Indexed OCR Text
Pages 441-460
وهذا القدر الذى عابه اللّه على من جعل الملائكة بناته من العرب ، مع كراهتهم أن يكون لهم بنات ، فنظيره فى النصارى ؛ فإنهم يجعلون لله ولدا ، وينزهون أكابر أهل دينهم عن أن يكون لأحدهم صاحبة أو ولد ، فيجعلون لله ما يكرهونه لأكابر دينهم. وقال تعالى: ( وَقَالُواْ اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا * لَّقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِذَّا * تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَنَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُ الْجِبَالُ هَذَّا * أَنْ دَعَوْلِلرَّحْمَنِ وَلَدًا * وَمَا يَنْبَغِى لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا * إِن كُلُّ مَن فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ إِلَّءَاِى الرَّحْمَنِ عَبْدًا * لَقَدْ أَحْصَهُمْ وَعَدَّهُمْ عَذَّا * وَكُلُّهُمْءَ اتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا ). وقال تعالى: ( يَأَهْلَ اُلْكِتَبِ لَا تَغْلُواْ فِ دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَنِهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحُ مِنْهُ فَامِنُواْبِلّهِ وَرُسُلِهِ ، وَلَا تَقُولُوا ثَلَتَةٌ أَنْتَهُوْ خَيْرًا لَحِكُمْ إِنَّمَا اللَّهِإِلَهُ وَحِدٌّ سُبْحَنَّهُ: أَنْ يَكُونَ لَهُ, وَلَدُ لَّهُ مَا فِى السَّمَوَتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا * لَّنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدَاللَّهِ وَلَ الْمَلَتِكَةُ المغْرَبُونَ وَمَن يَسْتَنْكِفْ عَنْعِبَادَتِهِ، وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا * فَأَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ فَيُوَفِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِن فَضْلِهِ، وَأَمَّا الَّذِينَ أَسْتَنْكَفُواْ وَأُسْتَكْبَرُواْ فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًاً أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِّن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا). فنهى أهل الكتاب عن الغلو فى الدين ، وعن أن يقولوا على اللّه إلا الحق، ٤٤١ وذكر القول الحق فى المسيح، ثم قال لهم: (فَامِنُواْبِاللَّهِ وَرُسُلِهِ) لأنهم كفروا باللّه بتثليثهم ، وكفروا برسله بالاتحاد والحلول . فكفروا بأصلى الإسلام العام ، التى هى الشهادة لله بالوحدانية فى الألوهية ، والشهادة للرسل بالرسالة، وذكر أن المسيح والملائكة لا یستنكفون عن عبادته؛ لأن من الناس من جعل الملائكة أولاده كالمسيح ، وعبدوا الملائكة والمسيح. ولهذا قال: (مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَبَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَادَّالِّى مِن دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُواْ رَبَِّنَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِنَبَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدُرُسُونَ * وَلَا يَأْمُرَّكُمْ أَنْ تَنَّخِذُ واْمَتِكَةَ وَالنَّبِنَ أَرْبَابًا أَيَأْ مُرَّكُمْ بِالْكُفْرِبَعْدَ إِذْ أَنتُم مُسْلِمُونَ ) فذكر الملائكة والنبيين جميعاً. وقد نفى فى كتابه عن نفسه الولادة، ونفى اتخاذ الولد جميعاً. فقال: ( وَقُلِ اْحَمْدُ لِلَّهِالَّذِى لَمْ يَخِذُ وَاوَيَّكُن ◌َّهُ شَرٌِ فِ الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ وَلٌِ مِنَ الذُّلِّ) وقال تعالى: ( مَا أَّخَذَ اللهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَاكَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ) الآية وقال: (الَّذِى لَهُ. مُلْكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَنَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ شَرِكٌ فِ الْمُلْكِ ) وقال: (وَمَا لَوْأَرَدْنَا أَنْ تَنَّخِذَلَوَا لَّأَ تَّخَذْنَهُ مِن لَُّنَّا إِن ج خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَّنَهُمَا لَاحِبِينَ * بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَطِلِ فَيَدْ مَغُ، فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ كُنَافَعِلِينَ وَلَهُ مَن فِي السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ وَمَنْ عِنْدَ مُلَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ، وَلَا مِمَا نَصِفُونَ * يُسَبِّحُونَ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَيَفْتُرُونَ * أَمِ أَتَّخَذُوَاْءَالِهَةُ مِّنَ الْأَرْضِ يَسْتَحْسِرُونَ* لَوْكَانَ فِيهِمَآءَ الِهِهُّ إِلَّ اللّهُلَفَسَدَ تَأَ فَسُبْحَنَ اللَّهِرَبِّالْعَرْشِ عَمَّ يَصِفُونَ ) * هُمْ يُنْشِرُونَ ٤٤٢ وقال: ( وَقَالُواْاتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَّأْسُبْحَنَّهُ، بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ * لَا يَسْبِقُونَهُ. بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ * يَعْلَمُ مَابَيْنَ أَيْدِهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنْ أَرْتَضَى وَهُمْ مِّنْ خَشَْتِهِ، مُشْفِقُونَ). ومعلوم أن الذين خرقوا له بنين وبنات بغير علم، والذين قالوا : ولد الله، وإنهم لكاذبون ، والذين قالوا : المسيح بن اللّه، وعزير بن اللّه: لم يرد عقلاؤهم ولادة حسية ، من جنس ولادة الحيوان بانفصال جزء من ذكره فى أنثاه ، يكون منه الولد . فإن النصارى والصابئين متفقون على نفى ذلك ، وكذلك مشركو العرب ، ما أظن عقلاءهم كانوا يعتقدون ذلك ، وإنما وصفوا الولادة العقلية الروحانية ، مثل ما يقوله النصارى : إن الجوهر الذى هو الله من وجه، وهو الكلمة من وجه ، تدرعت بإنسان مخلوق من مريم، فيقولون تدرع اللاهوت بالناسوت فظاهره، - وهو الدرع والقميص - بشر، وباطنه - وهو المتدرع - لاهوت، هو الابن الذى هو الكلمة لتولد هذا من الأب الذى هو جوهر الوجود. فهذه البنوة مركبة عندهم من أصلين : أحدهما : أن الجوهر الذى هو الكلمة تولد من الجوهر الذى هو الأب ، كتولد العلم والقول من العالم القائل . ٤٤٣ والثانى : أن هذا الجوهر اتحد بالمسيح وتدرع به ، وذلك الجوهر هو الأب من وجه، وهو الابن من وجه . فلهذا حكى اللّه عنهم، تارة أنهم يقولون: المسيح بن الله. وتارة أنهم يقولون: إن الله هو المسيح بن مريم. وأما حكايته عنهم أنهم قالوا: (إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ) فالمفسرون يقولون: اللّه والمسيح وأمه، كما قال: (يَنِعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَءَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ أَتَّخِذُونِ وَأُقِىَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ) ولهذا قال فى سياق الكلام: (مَّا الْمَسِيحُ أَبْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ) أى غاية المسيح: الرسالة ، وغاية أمه: الصديقية ، لا يبلغان إلى اللاهوتية ؛ فهذا حجة هذا. وهو ظاهر . ومن الناس من يزعم أن المراد بذلك الأقانيم الثلاثة، وهى الأب والابن وروح القدس ، وهذا فيه نظر. فأما قوله: ( وَجَعَلُو ◌ْلِلَّهِ شُرَّكَآءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوْلَهُ بَنِينَ وَبَنَاتِ بِغَيْرِ عِلْمٍ بَدِيعُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ سُبْحَنَهُ وَتَعَلَى عَمَّا يَصِفُونَ فإن قوله: ( بَدِیعُ وَلَمْ تَكُنْ لَّهُ صَحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلّ شَىْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ ) السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ ) أى مبدعهما، كما ذكر مثل ذلك فى البقرة ؛ وليس المراد أنهما بديعة سماواته وأرضه، كما تحتمله العربية لولا السياق . لأن المقصود نفى ما زعموه من خرق البنين والبنات له، ومن كونه اتخذ ولداً . ٤٤٤ ( وهذا ينتفى بضده كونه أبدع السموات ، ثم قال: ( أَ يَكُونُ لَهُ وَدُ وذكر ثلاث أدلة على نفى ذلك. أحدها : كونه ليس له صاحبة ؛ فهذا نفى الولادة المعهودة : وقوله : ﴿ وَخَلَقَ كُلَّ شَىْءٍ ) نفى للولادة العقلية، وهى التولد ؛ لأن خلق كل شىء ينافى تولدها عنه. وقوله: ( وَهُوَبِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ ) يشبه - والله أعلم - أن يكون لما ادعت النصارى أن المتحد به هو الكلمة التى يفسرونها بالعلم ، والصابئة القائلون بالتولد والعلة ، لا يجعلونه عالماً بكل شىء - ذكر أنه بكل شىء عليم ، لإثبات هذه الصفة له ، رداً على الصابئة ، ونفيها عن غيره رداً على النصارى . وإذا كان كذلك فقول من قال بتولد العقول والنفوس - التى يزعمون أنها الملائكة - أظهر فى كونهم يقولون إنه ولد الملائكة ، وأنهم بنوه وبناته فالعقول بنوه ، والنفوس بناته : من قول النصارى . ودخل فى هذا من تفلسف من المنتسبة إلى الإسلام ، حتى إنى أعرف كبيراً لهم سئل عن العقل والنفس : فقال بمنزلة الذكر والأنثى . فقد جعلهم كالابن والبنت ، وهم يجعلونهم متولدين عنه تولد المعلول عن العلة ؛ فلا يمكنه أن يفك ذاته عن معلوله ولا معلوله عنه، كما لا يمكنه أن يفصل نفسه عن نفسه، بمنزلة شعاع الشمس مع الشمس وأبلغ . ٤٤٥ وهؤلاء يقولون: إن هذه الأرواح التى ولدها متصلة بالأفلاك: الشمس والقمر والكواكب ، کاتصال اللاهوت جسد المسيح ، فيعبدونها كما عبدت النصارى المسيح، إلا أنهم أكفر من وجوه كثيرة ؛ وهم أحق بالشرك من النصارى ؛ فإنهم يعبدون ما يعلمون أنه منفصل عن اللّه، وليس هو إياه ، ولا صفة من صفاته ، والنصارى يزعمون أنهم ما يعبدون إلا ما اتحد بالله ، لا لما ولده من المعلولات. ثم من عبد الملائكة والكواكب وأرواح البشر وأجسادهم : اتخذ الأصنام على صورهم وطبائعهم ؛ فكان ذلك أعظم أسباب عبادة الأصنام . ولهذا كان الخليل إمام الحنفاء : مخاطباً لهؤلاء الذين عبدوا الكواكب والشمس والقمر ، والذين عبدوا الأصنام مع إشراكهم واعترافهم بأصل الجميع. وقد ذكر الله قصتهم فى القرآن فى غير موضع ، وأولئك هم الصابتون المشركون الذين ملكهم نمروذ. وعلاؤهم الفلاسفة من اليونانيين وغيرهم، الذين كانوا بأرض الشام والجزيرة والعراق وغيرها ، وجزائر البحر قبل النصارى ، وكانوا بهذه البلاد فى أيام بنى إسرائيل، وهم الذين كانوا يقاتلون بنى إسرائيل ، فيغلبون تارة ويغلبون تارة ، وسنحاريب وبخت نصر ونحوهما : هم ملوك الصابئة بعد الخليل. والنمروذ الذى كان فى زمانه . ٤٤٦ فتبين بذلك ما فى القرآن من الرد لمقالات المتقدمين قبل هذه الأمة والكفار والمنافقين فيها : من إثبات الولادة لله ، وإن كان كثير من الناس لا يفهم دلالة القرآن على هذه المقالات ؛ لأن ذلك يحتاج إلى شيئين : إلى قصور مقالتهم بالمعنى لا بمجرد اللفظ، وإلى قصور معنى القرآن، والجمع بينهما . فتجد المعنى الذى عنوه قد دل القرآن على ذكره وإبطاله . وأما اتحاد الولد فيفسر بعين الولادة. وهو من باب الأفعال ، لا من باب الصفات ، كما يقوله طائفة من النصارى فى المسيح. ٤٤٧ فصل فهذا نفى كونه - سبحانه - والداً لشىء، أو متخذاً لشىء ولداً، بأى وجه من وجوه الولادة، أو اتخاذ الولد أياً كان . وأما نفى كونه مولوداً : فيتضمن نفى كونه متولداً بأى نوع من التوالد من أحد من البشر وسائر ما تولد من غيره : فهو رد على من قال المسيح هو الله. ورد على الدجال الذى يقول: إنه الله، ورد على من قال فى بشر: إنه الله، من غالية هذه الأمة فى على وبعض أهل البيت ، أو بعض المشايخ ، كما قال قوم ذلك فى على وطائفة من أهل البيت ، وقالوه فى الأنبياء أيضاً ، وقاله قوم فى الحلاج ، وقوم فی الحاکم بمصر ، وقوم فی الشيخ عدی ، وقوم فی یو نس العنيني(١) ، وقوم يعمونه فى المشايخ ، ويصوبون هذا كله. فقوله سبحانه: ( وَلَمْ يُولَد) نفى هذا كله؛ فإن هؤلاء كلهم مولودون، والله لم يولد. ولهذا لما ذكر الله المسيح فى القرآن قال: ( ابْنُمَرْيَمَ) بخلاف سائر الأنبياء، كقوله: ( لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ) وقوله: (مَّا الْمَسِيحُ أَبْثُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ) وقوله: (إِذْقَالَ (١) نسخة القنيني ٤٤٨ اَللَّهُ يَعِيسَى أَبْنَ مَرْيَمَ أَذْكُرْ نِعْمَتِى عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ) وقوله: (يَعِيسَى أَبْنَ مَرْيَمَ ءَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ الشَّخِذُونِ وَأُتِىَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ) وقوله: ( وَحَعَلْنَا أَبْنَ مَنْيَمَ وَأَمَّهُ ءَايَةً) وقوله: ( وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَذَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى أَبْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ). وفى ذلك فائدتان : إحداهما : بيان أنه مولود، واللّه لم يولد . والثانية : نسبته إلى مريم ، بأنه ابنها ليس هو ابن الله. وأما قوله: ( لَّنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ) الآية وقوله: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَرَى الْمَسِيحُ أَبْدُ اللَّهِ ): فإنه حكى قولهم الذى قالوه، وهم قد نسبوه إلى الله أنه ابنه، فلم يضمنوا ذلك قولهم المسيح بن مريم. وقوله: ( وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُوا أَحَدٌ) نفى للشركاء والأنداد، يدخل فيه كل من جعل شيئا كفواً لله فى شىء من خواص الربوبية ، مثل خلق الخلق، والإلهية ؛ كالعبادة له ، ودعائه ونحو ذلك. فهذه نكت تبين اشتمال كتاب الله على إبطال قول من يعتقد فى أحد من البشر الإلهية ؛ باتحاد أو حلول أو غير ذلك. ٤٤٩ فصل وأما هؤلاء الملاحدة: فإنهم لا يقتصرون فى كفرهم على أنه ولد شيئا أو اتخذ ولدا . أو أنه بشر مولود؛ لاتحاد الرب به. فإن هذا جميعه يقتضى إثبات شيئين متميزين ، اتحد أحدهما بالآخر أو حل فيه ، وهذا إنما يقوله من يقول بالاتحاد الخاص المقيد، أو الحلول الخاص المقيد . وهؤلاء عندهم ما ثم غيره، ولا سواه، ولم يخلق شيئاً، ولا هو رب شىء ولا مالك شىء، ولا له عبد ولا عابد ، ولا داع يدعوه فيجيبه ، ولا مضطر يضطر إليه فيجيبه ، ولا سائل يسأله فيجيبه ، وإنما يشهد العبد هذه المعانى، إذا كان محجوبا عن شهود الوحدة المطلقة فى خياله . فإذا انكشف حجاب قلبه عندهم : رأى ما ثم اثنين بوجه من الوجوه، حتى يكون أحدهما خالقا والآخر مخلوقا ، أو أحدهما عابدا والآخر ربا ، أو أحدهما والدا والآخر مولودا، أو أحدهما شريكا للآخر أو شفيعا عنده ، حتى يتقرب بعبادته إليه . ٤٥٠ وهذا قول الحذاق منهم، كالتلسانى، وابن الفارض؛ والتلمسانى أعرف بحقائق قولهم . وأما ابن عربى فيقول : هذا كله فى الذوات الثابتة فى العدم ، لا فى شىء موجود، فأما الوجود فلا يتصور أن يكون فيه رب وعبد، وخالق ومخلوق، وداع ومجيب، وإنما الوجود لما فاض على الأعيان ، فظهر فيها حصل التفرق من جهة الأعيان ؛ كتفرق النور فى الزجاج؛ لاختلاف ألوانه. فهؤلاء ؛ يرد عليهم القرآن فى مواضع لا تحصى ، وقصص اللّه التى قصها عن فرعون الذى هو رئيسهم: يتضمن الرد عليهم ؛ فإن فرعون أنكر رب العالمين ، وأن يكون لموسى إله يطلع إليه، ولم ينكر هذا الوجود الذى هو العالم . وكذلك هؤلاء: إنما يقرون بهذا الوجود الذى هو هذا العالم ، فماثم غيره عندهم ، ويقولون: هو اللّه، وهو الإنسان الكبير. ٤٥١ وقال شيخ الإسلام (قدس اللهروج)" :- بِسْمِالِّالرَّحَّةِ من أحمد بن تيمية : إلى الشيخ العارف القدوة، السالك الناسك (أبى الفتح نصر ) فتح الله على باطنه وظاهره ما فتح به على قلوب أوليائه، ونصره على شياطين الإنس والجن فى جهره وإخفائه ، ونهج به الطريقة المحمدية الموافقة لشرعته، وكشف به الحقيقة الدينية المميزة بين خلقه وطاعته ، وإرادته ومحبته؛ حتى يظهر للناس الفرق بين الكلمات الكونية والكلمات الدينية ، وبين المؤمنين الصادقين الصالحين ، ومن تشبه بهم من المنافقين ، كما فرق الله بينهما فى کتابه وسنته . (أما بعد) فإن الله تعالى قد أنعم على الشيخ، وأنعم به نعمة باطنة وظاهرة فى الدين والدنيا ، وجعل له عند خاصة المسلمين - الذين لا يريدون علواً فى الأرض ولا فسادا - منزلة علية، ومودة إلهية؛ لما منحه (١) في رسالته الى نصر المنبجى . ٤٥٢ الله تعالى به من حسن المعرفة والقصد، فإن العلم والإرادة ، أصل لطريق الهدى والعبادة . وقد بعث الله محمداً صلى اللّه تعالى عليه وسلم بأكمل محبة فى أكمل معرفة ، فأخرج بمحبة الله ورسوله - التى هى أصل الأعمال - المحبة التى فيها إشراك وإجمال، كما قال تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبٍ اللّهِ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ أَشَدُّ حُبَّالِلَّهِ) وقال تعالى: (قُلْ إِن كَانَ ءَابَآؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَنُكُمْ وَأَزْوَجَّكُوَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالُ أَقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَرَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَ إِلَيْكُمْ مِنَ اْللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِى سَبِيلِهِ، فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِى الله ◌ِأَمْرِهِ ). ولهذا كانت المحبة الإيمانية هى الموجبة للذوق الإيمانى، والوجد الدينى، كما فى الصحيحين عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان فى قلبه ، من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ، ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا لله ، ومن كان يكره أن يرجع فى الكفر بعد إذ أنقذه الله منه، كما يكره أن يلقى فى النار، جعل صلى اللّه تعالى عليه وسلم وجود حلاوة الإيمان معلقاً بمحبة الله ورسوله الفاضلة ، وبالمحبة فيه فى اللّه، وبكراهة صد الإيمان. وفى صحيح مسلم عن العباس قال: قال رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم: ((ذاق طعم الإيمان من رضى بالله رباً ، وبالإسلام ديناً، وبمحمد رسولا)) ٤٥٣ فجعل ذوق طعم الإيمان معلقاً بالرضى بهذه الأصول ، كما جعل الوجد معلقا بالمحبة ؛ ليفرق صلى اللّه تعالى عليه وسلم بين الذوق والوجد ، الذى هو أصل الأعمال الظاهرة وثمرة الأعمال الباطنة ، وبين ما أمر الله به ورسوله وبين غيره کما قال سهل بن عبد الله التسترى : كل وجد لا يشهد له الكتاب والسنة فهو باطل ، إذ كان كل من أحب شيئاً فله ذوق بحسب محبته . ولهذا طالب اللّه تعالى مدعى محبته بقوله: ( إِن كُنْتُمْ تُحِبُّونَاللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْلَكُمْ ذُنُوبِكُمْ ) قال الحسن البصرى: ادعى قوم على عهد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أنهم يحبون الله؛ فطالبهم بهذه الآية؛ نجعل محبة العبد لله موجبة لمتابعة رسوله ، وجعل متابعة رسوله موجبة لمحبة الرب عبده . وقد ذكر نعت المحبين فى قوله: ( فَسَوْفَ يَأْتِ اللَّهُ بِقَوْمِ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ و أَذِلَّةٍ عَلَى اَلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَفِرِينَ يُجَهِدُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةً لَآيِمٍ ) فنعت المحبين المحبوبين بوصف الكمال ، الذى نعت الله به رسوله الجامع بين معنى الجلال والجمال ، المفرق فى الملتين قبلنا: وهو الشدة والعزة على أعداء الله، والذلة والرحمة لأولياء الله ورسوله ؛ ولهذا يوجد كثير من له وجد وحب مجمل مطلق ، كما قال فيه كبير من كبرائهم: مشرد عن الوطن. * مبعد عن السكن * ٤٥٤ يبكى الطلول والدمن * * يهوى ولا يدرى لمن * فالشيخ - أحسن الله إليه - قد جعل الله فيه من النور والمعرفة - الذى هو أصل المحبة والإرادة - ما تتميز به المحبة الإيمانية المحمدية المفصلة ، عن المجملة المشتركة ، وكما يقع هذا الإجمال فى المحبة يقع أيضاً فى التوحيد ، قال الله تعالى فى أم الكتاب، التى هى مفروضة على العبد - وواجبة فى كل صلاة - أن يقول: (إِنَّكَ نَعْبُدُ وَإِيََّ نَسْتَعِيرٌ). وقد ثبت فى الحديث الصحيح أن الله يقول: ((قسمت الصلاة بينى وبين عبدى نصفين : نصفها لى ونصفها لعبدى ولعبدى ما سأل ، فإذا قال العبد : (الْعَمْدُ لِلَّهِرَبِّ الْعَلَمِينَ) قال الله: حمدنى عبدى، وإذا قال: (الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) قال الله: أثنى علىَّ عبدى، وإذا قال: (مَالِكِ يَوْمِ الّذِيْنِ ) قال: مجدنى عبدى، أو قال فوض إلى عبدى، وإذا قال: (إِنَّكَ نَعْبُهُ وَإِيََّ نَسْتَعِينُ) قال: فهذه الآية بينى وبين عبدي نصفين، ولعبدى ما سأل، فإذا قال: ( أَهْدِنَا الصِّرَطَ اُلْمُسْتَفِمَ * صِرَطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِالْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَآلِينَ ) قال: فهؤلاء لعبدی ولعبدی ما سأل )). ولهذا روى أن الله أنزل مائة كتاب وأربعة كتب ، جمع معانيها فى القرآن ، ومعانى القرآن فى المفصل ، ومعانى المفصل فى أم الكتاب ، ومعانى ٤٥٥ أم الكتاب، فى هاتين الكلمتين: ( إِنَّكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) وهذا المعنى قد ثناء اللّه فى مثل قوله: (فَاعْبُدُهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ ) وفى مثل قوله: (عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِأُبِّبُ ) وقوله: (عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابٍ ). وكان النبي صلى الله تعالى عليه وسلم يقول فى نسكه: ((اللهم هذا منك ولك )» . فهو سبحانه مستحق التوحيد ، الذى هو دعاؤه وإخلاص الدين له : دعاء العبادة بالمحبة والإنابة ، والطاعة والإجلال ، والإكرام والخشية ، والرجاء، ونحو ذلك من معانى تألهه وعبادته ، ودعاء المسئلة والاستعانة بالتوكل عليه ، والالتجاء إليه ، والسؤال له ، ونحو ذلك مما يفعل سبحانه بمقتضى ربو بيته ، وهو سبحانه الأول والآخر، والباطن والظاهر . ولهذا جاءت الشريعة الكاملة فى العبادة باسم الله، وفى السؤال باسم الرب فيقول المصلى والذاكر: الله أكبر، وسبحان الله، والحمد لله ولا إله إلا الله، وكلمات الأذان: الله أكبر الله أكبر إلى آخرها ونحو ذلك. وفى السؤال: (رَبِّنَاظَمْنَا أَنْفُسَنَا)، (رَّبِّ اغْفِرْلِ وَلِوَلِدَىَ)، (رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَىَّ فَلَنْ أَكُنَ ظَهِيْرًالِلْمُجْرِمِنَ )، (رَبِّ إِنِ ظَلَمْتُ نَفْسِى فَأَغْفِرْلِىِ ) (رَبَّنَا أَغْفِرْلَنَا ذُ نُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِى أَمْرِنَا وَثَبِتْ أَقْدَامَنَا)، (رَّتِّ اغْفِرْ وَأَرْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الزَّحِينَ ) ونحو ذلك . ٤٥٦ وكثير من المتوجهين السالكين يشهد فى سلوكه الربوبية، والقيومية الكاملة الشاملة لكل مخلوق ؛ من الأعيان والصفات . وهذه الأمور قائمة بكلمات الله الكونية ، التى كان النبى صلى اللّه تعالى عليه وسلم يستعيذ بها فيقول: ((أعوذ بكلمات الله التامات، التى لا يجاوزهن بر ولا فاجر من شر ما خلق، وذرأ وبرا ، ومن شر ما ينزل من السماء وما يعرج فيها ، ومن شر ما ذرا فى الأرض وما يخرج منها ، ومن شرفتن الليل والنهار ، ومن شر كل طارق إلا طارقا يطرق بخير يارحمن)). فيغيب ويفنى بهذا التوحيد الربانى عما هو مأمور به أيضا ومطلوب منه ، وهو محبوب الحق ومرضيه من التوحيد الالهى ؛ الذى هو عبادته وحده لا شريك له ، وطاعته وطاعة رسوله ، والأمر بما أمر به ، والنهى عمانهى عنه، والحب فيه ، والبغض فيه ، ومن أعرض عن هذا التوحيد وأخذ بالأول: فهو يشبه القدرية المشركية الذين قالوا: (لَوْشَآءَ اللَّهُ مَآ أَشْرَكْنَا وَلَآءَابَآؤُنَا ). ومن أخذ بالثانى دون الأول : فهو من القدرية المجوسية الذين يزعمون أن اللّه لم يخلق أفعال العباد ، ولا شاء جميع الكائنات، كما تقول المعتزلة والرافضة، ويقع فى (كلام) كثير من المتكلمة والمتفقهة . والأول ذهب إليه طوائف من الإباحية المنحلين عن الأوامر والنواهى ، وإنما يستعملون ذلك عند أهوائهم وإلا فهو لا يستمر ، وهو كثير فى المتألهة ٤٥٧ الخارجين عن الشريعة خفو العدو وغيرهم ؛ فإن لهم زهادات وعبادات فيها ما هو غير مأمور به ، فيفيدهم أحوالا فيها ما هو فاسد ، يشبهون من بعض الوجوه الرهبان وعباد البدود . ولهذا قال الشيخ عبد القادر (قدس الله روحه): كثير من الرجال إذا دخلوا إلى القضاء والقدر أمسكوا ، وأنا انفتحت لى فيه روزنة فنازعت أقدار الحق بالحق للحق ، والولى من يكون منازعا للقدر لا من يكون موافقا له . وهذا الذى قاله الشيخ تكلم به على لسان المحمدية أى أن المسلم مأمور أن يفعل ما أمر الله به، ويدفع ما نهى اللّه عنه، وإن كانت أسبابه قد قدرت ، فيدفع قدر الله بقدر الله ، كما جاء فى الحديث الذى رواه الطبرانى فى كتاب الدعاء عن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم: ((إن الدعاء والبلاء ليلتقيان بين السماء والأرض ، وفى الترمذى قيل يا رسول الله؟ أرأيت أدوية نتداوى بها ، ورقى نسترقى بها ، وتقى نتقيها ، هل ترد من قدر الله شيئا؟ فقال («هن من قدر الله)). وإلى هذين المعنين أشار الحديث الذى رواه الطبرانى أيضا عن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال: «يقول الله يا ابن آدم إنما هى أربع: واحدة لى، وواحدة لك ، وواحدة بينى وبينك ، وواحدة بينك وبين خلقى ؟ فأما التى (١) هكذا الأصل . ٤٥٨ لى: فتعبدنى لا تشرك بى شيئا، وأما التى لك فعملك أجزيك به أحوج ما تكون إليه ، وأما التى هى بينى وبينك فمنك الدعاء وعلى الإجابة ، وأما التى بينك وبين خلقى فأت إلى الناس بما تحب أن يأتوه اليك )). ثم إن التوحيد الجامع لتوحيد الألوهية والربوبية، أو توحيد أحدهما: للعبد فيه ثلاث مقامات : (أحدها ) مقام الفرق والكثرة بإنعامه من كثرة المخلوقات والمأمورات. ( والثانى) مقام الجمع والفناء بحيث يغيب بمشهوده عن شهوده . وبمعبوده عن عبادته ، وبموحده عن توحيده ، وبمذكوره عن ذكره ، وبمحبوبه عن حبه ؛ فهذا فناء عن إدراك السوى وهو فناء القاصرين . وأما الفناء الكامل المحمدى : فهو الفناء عن عبادة السوى ، والاستعانة بالسوى ، وإرادة وجه السوى ، وهذا فى الدرجة الثالثة وهو شهود التفرقة فى الجمع ، والكثرة فى الوحدة ، فيشهد قيام الكائنات مع تفرقها بإقامة الله تعالى وحده وربو ییته . ويرى أنه ما من دابة إلا ربى آخذ بناصيتها ، وأنه على كل شىء وكيل ، وأنه رب العالمين، وأن قلوب العباد ونواصيهم بيده، لا خالق غيره ولا نافع ولا ضار ، ولا معطى ولا مانع ولا حافظ ولا معز ولا مذل سواه، ويشهد أيضا ٤٥٩ فعل المأمورات مع كثرتها ، وترك الشبهات مع كثرتها لله وحده لا شريك له . وهذا هو الدين الجامع العام الذى اشترك فيه جميع الأنبياء ، والإسلام العام والإيمان العام ؛ وبه أنزلت السور المكية ؛ وإليه الإشارة بقوله تعالى : (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الْذِينِ مَا وَضَّى بِهِ، نُوحًا وَالَّذِىّ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَىّ أَنْ أَقِيمُواْالَّذِينَ وَلَاَنَنَفَرَّقُواْ فِيهِ) وبقوله: (وَسْتَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُسُلِنَآَ أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ ءَالِهَةَ يُعْبَدُونَ) وبقوله تعالى: (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِى كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُواْ اللَّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطّاغُوتَ) ولهذا ترجم البخاری عليه « باب ما جاء أن دين الأنبياء واحد)). وقد قال تعالى: ( إِنَّالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَرَى وَالصَِّينَ مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَعَمِلَ صَلِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفُ عَلَيْهِمْ وَلَاهُمْ يَحْزَنُونَ) جمع فى الملل الأربع: (مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَعَمِلَ صَلِحًا) وذلك قبل النسخ والتبديل . وخص فى أول الآية المؤمنين ، وهو الإيمان الخاص الشرعى الذى قال فيه: ( لِكُلِّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا ) والشرعة هى الشريعة، والمنهاج هو الطريقة ، والدين الجامع هو الحقيقة الدينية ، وتوحيد الربوبية ، هو الحقيقة الكونية ، فالحقيقة المقصودة الدينية الموجودة الكونية متفق عليها بين الأنبياء والمرسلين . ٤٦٠