Indexed OCR Text

Pages 21-40

أو لا موجوداً ولا معدوماً ، ويمتنع أن يكون يوصف ذلك باجتماع الوجود
والعدم، أو الحياة والموت، أو العلم والجهل ، أو يوصف بنفى الوجود والعدم،
ونفى الحياة والموت، ونفى العلم والجهل.
فإن قلت إنما يمتنع نفى النقيضين عما يكون قابلا لها ، وهذان يتقابلان
تقابل العدم والملكة؛ لا تقابل السلب والإيجاب، فإن الجدار لا يقال له أعمى
ولا بصير، ولا حى ولا ميت ، إذليس بقابل لهما .
قيل لك : أولاً هذا لا يصح فى الوجود والعدم ، فإنهما متقابلان تقابل
السلب والإيجاب باتفاق العقلاء، فيلزم من رفع أحدهما ثبوت الآخر.
وأما ما ذكرته من الحياة والموت ، والعلم والجهل : فهذا اصطلاح
اصطلحت عليه المتفلسفة المشاءون والاصطلاحات اللفظية ليست دليلا على
نفى الحقائق العقلية، وقد قال الله تعالى: ( وَلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ
شَيْئًّاوَهُمْ يُخْلَقُونَ * أَمْوَتُّ غَيْرُ أَخْيَاْءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ ) فسمى الجماد
ميتاً ، وهذا مشهور فى لغة العرب وغيرهم.
وقيل لك ثانياً : فما لا يقبل الاتصاف بالحياة والموت والعمى والبصر ونحو
ذلك من المتقابلات أنقص مما يقبل ذلك - فالأعمى الذى يقبل الاتصاف بالبصر
أكمل من الجماد الذى لا يقبل واحداً منهما، فأنت فررت من تشبيه بالحيوانات
القابلة لصفات الكمال ، ووصفته بصفات الجامدات التى لا تقبل ذلك.
٢١

وأيضاً فما لا يقبل الوجود والعدم : أعظم امتناعاً من القابل للوجود
والعدم ؛ بل ومن اجتماع الوجود والعدم ، ونفيهما جميعاً فما نفيت عنه قبول
الوجود والعدم : كان أعظم امتناعاً مما نفيت عنه الوجود والعدم ، وإذا كان
هذا ممتنعاً فى صرائح العقول فذاك أعظم امتناعاً ؛ فجعلت الوجود الواجب الذى
لا يقبل العدم هو أعظم الممتنعات . وهذا غاية التناقض والفساد.
وهؤلاء الباطنية منهم من يصرح برفع النقيضين : الوجود والعدم ؛
ورفعهما جمعهما . ومن يقول لا أثبت واحداً منهما فامتناعه عن إثبات أحدهما
فى نفس الأمر لا يمنع تحقق واحد منهما فى نفس الأمر، وانما هو جهل الجاهل
وسكوت الساكت الذى لا يعبر عن الحقائق. وإذا كان ما لا يقبل الوجود ولا
العدم أعظم امتناعاً مما يقدر قبوله لها - مع نفيهما عنه - فما يقدر لا يقبل الحياة
ولا الموت ، ولا العلم ولا الجهل ، ولا القدرة ولا العجز، ولا الكلام ولا
الخرس ، ولا العمى ولا البصر، ولا السمع ولا الصمم : أقرب إلى المعدوم
الممتنع مما يقدر قابلا لها - مع نفيهما عنه - وحينئذ فنفيهما مع كونه قابلا لها
أقرب إلى الوجود والممكن ، وماجاز لواجب الوجود - قابلا - وجب له؛ لعدم
توقف صفاته على غيره ؛ فإذا جاز القبول وجب ؛ وإذا جاز وجود القبول
وجب؛ وقد بسط هذا فىموضع آخر . وبینوجوب اقصافه بصفات الكمال التى
لا نقص فيها بوجه من الوجوه.
وقيل له أيضاً : اتفاق المسميين فى بعض الأسماء والصفات : ليس هو
٢٢

التشبيه والتمثيل ، الذى نفته الأدلة السمعيات والعقليات ، وإنما نفت ما يستلزم
اشتراكهما فيما يختص به الخالق مما يختص بوجوبه أو جوازه أو امتناعه ؛
فلا يجوز أن يشركه فيه مخلوق، ولا يشركه مخلوق فى شىء من خصائصه
- سبحانه وتعالى.
وأما ما نفيته فهو ثابت بالشرع والعقل، وتسميتك ذلك تشبيهاً وتجسما
تمويه على الجمال ، الذين يظنون أن كل معنى سماه مسم بهذا الاسم يجب نفيه ؛
ولو ساغ هذا : لكان كل مبطل يسمى الحق بأسماء ينفر عنها بعض الناس
ليكذب الناس بالحق المعلوم بالسمع والعقل ، وبهذه الطريقة : أفسدت
الملاحدة على طوائف الناس عقلهم، ودينهم، حتى أخرجوهم إلى أعظم الكفر
والجهالة، وأبلغ الغى والضلالة.
وإن قال نفاة الصفات : إثبات العلم والقدرة والإرادة مستلزم تعدد
الصفات، وهذا تركيب ممتنع. قيل : وإذا قلتم : هو موجود واجب ، وعقل
وعاقل ومعقول وعاشق ومعشوق ولذيذ وملتذ ولذة . أفليس المفهوم من هذا
هو المفهوم من هذا ؟ فهذه معان متعددة متغايرة فى العقل ، وهذا تركيب عندكم،
وأنتم تثبتونه وقسمونه توحيداً.
فإن قالوا : هذا توحيد فى الحقيقة وليس هذا تركيباً ممتنعا . قيل لهم :
واقصاف الذات بالصفات اللازمة لها توحيد فى الحقيقة ، وليس هو تركيباً ممتنعاً.
٢٣

وذلك أنه من المعلوم فى صريح العقول أنه ليس معنى كون الشىء عالما هو
معنى كونه قادراً ، ولانفس ذاته هو نفس كونه عالماً قادراً ؛ فمن جوز أن تكون
هذه الصفة هى الموصوف فهو من أعظم الناس سفسطة ، ثم إنه متناقض ، فإنه
إن جوز ذلك جاز أن يكون وجود هذا هو وجود هذا ، فيكون الوجود واحدا
بالعين لا بالنوع، وحينئذ فإذا كان وجود الممكن هو وجود الواجب كان وجود
كل مخلوق یعدم بعدم وجوده ، ويوجد بعد عدمه : هو نفس وجود الحق
القديم الدائم الباقى، الذى لا يقبل العدم ، وإذا قدر هذا كان الوجود الواجب
موصوفاً بكل تشبيه وتجسيم ، وكل نقص وكل عيب ،كما يصرح بذلك (أهل وحدة
الوجود) الذين طردوا هذا الأصل الفاسد، وحينئذ فتكون أقوال نفاة الصفات
باطلة على كل تقدير .
وهذا باب مطرد ، فإن كل واحد من النفاة لما أخبر به الرسول من
الصفات : لا ينفي شيئاً فراراً بما هو محذور إلا وقد أثبت ما يلزمه فيه نظير
ما فر منه، فلا بد فى آخر الأمر من أن يثبت موجوداً واجباً قديماً ، متصفاً
بصفات تميزه عن غيره ، ولا یکون فیها مماثلا لخلقه .
فيقال له : هكذا القول فى جميع الصفات ، وكل ما تثبته من الأسماء
والصفات: فلا بد أن يدل على قدر تتواطأ فيه المسميات ، ولولا ذلك لما فهم
الخطاب؛ ولكن نعلم أن ما اختص الله به ، وامتاز عن خلقه: أعظم مما يخطر
بالبال ، أو يدور فى الخيال .
٢٤

وهذا ينبين (بالأصل الثاني).
وهو أن يقال : (القول فى الصفات كالقول فى الذات ) ، فإن الله
ليس كمثله شىء لا فى ذاته ، ولا فى صفاته ، ولا فى أفعاله . فإذا كان
له ذات حقيقة لا تماثل الذوات . فالذات متصفة بصفات حقيقة لا تماثل
سائر الصفات .
فإذا قال السائل: كيف استوى على العرش؟ قيل له كما قال ربيعة ومالك
وغيرهما رضى الله عنهما: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به
واجب ، والسؤال عن الكيفية بدعة ، لأنه سؤال عما لا يعلمه البشر ،
ولا يمكنهم الإجابة عنه .
وكذلك إذا قال: كيف ينزل ربنا إلى السماء الدنيا ؟ قيل له : كيف هو؟
فإذا قال : لا أعلم كيفيته، قيل له : ونحن لا نعلم كيفية نزوله، إذ العلم بكيفية
الصفة يستلزم العلم بكيفية الموصوف، وهو فرع له وتابع له ؛ فكيف تطالبنى
بالعلم بكيفية سمعه وبصره ، وتكليمه ، واستوائه ونزوله ، وأنت لا تعلم
كيفية ذاته .
وإذا كنت تقر بأن له حقيقة ثابتة فى نفس الأمر مستوجبة لصفات الكمال
٢٥

لا يماثلها شىء ، فسمعه وبصره وكلامه ، ونزوله واستواؤه : ثابت فى نفس
الأمر ، وهو متصف بصفات الكمال التى لا يشابه فيها سمع المخلوقين وبصرم
وكلامهم ، ونزولهم واستواؤهم.
وهذا الكلام لازم لهم فى العقليات ، وفى تأويل السمعيات : فإن من
أثبت شيئاً ونفى شيئاً بالعقل -إذاً- ألزم فيما نفاه من الصفات التى جاء بها الكتاب
والسنة نظير ما يلزمه فيما أثبته ، ولو طولب بالفرق بين المحذور فى هذا وهذا:
لم يحد بينهما فرقاً .
ولهذا لا يوجد لنفاة بعض الصفات دون بعض- الذين يوجبون فيما نفوه:
إما التفويض ؛ وإما التأويل المخالف لمقتضى اللفظ - قانون مستقيم. فإذا قيل
لهم : لم تأولتم هذا وأقررتم هذا والسؤال فيهما واحد ؟ لم يكن لهم جواب
صحيح ، فهذا تناقضهم فى النفى .
وكذا تناقضهم فى الإثبات ؛ فإن من تأول النصوص على معنى من المعانى
التى يثبتها ، فإنهم إذا صرفوا النص عن المعنى الذى هو مقتضاه إلى معنى آخر:
لزمهم فى المعنى المصروف إليه ما كان يلزمهم فى المعنى المصروف عنه .
فإذا قال قائل : تأويل محبته ورضاه ، وغضبه وسخطه : هو إرادته للثواب
والعقاب؛ كان ما يلزمه فى الإرادة نظير ما يلزمه فى الحب والمقت ، والرضا
والسخط .
٢٦

ولو فسر ذلك بمفعولاته ، وهو ما يخلقه من الثواب والعقاب ، فإنه
يلزمه فى ذلك نظير ما فر منه ، فإن الفعل لا بد أن يقوم أولاً بالفاعل ، والثواب
والعقاب المفعول إنما يكون على فعل ما يحبه ويرضاه ، ويسخطه ويبغضه
المثيب المعاقب ، فهم إن أثبتوا الفعل على مثل الوجه المعقول فى الشاهد للعبد
مثلوا ، وإن أثبتوه على خلاف ذلك فكذلك الصفات .
٢٧

فصل
وأما (المثلان المضروبان): فإن الله- سبحانه وتعالى-أخبر ناعما فى الجنة
من المخلوقات : من أصناف المطاعم والملابس، والمناكح والمساكن ؛ فأخبرنا
أن فيها لبناً وعسلا ، وخمراً وماء ، ولحماً وحريراً وذهباً وفضة ، وفاكهة
وحوراً وقصوراً.
وقد قال ابن عباس رضى الله عنهما : ليس فى الدنيا شىء مما فى الجنة
إلا الأسماء.
وإذا كانت تلك الحقائق التى أخبر الله عنها هى موافقة فى الأسماء للحقائق
الموجودة فى الدنيا وليست ماثلة لها ؛ بل بينهما من التباين ما لا يعلمه إلا الله
تعالى: فالخالق - سبحانه وتعالى - أعظم مباينة للمخلوقات من مباينة المخلوق
للمخلوق ، ومباينته مخلوقاته : أعظم من مباينة موجود الآخرة لموجود الدنيا،
إذ المخلوق أقرب إلى المخلوق الموافق له فى الاسم من الخالق إلى المخلوق ، وهذا
بين واضح ، ولهذا افترق الناس فى هذا المقام ثلاث فرق :
فالسلف والأئمة وأتباعهم: آمنوا بما أخبر الله به عن نفسه وعن اليوم
٢٨

الآخر ، مع عليهم بالمباينة التى بين ما فى الدنيا وبين ما فى الآخرة ، وأن
مباينة اللّه لخلقه أعظم.
والفريق الثانى : الذين أثبتوا ما أخبر الله به فى الآخرة من الثواب
والعقاب ، ونفوا كثيراً مما أخبر به من الصفات ؛ مثل طوائف من
أهل الكلام .
والفريق الثالث: نفوا هذا وهذا ، كالقرامطة ، والباطنية ، والفلاسفة
أتباع المشائين ، ونحوهم من الملاحدة الذين ينكرون حقائق ما أخبر الله به عن
نفسه وعن اليوم الآخر .
ثم إن كثيراً منهم يجعلون الأمر والنهى من هذا الباب ؛ فيجعلون الشرائع
المأمور بها ، والمحظورات المنهى عنها: لها تأويلات باطنة تخالف ما يعرفه
المسلمون منها ، كما يتأولون من الصلوات الخمس ، وصيام شهر رمضان ،
وحج البيت . فيقولون : إن الصلوات الخمس معرفة أسرارهم ، وإن صيام
رمضان كتمان أسرارهم ، وإن حج البيت السفر إلى شيوخهم ، ونحو ذلك
من التأويلات التى يعلم بالاضطرار أنها كذب وافتراء على الرسل صلوات
الله عليهم، وتحريف لكلام الله ورسوله عن مواضعه ، وإلحاد
فی آيات الله.
وقد يقولون الشرائع تلزم العامة دون الخاصة ، فإذا صار الرجل
٢٩

من عارفيهم ومحققيهم وموحديهم : رفعوا عنه الواجبات ، وأباحوا له
المحظورات ، وقد يدخل فى المنتسبين إلى التصوف والسلوك من يدخل فى بعض
هذه المذاهب .
وهؤلاء الباطنية : هم الملاحدة الذين أجمع المسلمون على أنهم أكفر
من اليهود والنصارى ، وما يحتج به على الملاحدة أهل الإيمان والإثبات :
يحتج به كل من كان من أهل الإيمان والإثبات على من يشرك هؤلاء فى بعض
إلحادهم ، فإذا أثبت لله تعالى الصفات ونفى عنه مماثلة المخلوقات - كما دل على
ذلك الآيات البينات - كان ذلك هو الحق الذى يوافق المعقول والمنقول ،
ويهدم أساس الإلحاد والضلالات .
واللّه سبحانه لا تضرب له الأمثال التى فيها مماثلة لخلقه ، فإن الله لا مثيل
له ؛ بل له ((المثل الأعلى)) فلا يجوز أن يشرك هو والمخلوقات فى قياس تمثيل،
ولا فى قياس شمول تستوى أفراده ، ولكن يستعمل فى حقه المثل الأعلى ،
وهو أن كل ما اتصف به المخلوق من كمال فالخالق أولى به ، وكل ما ينزه عنه
المخلوق من نقص فالخالق أولى بالتنزيه عنه ، فإذا كان المخلوق منزهاً عن مماثلة
المخلوق مع الموافقة فى الاسم : فالخالق أولى أن ينزه عن مماثلة المخلوق ، وإن
حصلت موافقة فى الاسم .
وهكذا القول فى ( المثل الثانى).
٣٠

وهو أن (الروح) التى فينا - فإنها قد وصفت بصفات ثبوتية وسلبية ، وقد
أخبرت النصوص أنها تعرج وتصعد من سماء إلى سماء ، وأنها تقبض من البدن
وتسل منه كما قسل الشعرة من العجينة .
والناس مضطربون فيها ؛ فمنهم طوائف من أهل الكلام يجعلونها جزءاً
من البدن، أو صفة من صفانه ، كقول بعضهم: إنها النفس أو الريح التى تردد
فى البدن ، وقول بعضهم: إنها الحياة أو المزاج ، أو نفس البدن.
ومنهم طوائف من أهل الفلسفة يصفونها بما يصفون به واجب الوجود
عندهم ، وهى أمور لا يتصف بها إلا ممتنع الوجود ، فيقولون : لا هى داخلة
فى البدن ولا خارجة ، ولا مباينة له ولا مداخلة له ، ولا متحركة ولا ساكنة،
ولا تصعد ولا تهبط ، ولا هى جسم ولا عرض .
وقد يقولون: إنها لا تدرك الأمور المعينة والحقائق الموجودة فى الخارج
وإنما تدرك الأمور الكلية المطلقة .
وقد يقولون : إنها لا داخل العالم ولا خارجه، ولا مباينة له ولا مداخلة ،
وربما قالوا ليست داخلة فى أجسام العالم ولا خارجة عنها ، مع تفسيرهم للجسم
بما لا يقبل الإشارة الحسية ، فيصفونها بأنها لا يمكن الإشارة إليها ، ونحو ذلك
من الصفات السلبية ، التى تلحقها بالمعدوم والممتنع.
٣١

وإذا قيل لهم : إثبات مثل هذا ممتنع فى ضرورة العقل ، قالوا : بل هذا
مكن بدليل أن الكليات ممكنة موجودة وهى غير مشار إليها، وقد غفلوا
عن كون الكليات لا توجد كلية إلا فى الأذهان لا فى العيان ؛ فيعتمدون فيما
يقولونه فى المبدأ والمعاد على مثل هذا الخيال ، الذى لا يخفى فساده على
غالب الجمال.
واضطراب النفاة والمثبتة فى الروح كثير.
وسبب ذلك أن الروح - التى تسمى بالنفس الناطقة عند الفلاسفة - ليست
هى من جنس هذا البدن ، ولا من جنس العناصر والمولدات منها ؛ بل هى
من جنس آخر مخالف لهذه الأجناس ، فصار هؤلاء لا يعرفونها إلا بالسلوب
التى توجب مخالفتها للأجسام المشهودة ، وأولئك يجعلونها من جنس الأجسام
المشهودة وكلا القولين خطأ .
وإطلاق القول عليها بأنها جسم أو ليست بجسم يحتاج إلى تفصيل .
فإن لفظ الجسم للناس فيه أقوال متعددة اصطلاحية غير معناه اللغوى .
فإن أهل اللغة يقولون : الجسم هو الجسد والبدن ، وبهذا الاعتبار
فالروح ليست جسما ؛ ولهذا يقولون: الروح والجسم؛ كما قال تعالى: (وَإِذَا
رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمِّ وَإِن يَقُولُواتَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ) وقال تعالى: (وَزَادَهُ بَسْطَةً
فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ).
٣٢

وأما أهل الكلام: فمنهم من يقول الجسم هو الموجود؛ ومنهم من يقول:
هو القائم بنفسه ، ومنهم من يقول : هو المركب من الجواهر المفردة ومنهم
من يقول : هو المركب من المادة والصورة ، وكل هؤلاء يقولون : إنه مشار
إليه إشارة حسية ، ومنهم من يقول : ليس مركباً من هذا ولا من هذا ،
بل هو مما يشار إليه ، ويقال : إنه هنا أو هناك ؛ فعلى هذا إن كانت الروح
مما يشار إليها ويتبعها بصر الميت - كما قال: صلى الله عليه وسلم: ((إن الروح إذا
خرجت تبعها البصر)) ((وإنها تقبض ويعرج بها إلى السماء)) - كانت الروح
جسما بهذا الاصطلاح.
والمقصود : أن الروح إذا كانت موجودة حية ، عالمة قادرة ، سميعة
بصيرة : قصعد وتنزل ، وتذهب وتجىء، ونحو ذلك من الصفات ، والعقول
قاصرة عن تكييفها وتحديدها ؛ لأنهم لم يشاهدوا لها نظيراً. والشىء إنما تدرك
حقيقته بمشاهدته، أو مشاهدة نظيره.
فإذا كانت الروح متصفة بهذه الصفات مع عدم مماثلها لما يشاهد
من المخلوقات :
فالخالق أولى بمباينته مخلوقاته مع اقصافه بما يستحقه من أسمائه وصفاته ؛
وأهل العقول هم أعجز عن أن يحدوه أو يكيفوه منهم عن أن يحدوا الروح
أو يكيفوها.
٣٣

فإذا كان من نفى صفات الروح جاحداً معطلا لها ، ومن مثلها بما يشاهده
من المخلوقات جاهلا ممثلا لها بغير شكلها ، وهى مع ذلك ثابتة بحقيقة الإثبات ،
مستحقة لما لها من الصفات : فالخالق - سبحانه وتعالى - أولى أن يكون من
نفى صفاته جاحداً معطلا ، ومن قاسه بخلقه جاهلا به ممثلا ، وهو - سبحانه
وتعالى - ثابت بحقيقة الإثبات ، مستحق لما له من الأسماء والصفات.
٣٤

فصل
( وأما الخاتمة الجامعة ففيها قواعد نافعة )
القاعدة الأولى
أن الله سبحانه موصوف بالإثبات والنفى.
فالإثبات كإخباره بأنه بكل شىء عليم ، وعلى كل شىء قدير ، وأنه سميع
بصير ، ونحو ذلك .
والنفى كقوله لا تأخذه سنة ولا نوم .
وينبغى أن يعلم أن النفى ليس فيه مدح ولا كمال إلا إذا تضمن إثباتاً ،
وإلا فمجرد النفى ليس فيه مدح ولا كمال ؛ لأن النفى المحض عدم محض ؛ والعدم
المحض ليس بشىء، وما ليس بشىء فهو كما قيل: ليس بشىء ،فضلا عن أن يكون
مدحاً أو كالا .
ولأن النفى المحض يوصف به المعدوم والممتنع ، والمعدوم والممتنع
لا يوصف بمدح ولا كمال.
٣٥

فلهذا كان عامة ما وصف الله به نفسه من النفى متضمناً لإثبات مدح ،
كقوله: ( اللّهُلَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَىُّالْقَيُّوُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَّةٌ وَلَا نَوْمٌ) إلى قوله: ( وَلَا
يَتُودُهُ حِفْظُهُمَا ) فنفى السنة والنوم: يتضمن كمال الحياة والقيام ؛ فهو مبين لكمال
أنه الحى القيوم، وكذلك قوله: ( وَلَا يُودُ حِفْظُهُمَا ) أى لا يكرثه ولا يثقله
وذلك مستلزم لكمال قدرته وتمامها ، بخلاف المخلوق القادر إذا كان يقدر على
الشىء بنوع كلفة ومشقة ، فإن هذا نقص فى قدرته وعيب فى قو ته .
وكذلك قوله: ( لَ يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِ السَّمَوَتِ وَلَا فِى الْأَرْضِ
(
فإن نفى العزوب مستلزم لعلمه بكل ذرة فى السموات والأرض.
وكذلك قوله: ( وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَمَابَيْنَهُمَا فِسِتَّةِ أَيَّامٍ
وَمَا مَسَنَامِن ◌ُّنُوبٍ ) فإن نفى مس اللغوب ، الذى هو التعب والإعياء
دل على كمال القدرة ونهاية القوة ، بخلاف المخلوق الذى يلحقه من التعب
والكلال ما يلحقه .
وكذلك قوله: (لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَرُ ) إنما نفى الإدراك الذى هو الإحاطة،
كما قاله أكثر العلماء ، ولم ينف مجرد الرؤية ؛ لأن المعدوم لا يرى ، وليس
فى كونه لا يرى مدح ؛ إذ لو كان كذلك لكان المعدوم ممدوحاً ، وإنما المدح
فى كونه لا يحاط به وإن رؤى ؛ كما أنه لا يحاط به وإن علم، فكما أنه إذا علم
لا يحاط به علماً : فکذلك إذا رؤی لا يحاط به رؤية.
٣٦

فكان فى نفى الإدراك من إثبات عظمته ما يكون مدحاً وصفة كمال ، وكان
ذلك دليلا على إثبات الرؤية لا على نفيها ، لكنه دليل على إثبات الرؤية مع عدم
الإحاطة ، وهذا هو الحق الذى اتفق عليه سلف الأمة وأئمتها .
وإذا تأملت ذلك : وجدت كل نفى لا يستلزم ثبوتاً هو مما لم يصف الله
به نفسه ، فالذين لا يصفونه إلا بالسلوب : لم يثبتوا فى الحقيقة إلهاً محموداً ،
بل ولا موجوداً وكذلك من شاركهم فى بعض ذلك ، كالذين قالوا لا يتكلم
أو لا يرى أو ليس فوق العالم ، أو لم يستو على العرش.
ويقولون : ليس بداخل العالم ولا خارجه ، ولا مباين للعالم ولا محايث
له ؛ إذ هذه الصفات يمكن أن يوصف بها المعدوم ؛ وليست هى صفة مستلزمة
صفة ثبوت .
ولهذا ((قال محمود بن سبكتكين» لمن ادعى ذلك فى الخالق : ميز لنا بين هذا
الرب الذی تثبته و بین المعدوم . و کذلك کونہ لا يتكلم، أو لا ينزل ليس فى ذلك
صفة مدح ولا كمال؛ بل هذه الصفات فيها تشبيه له بالمنقوصات أو المعدومات.
فهذه الصفات: منها ما لا يتصف به إلا المعدوم ، ومنها مالا يتصف به
إلا الجمادات والناقص .
فمن قال: لا هو مباين للعالم ولا مداخل للعالم فهو بمنزلة من قال: لا هو قائم
بنفسه ولا بغيره، ولا قديم ولا محدث ، ولا متقدم على العالم ولا مقارن له.
٣٧

ومن قال : إنه ليس بحى ، ولا ميت ولا سميع ولا بصير، ولا متكلم :
لزمه أن يكون ميتاً أصم أعمى أبكم.
فإن قال : العمى عدم البصر عما من شأنه أن يقبل البصر ، وما لم يقبل
البصر کالحائط لا يقال له أعمى ولا بصير .
قيل له : هذا اصطلاح اصطلحتموه ، وإلا فما يوصف بعدم الحياة
والسمع والبصر والكلام: يمكن وصفه بالموت والعمى، والخرس والعجمة.
وأيضاً فكل موجود يقبل الاقصاف بهذه الأمور ونقائضها ، فإن الله
قادر على جعل الجماد حياً كما جعل عصى موسى حية ابتلعت الحبال والعصى ،
وأيضاً فالذى لا يقبل الاتصاف بهذه الصفات أعظم نقصاً من لا يقبل الانصاف
بها مع اقصافه بنقائضها .
فالجماد الذى لا يوصف بالبصر ولا العمى ، ولا الكلام ولا الخرس :
أعظم نقصاً من الحى الأعمى الأخرس.
فإذا قيل : إن البارى لا يمكن اتصافه بذلك : كان فى ذلك من وصفه
بالنقص أعظم مما إذا وصف بالخرس والعمى والصمم ونحو ذلك ؛ مع أنه إذا
جعل غير قابل لها كان تشبيهاً له بالجماد الذى لا يقبل الاتصاف بواحد منها .
وهذا تشبيه بالجمادات ؛ لا بالحيوانات . فكيف من قال ذلك على غيره مما
بزعم أنه تشبيه بالحى .
٣٨

وأيضاً فنفس نفى هذه الصفات نقص ، كما أن إثباتها كمال ، فالحياة من
حيث هى : هى مع قطع النظر عن تعيين الموصوف بها صفة كمال. وكذلك
العلم والقدرة ، والسمع والبصر ، والكلام والفعل ونحو ذلك ؛ وما كان
صفة كمال : فهو سبحانه أحق أن يتصف به من المخلوقات ، فلو لم يتصف به مع
اتصاف المخلوق به : لكان المخلوق أكمل منه .
واعلم أن الجهمية المحضة كالقرامطة ومن ضاهاهم : ينفون عنه تعالى اقصافه
بالنقیضین ، حتی یقولون ليس بموجودولا لیس بموجود ، ولا حی ولا ليس
بحى. ومعلوم أن الخلو عن النقيضين ممتنع فى بدائه العقول كالجمع بين النقيضين.
وآخرون وصفوه بالنفى فقط ، فقالوا ليس بحى ولا سميع ولا بصير؛
وهؤلاء أعظم كفراً من أولئك من وجه وأولئك أعظم كفراً من هؤلاء من
وجه ، فإذا قيل لهؤلاء هذا مستلزم وصفه بنقيض ذلك، كالموت والصمم والبكم ،
قالوا إنما يلزم ذلك لو كان قابلا لذلك ، وهذا الاعتذار يزيد قولهم فساداً.
وكذلك من ضاهى هؤلاء - وهم الذين يقولون: ليس بداخل العالم ولا
خارجه ، إذا قيل هذا متنع فى ضرورة العقل ، كما إذا قيل : ليس بقديم
ولا محدث - ولا واجب ولا ممكن ، ولا قائم بنفسه ، ولا قائم بغيره ،
قالوا هذا إنما يكون إذا كان قابلا لذلك ، والقبول إنما يكون من المتحيز ،
فإذا انتفى التحيز انتفى قبول هذين المتناقضين .
٣٩

فيقال لهم علم الخلق بامتناع الخلو من هذين النقيضين : هو علم مطلق
لا يستثنى منه موجود. والتحيز المذكور: إن أريد به كون الأحياز الموجودة
تحيط به فهذا هو الداخل فى العالم ؛ وإن أريد به أنه منحاز عن المخلوقات ؛
أى مباين لها متميز عنها فهذا هو الخروج ، فالمتحيز يراد به تارة ما هو داخل
العالم ، وتارة ما هو خارج العالم ، فإذا قيل ليس بمتحيز كان معناه ليس بداخل
العالم ولا خارجه .
فهم غيروا العبارة ليوهموا من لا يفهم حقيقة قولهم أن هذا معنى آخر ،
وهو المعنى الذى علم فساده بضرورة العقل؛ كما فعل أولئك بقولهم: ليس بحى
ولا ميت ، ولا موجود ولا معدوم ، ولا عالم ولا جاهل .
٤٠