Indexed OCR Text
Pages 141-160
فإن الفرقة الناجية - أهل السنة والجماعة - يؤمنون بذلك، كما يؤمنون بما أخبر الله به فى كتابه العزيز، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل؛ بل هم الوسط فى فرق الأمة، كما أن الأمة هى الوسط فى الأمم. فهم وسط فى (باب صفات اللّه) سبحانه وتعالى بين أهل التعطيل الجهمية؛ وأهل التمثيل المشبهة . وهم وسط فى (باب أفعال الله تعالى) بين القدرية والجبرية . وفى باب (وعيد اللّه) بين المرجئة والوعيدية: من القدرية وغيرهم. وفى (باب أسماء الإيمان والدين ) بين الحرورية والمعتزلة ، وبين المرجئة والجهمية . (وفى أصحاب رسول الله) صلى اللّه عليه وسلم: بين الروافض والخوارج. ١٤١ فصل وقد دخل فيما ذكر ناه من الإيمان بالله : الإيمان بما أخبر الله به فى كتابه ، وتواتر عن رسوله صلى الله عليه وسلم، وأجمع عليه سلف الأمة : من أنه سبحانه فوق سمواته على عرشه ، علىّ على خلقه ، وهو سبحانه معهم أينما كانوا يعلم ما هم عاملون، كما جمع بين ذلك فى قوله: (هُوَالَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ فِى سِنَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ ◌َسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِّ يَعْلَمُ مَايَلِجُ فِ اَلْأَرْضِ وَمَايَخْرُجُ مِنْهَا وَمَايَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ). وليس معنى قوله: ((وهو معكم)) أنه مختلط بالخلق ، فإن هذا لا توجبه اللغة ، وهو خلاف ما أجمع عليه سلف الأمة ، وخلاف ما فطر الله عليه الخلق ؛ بل القمر آية من آيات الله من أصغر مخلوقاته ، هو موضوع فى السماء ؛ وهو مع المسافر وغير المسافر أينما كان ؛ وهو سبحانه فوق العرش ، رقيب على خلقه مهيمن عليهم ، مطلع إليهم ، إلى غير ذلك من معانى ربوبيته. وكل هذا الكلام الذى ذكره الله سبحانه - من أنه فوق العرش وأنه معنا - حق على حقيقته لا يحتاج إلى تحريف ، ولكن يصان عن الظنون ١٤٢ الكاذبة، مثل أن يظن أن ظاهر قوله: ((فى السماء)) أن السماء تقله أو تظله ؛ وهذا باطل بإجماع أهل العلم والإيمان ؛ فإن الله قد وسع كرسيه السموات والأرض وهو الذى يمسك السموات والأرض أن تزولا ، ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه . (وَمِنْ ءَِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ). فصل وقد دخل فى ذلك: الإيمان بأنه قريب من خلقه ، مجيب ، كما جمع بين ذلك فى قوله : ( وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِى عَنِّى فَإِنِ قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الَّاعِ إِذَا دَعَانِ ) الآية. وقوله صلى الله عليه وسلم للصحابة، لما رفعوا أصواتهم بالذكر: ((أيها الناس، اربعوا على أنفسكم؛ فإنكم لا تدعون أصم ولا غائباً؛ إن الذى تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته)) وما ذكر فى الكتاب والسنة - من قربه ومعيته - لا ينافى ما ذكر من علوه وفوقيته ، فإنه سبحانه ليس كمثله شىء فى جميع نعو ته، وهو عائ فى دنوه قريب فى علوه . ١٤٣ فصل ومن الإيمان بالله وكتبه : الإيمان بأن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق، منه بدأ ، وإليه يعود ؛ وأن اللّه تعالى تكلم به حقيقة، وأن هذا القرآن الذى أنزله على محمد صلى الله عليه وسلم: هو كلام الله حقيقة لا كلام غيره ؛ ولا يجوز إطلاق القول بأنه حكاية عن كلام اللّه أو عبارة عنه ، بل إذا قرأه الناس أو كتبوه بذلك فى المصاحف : لم يخرج بذلك عن أن يكون كلام الله تعالى حقيقة، فإن الكلام إنما يضاف حقيقة إلى من قاله مبتدئاً ، لا إلى من قاله مبلغاً مؤدياً . وهو كلام الله ؛ حروفه ومعانيه؛ ليس كلام اللّه الحروف دون المعانى ، ولا المعانى دون الحروف . فصل وقد دخل أيضاً فيما ذكرناه من الإيمان به وبكتبه وبرسله : الإيمان بأن المؤمنین یرونه يوم القيامة عیاناً بأبصارهم ، كما يرون الشمس صحواً ليس دونها سحاب ، وكما يرون القمر ليلة البدر لا يضامون فى رؤيته ، يرونه سبحانه وهم فى عرصات القيامة ، ثم يرونه بعد دخول الجنة ، كما يشاء الله سبحانه وتعالى. ١٤٤ فصل ومن الإيمان باليوم الآخر : الإيمان بكل ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم مما يكون بعد الموت : فيؤمنون بفتنة القبر ، وبعذاب القبر، وبنعيمه. فأما الفتنة: فإن الناس يفتنون فى قبورهم. فيقال للرجل: ((من ربك، وما دينك ؛ ومن نبيك؟ فيثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت فى الحياة الدنيا وفى الآخرة ، فيقول المؤمن: الله ربى، والإسلام دينى، ومحمد صلى الله عليه وسلم نبي ، وأما المرتاب فيقول: هاه، هاه، لا أدرى، سمعت الناس يقولون شيئاً فقلته؛ فيضرب بمرزبة من حديد، فيصيح صيحة يسمعها كل شىء إلا الإنسان، ولو سمعها الإنسان لصعق )) . ثم بعد هذه الفتنة: إما نعيم وإما عذاب ، إلى أن تقوم القيامة الكبرى ، فتعاد الأرواح إلى الأجساد، وتقوم القيامة التى أخبر الله بها فى كتابه ، وعلى لسان رسوله ، وأجمع عليها المسلمون ، فيقوم الناس من قبورهم لرب العالمين حفاة عراة غرلاً ، وتدنو منهم الشمس ، ويلجمهم العرق . وتنصب الموازين ، فتوزن فيها أعمال العباد ( فَمَن ثَقُلَتْ مَوَزِينُّهُ فَأُوْلَئِكَ ١٤٥ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَقَتْ مَوَزِينُهُ، فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوَأ ◌َنفُسَهُمْ فِ جَهَنَّمَ خَلِدُونَ ). وتنشر الدواوين - وهى صحائف الأعمال - فآخذ كتابه بيمينه وآخذ كتابه بشماله، أو من وراء ظهره، كما قال سبحانه وتعالى: (وَكُلّ إِنسَنٍ أَلْزَمْنَهُ طَبِرَهُ فِ عُنُقِهِ، وَتُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَمَةِ كِتَبًا يَلْقَهُ مَنْشُورًا * آقْرَأْ كِتَبَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَّوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا ). ويحاسب اللّه الخلائق ، ويخلو بعبده المؤمن فيقرره بذنوبه، كما وصف ذلك فى الكتاب والسنة. وأما الكفار : فلا يحاسبون محاسبة من توزن حسناته وسيئاته ؛ فإنه لا حسنات لهم ، ولكن تعد أعمالهم وتحصى، فيوقفون عليها ويقررون بها ويجزون بها . وفى عرصة القيامة : الحوض المورود لمحمد صلى الله عليه وسلم ، ماؤه أشد بياضاً من اللبن ، وأحلى من العسل ، آنيته عدد نجوم السماء ، طوله شهر وعرضه شهر ، من يشرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبداً . والصراط منصوب على متن جهنم - وهو الجسر الذى بين الجنة والنار - يمر الناس عليه على قدر أعمالهم ، فمنهم من يمر كلمح البصر ، ومنهم من يمر كالبرق الخاطف ، ومنهم من يمر كالريح ، ومنهم من يمر كالفرس الجواد، ١٤٦ ومنهم من يمر كركاب الإبل، ومنهم من يعدو عدواً ، ومنهم من يمشى مشياً ، ومنهم من يزحف زحفاً ، ومنهم من يخطف فيلقى فى جهنم ؛ فإن الجسر عليه كلاليب تخطف الناس بأعمالهم ، فمن مر على الصراط دخل الجنة. فإذا عبروا عليه وقفوا على قنطرة بين الجنة والنار ، فيقتص لبعضهم من بعض، فإذا هذبوا ونقوا أذن لهم فى دخول الجنة . وأول من يستفتح باب الجنة : محمد صلى الله عليه وسلم، وأول من يدخل الجنة من الأمم: أمته. وله صلى الله عليه وسلم - فى القيامة - ثلاث شفاعات :- أما الشفاعة الأولى : فيشفع فى أهل الموقف ، حتى يقضى بينهم بعد أن تتراجع الأنبياء: آدم، ونوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى بن مريم عن الشفاعة ، حتى تنتهى إليه . وأما الشفاعة الثانية : فيشفع فى أهل الجنة أن يدخلوا الجنة ؛ وهاتان الشفاعتان خاصتان له . وأما الشفاعة الثالثة : فيشفع فيمن استحق النار ، وهذه الشفاعة له ولسائر النبيين ، والصديقين وغيرهم ، فيشفع فيمن استحق النار أن لا يدخلها ويشفع فيمن دخلها أن يخرج منها ، ويخرج اللّه تعالى من النار أقواماً بغير ١٤٧ شفاعة ؛ بل بفضله ورحمته ، ويبقى فى الجنة فضل عمن دخلها من أهل الدنيا، فينشىء الله لها أقواماً فيدخلهم الجنة. وأصناف ما تضمنته الدار الآخرة من الحساب ، والثواب والعقاب، والجنة والنار ، وتفاصيل ذلك مذكورة فى الكتب المنزلة من السماء، والآثار من العلم المأثور عن الأنبياء؛ وفى العلم الموروث عن محمد صلى الله عليه وسلم من ذلك : ما يشفى ويكفى ، فمن ابتغاه وجده . وتؤمن الفرقة الناجية - أهل السنة والجماعة - (بالقدر): خيره وشره، والإيمان بالقدر على درجتین کل درجة تتضمن شيئين : - فالدرجة الأولى : الإيمان بأن الله تعالى علم ما (١) الخلق عاملون بعلمه القديم ، الذى هو موصوف به أزلا ، وعلم جميع أحوالهم من الطاعات والمعاصى والأرزاق والآجال . ثم كتب الله فى اللوح المحفوظ مقادير الخلق: ((فأول ما خلق اللّه القلم قال له: اكتب. قال: ما أكتب؟ قال : اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة )) فما أصاب الإنسان لم يكن ليخطئه ، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، جفت الأقلام وطويت الصحف كما قال سبحانه وتعالى: (أَلَمْتَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِ كِتَبٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِيَسِيرٌ) وقال: (مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِى (١) نسخة : بما . ١٤٨ اُلْأَرْضِ وَلَا فِىَ أَنْفُسِكُمْإِلَّا فِ كِتٍَ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَاْ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ). وهذا التقدير - التابع لعلمه سبحانه - يكون فى مواضع جملة وتفصيلا فقد كتب فى اللوح المحفوظ ما شاء : وإذا خلق جسد الجنين قبل نفخ الروح فيه بعث إليه ملكا ؛ فيؤمر بأربع كلمات ، فيقال له : ا كتب رزقه ، وأجله، وعمله وشقي أو سعيد ؛ ونحو ذلك ، فهذا القدر قد كان ينكره غلاة القدرية قديماً ، ومنكره اليوم قليل . وأما الدرجة الثانية : فهو مشيئة الله النافذة ، وقدرته الشاملة ، وهو الإيمان بأن ما شاء اللّه كان ، وما لم يشأ لم يكن ، وأنه ما فى السموات والأرض من حركة ولا سكون إلا بمشيئة الله سبحانه ، لا يكون فى ملكه إلا ما يريد، وأنه سبحانه وتعالى على كل شىء قدير من الموجودات والمعدومات. فما من مخلوق فى الأرض ولا فى السماء إلا الله خالقه سبحانه ، لا خالق غيره ولا رب سواه. ومع ذلك فقد أمر العباد بطاعته وطاعة رسله، ونهاهم عن معصيته . وهو سبحانه يحب المتقين ، والمحسنين والمقسطين ، ويرضى عن الذين آمنوا وعملوا الصالحات، ولا يحب الكافرين ، ولا يرضى عن القوم الفاسقين ولا يأمر بالفحشاء ، ولا يرضى لعباده الكفر ، ولا يحب الفساد . ١٤٩ والعباد فاعلون حقيقة ، والله خالق أفعالهم؛ والعبد هو المؤمن والكافر والبر والفاجر، والمصلى والصائم ؛ وللعباد قدرة على أعمالهم ولهم إرادة ؛ والله خالقهم وخالق قدرتهم وإرادتهم ، كما قال تعالى: ( لِمَنْ شَآءَ مِنكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَآءُ ونَ إِلَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَلَمِينَ). وهذه الدرجة من القدر : يكذب بها عامة القدرية ، الذين سماهم النبي صلى الله عليه وسلم مجوس هذه الأمة ، ويغلو فيها قوم من أهل الإثبات، حتى سلبوا العبد قدرته واختياره ، ويخرجون عن أفعال اللّه وأحكامه حكمَها ومصالحها . ١٥٠ فصل ومن أصول أهل السنة : أن الدين والإيمان قول وعمل : قول القلب واللسان ، وعمل القلب واللسان والجوارح ، وأن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية . وهم مع ذلك لا يكفرون أهل القبلة بمطلق المعاصى والكبائر ، كما يفعله الخوارج ؛ بل الأخوة الإيمانية ثابتة مع المعاصى ، كما قال سبحانه وتعالى فى ) وقال: (وَإِن آية القصاص: ( فَمَنْ عُفِىَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَىْءٌ فَانِبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ طَِّفَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ آَقْنَتَلُواْ فَأَصْلِحُواْبَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَ نَّهُمَا عَلَى الْأَخْرَى فَقَدِلُوْلَتِى تَبْغِىِ حَتَّى تَفِىّءَ إِلَى أَمْرِاللَّهِ فَإِنِ فَآءَتْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَفْسِطُوَإِنَّاللَّهَ يُحِبُّ الْمُفْسِطِينَ * إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُواْبَيْنَ أَخَوَيَّكُمْ ) . ولا يسلبون الفاسق الملى اسم الإيمان بالكلية ، ولا يخلدونه فى النار ، كما تقوله المعتزلة ، بل الفاسق يدخل فى اسم الإيمان فى مثل قوله تعالى : (فَتَحْرِيُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ ). وقد لا يدخل فى اسم الإيمان المطلق كما فى قوله تعالى: ( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْءَايَتُهُ زَادَتُهُمْ إِيَمَنًا) وقوله صلى الله ١٥١ عليه وسلم: ((لا يزنى الزانى حين يزنى وهو مؤمن ، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن ، ولا ينتهب نهبة ذات شرف يرفع الناس إليه فيها أبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن)). ويقولون: هو مؤمن ناقص الإيمان ، أو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته ؛ فلا يعطى الاسم المطلق ، ولا يسلب مطلق الاسم. فصل ومن أصول أهل السنة والجماعة : سلامة قلوبهم وألسنتهم لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما وصفهم الله به فى قوله تعالى: (وَاُلَّذِينَ جَّهُ و مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَيْنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَنِ وَلَا تَجْعَلْ فِ قُلُوبِنَا غِلَّا لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ). وطاعة النبى صلى الله عليه وسلم فى قوله: ((لا تسبوا أصحابي. فوالذى نفسى بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه)). ويقبلون ما جاء به الكتاب والسنة والإجماع : من فضائلهم ومراتبهم . فيفضلون من أنفق من قبل الفتح - وهو صلح الحديبية - وقاتل على من أنفق من بعده وقاتل ، ويقدمون المهاجرين على الأنصار، ويؤمنون بأن اللّه قال لأهل ١٥٢ بدر - وكانوا ثلاثمائة وبضعة عشر -: ((اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم)) وبأنه لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة ، كما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم ؛ بل قد رضى الله عنهم ورضوا عنه، وكانوا أكثر من ألف وأربعمائة . ويشهدون بالجنة لمن شهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة، كالعشرة ، وكثابت بن قيس بن شماس ، وغيرهم من الصحابة . ويقرون بما تواتر به النقل عن أمير المؤمنين على بن أبى طالب - رضى الله عنه - وعن غيره، من أن خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ، ثم عمر ، ويثلثون بعثمان ، ويربعون بعلى رضى الله عنهم ، كما دلت عليه الآثار ، وكما أجمع الصحابة رضى الله عنهم على تقديم عثمان فى البيعة ، مع أن بعض أهل السنة كانوا قد اختلفوا فى عثمان وعلى - رضى الله عنهما بعد اتفاقهم على تقديم أبى بكر وعمر - أيهما أفضل ، فقدم قوم عثمان وسكتوا ، أوربعوا بعلى ، وقدم قوم علياً ، وقوم توقفوا ؛ لكن استقر أمر أهل السنة على تقديم عثمان ، وإن كانت هذه المسألة - مسألة عثمان وعلى - ليست من الأصول التى يضلل المخالف فيها عند جمهور أهل السنة ، لكن المسئلة التى يضلل المخالف فيها هى ((مسألة الخلافة)). وذلك أنهم يؤمنون بأن الخليفة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم على ؛ ومن طعن فى خلافة أحد من هؤلاء الأئمة فهو أضل من حمار أهله. ١٥٣ ويحبون أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويتولونهم، ويحفظون فيهم وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث قال يوم غدير خم: ((أذكركم الله فى أهل بيتى، أذكركم الله فى أهل بيتى)) وقال أيضاً للعباس عمه - وقد اشتكى(١) إليه أن بعض قريش يحفو بنى هاشم - فقال: ((والذي نفسي بيده لا يؤمنون حتى يحبوكم لله ولقرابتى)) وقال صلى الله عليه وسلم «إن الله اصطفى بنى إسماعيل ، واصطفى من بنى إسماعيل كنانة واصطفى من كنانة قريشاً ، واصطفى من قريش بنى هاشم ، واصطفانى من بنى هاشم)) . ويتولون أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم أمهات المؤمنين ، ويؤمنون (٢) بأنهن أزواجه فى الآخرة، خصوصاً خديجة رضى الله عنها أم أكثر أولاده، وأول من آمن به وعاضده على أمره وكان لها منه المنزلة العالية. والصديقة بنت الصديق رضى الله عنهما، التى قال فيها النبى صلى الله عليه وسلم : ((فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام)». ويتبرءون من طريقة الروافض ، الذين يبغضون الصحابة ويسبونهم. ومن طريقة النواصب ، الذين يؤذون أهل البيت بقول أو عمل، ويمسكون عما شجر بين الصحابة . (١) نسخة: شكي (٢) نسخة: ويقرون. ١٥٤٠ ويقولون: إن هذه الآثار المروية فى مساويهم منها ما هو كذب، ومنها ما قد زید فیه و نقص وغیر عن وجهه، والصحیح منه : هم فیه معذورون ، إما مجتهدون مصيبون، وإما مجتهدون مخطئون. وهم مع ذلك لا يعتقدون أن كل واحد من الصحابة معصوم عن كبائر الإثم وصغائره ؛ بل تجوز عليهم الذنوب فى الجملة ، ولهم من السوابق والفضائل ما يوجب مغفرة ما يصدر منهم إن صدر ، حتى إنه يغفر لهم من السيئات مالا يغفر لمن بعدهم، لأن لهم من الحسنات التى تمحو السيئات ما ليس لمن بعدهم، وقد ثبت بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إنهم خير القرون)) ((وإن المد من أحدهم إذا تصدق به كان أفضل من جبل أحد ذهباً من بعدهم)). ثم إذا كان قد صدر من أحدهم ذنب فيكون قد تاب منه ، أو أتى بحسنات تمحوه، أو غفر له بفضل سابقته، أو بشفاعة محمد صلى الله عليه وسلم الذى هم أحق الناس بشفاعته، أو ابتلى ببلاء فى الدنیا کفر به عنه.فإذا كانهذافى الذنوب المحققة، فكيف بالأمور التى كانوا فيها مجتهدين : إن أصابوا فلهم أجران، وإن أخطأوا فلهم أجر واحد والخطأ مغفور لهم؟ . ثم القدر الذى ينكر من فعل بعضهم قليل نزر ، مغمور فى جنب فضائل القوم ومحاسنهم، من الإيمان بالله ورسوله ، والجهاد فى سبيله. والهجرة والنصرة، والعلم النافع والعمل الصالح . ١٥٥ ومن نظر فى سيرة القوم بعلم وبصيرة ، وما من الله به عليهم من الفضائل علم يقيناً أنهم خير الخلق بعد الأنبياء، لا كان ولا يكون مثلهم، وأنهم هم الصفوة من قرون هذه الأمة ، التى هى خير الأمم وأكرمها على الله تعالى. ومن أصول أهل السنة والجماعة: التصديق بكرامات الأولياء ، وما يجرى الله على أيديهم من خوارق العادات ، فى أنواع العلوم والمكاشفات ، وأنواع القدرة والتأثيرات ، كالمأثور عن سالف الأمم فى سورة الكهف وغيرها ، وعن صدر هذه الأمة من الصحابة والتابعين وسائر قرون الأمة ، وهى موجودة فيها إلى يوم القيامة . ١٥٦ ـصل ثم من طريقة أهل السنة والجماعة : اتباع آثار رسول الله صلى الله عليه وسلم باطناً وظاهراً ، واتباع سبيل السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، واتباع وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال: ((عليكم بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدى ، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ ، وإياكم ومحدثات الأمور ، فإن كل محدثة بدعة ، وكل بدعة ضلالة )). ويعلمون أن أصدق الكلام كلام الله ، وخير الهدى هدى محمد صلى الله عليه وسلم ، ويؤثرون كلام اللّه على كلام غيره من كلام أصناف الناس ، ويقدمون هدى محمد صلى الله عليه وسلم على هدى كل أحد ، وبهذا سموا أهل الكتاب والسنة . وسموا أهل الجماعة ؛ لأن الجماعة هى الاجتماع وضدها الفرقة؛ وإن كان لفظ الجماعة قد صار اسماً لنفس القوم المجتمعين؛ ((والإجماع، هو الأصل الثالث الذى يعتمد عليه فى العلم والدين . وهم يزنون بهذه الأصول الثلاثة جميع ما عليه الناس من أقوال وأعمال باطنة أو ظاهرة مما له تعلق بالدين ؛ والإجماع الذى ينضبط : هو ما كان عليه السلف الصالح ؛ إذ بعدهم كثر الاختلاف وانتشرت الأمة. ١٥٧ فصل ثم هم مع هذه الأصول: يأمرون بالمعروف ، وينهون عن المنكر ، على ما توجبه الشريعة. ويرون إقامة الحج والجهاد ، والجمع والأعياد مع الأمراء، أبراراً كانوا أو جاراً ، ويحافظون على الجماعات. ويدينون بالنصيحة للأمة ، ويعتقدون معنى قوله صلى اللّه عليه وسلم: ((المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً)) وشبك بين أصابعه صلى الله عليه وسلم، وقوله صلى الله عليه وسلم: ((مثل المؤمنين فى توادهم وتراحمهم وتعاطفهم : كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر)). ويأمرون بالصبر عند البلاء ، والشكر عند الرخاء والرضا بمر القضاء ، ويدعون إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال ، ويعتقدون معنى قوله صلى الله عليه وسلم: ((أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً)). ويندبون إلى أن تصل من قطعك ، وتعطى من حرمك ، وتعفو عمن ظلمك ؛ ويأمرون ببر الوالدين وصلة الأرحام، وحسن الجوار ، والإحسان إلى اليتامى والمساكين وابن السبيل ، والرفق بالمملوك؛ وينهون عن الفخر ١٥٨ والخيلاء والبغى ، والاستطالة على الخلق بحق أو بغير حق ؛ ويأمرون بمعالى الأخلاق ، وينهون عن سفسافها . وكل ما يقولونه ، أو يفعلونه من هذا أو غيره ؛ فإنما هم فيه متبعون للكتاب والسنة . ((وطريقتهم، هى دين الإسلام، الذى بعث الله به محمداً صلى الله عليه وسلم. لكن لما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم ((أن أمته ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة، كلها فى النار إلا واحدة - وهى الجماعة -)» وفى حديث عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((هم من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابى)، صار المتمسكون بالإسلام المحض الخالص عن الشوب: هم أهل السنة والجماعة ، وفيهم الصديقون والشهداء والصالحون، ومنهم أعلام الهدى ؛ ومصابيح الدجى ؛ أولوا المناقب المأثورة، والفضائل المذكورة ؛ وفيهم الأبدال: الأئمة الذين أجمع المسلمون على هدایتهم و درایتهم . وهم الطائفة، المنصورة الذين قال فيهم النبى صلى الله عليه وسلم: ((لا تزال طائفة من أمتى على الحق ظاهرين لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى تقوم الساعة )) . فنسأل الله العظيم أن يجعلنا منهم، وأن لا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا ويهب لنا من لدنه رحمة إنه هو الوهاب والله أعلم. وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيراً . ١٥٩ (١ ) - : قال رحم الله تعالى مِاللَّهِالرَِّ الرَّحِيمِ ٠١ الْحَمْدُ لِلَّهِرَبِّ الْعَلَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ* مَلِكِ يَوْمِ الَّذِيْنِ وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولا ظهير له، ولا معين. وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ؛ الذى أرسله إلى الخلق أجمعين ، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيراً ، وعلى سائر عباد الله الصالحين. أما بعد : فقد سئلت غير مرة، أن أكتب ما حضرنى ذكره، مما جرى فى المجالس الثلاثة ، المعقودة للمناظرة ، فى أمر الاعتقاد بمقتضى ما ورد به کتاب السلطان ، من الديار المصرية إلى نائبه أمير البلاد . لما سعى إليه قوم من الجهمية؛ والاتحادية ؛ والرافضة ، وغيرهم من ذوى الأحقاد. فأمر الأمير بجمع القضاة الأربعة ؛ قضاة المذاهب الأربعة ، وغيرهم من نوابهم ؛ والمفتين والمشايخ ؛ ممن له حرمة وبه اعتداد . وهم لا يدرون (١) هذه حكاية مناظرة الواسطية . ١٦٠ :