Indexed OCR Text

Pages 81-100

ثم هؤلاء المثبتون إذا قالوا لمن أثبت أنه يرضى ويغضب ، ويحب
ويبغض ، أو من وصفه بالاستواء والنزول ، والإتيان والمجىء ، أو بالوجه
واليد ونحو ذلك إذا قالوا : هذا يقتضى التجسيم ؛ لأنا لا نعرف ما يوصف
بذلك إلا ما هو جسم.
قالت لهم المثبتة : فأنتم قد وصفتموه بالحياة والعلم والقدرة ، والسمع
والبصر والكلام، وهذا هكذا؛ فإذا كان هذا لا يوصف به إلا الجسم فالآخر
كذلك، وإن أمكن أن يوصف بأحدهما ما ليس بجسم فالآخر كذلك؛ فالتفريق
بينهما تفريق بين المتماثلين .
ولهذا لما كان الرد على من وصف الله تعالى بالنقائص بهذه الطريق
طريقاً فاسداً : لم يسلكه أحد من السلف والأئمة ، فلم ينطق أحد منهم فى حق
اللّه بالجسم لا نفياً ولا إثباتاً ، ولا بالجوهر والتحيز ونحو ذلك ، لأنها عبارات
مجملة لا تحق حقاً ولا تبطل باطلا .
ولهذا لميذكر اللهفى كتابه فيما أنكره على اليهود وغيرهم من الكفار: ماهو
من هذا النوع؛ بل هذا هو من الكلام المبتدع ، الذى أنكره السلف والأئمة.
٨١

فصل
وأما فى طرق الإثبات : فمعلوم أيضاً أن المثبت لا يكفى فى إثباته مجرد نفى
التشبيه ، إذلو كفى فى إثباته مجرد نفى التشبيه لجاز أن يوصف سبحانه من
الأعضاء والأفعال ، بما لا يكاد يحصى ما هو ممتنع عليه - مع نفى التشبيه ،
وأن يوصف بالنقائص التى لا تجوز عليه مع نفى التشبيه .
كمالو وصفه مفتر عليه بالبكاء والحزن ، والجوع والعطش ، مع نفى
التشبيه. وكما لو قال المفترى : يأكل لا كأكل العباد ، ويشرب لاكشربهم ،
وبیکی ویحزن لا كبكائهم ولا حزنهم ؛ كما يقال يضحك لا كضحكهم ، ويفرح
لاكفرحهم ، ويتكلم لاككلامهم . ولجاز أن يقال: له أعضاء كثيرة
لا کأعضائهم ، كما قيل : له وجه لا كوجوههم ، ویدان لا کأيديهم . حتى
يذكر المعدة والأمعاء والذكر ، وغير ذلك مما يتعالى الله عز وجل عنه سبحانه
وتعالى عما يقول الظالمون علواً كبيراً .
فإنه يقال لمن نفى ذلك مع إثبات الصفات الخبرية وغيرها من الصفات:
ما الفرق بين هذا وما أثبته إذا نفيت التشبيه وجعلت مجرد نفى التشبيه كافياً فى
الإثبات ، فلا بد من إثبات فرق فى نفس الأمر .
٨٢

فإن قال: العمدة فى الفرق هو السمع فما جاء به السمع أثبته دون ما لم
يجئ به السمع.
قيل له أولا: السمع هو خبر الصادق عما هو الأمر عليه فى نفسه ، فما
أخبر به الصادق فهو حق من نفى أو إثبات ؛ والخبر دليل على المخبر عنه ،
والدليل لا ينعكس ؛ فلا يلزم من عدمه عدم المدلول عليه، فما لم يرد به السمع
يجوز أن يكون ثابتاً فى نفس الأمر، وإن لم يرد به السمع؛ إذا لم يكن نفاه.
ومعلوم أن السمع لم ينف هذه الأمور بأسمائها الخاصة ، فلا بد من ذكر
ما ينفيها من السمع ، وإلا فلا يجوز حينئذ نفيها كما لا يجوز إثباتها .
وأيضاً : فلا بد فى نفس الأمر من فرق بين ما يثبت له وينفى ، فإن
الأمور المتماثلة فى الجواز ، والوجوب ، والامتناع : يمتنع اختصاص بعضها
دون بعض ، فى الجواز والوجوب والامتناع ، فلا بد من اختصاص المنفى
عن المثبت بما يخصه بالنفى ، ولا بد من اختصاص الثابت عن المنفى بما
يخصه بالثبوت.
وقد يعبر عن ذلك بأن يقال : لا بد من أمر یوجب نفی ما يجب نفيه عن
الله، كما أنه لا بد من أمر يثبت له ما هو ثابت ، وإن كان السمع كافياً كان
مخبراً عما هو الأمر عليه فى نفسه، فما الفرق فى نفس الأمر بين هذا وهذا؟ .
فيقال : كلما نفى صفات الكمال الثابتة لله فهو منزه عنه ، فإن ثبوت أحد
٨٣

الضدين يستلزم نفى الآخر ، فإذا علم أنه موجود واجب الوجود بنفسه، وأنه
قديم واجب القدم: علم امتناع العدم والحدوث عليه ، وعلم أنه غنى عما سواه.
فالمفتقر إلى ما سواه فى بعض ما يحتاج إليه لنفسه : ليس هو موجوداً
بنفسه ، بل بنفسه وبذلك الآخر الذى أعطاه ما تحتاج إليه نفسه فلا
يوجد إلا به.
وهو سبحانه غنى عن كل ما سواه فكل ما نافى غناه فهو منزه عنه ؛ وهو
سبحانه قدیر قوی فكل ما نافى قدر ته وقو ته فهو منزه عنه ، وهو سبحانه حی
قیوم ، فكل ما نافى حياته وقیومیته فهو منزه عنه .
وبالجملة فالسمع قد أثبت له من الأسماء الحسنى وصفات الكمال ما قدورد،
فكل ما ضاد ذلك فالسمع ينفيه كما ينفى عنه المثل والكفؤ فإن إثبات الشىء نفى
لضده ، ولما يستلزم ضده ، والعقل يعرف نفى ذلك كما يعرف إثبات ضده ،
فإثبات أحد الضدين نفى للآخر ولما يستلزمه .
فطرق العلم بنفى ما ينزه عنه الرب متسعة ، لا يحتاج فيها إلى الاقتصار على
مجرد نفى التشبيه والتجسيم ، كما فعله أهل القصور والتقصير : الذين تناقضوا
فى ذلك ، وفرقوا بين المتماثلين، حتى إن كل من أثبت شيئاً احتج عليه من نفاه
بأنه يستلزم التشبيه .
وكذلك احتج القرامطة على نفى جميع الأمور ، حتى نفوا النفي، فقالوا :
٨٤

لا يقال لا موجود ولا ليس بموجود ، ولا حى ولا ليس بحى ؛ لأن ذلك
تشبيه بالموجود أو المعدوم فلزم نفى النقيضين: وهو أظهر الأشياء امتناعاً .
ثم إن هؤلاء يلزمهم من تشيهه بالمعدومات ، والممتنعات ، والجمادات :
أعظم مما فروا منه من التشبيه بالأحياء الكاملين ، فطرق تنزيهه و تقدیسه عما
هو منزه عنه متسعة لا تحتاج إلى هذا .
وقد تقدم أن ما ينفى عنه - سبحانه - النفى المتضمن للإثبات ؛ إذ مجرد
النفى لا مدح فيه ولا كمال ، فإن المعدوم يوصف بالنفى ، والمعدوم لا يشبه
الموجودات ، وليس هذا مدحاً له ، لأن مشابهة الناقص فى صفات النقص
نقص مطلقاً، كما أن مماثلة المخلوق فى شىء من الصفات تمثيل وتشبيه ينزه عنه
الرب تبارك وتعالى .
والنقص ضد الكمال ؛ وذلك مثل أنه قد علم أنه حى والموت ضد
ذلك فهو منزه عنه ؛ وكذلك النوم والسنة ضد كمال الحياة ، فإن النوم أخو
الموت ، وكذلك اللغوب نقص فى القدرة والقوة ، والأكل والشرب ونحو
ذلك من الأمور فيه افتقار إلى موجود غيره، كما أن الاستعانة بالغير والاعتضاد
به ونحو ذلك تتضمن الافتقار إليه والاحتياج إليه .
وكل من يحتاج إلى من يحمله أو يعينه على قيام ذاته وأفعاله فهو مفتقر إليه
٨٥
ب۔

ليس مستغنياً عنه بنفسه فكيف من يأكل ويشرب ، والآكل والشارب
أجوف ، والمصمت الصمد أكمل من الآكل والشارب.
ولهذا كانت الملائكة صمداً لا تأكل ولا تشرب ، وقد تقدم أن كل كمال
ثبت لمخلوق فالخالق أولى به ، وكل نقص تنزه عنه المخلوق فالخالق أولى بتنزيهه
عن ذلك، والسمع قد نفى ذلك فى غير موضع، كقوله تعالى: (اللّهُ الضَّمَهُ)
والصمد الذى لا جوف له ، ولا يأكل ولا يشرب، وهذه السورة هى نسب
الرحمن ، أو هى الأصل فى هذا الباب.
وقال فى حق المسيح وأمه: (مَّا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلََّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ
الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا بَأْكُلَانِ الطَّعَامَ ) فعل ذلك دليلا على نفى
الألوهية ، فدل ذلك عل تنزيهه عن ذلك بطريق الأولى والأحرى.
والكبد والطحال ونحو ذلك: هى أعضاء الأكل والشرب ، فالغنى المنزه
عن ذلك : منزه عن آلات ذلك ، بخلاف اليد فإنها للعمل والفعل ، وهو
سبحانه موصوف بالعمل والفعل ؛ إذ ذاك من صفات الكمال ؛ فمن يقدر أن
يفعل أكمل من لا يقدر على الفعل.
وهو سبحانه منزه عن الصاحبة والولد ، وعن آلات ذلك وأسبابه .
وكذلك البكاء والحزن : هو مستلزم الضعف والعجز، الذى ينزه عنه سبحانه ؛
بخلاف الفرح والغضب : فإنه من صفات الكمال ، فكما يوصف بالقدرة دون
٨٦

العجز ، وبالعلم دون الجهل ، وبالحياة دون الموت ، وبالسمع دون الصمم ،
وبالبصر دون العمى ، وبالكلام دون البكم : فكذلك يوصف بالفرح دون
الحزن ، وبالضحك دون البكاء ونحو ذلك .
وأيضاً فقد ثبت بالعقل ما أثبته السمع ، من أنه سبحانه لا كفؤ له ولا
سميّ له وليس كمثله شىء ، فلا يجوز أن تكون حقيقته حقيقة شىء من
المخلوقات ، ولا حقيقة شىء من صفاته كقيقة شىء من صفات المخلوقات ، فيعلم
قطعاً أنه ليس من جنس المخلوقات ، لا الملائكة ولا السموات ، ولا الكواكب
ولا الهواء ، ولا الماء ولا الأرض ، ولا الآدميين ولا أبدانهم ولا أنفسهم،
ولا غير ذلك ، بل يعلم أن حقيقته عن مماثلات شىء من الموجودات أبعد من
سائر الحقائق ، وأن مماثلته لشىء منها أبعد من مماثلة حقيقة شىء من المخلوقات
لحقيقة مخلوق آخر .
فإن الحقيقتين إذا تماثلتا : جاز على كل واحدة ما يجوز على الأخرى ،
ووجب لها ما وجب لها . فيلزم أن يجوز على الخالق القديم الواجب بنفسه
ما يجوز على المحدث المخلوق ، من العدم والحاجة ، وأن يثبت لهذا ما يثبت لذلك
من الوجوب والفناء ، فيكون الشىء الواحد واجباً بنفسه غير واجب بنفسه،
موجوداً معدوماً ، وذلك جمع بين النقيضين .
وهذا مما يعلم به بطلان قول المشبهة الذين يقولون : بصر كبصرى ، أو يد
كيدى ونحو ذلك، تعالى الله عن قولهم علواً كبيراً.
٨٧

وليس المقصود هنا استيفاء ما يثبت له ولا ما ينزه عنه ، واستيفاء طرق
ذلك ؛ لأن هذا مبسوط فى غير هذا الموضع.
وإنما المقصود هنا التنبيه على جوامع ذلك وطرقه .
وما سكت عنه السمع نفياً وإثباتاً ، ولم يكن فى العقل ما يثبته ولا ما ينفيه
سکتنا عنه ، فلا تثبته ولا ننفيه .
فتثبت ما علينا ثبوته ، وتنفى ما علينا نفيه ، ونسكت عما لا نعلم نفيه
ولا إثباته والله أعلم .
٨٨

فصل
وأما الأصل الثانى ( وهو التوحيد فى العبادات) المتضمن للإيمان بالشرع
والقدر جميعاً .
فنقول: لا بد من الإيمان بخلق الله وأمره، فيجب الإيمان بأن اللّه خالق
كل شىء وربه ومليكه ، وأنه على كل شىء قدير ، وأنه ما شاء كان وما لم يشأ
لم يكن ، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
وقد علم ما سيكون قبل أن يكون ، وقدر المقادير وكتبها حيث شاء ،
كما قال تعالى: (أَلَوْتَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَبٍ إِنَّ
ذَلِكَ عَلَى اللّهِيَسِيرٌ).
وفى الصحيح عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال: ((إن الله قدر مقادير
الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة وكان عرشه
على الماء )).
ويجب الإيمان بأن الله أمر بعبادته وحده لاشريك له ، كما خلق الجن
والإنس لعبادته ، وبذلك أرسل رسله ، وأنزل كتبه ، وعبادته تتضمن
٨٩

كمال الذل والحب له، وذلك يتضمن كمال طاعته (مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ
أَطَاعَ اللَّهَ).
وقد قال تعالى: (وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ) وقال تعالى:
( إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِ يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ) وقال تعالى: (وَسْئَلّ
مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِنْ زُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَنِءَالِهَةَ يُعْبَدُونَ)
(وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِىّ إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلََّ أَنَاْ فَاعْبُدُونِ ).
شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِىَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ
وقال تعالى : (
وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَىَّ أَنْ أَقِيمُواْالَّذِينَ وَلَا نَشَفَرَّقُواْ فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ
مَانَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ ) وقال تعالى: ( يَأَيُهَا الرّسُلُ كُلُواْ مِنَ الطَِّبَتِ وَأَعْمَلُواْ صَلِحً إِنِِّ بِمَا
تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ * وَإِنَّ هَذِهِ: أُمَّتَكُمْ أُمَّةً وَحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَأَنَّقُونِ )
فأمر الرسل باقامة الدين وأن لا يتفرقوا فيه .
ولهذا قال النبى صلى الله عليه وسلم فى الحديث الصحيح: (( إنا معاشر
الأنبياء ديننا واحد، والأنبياء إخوة لعلات ، وإن أولى الناس بابن مريم لأنا؛
إنه ليس بینی و بينه نی » .
وهذا الدين هو دين الإسلام، الذى لا يقبل الله ديناً غيره، لا من الأولين
ولا من الآخرين ، فإن جميع الأنبياء على دين الإسلام ، قال الله تعالى عن نوح
( وَآَتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَقَوْمِ إِن كَانَ كَبُرُ عَلَيْكُ مَّقَامِى وَتَذْكِيرِى بِنَايَتِ اللَّهِ فَعَلَى
٩٠

اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَ جْمِعُوْ أَمَْكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ) إلى قوله: ( وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ
اُلْمُسْلِمِينَ ).
وقال عن ابراهيم: ( وَمَنْ يَرْغَبُ عَن مِّلَّةٍ إِبْرَهِمَ إِلََّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ)
إلى قوله ؛ (إِذْ قَالَ لَهُرَبُّهُ, أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَلَمِينَ) إلى قوله: (فَلاَ تَمُوتُنَّ
إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ).
وقال عن موسى : ( يَقَوْمِ إِن كُنتُمْ ءَامَنُثُم بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَلُواْ إِن كُنُثُم مُّسْلِمِينَ) وقال
فى خبر المسيح: ( وَإِذْأَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِتِّعْنَ أَنْ ءَامِنُواْبِى وَبِرَسُولِ قَالُواْءَامَنَّا
وَأَشْهَدْ بِأَنتَنَا مُسْلِمُونَ).
وقال فيمن تقدم من الأنبياء : (يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ)
وقال عن بلقيس أنها قالت : (رَبِّ إِنِ ظَلَمْتُ نَفْسِى وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِرَبِّ
اُلْعَلَمِينَ ).
فالإسلام يتضمن الاستسلام لله وحده ؛ فمن استسلم له ولغيره كان مشركا،
ومن لم يستسلم له كان مستكبراً عن عبادته ، والمشرك به والمستكبر عن عبادته
کافر ، والاستسلام له وحده يتضمن عبادته وحده، وطاعته وحده .
فهذا دين الإسلام الذى لا يقبل اللّه غيره ؛ وذلك إنما يكون بأن يطاع فى
كل وقت ، بفعل ما أمر به فى ذلك الوقت ؛ فاذا أمر فى أول الأمر باستقبال
٩١

الصخرة ، ثم أمرنا ثانياً باستقبال الكعبة : كان كل من الفعلين حين أمر به
داخلا فى الإسلام.
فالدين هو الطاعة والعبادة له فى الفعلين ؛ وإنما تنوع بعض صور الفعل
وهو وجه المصلى ، فكذلك الرسل دينهم واحد وإن تنوعت الشرعة والمنهاج،
والوجه والمنسك ؛ فإن ذلك لا يمنع أن يكون الدين واحداً ، كما لم يمنع ذلك
فى شريعة الرسول الواحد.
واللّه تعالى جعل من دين الرسل : أن أولهم يبشر بآخرهم ويؤمن به ،
وآخرهم يصدق بأولهم ويؤمن به، قال الله تعالى؛ (وَإِذْأَخَذَ الَهُ مِيثَقَ النَّبِيِّنَ
لَمَآءَ اتَّيْتُكُم مِّنْ كِتَبٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّجَآءَ كُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ
بِهِ، وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ ءَ أَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَالِكُمْ إِصْرِيٌّ قَالُواْأَقْرَرْنَا قَالَ فَأَشْهَدُواْ
وَأَنَاْ مَعَكُمْ مِنَ الشَِّهِدِينَ ).
قال ابن عباس : لم يبعث الله نبياً إلا أخذ عليه الميثاق ، لبن بُعث محمد وهو
حى ليؤمنن به ولينصرنه، وأمره أن يأخذ الميثاق على أمته ، لتن بعث محمد وهم
أحياء ليؤمنن به ولينصرنه، وقال تعالى: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَبَ بِالْحَقِّ
مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَبِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَأَحْكُمْ بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا
تَتَّبِعْ أَهْوَآءَ هُمْ عَمَّاجَآءَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلِّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا ).
وجعل الإيمان متلازما ، وكفر من قال : إنه آمن ببعض وكفر ببعض
٩٢

قال الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ، وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِقُواْ بَيْنَ اْللَّهِ
وَرُسُلِهِ، وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُ واْبَيْنَ ذَلِكَ
سَبِيلاً * أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَفِرُونَ حَقًّا ) وقال تعالى: (أَفَتُؤْ مِنُونَ بِبَعْضِ اَلْكِنَبِ
وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍِ فَمَا جَزَآءُ مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلَّ خِرِىٌ فِى الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا
وَيَوْمَ الْقِيَمَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِ اٌلْعَذَابِ ) إلى قوله: (تَعْمَلُونَ).
وقد قال لنا: (قُولُوَاْءَامَنَا بِاللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَهِمَ وَ إِسْمَعِيلَ
وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَآ أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَآ أُوْتِىَ النَّبِيُّونَ مِنْ زَّيِّهِمْ
لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ * فَإِنْ ءَامَنُواْ بِمِثْلِ مَآءَا مَنْتُم بِهِ، فَقَدِ أَهْتَدَواْ
وَإِنَوْ فَإَِّا هُمْ فِ شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَ هُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ).
فأمرنا أن نقول: آمنا بهذا كله، ونحن له مسلمون، فمن بلغته رسالة محمد
صلى الله عليه وسلم فلم يقر بما جاء به لم يكن مسلماً، ولا مؤمنا؛ بل يكون كافراً
وإن زعم أنه مسلم أو مؤمن .
كما ذكروا أنه لما أنزل الله تعالى: (وَمَن يَبْتَعْ غَيّرَ اُلْإِسْلَمِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ
قالت اليهود والنصارى : فنحن مسلمون :
وَهُوَ فِ الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَسِرِينَ)
فأنزل الله: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِبُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ) فقالوا: لا نحج
فقال تعالى: (وَمَن كَفَرَ فَإِنَّاللَّهَ غَنِىُّ عَنِ الْعَلَمِينَ ).
فإن الاستسلام لله لا يتم إلا بالإقرار بماله على عباده من حج البيت ؛ كما
٩٣

قال صلى الله عليه وسلم: ((بنى الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن
محمداً رسول الله، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان وحج البيت)).
ولهذا لما وقف النبى صلى اللّه عليه وسلم بعرفة أنزل الله تعالى: ( اُلْيَوْمَ
أَكْعَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَ دِينًا).
وقد تنازع الناس فيمن تقدم من أمة موسى وعيسى ، هل هم مسلمون أم لا؟
((وهو نزاع لفظى، فإن الإسلام الخاص الذى بعث الله به محمداً صلىالله عليه وسلم،
المتضمن الشريعة القرآن: ليس عليه إلا أمة محمد صلى الله عليه وسلم، والإسلام
اليوم عند الإطلاق يتناول هذا، وأما الإسلام العام المتناول لكل شريعة بعث
الله بها نبياً فإنه يتناول إسلام كل أمة متبعة لنبي من الأنبياء.
ورأس الإسلام مطلقاً شهادة أن لا إله إلا الله، وبها بعث جميع الرسل،
كما قال تعالى: (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِى كُلّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُ واْاللَّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّغُوتَ)
وقال تعالى: ( وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِىّ إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّ أَنَا
فَاعْبُدُونِ) وقال عن الخليل: (وَإِذْقَالَ إِنْرَهِيمُ لِأَبِهِ وَقَوْمِهِ: إِنَِّى بَرَآءُ مِمَّا تَعْبُدُونَ *
إِلَّا الَّذِى فَطَرَنِ فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ * وَجَعَلَهَا كَلِمَةٌ بَاقِيَةُ فِىِ عَقِبِهِ، لَعَلَّهُمْ بَرْجِعُونَ) وقال تعالى
عنه: (أَفَرَءَيْتُمْمَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ * أَنْتُمْ وَءَابَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ * فَإِنَهُمْ عَدُوٌّلِيِ إِلََّ رَبَّ
اَلْعَلَمِينَ) وقال تعالى: (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةُ حَسَنَةٌ فِى إِنَزِهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْقَالُواْلِقَوْمِهِمْ
إِنَّا بُرَءَؤ ◌ْ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَابِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَيَبْنَكُمُ الْعَدَوَةُ وَالْبَغْضَآءُ أَبَدًا
٩٤

حَّ تُؤْمِنُواْ بِلَّهِ ) وقال ( وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن زُسُلِنَآ أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَنِءَ الِهَةً
يُعْبَدُونَ )؟.
وذكر عن رسله: كنوح، وهود، وصالح، وغيرهم أنهم قالوا لقومهم:
(أَعْبُدُ واْاللَّهَ مَالَكُمْ مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ ) وقال عن أهل الكهف: ( إِنَّهُمْ فِتْيَةُ ءَامَنُواْ
بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَهُمْ هُدَّى* وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُواْ فَقَالُواْ رَبُّنَا رَبُّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ
لَنْ تَّدْعُواْ مِن دُونِهِ إِلَهَا لَّقَدْ قُلْنَآ إِذَا شَطَطًا) إلى قوله: (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى
اللَّهِ كَذِبًا ).
وقد قال سبحانه: ( إِنَّاللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ مَادُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءٌ)
ذكر ذلك فى موضعین من كتابه .
وقد بين فى كتابه الشرك بالملائكة، والشرك بالأنبياء والشرك بالكواكب،
والشرك بالأصنام،وأصل الشرك الشرك بالشيطان -فقال عن النصارى: (اتَّخَذُوّا
أَخْبَارَهُمْ وَرُهْبَنَهُمْ أَرْبَابًامِّن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ أَبْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوْاْ إِلَّا لِيَعْبُدُوَأْ
إِلَهَا وَاحِدًا لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَّسُبْحَنَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) وقال تعالى: (وَإِذْقَالَ
اَللَّهُ يَعِيسَى أَبْنَ مَرْيَمَ ءَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ التَّخِذُونِ وَأُمِىَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ
مَا يَكُونُ لِىّ أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِى بِحَقِّ إِن كُنْتُ قُلْتُهُ، فَقَدْ عَلِّمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِى وَلَا أَعْلَمُ
مَا فِى نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّمُ الْغُيُوبِ * مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَّرْتَنِ بِعَنِ أَعْبُدُ واْ اللَّهَ رَبِ وَرَبَّكُمْ)
وقال تعالى: (مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ
٩٥

اُلْكِتَبَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَادًالِىِ مِن دُونِ اللَّهِ )
إلى قوله: ( وَلَا يَأْمُرَّكُمْ أَنْ تَنَّخِذُواْالْلَئِكَةَ وَالنَّبِنَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرَّكُمْ بِالْكُفْرِبَعْدَ إِذْ
أَنْتُم مُسْلِمُونَ)؟ فبين أن اتخاذ الملائكة والنبيين أرباباً كفر.
ومعلوم أن أحداً من الخلق لم يزعم أن الأنبياء، والأحبار، والرهبان،
والمسيح بن مريم، شاركوا الله فى خلق السموات والأرض.
بل ولا زعم أحد من الناس أن العالم له صانعان متكافئان فى الصفات
والأفعال .
بل ولا أثبت أحد من بنى آدم إلهاً مساوياً لله فى جميع صفاته.
بل عامة المشركين بالله: مقرون بأنه ليس شريكه مثله، بل عامتهم يقرون
أن الشريك مملوك له، سواء كان ملكا، أو نبياً ، أو كوكباً، أو صما؛ كما كان
مشركوا العرب يقولون فى تلبيتهم: ((لبيك لا شريك لك، إلا شريكا هو لك،
تملكه وما ملك، فأهلَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتوحيد وقال: ((لبيك
اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك ،
لا شريك لك )» .
وقد ذكر أرباب المقالات : ماجمعوا من مقالات الأولين والآخرين ،
فى الملل والنحل، والآراء والديانات ، فلم ينقلوا عن أحد إثبات شريك مشارك
له فى خلق جميع المخلوقات ، ولا مماثل له فى جميع الصفات ؛ بل من أعظم
٩٦

ما نقلوا فى ذلك قول الثنوية الذين يقولون بالأصلين ((النور)) و((الظلمة))، وإن
النور خلق الخير ، والظلمة خلقت الشر.
ثم ذكر والهم فى الظلبة قولين:
أحدهما : أنها محدثة ، فتكون من جملة المخلوقات له .
والثانى : أنها قديمة ، لكنها لم تفعل إلا الشر، فكانت ناقصة فى ذاتها
وصفاتها ومفعولاتها عن النور.
وقد أخبر سبحانه عن المشركين من إقرارهم بأن الله خالق المخلوقات ما بينه
فى كتابه فقال: ( وَلَيِنِ سَأَلْتَّهُم مَنْ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَّهَ يْتُم
مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرِّهَلْ هُنَّ كَشِفَتُ ضُرٍِّ أَوْ أَرَادَنِ بِرَحْمَةٍ هَلْ
هُنَ مُمْسِكَتُ رَحْمَتِهِ، قُلْ حَسْبِىَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكُونَ )
وقال تعالى: (قُل لِّمَنِ الْأَرْضُ وَمَن فِيهَآ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ.
سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلاَ
تَذَكَّرُونَ * قُلْ مَنْ رَبُّ الشَّمَوَتِ السَّْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ * سَيَقُولُونَ لِلّهِ
قُلْ أَفَلَا نَتَّقُونَ) إلى قوله ( فَأَنَّ تُسْحَرُونَ) إلى قوله (مَاأَّخَذَ
اللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلٍَّ إِذَا لَّذَهَبَ كُلَّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضِ
سُبْحَنَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ)، وقال: (وَمَايُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ
إِلَّاوَهُمْ مُشْرِكُونَ ).
وبهذا وغيره : يعرف ما وقع من الغلط فى مسمى التوحيد ، فإن عامة
٩٧

المتكلمين الذين يقررون التوحيد فى كتب الكلام والنظر : غايتهم أن يجعلوا
التوحيد (ثلاثة أنواع).
فيقولون: هو واحد فى ذاته لا قسم له ، وواحد فى صفاته لا شبيه له ،
وواحد فى أفعاله لا شريك له .
وأشهر الأنواع الثلاثة عندهم هو الثالث ، وهو « توحيد الأفعال » وهو
أن خالق العالم واحد ، وهم يحتجون على ذلك بما يذكرونه من دلالة التمانع
وغيرها ، ويظنون أن هذا هو التوحيد المطلوب ، وأن هذا هو معنى قولنا
لا إله إلا الله، حتى قد يجعلوا معنى الإلهية القدرة على الاختراع.
ومعلوم أن المشركين من العرب الذين بعث إليهم محمد صلى الله عليه وسلم
أولا : لم يكونوا يخالفونه فى هذا ، بل كانوا يقرون بأن الله خالق كل شىء ،
حتى إنهم كانوا يقرون بالقدر أيضاً ، وهم مع هذا مشركون .
فقد تبين أن ليس فى العالم من ينازع فى أصل هذا الشرك ؛ ولكن غاية
ما يقال: إن من الناس من جعل بعض الموجودات خلقاً لغير الله ، كالقدرية
وغيرهم ؛ لكن هؤلاء يقرون بأن اللّه خالق العباد وخالق قدرتهم ، وإن قالوا
إنهم خلقوا أفعالهم .
وكذلك أهل الفلسفة والطبع والنجوم ، الذين يجعلون أن بعض المخلوقات
مبدعة لبعض الأمور ، هم مع الإقرار بالصانع يجعلون هذه الفاعلات مصنوعة
٩٨

مخلوقة ، لا يقولون إنها غنية عن الخالق مشاركة له فى الخلق ، فأما من أنكر
الصانع فذاك جاحد معطل للصانع ، كالقول الذى أظهر فرعون .
والكلام الآن مع المشركين بالله ، المقرين بوجوده ، فإن هذا التوحيد
الذى قرروه لا ينازعهم فيه هؤلاء المشركون، بل يقرون به مع أنهم مشركون ،
كما ثبت بالكتاب والسنة والإجماع ، وكما علم بالاضطرار من دين الإسلام.
وکذلك « النوع الثانى ، - وهو قولهم: لا شبه له فى صفاته - فإنه ليس
فى الأمم من أثبت قديماً ممائلا له فى ذاته سواء قال إنه يشاركه . أو قال : إنه
لا فعل له ؛ بل من شبه به شيئاً من مخلوقاته فإنما يشبهه به فى بعض الأمور.
وقد علم بالعقل امتناع أن يكون له مثل فى المخلوقات يشاركه فيما يجب
أو يجوز أو يمتنع عليه ؛ فإن ذلك يستلزم الجمع بين النقيضين كما تقدم.
وعلم أيضاً بالعقل أن كل موجودین قائمین بأنفسهما فلا بد بيهما من قدر
مشترك كاتفاقهما فى مسمى الوجود ، والقيام بالنفس ، والذات ونحوذلك،
فإن نفى ذلك يقتضى التعطيل المحض ، وإنه لا بد من إثبات خصائص الربوبية،
وقد تقدم الكلام على ذلك .
ثم إن الجهمية من المعتزلة وغيرهم أدرجوا نفى الصفات فى مسمى التوحيد ،
فصار من قال: إن للّه علماً أو قدرة، أو إنه يرى فى الآخرة ، أو إن القرآن
كلام الله منزل غير مخلوق يقولون: إنه مشبه ليس بموحد.
٩٩

وزاد عليهم غلاة الفلاسفة والقرامطة ، فنفوا أسماءه الحسنى ، وقالوا:
من قال إن الله عليم قدير ، عزيز حكيم : فهو مشبه ليس بموحد .
وزاد عليهم غلاة الغلاة وقالوا : لا يوصف بالنفى ولا الإثبات ؛ لأن فى
كل منهما تشبيهاً له ، وهؤلاء كلهم وقعوا من جنس التشبيه فيما هو شر مما فروا
منه ، فإنهم شبهوه بالممتنعات ، والمعدومات ، والجمادات ، فراراً
من تشييهم - بزعمهم- له بالأحياء.
ومعلوم أن هذه الصفات الثابتة لله لا تثبت له على حد ما يثبت مخلوق
أصلا ، وهو سبحانه و تعالى لیس کمثله شیء لا فى ذاته ، ولا فى صفاته ، ولا فى
أفعاله ، فلا فرق بين إثبات الذات وإثبات الصفات ؛ فإذا لم يكن فى إثبات
الذات إثبات مماثلة للذوات: لم يكن فى إثبات الصفات إثبات مماثلة له فى ذلك ،
فصار هؤلاء الجهمية المعطلة يجعلون هذا توحيداً ؛ ويجعلون مقابل ذلك التشيه،
ويسمون نفوسهم الموحدين .
وكذلك ((النوع الثالث)) وهو قولهم: هو واحد لا قسيم له فى ذاته،
أو لا جزء له، أو لا بعض له ؛ لفظ مجمل، فإن الله سبحانه أحد صمد ، لم
يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد ؛ فيمتنع عليه أن يتفرق، أو يتجزأ ،
أو يكون قد ركب من أجزاء ؛ لكنهم يدرجون فى هذا اللفظ نفى علوه على
عرشه ، ومباينته لخلقه ، وامتيازه عنهم ، ونحو ذلك من المعانى المستلزمة
لنفيه وتعطيله ، ويجعلون ذلك من التوحيد .
١٠٠