Indexed OCR Text
Pages 41-60
القاعدة الثانية أن ما أخبر به الرسول عن ربه فإنه يجب الإيمان به - سواء عرفنا معناه أولم نعرف - لأنه الصادق المصدوق ؛ فما جاء فى الكتاب والسنة وجب على كل مؤمن الإيمان به وإن لم يفهم معناه . وكذلك ما ثبت باتفاق سلف الأمة وأئمتها ، مع أن هذا الباب يوجد عامته منصوصا فى الكتاب والسنة ، متفق عليه بين سلف الأمة . وما تنازع فيه المتأخرون نفياً وإثباتاً فليس على أحد، بل ولا له : أن يوافق أحداً على إثبات لفظه أو نفيه حتى يعرف مراده ، فإن أراد حقاً قبل، وإن أراد باطلا رد، وإن اشتمل كلامه على حق وباطل لم يقبل مطلقاً ولم يرد جميع معناه ، بل يوقف اللفظ ويفسر المعنى ، كما تنازع الناس فى الجهة والتحيز وغير ذلك . فلفظ الجهة قد يراد به شىء موجود غير اللّه فيكون مخلوقاً، كما إذا أريد بالجهة نفس العرش ، أو نفس السموات ، وقد يراد به ما ليس بموجود غیر الله تعالى، كما إذا أريد بالجهة ما فوق العالم. ومعلوم أنه ليس فى النص إثبات لفظ الجهة ولا نفيه ، كما فيه إثبات العلو والاستواء ، والفوقية والعروج إليه ونحو ذلك ، وقد علم أن ما ثم موجود ٤١ إلا الخالق والمخلوق ، واخالق مباين للمخلوق ۔۔ سبحانه وتعالی۔۔ ليس فى مخلوقاته شىء من ذاته ؛ ولا فى ذاته شىء من مخلوقاته . فيقال لمن نفى الجهة : أتريد بالجهة أنها شىء موجود مخلوق؟ فاللّه ليس داخلا فى المخلوقات ، أم تريد بالجهة ما وراء العالم ؟ فلا ريب أن اللّه فوق العالم مباين للمخلوقات . وكذلك يقال لمن قال الله فى جهة: أتريد بذلك أن اللّه فوق العالم ؟ أو تريد به أن الله داخل فى شىء من المخلوقات؟ فإن أردت الأول فهو حق ، وإن أردت الثانى فهو باطل . وكذلك لفظ التحيز: إن أراد به أن اللّه تحوزه المخلوقات فالله أعظم وأكبر؛ بل قد وسع كرسيه السموات والأرض، وقد قال الله تعالى: ( وَمَاقَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ، وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَوَاتُ مَطْوِنَاتٌ بِيَمِينِهِ). وقد ثبت فى الصحاح عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((يقبض الله الأرض ويطوى السموات بيمينه ثم يقول: أنا الملك أين ملوك الأرض؟» وفى حديث آخر: ((وإنه ليدحوها كما يدحو الصبيان بالكرة» وفى حديث ابن عباس: ((ما السموات السبع والأرضون السبع وما فيهن فى يد الرحمن إلا كثردلة فی ید أحدكم». وإن أراد به أنه منحاز عن المخلوقات ؛ أى مباين لها منفصل عنها ليس حالا فيها: فهو سبحانه كما قال أئمة السنة : فوق سمواته على عرشه بائن من خلقه. ٤٢ القاعدة الثالثة إذا قال القائل : ظاهر النصوص مراد أو ظاهرها ليس بمراد. فإنه يقال: لفظ الظاهر فيه إجمال واشتراك ؛ فإن كان القائل يعتقد أن ظاهرها التمثيل بصفات المخلوقين أو ما هو من خصائصهم فلا ريب أن هذا غير مراد؛ ولكن السلف والأئمة لم يكونوا يسمون هذا ظاهرها، ولا يرتضون أن يكون ظاهر القرآن والحديث كفراً وباطلا، والله سبحانه وتعالى أعلم وأحكم من أن يكون كلامه الذى وصف به نفسه لا يظهر منه إلا ماهو كفر أو ضلال، والذين يجعلون ظاهرها ذلك يغلطون من وجهين : قارة يجعلون المعنى الفاسد ظاهر اللفظ، حتى يجعلوه محتاجاً إلى تأويل يخالف الظاهر ، ولا يكون كذلك. وتارة يردون المعنى الحق الذى هو ظاهر اللفظ ، لاعتقادهم أنه باطل . (فالأول) كما قالوا فى قوله: «عبدی جعت فلم قطعمنى، الحديث، وفى الأثر الآخر: ((الحجر الأسود يمين الله فى الأرض، فمن صامخه أو قبله فكأنما صافح الله وقبل يمينه)) وقوله: ((قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن)) فقالوا : قد علم أن ليس فى قلوبنا أصابع الحق. ٤٣ فيقال لهم: لو أعطيتم النصوص حقها من الدلالة لعلمتم أنها لم تدل إلا على حق. أما (الواحد) فقوله: ((الحجر الأسود يمين اللّه فى الأرض فمن صافه وقبله فكا تما صافح اللّه وقبل يمينه)) صريح فى أن الحجر الأسود ليس هو صفة لله ولا هو نفس يمينه؛ لأنه قال: ((يمين الله فى الأرض)) وقال: ((فمن قبله وصافه فكانما صافح اللّه وقبل يمينه)) ومعلوم أن المشبه ليس هو المشبه به. ففى نفس الحدیث بیان أن مستلمه لیس مصافاً لله ؛ وأنه ليس هو نفس يمينه ؛ فكيف يجعل ظاهره كفراً لأنه محتاج إلى التأويل . مع أن هذا الحديث إنما يعرف عن ابن عباس؟ وأما الحديث الآخر: فهو فى الصحيح مفسراً: ((يقول اللّه عبدى! جعت فلم تطعمنى، فيقول : رب! كيف أطعمك وأنت رب العالمين؟ فيقول: أما علمت أن عبدى فلاناً جاع فلو أطعمته لوجدت ذلك عندى، عبدى! مرضت فلم تعدنى، فيقول: رب ! كيف أعودك وأنت رب العالمين؟ فيقول : أما علمت أن عبدی فلاناً مرض فلو عدته لوجدتنى عنده )) . وهذا صريح فى أن الله سبحانه لم يمرض ولم يجع، ولكن مرض عبده وجاع عبده، جعل جوعه جوعه، ومرضه مرضه، مفسراً ذلك بأنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندى ، ولو عدته لوجدتنى عنده ؛ فلم يبق فى الحديث لفظ يحتاج إلى تأويل . ٤٤ وأما قوله قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن : فإنه ليس فى ظاهره أن القلب متصل بالأصابع، ولا ماس لها ، ولا أنها فى جوفه، ولا فىقول القائل هذا بين يدى ما يقتضى مباشرته ليديه. وإذا قيل: السحاب المسخر بين السماء والأرض لم يقتض أن يكون مماساً للسماء والأرض ونظائر هذا كثيرة. وما يشبه هذا القول أن يجعل اللفظ نظيراً لما ليس مثله، كما قيل فى قوله ( مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَىَّ)؟ فقيل هو مثل قوله: (أَوَلَمْ بَرَوْ أَنَّا خَلَقْنَالَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَآ أَنْعَمًا)؟ فهذا ليس مثل هذا؛ لأنه هنا أضاف الفعل إلى الأيدى؛ فصار شيبها بقوله: (فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ) وهنا أضاف الفعل إليه فقال: ( لِمَا خَلَقْتُ ) ثم قال: (بِيَدَىَ). وأيضاً : فإنه هنا ذكر نفسه المقدسة بصيغة المفرد ، وفى اليدين ذكر لفظ الثنية، كما فى قوله: (بَّ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ ) وهناك أضاف الأيدى إلى صيغة الجمع، فصار كقوله: ( تَجْرِىِبِأَعْيُنِنَا ). وهذا فى (الجمع) نظير قوله: (بِيَدِالْمُلْكُ)، (بِيَدِكَ الْخَيْرُ) فى (المفرد) فالله سبحانه وتعالى يذكر نفسه تارة بصيغة المفرد مظهراً أو مضمراً، وتارة بصيغة الجمع، كقوله: ( إِنَّافَتَحْنَا لَكَ فَتْحًامُبِينًا ) وأمثال ذلك. ولا يذكر نفسه بصيغة التثنية قط ؛ لأن صيغة الجمع تقتضى التعظيم الذى يستحقه ؛ وربما تدل على معانى أسمائه . ٤٥ وأما صيغة التثنية فتدل على العدد المحصور وهو مقدس عن ذلك ، فلو قال: ( مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَىَّ) لما كان كقوله: (مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَآَ) وهو نظير قوله: (بِيَدِهِالْمُلْكُ) (بِيَدِكَ الْخَيْرُ) ولو قال (خَلَقْتُ) بصيغة الإفراد لكان مفارقاً له؛ فكيف إذا قال خلقت بيدى؟ بصيغة التثنية . هذا مع دلالات الأحاديث المستفيضة بل المتواترة وإجماع السلف على مثل ما دل عليه القرآن، كما هو مبسوط فى موضعه، مثل قوله: ((المقسطون عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن وكلتا يديه يمين : الذين يعدلون فى حكمهم وأهليهم وما ولوا، وأمثال ذلك . وإن كان القائل يعتقد أن ظاهر النصوص المتنازع فى معناها من جنس ظاهر النصوص المتفق على معناها - والظاهر هو المراد فى الجميع - فإن الله لما أخبر أنه بكل شىء عليم ، وأنه على كل شىء قدير ، واتفق أهل السنة وآئمة المسلمين على أن هذا على ظاهره ، وأن ظاهر ذلك مراد : كان من المعلوم أنهم لم يريدوا بهذا الظاهر أن يكون عليه كعلمنا وقدرته كقدرتنا. وكذلك لما اتفقوا على أنه حى حقيقة ، عالم حقيقة ، قادر حقيقة ؛ لم يكن مرداهم أنه مثل المخلوق الذى هو حى عليم قدير ؛ فكذلك إذا قالوا فى قوله تعالى: ( يُحِبُهُمْ وَيُحِبُّونَهُ) (رَضِىَ اَللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ)، وقوله: (ثُمَّأَسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ ) أنه على ظاهره لم يقتض ذلك أن يكون ظاهره استواء كاستواء المخلوق، ولاحباً كحبه ، ولا رضا كرضاه. ٤٦ فإن كان المستمع يظن أن ظاهر الصفات تماثل صفات المخلوقين لزمه أن لا يكون شىء من ظاهر ذلك مرادا . وإن كان يعتقد أن ظاهرها ما يليق بالخالق ويختص به لم يكن له نفى هذا الظاهر ، ونفى أن يكون مراداً إلا بدليل يدل على النفى؛ وليس فى العقل ولا السمع ما ینفی هذا إلا من جنس ما ينفى به سائر الصفات ، فیکون الكلام فى الجميع واحدا . وبيان هذا أن صفاتنا منها ما هى أعيان وأجسام ، وهى أبعاض لنا ، كالوجه ، واليد: ومنها ما هو معان وأعراض، وهى قائمة بنا: كالسمع والبصر والكلام والعلم والقدرة . ثم إن من المعلوم أن الرب لما وصف نفسه بأنه حى عليم قدير: لم يقل المسلمون إن ظاهر هذا غیر مراد، لأن مفهوم ذلك فى حقه مثل مفهومه فى حقنا ؛ فكذلك لما وصف نفسه بأنه خلق آدم بيديه لم يوجب ذلك أن يكون ظاهره غير مراد ، لأن مفهوم ذلك فى حقه كمفهومه فى حقنا . بل صفة الموصوف تناسبه . فإذا كانت نفسه المقدسة ليست مثل ذوات المخلوقين، فصفاته کذاته ليست کصفات المخلوقين، ونسبة صفة المخلوق إليه کنسبة صفة الخالق إلیه وليس المنسوب كالمنسوب ، ولا المنسوب إليه کالمنسوب إليه، كما قال صلى الله عليه وسلم ((ترون ربكم كما ترون الشمس والقمر، فشبه الرؤية بالرؤية، ولم يشبه المرئى بالمرئى . ٤٧ وهذا يعبين بالقاعدة الرابعة وهو أن كثيرا من الناس يتوهم فى بعض الصفات أو كثير منها ؛ أو أكثرها أو كلها ، أنها تماثل صفات المخلوقين، ثم يريد أن ينفى ذلك الذى فهمه ، فيقع فى (أربعة أنواع) من المحاذير :- (أحدها ) كونه مثل ما فهمه من النصوص بصفات المخلوقين ، وظن أن مدلول النصوص هو التمثيل . (الثانى) أنه إذا جعل ذلك هو مفهومها وعطله بقيت النصوص معطلة عما دلت عليه من إثبات الصفات اللائقة بالله. فيبقى مع جنايته على النصوص؛ وظنه البيئ الذى ظنه بالله ورسوله - حيث ظن أن الذى يفهم من كلامهما هو التمثيل الباطل-قد عطل ما أودع الله ورسوله فى كلامهما من إثبات الصفات لله، والمعانى الإلهية اللائقة بجلال الله تعالى. (الثالث) أنه ينفى تلك الصفات عن الله عز وجل بغير علم؛ فيكون معطلا لما يستحقه الرب. ٤٨ ( الرابع) أنه يصف الرب بنقيض تلك الصفات ، من صفات الأموات والجمادات ، أو صفات المعدومات ، فيكون قد عطل به صفات الکال التى يستحقها الرب ، ومثله بالمنقوصات والمعدومات ، وعطل النصوص عما دلت عليه من الصفات ، وجعل مدلولها هو التمثيل بالمخلوقات . فيجمع فى كلام الله وفى اللّه بين التعطيل والتمثيل؛ فيكون ملحداً فى أسماء الله وآياته. (مثال) ذلك أن النصوص كلها دلت على وصف الإله ، بالعلو والفوقية على المخلوقات، واستوائه على العرش - فأما علوه ومباينته للمخلوقات فيعلم بالعقل الموافق للسمع ؛ وأما الاستواء على العرش فطريق العلم به هو السمع . وليس فى الكتاب والسنة وصف له بأنه لا داخل العالم ولا خارجه ، ولا مباينه ولا مداخله . فيظن المتوهم أنه إذا وصف بالاستواء على العرش : كان استواؤه كاستواء الإنسان على ظهور الفلك والأنعام ؛ كقوله: ( وَجَعَلَ لَكُ مِنَ الْفُلْكِ وَاُلْأَنْعَمِ مَاتَرَّكَبُونَ * لِتَسْتَوُرِأُعَلَى ظُهُورِ). فيتخيل له أنه إذا كان مستوياً على العرش كان محتاجاً إليه ، حاجة المستوى على الفلك والأنعام ، فلو غرقت السفينة لسقط المستوى عليها ولو عثرت الدابة لخر المستوى عليها . فقياس هذا أنه لو عدم العرش لسقط الرب سبحانه وتعالى. ثم يريد بزعمه أن ينفى هذا فيقول : ليس استواؤه بقعود ولا استقرار ، ٤٩ ولا يعلم أن مسمى القعود والاستقرار يقال فيه ما يقال فى مسمى الاستواء ؛ فإن كانت الحاجة داخلة فى ذلك: فلا فرق بين الاستواء والقعود والاستقرار، وليس هو بهذا المعنى مستوياً ولا مستقراً ولا قاعداً ، وإن لم يدخل فى مسمى ذلك إلا ما يدخل فى مسمى الاستواء فإثبات أحدهما ونفى الآخر تحكم. وقد علم أن بين مسمى الاستواء والاستقرار والقعود فروقاً معروفة. ولكن المقصود هنا أن يعلم خطأ من ينفى الشىء مع إثبات نظيره ، وكأن هذا الخطأ من خطئه فى مفهوم استوائه على العرش ، حيث ظن أنه مثل استواء الإنسان على ظهور الأنعام والفلك ، وليس فى هذا اللفظ ما يدل على ذلك ؛ لأنه أضاف الاستواء إلى نفسه الكريمة كما أضاف إليه سائر أفعاله وصفاته. فذكر أنه خلق ثم استوى ، كما ذكر أنه قدر فهدى ، وأنه بنى السماء بأيد ، وكما ذكر أنه مع موسى وهرون يسمع ويرى وأمثال ذلك. فلم يذكر استواء مطلقاً يصلح للمخلوق ، ولا عاما يتناول المخلوق كما لم يذكر مثل ذلك فى سائر صفاته، وإنما ذكر استواء أضافه إلى نفسه الكريمة . فلو قدر ـ على وجه الفرض الممتنع - أنه هو مثل خلقه - تعالى عن ذلك - لكان استواؤه مثل استواء خلقه ، أما إذا كان هو ليس مماثلا لخلقه بل قد علم أنه الغنى عن الخلق، وأنه الخالق للعرش ولغيره ، وأن كل ما سواه مفتقر إليه ٥٠ وهو الغنى عن كل ما سواه، وهو لم يذكر إلا استواء يخصه، لم يذكر استواء یتناول غیره ولا يصلح له - كما لم يذكر فى علمه وقدرته ورؤيته وسمعه وخلقه إلا ما يختص به - فكيف يجوز أن يتوهم أنه إذا كان مستوياً على العرش كان محتاجاً إليه ، وأنه لوسقط العرش لخر من عليه؟ سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون والجاحدون علواً كبيراً . هل هذا إلا جهل محض وضلال ممن فهم ذلك وتوهمه، أو ظنه ظاهر اللفظ ومدلوله، أو جوَّز ذلك على رب العالمين الغنى عن الخلق؟. بل لو قدر أن جاهلا فهم مثل هذا وتوهمه لبين له أن هذا لا يجوز ، وأنه لم يدل اللفظ عليه أصلا ، كما لم يدل على نظائره فى سائر ما وصف به الرب نفسه . فلما قال سبحانه وتعالى: (وَالسَّمَءَ بَيْنَهَا بِأَثِيْدٍ ) فهل يتوهم متوهم أن بناءه مثل بناء الآدمى المحتاج ، الذى يحتاج إلى زنييل ومجارف وضرب لبن وَجَبْل طين وأعوان؟ ثم قد علم أن الله تعالى خلق العالم بعضه فوق بعض ، ولم يجعل عاليه مفتقراً إلى سافله ، فالهواء فوق الأرض وليس مفتقراً إلى أن تحمله الأرض، والسحاب أيضاً فوق الأرض وليس مفتقراً إلى أن تحمله ، والسموات فوق الأرض وليست مفتقرة إلى حمل الأرض لها ؛ فالعلى الأعلى رب كل شىء ٥١ ومليكه إذا كان فوق جميع خلقه : كيف يجب أن يكون محتاجاً إلى خلقه أو عرشه؟ أو كيف يستلزم علوه على خلقه هذا الافتقار وهو ليس بمستلزم فى المخلوقات؟ وقد علم أن ماثبت لمخلوق من الغنى عن غيره فالخالق سبحانه وتعالى أحق به وأولى. وكذلك قوله: (ءَأَمِنْتُمْ مَّن فِ السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِى تَمُورُ ) من توهم أن مقتضى هذه الآية أن يكون الله فى داخل السموات فهو جاهل ضال بالاتفاق، وإن كنا إذا قلنا : إن الشمس والقمر فى السماء يقتضى ذلك ، فإن حرف(فی) متعلق بما قبله وبما بعده - فهو بحسب المضاف إليه. ولهذا يفرق بين كون الشىء فى المكان، وكون الجسم فى الحيز ، وكون العرض فى الجسم، وکون الوجه فىالمرآة، و کون الكلام فى الورق، فإن لكل نوع من هذه الأنواع خاصة يتميز بها عن غيره، وإن كان حرف(فى) مستعملا فى ذلك. فلو قال قائل : العرش فى السماء أو فى الأرض؟ لقيل فى السماء، ولو قيل: الجنة فى السماء أم فى الأرض؟ لقيل الجنة فى السماء ؛ ولا يلزم من ذلك أن يكون العرش داخل السموات ، بل ولا الجنة . فقد ثبت فى الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إذا سألتم اللّه الجنة فاسألوه الفردوس ، فإنه أعلى الجنة ، وأوسط الجنة ، وسقفها عرش الرحمن، فهذه الجنة سقفها الذى هو العرش فوق الأفلاك . مع أن الجنة فى ٥٢ السماء يراد به العلو، سواء كان فوق الأفلاك أو تحتها، قال تعالى: ( فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ) وقال تعالى: ( وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَآءُ طَهُورًا ). ولما كان قد استقر فى نفوس المخاطبين أن الله هو العلى الأعلى؛ وأنه فوق كل شىء كان المفهوم من قوله : إنه فى السماء أنه فى العلو ، وأنه فوق كل شىء . وكذلك الجارية لما قال لها أين الله؟ قالت فى السماء، إنما أرادت العلو، مع عدم تخصيصه بالأجسام المخلوقة وحلوله فيها ، وإذا قيل : العلو فإنه يتناول ما فوق المخلوقات كلها ، فما فوقها كلها هو فى السماء، ولا يقتضى هذا أن يكون هناك ظرف وجودى يحيط به ، إذ ليس فوق العالم شىء موجود إلا الله . كما لو قيل : العرش فى السماء ، فإنه لا يقتضى أن يكون العرش فى شىء آخر موجود مخلوق ، وان قدر أن السماء المراد بها الأفلاك : كان المراد أنه عليها، كما قال: (وَلَأَصَلِّبَنَّكُمْ فِ جُذُوعِالنَّخْلِ ) وكما قال: ( فَسِيرُوا فِى الْأَرْضِ) وكما قال: (فَسِيحُوا فِى الْأَرْضِ ) ويقال: فلان فى الجبل ، وفى السطح ، وإن کان علی أعلی شیء فيه . ٥٣ القاعدة الخامسة أنا نعلم لما أخبرنا به من وجه دون وجه . فإن اللّه قال: ( أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْءَانَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُ وافِيهِ اخْتِلَفَّا كَثِيرًا ) وقال: ( أَفَلَمْ يَدَّبَّرُواْاَلْقَوَّلَ) وقال: (كِتَبُّ أَنْزَلْنَهُ إِلَيْكَ مُبَكٌ لِيَّبَّرُوْءَإِيَتِهِ، وَلِيَنَذَكَّرَ أُوْلُواْ الْأَلْبَبِ) وقال: (أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْءَانَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ). فأمر بتدبر الکتاب كله . وقد قال تعالى: (هُوَ الَّذِىَ أَنَزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَبَ مِنْهُ ءَايَكُ تُحْكَمَتُ هُنَّ أُمُ الْكِنَبِ وَأَخَرُ مُتَشَبِهَتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِ قُلُوبِهِمْ زَيِّغٌ فَيَتَّعُونَ مَا تَشَبَهَ مِنْهُ أَبْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَأَبْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ، وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ: إِلَّ اللَّهُ وَالزَّسِخُونَ فِ الْعِلْمِ يَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِ كُلِّ مِّنْ عِندِ رَيِّنَا وَمَا يَكَّرُ إِلَّ أُوْلُواْ الْأَلْبَبِ ). وجمهور سلف الأمة وخلفها على أن الوقف على قوله : ( وَمَايَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ: إِلَّا اللّهُ) وهذا هو المأثور عن أبى بن كعب ، وابن مسعود ، وابن عباس وغيرهم. ٥٤ وروى عن ابن عباس أنه قال : التفسير على أربعة أوجه ، تفسير تعرفه العرب من كلامها، وتفسير لا يعذر أحد بجهالته ، وتفسير تعلمه العلماء ، وتفسير لا يعلمه إلا الله، من ادعى عله فهو كاذب. وقد روى عن مجاهد وطائفة: أن الراسخين فى العلم يعلمون تأويله وقد قال مجاهد: عرضت المصحف على ابن عباس من فاتحته إلى خاتمته ، أقفه عند كل آية وأسأله عن تفسيرها . ولا منافاة بين القولين عند التحقيق . فإن لفظ ( التأويل ) قد صار بتعدد الاصطلاحات مستعملا فى ثلاثة معان :- (أحدها) - وهو اصطلاح كثير من المتأخرين من المتكلمين فى الفقه وأصوله - أن (التأويل) هو صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح؛ لدليل يقترن به ، وهذا هو الذى عناه أكثر من تكلم من المتأخرين فى تأويل نصوص الصفات ، وترك تأويلها ؛ وهل ذلك محمود أو مذموم ، أو حق أو باطل ؟ ... (الثانى): أن التأويل بمعنى التفسير، وهذا هو الغالب على اصطلاح المفسرين للقرآن ، كما يقول ابن جرير وأمثاله - من المصنفين فى التفسير - واختلف علماء التأويل ، ومجاهد إمام المفسرين ؛ قال الثورى إذا جاءك التفسير عن مجاهد حسبك به، وعلى تفسيره يعتمد الشافعى وأحمد والبخارى وغيرهما ، فإذا ذكر أنه يعلم تأويل المتشابه فالمراد به معرفة تفسيره . ٥٥ ( الثالث) من معانى التأويل : هو الحقيقة التى يؤول إليها الكلام ، كما قال الله تعالى: (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَةُ يَوْمَ يَأْتِى تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَتْ رُسُلُ رَيِّنَا بِالْحَقِّ). فتأويل ما فى القرآن من أخبار المعاد هو ما أخبر اللّه به فيه مما يكون: من القيامة والحساب والجزاء والجنة والنار ونحو ذلك ، كما قال الله تعالى فى قصة يوسف لما بجد أبواه وإخوته ، قال: (يَأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُهْ يَلَىَ مِن قَبْلُ) نجعل عين ما وجد فى الخارج هو تأويل الرؤيا. الثانى : هو تفسير الكلام، وهو الكلام الذى يفسر به اللفظ حتى يفهم معناه ، أو تعرف علته أو دليله . وهذا (التأويل الثالث ) هو عين ما هو موجود فى الخارج ، ومنه قول عائشة: ((كان النى صلى الله عليه وسلم يقول فى ركوعه وسجوده: سبحانك، اللهم ربنا وبحمدك ، اللهم اغفر لى، يتأول القرآن يعنى قوله: (فَسَيِّحْ بِحَمْدٍ رَبِّكَ وَأَسْتَغْفِرُهُ) . وقول سفيان بن عيينة: السنة هى تأويل الأمر والنهى ، فإن نفس الفعل المأمور به: هو تأويل الأمر به، ونفس الموجود المخبر عنه، هو تأويل الخبر . والكلام خبر وأمر . ولهذا يقول أبو عبيد وغيره : الفقهاء أعلم بالتأويل من أهل اللغة ، كما ٥٦ ذ كروا ذلك فى تفسیر اشتمال الصماء ؛ لأن الفقهاء یعلمون تفسیر ما آمر به ونهی عنه؛ لعلمهم بمقاصد الرسول صلى الله عليه وسلم، كما يعلم أتباع بقراط وسيبويه ونحوهما من مقاصدهما ما لا يعلم بمجرد اللغة ؛ ولكن تأويل الأمر والنهى لا بد من معرفته ، بخلاف تأويل الخبر . إذا عرف ذلك: فتأويل ما أخبر الله تعالى به عن نفسه المقدسة المتصفة بما لها من حقائق الأسماء والصفات ، هو حقيقة لنفسه المقدسة ، المتصفة بما لها من حقائق الصفات ، وتأويل ما أخبر الله به تعالى من الوعد والوعيد ، هو نفس ما يكون من الوعد والوعيد . ولهذا ما يجىء فى الحديث نعمل بمحكمه وتؤمن بمتشابه ، لأن ما أخبر الله به عن نفسه وعن اليوم الآخر ، فيه ألفاظ متشابهة يشبه معانيها ما فعله فى الدنيا ، كما أخبر أن فى الجنة لحماً ولبناً ، وعسلا وخمراً ونحو ذلك ، وهذا يشبه ما فى الدنيا لفظاً ومعنى ؛ ولكن ليس هو مثله ولا حقيقته . فأسماء اللّه تعالى وصفاته أولى ، وإن كان بينهما وبين أسماء العباد وصفاتهم تشابه أن لا يكون لأجلها الخالق مثل المخلوق ، ولا حقيقته كقيقته . والإخبار عن الغائب لا يفهم إن لم يعبر عنه بالأسماء المعلومة معانيها فى الشاهد ، ويعلم بها ما فى الغائب بواسطة العلم بما فى الشاهد، مع العلم بالفارق المميز ، وأن ما أخبر الله به من الغيب أعظم مما يعلم فى الشاهد ، وفى الغائب ٥٧ ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، فنحن إذا أخبر نا الله بالغيب الذى اختص به : من الجنة والنار علمنا معنى ذلك وفهمنا ما أريد منا فهمه بذلك الخطاب وفسرنا ذلك . وأما نفس الحقيقة المخبر عنها مثل التى لم تكن بعد ؛ وإنما تكون يوم القيامة فذلك من التأويل الذى لا يعلمه إلا الله . ولهذا لما سئل مالك وغيره من السلف عن قوله تعالى: ( الرَّحْمَنُ عَلَى اُلْعَرْشِ أَسْتَوَى ) قالوا : الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب ، والسؤال عنه بدعة ، وكذلك قال ربيعة شيخ مالك قبله : الاستواء معلوم ، والكيف مجهول ، ومن اللّه البيان ، وعلى الرسول البلاغ ، وعلينا الإيمان . فبين أن الاستواء معلوم ، وأن كيفية ذلك مجهول ، ومثل هذا يوجد كثيراً فى كلام السلف والأئمة : ينفون علم العباد بكيفية صفات اللّه، وأنه لا يعلم كيف اللّه إلا الله، فلا يعلم ما هو إلا هو، وقد قال النبى صلى الله عليه وسلم: ((لا أحصى ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك)، وهذا فى صحيح مسلم وغيره. وقال فى الحديث الآخر: «اللهم إنى أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك ، أو أنزلته فى كتابك ، أو علمته أحداً من خلقك ، أو استأثرت به فى علم الغيب عندك)) وهذا الحديث فى المسند وصحيح أبى حاتم ، وقد أخبر فيه أن لله من الأسماء ما استأثر به فى علم الغيب عنده. ٥٨ فمعانى هذه الأسماء التى استأثر بها فى علم الغيب عنده لا يعلمها غيره . والله سبحانه أخبرنا أنه عليم قدير ، سميع بصير ، غفور رحيم؛ إلى غير ذلك من أسمائه وصفاته . فنحن نفهم معنى ذلك ، ونميز بين العلم والقدرة ، وبين الرحمة والسمع والبصر ، ونعلم أن الأسماء كلها اتفقت فى دلالتها على ذات الله، مع تنوع معانيها ، فهى متفقة متواطئة من حيث الذات ، متباينة من جهة الصفات . وكذلك أسماء النبى صلى الله عليه وسلم، مثل محمد وأحمد والماحى والحاشر والعاقب . وكذلك أسماء القرآن مثل القرآن والفرقان والهدى والنور والتنزيل والشفاء وغير ذلك . ومثل هذه الأسماء تنازع الناس فيها ، هل هى من قبيل المترادفة - لاتحاد الذات - أو من قبيل المتباينة لتعدد الصفات ؟ كما إذا قيل: السيف والصارم والمهند، وقصد بالصارم معنى الصرم، وفى المهند النسبة إلى الهند؛ والتحقيق أنها مترادفة فى الذات متباينة فى الصفات . وما يوضح هذا أن الله وصف القرآن كله بأنه محكم وبأنه متشابه ، وفى موضع آخر جعل منه ما هو محكم ومنه ما هو متشابه ، فينبغى أن يعرف الإحكام والتشابه الذى يعمه ؛ والإحكام والتشابه الذى يخص بعضه ، قال ٥٩ اللّه تعالى: (الْرَكِتَبُّ أُخْكِمَتْءَايَتُهُ ثُمَّفُصِّلَتْ ) فأخبر أنه أحكم آياته كلها ، ) فأخبر أنه وقال تعالى: ( اللَّهُنَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِنَبًا مُتَشَبِهَا مَّثَانِ کله متشابه . والحكم هو الفصل بين الشيئين ، فالحاكم يفصل بين الخصمين ، والحكم فصل بين المتشابهات ، علماً وعملا ، إذا ميز بين الحق والباطل ، والصدق والكذب ، والنافع والضار ، وذلك يتضمن فعل النافع وترك الضار ، فيقال : حكمت السفيه وأحكمته ، إذا أخذت على يديه ، وحكمت الدابة وأحكمتها ، إذا جعلت لها حكمة ، وهو ما أحاط بالحنك من اللجام ، وإحكام الشىء إتقانه . فإحكام الكلام إتقانه بتمييز الصدق من الكذب فى أخباره ، وتمييز الرشد من الغى فى أوامره ، والقرآن كله محكم بمعنى الإتقان ، فقد سماه الله حكيما بقوله: ( الّرَِّلْكَ ءَايَتُ الْكِتَبِ الْحَكِيمِ ) فالحكيم بمعنى الحاكم ؛ كما جعله يقص بقوله : ( إِنَّ هَذَا الْقُرََّانَ يَقُصُ عَلَى بَنِ إِسْرَةِ يلَ أَكْتَرَ الَّذِى هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ). وجعله مفتياً فى قوله: (قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَبِ) أى ما يتلى عليكم يفتيكم فيهن ، وجعله هادياً ومبشراً فى قوله: (إِنَّ هَذَا الْقُرْءَانَ يَهْدِى لِلَّتِ هِىَ أَقْوَمُ وَيُبَشْرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَِّحَتِ). وأما التشابه الذى يعمه فهو ضد الاختلاف المنفى عنه فى قوله: (وَلَوْكَانَ مِنْ ٦٠