Indexed OCR Text

Pages 401-420

ذو القوة المتين ، يرزق من يشاء بغير حساب ، وهو الهادى النصير ، يهدى
من يشاء إلى صراط مستقيم ، وينصر رسله والذين آمنوا فى الحياة الدنيا ويوم
يقوم الأشهاد. وهو الحكيم العليم الرحيم ، الذى أظهر من آثار علمه وحكمته
ورحمته ما لا يحصيه إلا هو .
فهو رب العالمين، والعالمون ممتلئون بما فيهم من آثار أسمائه وصفاته، وكل
شىء يسبح بحمده، ولكن لا تفقهون تسبيحهم ، من الناس من يدرك ما فيها
من الدلالة والشهادة بالعلم والمعرفة . ومن خرق اللّه سمعه سمع تأويب الجبال
والطير ، وعلم منطق الطير .
فإذا فسر ظهوره وتجليه بهذا المعنى : فهذا صحيح ، ولكن لفظ الظهور
والتجلى فيه إجمال ، كما سنبينه إن شاء الله تعالى.
وإذا قال القائل : ما رأيت شيئا إلا ورأيت اللّه قبله ، لأنه ربه ، والرب
متقدم على العبد ، أو رأيت الله بعده ؛ لأنه آيته ودليله وشاهده ؛ والعلم
بالمدلول بعد الدليل ، أو رأيت الله فيه، بمعنى ظهور آثار الصانع فى صنعته ،
فهذا صحيح . بل القرآن كله يبين هذا ويدل عليه ، وهو دين المرسلين ، وسبيل
الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وهو اعتقاد
المسلمين أهل السنة والجماعة، ومن يدخل فيهم من أهل العلم والإيمان ، ذوى
المعرفة واليقين أولياء الله المتقين .
٤٠١

فصل
في الغلط في ذلك
ثم إن كثيراً من أهل التوجه إلى اللّه إذا أقبلوا على ذكره وعبادته والإنابة
إليه : شهدوا بقلوبهم هذه الربوبية الجامعة ، وهذه الإحاطة العامة ، فإنه بكل
شىء محيط ، وهو سبحانه الحق الذى خلق السموات والأرض ، ومن آياته أن
تقوم السماء والأرض بأمره ، والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره،
ألا له الخلق والأمر ، ما خلق السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق، وهو
سبحانه نور السموات والأرض ( اللَّهُ نُورُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُنُورِوِ،كَمِشْكَوْمٍ
فِيَهَا مِصْبَاعُ ) الآية .
وهو سبحانه ليس عنده ليل ولا نهار . نور السموات من نور وجهه .
هكذا قال عبد الله بن مسعود: ((لا ينام ولا ينبغى له أن ينام،
يخفض القسط ويرفعه ، يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل
عمل الليل ، حجابه النور، أو النار ، لوكشفها لأحرقت سبحات وجهه ما أدركه
بصره من خلقه )) هكذا قال النبى صلى الله عليه وسلم فى الحديث المتفق عليه عن
أبى موسى.
٤٠٢

فقد يشهد العبد القدر المشترك بين المصنوعات ، وهو الحق الموجود فيها ،
الذى هو شامل لها ، فيظن أنه الخالق ، لمطابقته له فى نوع من العموم ، وإنما هو
صنعه وخلقه، ثم قد يرتقى إلى حجاب من حجبه النورية أو النارية ، فيظن أنه
هو ، ثم يرتقى إلى نوره، وما يظهر من أثر صفاته ، فقد يقع بعض هؤلاء فى
نحو من مذهب أهل الاتحاد المطلق العام ؛ فإن تداركهم الله برحمته فاعتصموا
بحبل الله واتبعوا هدى الله: علموا أن هذا كله مخلوق لله، وأن الخالق ليس
هو المخلوق، وأن جميعهم عباد لله، وربما قد يقع هذا فى نوع من الفناء أو السكر،
فيكون مخطئاً غالطاً ، وإن كان ذلك مغفوراً له ، إذا كان بسبب غير محظور ،
كما ذكرنا نظيره فى الاتحاد المعين.
٤٠٣

فصل
وهو كما يشهد ربوبيته وتدبيره العالم المحيط وحكمته ورحمته : فكذلك
يشهد إلهيته العامة؛ فإنه الذى فى السماء إله وفى الأرض إله، إله فى السماء، وإله
) وكذلك
يَسْئَلُهُ مَنْ فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ كُلَّ يَوْمِ هُوَفِ شَأَنِ
فى الأرض (
قوله: (وَهُوَ اَللَّهُ فِي السَّمَوَتِ وَفِي الْأَرْضِ) - الآية على أحد القولين، على
وقف من يقف عند قوله ( وَفِي الْأَرْضِ ) فإن المعنى هو فى السموات اللّه، وفى
الأرض الله ، ليس فهما من هو الله غيره.
وهذا وإن كان مشابهاً لقوله: (وَهُوَالَّذِى فِى السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ)
فهو أبلغ منه. ونظيره قوله: ( لَوْكَانَ فِيهِمَآءَ الِهَةُ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَنَا ) وقد قال :
) وقال تعالى :
وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
)
(تُبِعُلَهُ السَّمَوَتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِنَّ وَ إِنِ مِّنْ شَىْءٍ إِلَّا يُسَِّعُ مَحْدِهِ، وَكِن
لَّانَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ) وقال: ( أَفَغَيْرَ دِينِ اُللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِى
السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ طَوَعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ) وقوله تعالى :
( وَلِلَّهِيَسْجُدُ مَن فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرُهَا وَظِلَلُهُم بِالْغُدُوِ وَاْأَصَالِ)
٤٠٤

وقوله : ( أَلَّتَرَأَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُلَهُ, مَن فِ السَّمَوَتِ وَمَن فِى الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ
وَالنُّجُومُ وَاَلْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَآتُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ ) وقوله تعالى:
(وَلَهُ,مَنْ فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَِنُونَ * وَهُوَ الَّذِى يَبْدَؤُاْلْخَلْقَ
ثُمَّيُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَبُ عَلَيْةٍ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ) وقوله :
(
سَبَّعَ لِلَّهِ مَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ وَهُوَ اَلْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
)
) ونحو
يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ
)
ذلك - من معانى ألوهيته ، وخضوع الكائنات وإسلامها له ، وافتقارها إليه
وسؤالها إياه ، ودعاء الخلق إياه ؛ إما دعاء عبادة ، وإما دعاء مسألة ، وإما
دعاؤهما جميعاً .
ومن أعرض عنه وقت الاختيار: ( وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُ فِ الْبَحْرِضَلَّ مَن تَدْعُونَ
إِلَّآ إِيَّاهُ)، ( أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّإِذَادَعَاهُ) ونشهد أن كل
معبود سواه من لدن عرشه إلى قرار أرضه فإنه باطل إلا وجهه الكريم،
كما نشهد أنها كلها مفتقرة إليه فى مبدئها ، نشهد أنها مفتقرة إليه فى منتهاها ،
وإلا كانت باطلة .
فهذه المعانى التى فيها تأله الكائنات إياه، وتعلقها به . والمعانى الأول التى
فيها ربوبيته إياهم ، وخلقه لهم: يوجب أن يعلم أنه رب الناس ملك الناس إله
الناس، وأنه رب العالمين ، لا إله إلا هو، والكائنات ليس لها من نفسها شىء،
بل هى عدم محض ونفىصرف ، وما بها من وجود : فمنه وبه .
٤٠٥

ثم إنه إليه مصيرها ومرجعها ؛ وهو معبودها وإلهها، لا يصلح
أن يعبد إلا هو كما لم يخلقها إلا هو ، لما هو مستحقه بنفسه ومتفرد به من
نعوت الإلهیة التی لا شريك له فيها ، ولا سمی له، ولیس کمثله شىء .
فهو الأول الذى ليس قبله شىء ، وهو الآخر الذى ليس بعده شئ ، وهو
الظاهر الذى ليس فوقه شىء ، وهو الباطن الذی لیس دونه شىء ، وهو معنا
أينما كنا ، ونعلم أن معيته مع عباده على أنواع ، وهم فيها درجات.
وكذلك ربوبيته لهم وعبوديتهم التى هم بها معبدون له ، وكذلك ألوهيتهم
إياه ، وألوهيته لهم ، وعبادتهم التى هم بها عابدون ، وكذلك قربه منهم
وقربهم منه .
٤٠٦

فصل
فهذا فيما يشبه الاتحاد أو الحلول فى معين ، كنبى أو رجل صالح،
ونحو ذلك .
قد بينا ما فيه من الحق المحض ، وما فيه من الحق الملبوس بباطل ، وسنبين
إن شاء الله ما فيه من الباطل المحض.
وهذا القسم إنما يقع فيمن يعبد الله سبحانه ويتولاه، أو يظن به ذلك،
فإنه بذلك تظهر ألوهية اللّه فى عبده، وتظهر إنابة العبد إلى ربه ، وموافقته له فى
محبته ورضاه، وأمره ونهيه.
وقد يشتبه بهذا قسم آخر ؛ وهو ما يظهره الرب من آثار ربوبيته
فى بعض عباده وإن كان ذلك ليس مأموراً به ، ولا هو عبادة له ، مثل ما يعطيه
من ملكه وسلطانه بعض الملوك المسلطين ، ممن قد يكون مسلماً ، وقد لا يكون،
كفرعون وجنكسخان ونحوهما، وما يهبه من الرزق والمال لبعض عباده،
وما يقسمه من الجمال لبعض عباده من الرجال والنساء .
وكذلك ما يهبه من العلوم والمعارف، أو يهبه من الأحوال، أو يعطيه من
٤٠٧

خوارق العادات من أنواع المكاشفات والتأثيرات، سواء كان هؤلاء مؤمنين ،
أو كفاراً مثل الأعور الدجال ونحوه .
فإنه فى هذا القسم يقوم فى العبد المعين من آثار الربوبية وأحكام القدرة
أكثر مما يقوم بغيره ، كما يقوم بالقسم الأول من آثار الألوهية وأحكام
الشرع أكثر مما يقوم بغيره ؛ وقد يجتمع القسمان فى عبد ، كما يجتمع
فى الملائكة والأنبياء والأولياء : مثل نبينا صلى اللّه عليه وسلم، والمسيح بن
مريم وغيرهما .
فهذا القسم وحده كاف فى أحكام الكلمات الكونية ، كالقسم الأول فى
أحكام الكلمات الدينية ؛ فإن الحوادث إنما تكون بمشيئة الله وقدرته . وقد
كان النبى صلى الله عليه وسلم يستعيذ ويعوذ، ويأمر بالاستعاذة بكلمات الله
التامات التى لا يجاوزها بر ولا فاجر .
فالكلمات التى بها كون اللّه الكائنات لا يخرج عنها بر ولا فاجر؛ فما من
ملك ولا سلطان، ولا مال ولا جمال ، ولا علم ولا حال ، ولا كشف ولا
تصرف إلا وهو بمشيئته وقدرته، وكلماته التامات ، ولكن من ذلك ما هو
محبوب لله مأمور به، ومنه ما هو مكروه للّه منهى عنه بل مباح أو عفو . وإذا
كان واقعاً بمشيئة الله وقدرته وكلمته، ولا يقدر على ذلك غيره ، وهو مضاف
إلى الله من جهة ربوبيته وملكه، فبينه وبين القسم الأول من الاشتراك والمشابهة
ما أوجب أن أقواماً غلطوا فى أمر الله، جعلوه فى القسمين واحداً .
٤٠٨

بل غلطوا أيضاً فى نفس الرب ، فألحقوا بعض العباد المعبدين من القسم
الثانى ببعض العباد العابدين من القسم الأول ، ودخلوا فى الاتحاد والحلول
من هذا الوجه ، حتى عبد من عبد فرعون والدجال ، وعبدآخرون الصور
الجميلة ونحو ذلك ، ويزعمون أن هذا مظاهر الجمال؛ وكفر هؤلاء بالعبادات
والإيمان تارة ، وبالمعبود أخرى .
ولما كان المقصودهنا بيان الحق من ذلك ، أو ما فيه حق: ذكرنا هذا .
أما الاول : فإن الله سبحانه قد فرق بالقرآن وبالإيمان بين أمره الدينى
وخلقه الكونى . فإن الله سبحانه خالق كل شىء ، ورب كل شىء ومليكه ،
سواء فى ذلك الذوات وصفاتها وأفعالها، وما شاء اللّه كان وما لم يشأ لم يكن،
لا يخرج عن مشيئته شىء، ولا يكون شىء إلا بمشيئته.
وقد كذب ببعض ذلك القدرية المجوسية من هذه الأمة وغيرها ، وهم الذين
يزعمون أن اللّه لم يخلق أفعال عباده من الملائكة والجن والإنس والبهائم ، ولا
يقدر على أن يفعل بعباده من الخير أكثر مما فعله بهم؛ بل ولا على أفعالهم ؛
فليس هو على كل شىء قدير، أو أن ما كان من السيئات فهو واقع على خلاف
مشيئته وإرادته. وهم ضلال مبتدعة ، مخالفون للكتاب والسنة وإجماع سلف
الأمة ؛ ولما عرف بالعقل والذوق .
ثم إنه قابلهم قوم شر منهم ، وهم القدرية المشركية ، الذين رأوا الأفعال
٤٠٩

واقعة بمشيئته وقدرته. فقالوا: ( لَوْشَآءَ اللَّهُ مَآ أَشْرَكْنَا وَلَآءَابَآؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِن
شَىْءٍ ) ولو كره اللّه شيئاً لأزاله، وما فى العالم إلا ما يحبه الله ويرضاه، وما ثم
عاص ، وأنا كافر برب يعصى ، وإن كان هذا قد عصى الأمر فقد أطاع
الإرادة؛ وربما استدلوا بالجبر ، وجعلوا العبد مجبوراً ، والمجبور معذور ،
والفعل لله فيه لا له؛ فلا لوم عليه .
فهؤلاء كافرون بكتب الله ورسله، وبأمر الله ونهيه ، وثوابه وعقابه،
ووعده ووعيده ، ودينه وشرعه ، كفراً لا ريب فيه ، وهم أ کفر من اليهود
والنصارى، بل أكفر من الصابئة والبراهمة الذين يقولون بالسياسات العقلية.
فإن هؤلاء كافرون بالديانات والشرائع الإلهية ، وبالآيات والسياسات
العقلية .
وأما الأولون : ففى تكفيرهم تفصيل ليس هذا موضعه .
وهؤلاء أعداء الله وأعداء جميع رسله ، بل أعداء جميع عقلاء بنى آدم،
بل أعداء أنفسهم ؛ فإن هذا القول لا يمكن أحداً أن يطرده ، ولا يعمل به
ساعة من زمان ، إذ لازمه : أن لا يدفع ظلم ظالم ، ولا يعاقب معتد ،
ولا يعاقب مسىء لا بمثل إساءته ، ولا بأكثر منها .
وأكثر هؤلاء إنما يشيرون إلى ذلك عند أهواء أنفسهم لرفع الملام عنهم،
وإلا فإذا كان لهم هذا مع أحد قابلوه وقاتلوه واعتدوا عليه أيضاً ، ولا يقفون
٤١٠

عند حد ، ولا يرقبون فى مؤمن إلا ولا ذمة، بل هم كما قال اللّه ( وَحَمَلَهَا الْإِنْسَنُ
إِنَّهُ كَانَ ظَلُومَاجَهُولًا ) ظلمة جمال، مثل السبع العادى، يفعلون بحكم الأهواء
المحضة ، ويدفعون عن أنفسهم الملام والعذل ، أو ما يجب عليهم من الأمر
بالمعروف والنهى عن المنكر بالجبر الباطل، وبملاحظة القدر النافذ، معرضين
عن الأمر والنهى ، ولا يفعلون مثل ذلك بمن اعتدى عليهم وظلمهم وآذاهم ،
بل ولا بمن قصر فى حقوقهم ، بل ولا بمن أطاع الله: فأمر بما أمر الله به،
ونهى عما نهى الله عنه. وقد بسطت الكلام فى هؤلاء القدرية والقسم الأول،
وذكرت القدرية الإبليسية فى غير هذا الموضع ؛ وإنما الغرض هنا التنبيه على
معاقد الأقوال .
وقد فرق الله فى كتابه بين القسمين بين من قام بكلماته الكونيات ، و بین
من اتبع كلماته الدينيات ، وذلك فى أمره وإرادته وقضائه، وحكمه وإذنه وبعثه
وإرساله ؛ فقال فى الأمر الدينى الشرعى: ( إِنَّ اللَّهَيَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَنِ
وَ إِيتَآٍ ذِى الْقُرْبَ ) ( إِنَّ اللهَيَأْمُرُ كُمْ أَنْ تُؤَدُّواْالْأَمَنَتِ إِلَى أَهْلِهَا) (إِنَّاللَّهَ
يَأْمُ كُمْ أَنْ تَذْ بَحُو أَبَقَرَةً).
وقال فى الأمر الكونى القدرى : (إِنَّمَآ أَمْرُهُ: إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ,وَكُنْ
فَيَكُونُ ) ( أَ أَمْرُ اللَّهِ فَلَ تَسْتَعْجِلُوهُ) وكذلك قوله: (وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ
◌ُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِبهَا فَفَسَقُواْفِهَا ) على أحد الأقوال.
وقال فى الإرادة الدينية الشرعية (يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ)
٤١١

(يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ )
(مَايُرِيدُ اللّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِّنْ حَرَجٍ).
وقال فى الإرادة الكونية القدرية: ( فَمَن يُرِدِ اللَّهُأَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ
لِلْإِسْلَمِّ وَمَن يُرِدُ أَنْ يُضِلّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا) (وَلَا يَنَفَعُكُمْ نُصْحِىِ إِنْ
أَرَدَتُّ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِن كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ
) (أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَوَ يُرِدِ اللَّهُأَن
يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ).
وبهذا الجمع والتفريق تزول الشبهة فى مسألة الأمر الشرعى : هل هو
مستلزم للإرادة الكونية أم لا ؟ فإن التحقيق أنه غير مستلزم للإرادة الكونية
القدرية ؛ وإن كان مستلزماً للإرادة الدينية الشرعية .
وقال فى الإذن الدينى: (مَا قَطَعْتُمْ مِن لِنَةٍ أَوْتَرَكْتُمُوهَا قَآيِمَةً عَلَى أُصُولِهَا
فَبِإِذْنِ اللَّهِ ).
وقال فى الإذن الكونى: (وَمَاهُمْ بِضَآرِّينَ بِهِ، مِنْ أَحَدٍ إِلَّ بِإِذْنِ اللَّهِ).
وقال فى القضاء الدينى: (وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُهُ وَأَإِلََّ إِيَّاهُ ) أى أمر
ربك بذلك.
وقال فى القضاء الكونى: ( فَقَضَتُهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِ يَوْمَيْنِ ).
وقال فى الحكم الدينى: ( يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْأَوْفُواْبِالْعُقُودٍ أُحِلَّتْ لَكُم
٤١٢

يَهِيمَةُ الْأَنْعَمِ إِلَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِ الضَّيْدِ وَأَنْتُمُ حُرُ إِنَّاللَّهَ يَحْكُمُ مَايُرِيدٌ )
وقال: ( ذَلِكُمْ حُكْمُاللهِيَحْكُمُبَيْنَكُمْ) وقال: (أَفَحُكْمَ الْجَهِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ
اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ ).
وقال فى الحكم الكونى: (فَلَنْ أَبْرَعَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِىّ أَبِىّ أَوْ يَحْكُمُ اللَّهُلِىّ
وَهُوَ خَيْرُ الْحَكِمِينَ ).
وقد يجمع الحكمين مثل ما فى قوله: ( إِنِ اَلْحُكْمُ إِلَّ ◌ِلَّهِ ) وكذلك فعله:
(وَاَللَّهُ يَقْضِى بِالْحَقِّ ).
(
وقال فى البعثين والإرسالين : ( هُوَالَّذِى بَعَثَ فِ الْأُمِِّنَ رَسُولَا مِنْهُمْ
(بَعَثْنَا عَلَيْهِكُمْ عِبَادًالَّا أَوْلِى بَأْسِ شَدِيدٍ ) وقوله: (إِنَّا أَرْسَلْنَكَ شَهِدًا وَمُبَشِّرًا
وَنَذِيرًا ) (لَقَدْ أَرْسَلْنَارُ سُلَنَا بِالْبَيِّنَتِ) وقد قال: (أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَطِينَ عَلَى
اُلْكَفِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزَّا) وقال: ( وَأَرْسَلْنَا الْرِيَحَ لَوَقِحَ).
٤١٣

فصل
وأما كفرهم بالمعبود : فإذا كان لهم فى بعض المخلوقات هوی فقد يعبدونه
بشبهة الحلول أو الاتحاد الفاسد مثل ، من يعبد الصور الجميلة ، ويقول : هذا
مظهر الجمال ، أو الملك المطاع الجبار ، ويقول : هو مظهر الجلال ، أو مظهر
ربانى ونحو ذلك ، وليس فى هذه المخلوقات نوع من الاتحاد أو الحلول الحق ،
لكن يشبه ما فيه الحق من جهة؛ إذ كلاهما باللّه ومن اللّه؛ وإنه لله؛ ولهذا
يسوى بينهما أهل الحلول والاتحاد المطلق، كما سنبينه إن شاء الله.
فهؤلاء الاتحادية والحلولية - الذين يخصونه ببعض المصنوعات التى ليس
فيها عبادة وإثابة -: هم فرع على أولئك ، ليس معهم من الحق شىء ولا شبهة
حق ، كما مع أولئك: ألفاظ متشابهة عن بعض الأنبياء والصالحين ، ولكن
مع هؤلاء قول فرعون؛ (أَنْرَتِّكُم ◌ْأَعْلَى) و (مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِى)
وقول الدجال: ((أنا ربكم)) ونحو ذلك.
فهذه الألفاظ التى معهم من ألفاظ الكفار والمنافقين ، ومعهم تشبيه
الكونيات بالدينيات ، والكونيات عامة لا اختصاص فيها ، فلهذا كان هؤلاء
أدخل فى الاتحاد والحلول المطلق منهم فى المعین ، اعتقادا وقولا ، وإنكانوا من
٤١٤

جهة الحال والهوى يخصون بعض الأعيان - كما هو الواقع - لشبهة اختصاصه
بعض الأحكام الكونية. وسنتكلم عليهم إن شاء الله فى الحلول الفاسد.
وإنما ذكرتهم هنا لما أردت أن أذكر كل ما فيه شوب اتحاد أو حلول
بحق، فبهت على ذلك ليفطن لموضع ضلالهم؛ فإذا علم حقيقة هذه الأمور: على
حقيقة قول النبي صلى اللّه عليه وسلم (( أصدق كلمة قالها الشاعر: كلمة لبيد:
* ألا كل شىء ما خلا اللّه باطل *
فإن الباطل ضد الحق؛ والله هو الحق المبين.
والحق له معنيان، أحدهما : الوجود الثابت ، والثانى : المقصود النافع ،
كقول النبى صلى الله عليه وسلم: ((الوتر حق)).
والباطل نوعان أيضاً :
أحدهما : المعدوم . وإذا كان معدوما كان اعتقاد وجوده والخبر عن وجوده
باطلا ؛ لأن الاعتقاد والخبر تابع للمعتقد المخبر عنه ، يصح بصحته ، ويبطل
ببطلانه ؛ فإذا كان المعتقد المخبر عنه باطلا كان الاعتقاد والخبر كذلك ؛
وهو الكذب .
الثانى: ما ليس بنافع ولا مفيد، كقوله تعالى: ( وَمَا خَلَقْنَا السَّمَآءَ
وَالْأَرْضَ وَمَابَيْنَهُمَا بَطِلًا ) وکقول النبى صلى الله عليه وسلم: « كل هو يلهو
٤١٥

به الرجل فهو باطل ، إلا رميه بقوسه ، وتأديبه فرسه ، وملاعبته امرأته ،
فإنهن من الحق )) وقوله عن عمر: ((إن هذا رجل لا يحب الباطل)) وما لا منفعة
فيه : فالأمر به باطل ، وقصده وعمله باطل ؛ إذ العمل به والقصد إليه
والأمر به باطل .
ومن هذا قول العلماء: العبادات والعقود تنقسم إلى صحيح وباطل .
فالصحيح : ما ترتب عليه أثره ، وحصل به مقصوده.
والباطل : ما لم يترتب عليه أثره، ولم يحصل به مقصوده ؛ ولهذا كانت
أعمال الكفار باطلا .
فإن الكافر من جهة كونه كافراً يعتقد ما لا وجود له ، ويخبر عنه ،
فيكون ذلك باطلا ، ويعبد ما لا تنفعه عبادته ، ويعمل له ويأمر به ،
فيكون ذلك أيضاً باطلا .
ولكن لما كان لهم أعمال وأقوال صاروا يشبهون أهل الحق ؛ فلذلك
قال تعالى: (وَاُلَّذِينَ كَفَرُوْ أَعْمَلُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الَّمْشَانُ مَآءَ حَتَّى إِذَا جَآءَهُ.
لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَقَّنُهُ حِسَابَهُ وَاللّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ ) وقال
تعالى: (الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّ واعَن سَبِيلِ الَّهِ أَضَلَّ أَعْمَلَهُمْ * وَاُلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ
الصَّلِحَتِ وَءَامَنُواْبِمَانُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ اْحَقُّ مِنْ زَيْهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ * ذَلِكَ
بِأَنَّالَّذِينَ كَفَرُواْ اتَّبَعُواْ الْتَطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَءَامَنُواْتَّبَعُوْ اْحَ مِن ◌َّيِّهِمْ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُلِلنَّاسِ
٤١٦

أَمْثَلَهُمْ ) إلى قوله: (وَلَ تْبِطِلُواْ أَعْمَلَكُمْ) وقال: (وَقَدِمْنَآ إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ
فَجَعَلْنَهُ هَبَآءُ مَنْشُورًا) وقال تعالى: ( لَاتُبْطِلُوْ صَدَ قَتِكُمْ بِالْمَنّ وَاُلْأَذَى
كَلَّذِى يُنفِقُ مَالَهُ رِئَآءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِّ فَمَثَلُهُ، كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ
تُرَابٌ فَأَصَابَهُ، وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلَّدٌّا لَّ يَقْدِرُونَ عَلَى شَىْءٍ مِّمَّاكَسَبُواْ).
فبين أن المن والأذى يبطل الصدقة ، فيجعلها باطلا، لاحقاً ، كما يبطل
الرياء وعدم الإيمان الإنفاق أيضاً. وقد عم بقوله: ( وَلَاتُبْطِلُواْ أَعْمَلَكُمْ )
أى لا تجعلوها باطلة ، لا منفعة فيها ولا ثواب ، ولا فائدة.
وقد غلط طائفة من الناس من الاتحادية وغيرهم ، كابن عربى ، فرأوا أن
الحق هو الموجود، فكل موجود حق . فقالوا : ما فى العالم باطل ؛ إذ ليس
فى العالم عدم .
قالوا : والكفر إنما هو عدم وجود الشريك مثلا .
وإنما أتوا من جهة اللفظ المجمل .
فإن الشىء له مرتبتان :
مرتبة باعتبار ذاته ؛ فهو إما موجود ، فيكون حقا ؛ وإما معدوم ،
فيكون باطلا .
ومرتبة باعتبار وجوده فى الأذهان واللسان والبنان ، وهو العلم والقول
٤١٧

والكتاب ؛ فالاعتقاد والخبر والكتابة أمور تابعة للشىء ، فإن كانت مطابقة
موافقة كانت حقا ، وإلا كانت باطلا ، فإذا أخبرنا عن الحق الموجود أنه حق
موجود، وعن الباطل المعدوم أنه باطل معدوم : كان الخبر والاعتقادحقاً ؛ وإن
كان بالعكس كان باطلا ؛ وإن كان الخبر والاعتقاد أمراً موجوداً. فكونه
حقاً أو باطلا باعتبار حقيقته المخبر عنها ، لا باعتبار نفسه .
ولا يجوز إطلاق القول بأنه حق لمجرد كونه موجوداً إلا بقرينة
تبين المراد .
وهكذا العمل والقصد والأمر إنما هو حق باعتبار حقيقته المقصودة ،
فإن حصلت وكانت نافعة : كان حقاً ، وإن لم تحصل ، أو حصل ما لا منفعة
فيه : كان باطلا .
وبهذين الاعتبارين يصير فى الوجود ما هو من الباطل ، كما دل على ذلك
الكتاب والسنة والإجماع ؛ مع ما يوافق ذلك من عقل وذوق وكشف ،
خلاف زعم هذه الطائفة الضالة المضلة .
قال الله تعالى: (أَنَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَآءُ فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدً ا رَّبِيًّاً وَمِمَا
يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِ النَّارِ ابْتِغَاءَ حِيَةٍ أَوْ مَع ◌َبٌَ مِثْلُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَطِلُّ فَأَمَّا الزَّبَدُ
فَيَذْهَبُ جُفَاءُ وَأَمَّامَا يَنَفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِ آلْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ ).
٤١٨

شبه ما ينزل من السماء على القلوب من الإيمان والقرآن ، فيختلط بالشبهات
والأهواء المغوية بالمطر الذى يحتمل سيله الزبد ، وبالذهب والفضة والحديد
ونحوه إذا أذيب بالنار، فاحتمل الزبد فقذفه بعيداً عن القلب ، وجعل ذلك الزيد
هو مثل ذلك الباطل الذى لا منفعة فيه ؛ وأما ما ينفع الناس من الماء والمعادن
فهو مثل الحق النافع، فيستقر ويبقى فى القلب.
وقد تقدم قوله تعالى : ( الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّ واعَن سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَلَهُمْ )
إلى قوله: ( ذَلِكَ بِأَنَّالَّذِينَ كَفَرُواْ اتَّبَعُواْالْتَطِلَ وَأَنَّالَّذِينَءَامَنُواْتَّبَعُوْاُلْحَقَّ مِن رَّبِهِمْ كَذَلِكَ يَضْرِبُ
اللّهُلِلنَّاسِ أَمْثَلَهُمْ ).
فأخبر سبحانه أن سبب إضلال أعمال هؤلاء الذين كفروا حتى لم تنفعهم،
وأن أعمال هؤلاء الذين آمنوا نفعتهم ، فكفرت سيآتهم وأصلح اللّه بالهم:
أن هؤلاء اتبعوا الباطل قولا وعملا، اعتقادا واقتصادا، خبرا وأمراً.
وهؤلاء اتبعوا الحق من ربهم ، ولم يتبعوا ما هو من غير ربهم ، وإن كان
حقاً من وجه .
وهذا تحقيق ما قلناه ؛ فإن الخبر والعمل تابع للمخبر عنه ، وللمقصود
بالعمل فإذا كان ذلك باطلا لا حقيقة له كان التابع كذلك، وإن كان موجوداً .
وكذلك ما تقدم من قوله: ( لَا تُبْطِلُواْ صَدَقَتِكُمْ) وقوله: (وَلَانُبْطِلُواْ
أَعْمَلَكُمْ) ونحو ذلك من إبطال ما قد مضى ووجد ، إنما هو عدم لعدم فأنّدته
لا عدم ذاته ؛ فإن ذاته انقضت كما انقضى ما لم يبطل من الأعمال ، فكيف
٤١٩

يقال : لا باطل فى الوجود؟ ثم يجعل هذا ذريعة إلى أن ذلك الموجود الذى
فيه الحق والباطل هو عين اللّه؛ لأنه هو الحق ، ولا يميز بين الحق الخالق
والحق المخلوق ؟ .
فتدبر ، كيف اشتمل مثل هذا الكلام على هاتين المقدمتين الباطلتين ؟
وكيف استزلوا عقول الضعفاء بهذه الشبهة ؟
وقالوا: قوله ((ألا كل شىء ما خلا اللّه باطل، والباطل هو المعدوم ،
فكل ما سوى الله معدوم، والموجود ليس بمعدوم. فالموجود ليس فيه سوى،
وإنما السوى هو العدم .
فإن هذا مبنى على المقدمتين الباطلتين .
إحداهما : قولهم : إن الباطل هو المعدوم ؛ فإنه ليس كذلك ، بل المعدوم
باطل ، وليس كل موجود باطلا ، بل فى الموجود ما هو حق ، وفيه ما هو
باطل ، كما تقدم: وهو الأعمال التى لا تنفع ، والأخبار التى ليست بصدق ،
وما يندرج فى هذين من المقاصد والعقائد.
الثانية : لو كان لا باطل إلا المعدوم ، لكان الموجود حقاً وكل
موجود. فقد يسمى حقاً مع القرينة المفسرة باعتبار وجوده، وإن كان باطلا ،
لانتفاء حقيقته التى بها جاز إطلاق الحق عليه ، لكن الحق حقان : حق
خالق ، وحق مخلوق .
٤٢٠