائد على ما هيته قال : إنه مقول بالتواطؤ
فأخذ الأول يرجح قول من يقول: إن الوجود زائد على الماهية لينصر أنه مقول
بالتواطؤ فقال الثانى: مذهب الأشعرى وأهل السنة أن وجوده عين ماهيته ؛
فأنكر الأول ذلك .
فقلت : أما متكلمو أهل السنة فعندهم أن وجود كل شىء عين ماهيته ؛ وأما
القول الآخر : فهو قول المعتزلة : أن وجود كل شىء قدر زائد على ما هيته .
وكل منهما أصاب من وجه ؛ فإن الصواب أن هذه الأسماء مقولة بالتواطؤ .
كما قد قررته فى غير هذا الموضع.
٢٠٠
1
١