Indexed OCR Text

Pages 321-340

وأما ما ذكره عن شيخه من أن آدم كان توحيده ظاهراً وباطناً فكان قوله
((لا تقرب)) ظاهراً، وكان أمره ((بكل)) باطناً.
فيقال: إن أريد بكونه قال ((كل)) باطناً أنه أمره بذلك فى الباطن أمر تشريع
ودين : فهذا كذب وكفر ، وإن كان أراد أنه خلق ذلك وقدره وكونه :
فهذا قدر مشترك بين آدم وبين سائر المخلوقات ، فإنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول
له كن فيكون.
وإن قيل : إن آدم شهد الأمر الكونى القدرى وكان مطيعاً لله بامتثاله له .
كما يقول هؤلاء: إن العارف الشاهد للقدر يسقط عنه الملام. فهذا مع أنه معلوم
بطلانه بالضرورة من دين الإسلام فهو كفر باتفاق المسلمين .
فيقال : الأمر الكونى يكون موجوداً قبل وجود المكون، لا يسمعه
العبد وليس امتثاله مقدوراً له ، بل الرب هو الذى يخلق ما كونه بمشيته
وقدرته ، والله تعالى ليس له شريك فى الخلق والتكوين.
والعبد وإن كان فاعلا بمشيئته وقدرته ، والله خالق كل ذلك ، فتكوين
الله للعبد ليس هو أمراً لعبد موجود فى الخارج يمكنه الامتثال ، وكذلك
ما خلقه من أحواله وأعماله: خلقه بمشيئته وقدرته و: ( إِنَّمَآ أَمْرُهُ، إِذَآ
أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُكُنْ فَيَكُونُ ) فكل ما كان من المكونات فهو داخل
فى هذا الأمر .
٣٢١

وأكل آدم من الشجرة ، وغير ذلك من الحوادث : داخل تحت هذا
كدخول آدم ؛ فنفس أكل آدم هو الداخل تحت هذا الأمر كما دخل آدم.
فقول القائل: إنه قال لآدم فى الباطن: ((كل)) مثل قوله إنه قال للكافر
اكفر ، وللفاسق افسق، والله لا يأمر بالفحشاء، ولا يحب الفساد، ولا
يرضى لعباده الكفر ، ولا يوجد منه خطاب باطن ، ولا ظاهر للكفار
والفساق ، والعصاة : بفعل الكفر والفسوق والعصيان ، وإن كان ذلك
واقعاً بمشيئته ، وقدرته وخلقه وأمره الكونى ، فالأمر الكونى ليس هو
أمراً للعبد أن يفعل ذلك الأمر ، بل هو أمر تكوين لذلك الفعل فى العبد،
أو أمر تكوين لكون العبد على ذلك الحال .
فهو سبحانه الذى خلق الإنسان هلوعا ( إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّجُوعًا * وَإِذَامَسَّهُ
الْخَيْرُ مَنُوعًا) وهو الذى جعل المسلمين مسلمين، كما قال الخليل: (رَبَّنَا
وَأَجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّقِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَّكَ ) فهو سبحانه جعل العباد على
الأحوال التى خلقهم عليها، وأمره لهم بذلك أمر تكوين، بمعنى أنه قال لهم
كونوا كذلك فيكونون كذلك ، كما قال للجماد: كن فيكون.
فأمر التكوين لا فرق فيه بين الجماد والحيوان ، وهو لا يفتقر إلى علم
العبد قد يعلم ماجرى به القدر فى
المأمور ولا إرادته ولا قدرته ، لکر.
أحواله ، كما يعلم ما جرى به القدر فى أحوال غيره ، وليس فى ذلك علم منه
بأن الله أمره فى الباطن؛ بخلاف ما أمره فى الظاهر، بل أمره بالطاعة باطناً
٣٢٢

وظاهراً ، ونهاه عن المعصية باطناً وظاهراً ، وقدر ما يكون فيه من طاعة
ومعصية باطناً وظاهراً ، وخلق العبد وجميع أعماله باطناً وظاهراً ، وكون
ذلك بقوله («كن )) باطناً وظاهراً .
وليس فى القدر حجة لابن آدم ولا عذر ، بل القدر يؤمن به ولا يحتج
به، والمحتج بالقدر فاسد العقل والدين ، متناقض ، فإن القدر إن كان حجة
وعذراً: لزم أن لا يلام أحد ؛ ولا يعاقب ولا يقتص منه، وحينئذ فهذا المحتج
بالقدر يلزمه - إذا ظلم فى نفسه وماله وعرضه وحرمته - أن لا ينتصر من
الظالم ، ولا يغضب عليه ، ولا يذمه ؛ وهذا أمر متنع فى الطبيعة ، لا يمكن
أحد أن يفعله ، فهو ممتنع طبعاً محرم شرعاً .
ولو كان القدر حجة وعذراً : لم يكن إبليس ملوماً ولا معاقباً ، ولا فرعون
وقوم نوح وعاد وثمود وغيرهم من الكفار، ولا كان جهاد الكفار جائزاً ، ولا
إقامة الحدود جائزاً ، ولا قطع السارق ، ولا جلد الزانى ولا رجمه ، ولا قتل
القاتل ولا عقوبة معتد بوجه من الوجوه .
ولما كان الاحتجاج بالقدر باطلا فى فطر الخلق وعقولهم: لم تذهب إليه
أمة من الأمم ، ولا هو مذهب أحد من العقلاء ، الذين يطردون قولهم ،
فإنه لا يستقيم عليه مصلحة أحد ، لا فى دنياه ولا آخرته، ولا يمكن اثنان أن
يتعاشرا ساعة واحدة؛ إن لم يكن أحدهما ملتزماً مع الآخر نوعاً من الشرع،
فالشرع نور الله فى أرضه، وعدله بین عباده.
٣٢٣

لكن الشرائع تقنوع : فتارة تکون منزلة من عند الله كما جاءت به الرسل،
وتارة لا تكون كذلك ، ثم المنزلة : تارة تبدل وتغير - كما غير أهل الكتاب
شرائعهم - وتارة لا تغير ولا تبدل ، وتارة يدخل النسخ فى بعضها
وتارة لا يدخل .
وأما القدر : فإنه لا يحتج به أحد إلا عند اتباع هواه ، فإذا فعل فعلا
محرما بمجرد هواه وذوقه ووجده ؛ من غير أن يكون له علم بحسن الفعل
ومصلحته استند إلى القدر، كما قال المشركون: (لَوْشَآءَ اللَّهُ مَآ أَشْرَكْنَا وَلَآ ءَابَآؤُنَا
وَلَا حَرَّمْنَا مِن شَىْءٍ) قال الله تعالى: (كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُواْ
بَأْسَنَّا قُلْ هَلْ عِندَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَّا إِن تَنَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا
صى
تَّخْرُصُونَ * قُلْ فَلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَلِغَةُ فَلَوْشَآءَ لَهَدَ مَكُمْ أَجْمَعِينَ ) فبين أنهم ليس عندهم
علم بما كانوا عليه من الدين، وإنما يتبعون الظن.
والقوم لم يكونوا ممن يسوغ لكل أحد الاحتجاج بالقدر ، فإنه لو خرب
أحد الكعبة؛ أو شتم إبراهيم الخليل ، أو طعن فى دينهم لعادوه وآذوه ، كيف
وقد عادوا النبى صلى اللّه عليه وسلم على ما جاء به من الدين ، وما فعله هو أيضاً
من المقدور .
فلو كان الاحتجاج بالقدر حجة لكان للنى صلى الله عليه وسلم وأصحابه .
فإن كان كل ما يحدث فى الوجود فهو مقدر ، فالمحق والمبطل يشتركان فى
الاحتجاج بالقدر ، إن كان الاحتجاج به صحيحاً ، ولكن كانوا يتعمدون
٣٢٤

على ما يعتقدونه من جنس دينهم وهم فى ذلك يتبعون الظن ليس لهم به علم
بل هم يخرصون .
وموسى لما قال لآدم: ((لماذا أخرجتنا ونفسك من الجنة؟ » فقال آدم
عليه السلام - فيما قال لموسى - لم تلومنى على أمر قدره اللّه على قبل أن أخلق
بأربعين عاماً ؟ فج آدم موسى، لم يكن آدم عليه السلام محتجاً على فعل ما نهى
عنه بالقدر ، ولا كان موسى ممن يحتج عليه بذلك فيقبله ، بل آحاد المؤمنين
لا يفعلون مثل هذا ، فكيف آدم وموسى؟ .
وآدم قد تاب مما فعل واجتباه ربه وهدى ، وموسى أعلم بالله من أن يلوم
من هو دون نبى على فعل تاب منه ، فكيف بنبي من الأنبياء؟ وآدم يعلم أنه
لو كان القدر حجة لم يحتج إلى التوبة ، ولم يجر ما جرى من خروجه من الجنة
وغير ذلك ، ولو كان القدر حجة لكان لإ بليس وغيره ، وكذلك موسى يعلم
أنه لو كان القدر حجة لم يعاقب فرعون بالغرق ، ولا بنو إسرائيل بالصعقة
وغيرها، كيف وقد قال موسى ( رَبِّ إِنِى ظَلَمْتُ نَفْسِى فَأَغْفِرْلِ) وقال: ( أَنْتَ
وَلِيُّنَا فَاغْفِرْلَنَا وَآَرْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَفِرِينَ ) وهذا باب واسع.
وإنما كان لوم موسى لآدم من أجل المصيبة التى لحقتهم بآدم من أكل
الشجرة ؛ ولهذا قال: لماذا أخرجتنا ونفسك من الجنة؟ واللوم لأجل المصيبة
التى لحقت الإنسان نوع، واللوم لأجل الذنب الذى هو حق الله نوع آخر،
٣٢٥

فإن الأب لو فعل فعلا افتقر به حتى تضرر بنوه ، فأخذوا يلومونه لأجل
ما لحقهم من الفقر : لم يكن هذا كلومه لأجل كونه أذنب.
والعبد مأمور أن يصبر على المقدور ، ويطيع المأمور ، وإذا أذنب
استغفر. كما قال تعالى: (فَأَصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌ وَأَسْتَغْفِرْ لِذَئِكَ) وقال تعالى:
( مَآ أَصَابَ مِن مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَ مَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ ) قال طائفة من
السلف: هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويسلم .
فمن احتج بالقدر على ترك المأمور ، وجزع من حصول ما يكرهه من
المقدور فقد عكس الإيمان والدين ، وصار من حزب الملحدين المنافقين ، وهذا
حال المحتجین بالقدر .
فإن أحدهم إذا أصابته مصيبة عظم جزعه وقل صبره ، فلا ينظر إلى القدر
ولا يسلم له، وإذا أذنب ذنباً أخذ يحتج بالقدر، فلا يفعل المأمور ، ولا يترك
المحظور ، ولا يصبر على المقدور، ويدعى مع هذا أنه من كبار أولياء الله
المتقين ، وأئمة المحققين الموحدين، وإنما هو من أعداء الله الملحدين ، وحزب
الشيطان اللعين .
وهذا الطريق إنما يسلكه أبعد الناس عن الخير والدين والإيمان ،
تجد أحدهم أجبر الناس إذا قدر ، وأعظمهم ظلماً وعدواناً ، وأذل الناس إذا
قهر ، وأعظمهم جزءا ووهنا؛ كما جربه الناس من الأحزاب البعيدين عن الإيمان
بالكتاب ، والمقاتلة من أصناف الناس .
٣٢٦

والمؤمن إن قدر عدل وأحسن ، وإن قهر وغلب صبر واحتسب ،
كما قال كعب بن زهير فى قصيدته التى أنشدها للنبي صلى الله عليه وسلم - التى
أولها بانت سعاد الخ ـ فى صفة المؤمنين :-
ليسوا مفاريح إن نالت رماحهم يوما وليسوا مجازيعا إذا نيلوا
وسئل بعض العرب عن شىء من أمر النبي صلى الله عليه وسلم فقال:
رأيته يغلب فلا يبطر ، ويُغلب فلا يضجر.
وقد قال تعالى: (قَالُواْ أَمِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفٌُّ قَالَ أَنَأْيُوسُفُ وَهَذَا أَخِىّ قَدْ
مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَآ إِنَّهُ، مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَيُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ) وقال
تعالى: (وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا) وقال تعالى: (بَكَ إِن
تَصْبِرُوا وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُمْ مِن فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِذْكُمْ رَبُّكُم ◌ِخَمْسَةِءَالَفٍ مِّنَ الْمَلَئِكَةِ
مُسَوِّمِينَ ) وقال تعالى: (وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ) فذكر
الصبر والتقوى فى هذه المواضع الأربعة فالصبر يدخل فيه الصبر على المقدور ،
والتقوى يدخل فيها فعل المأمور وترك المحظور .
فمن رزق هذا وهذا فقد جمع له الخير ، بخلاف من عكس فلا يتقى الله
بل يترك طاعته متبعا لهواه ويحتج بالقدر ، ولا يصبر إذا ابتلى ولا ينظر حينئذ
إلى القدر ، فإن هذا حال الأشقياء ، كما قال بعض العلماء : أنت عند الطاعة
قدرى ، وعند المعصية جبرى ، أى مذهب وافق هواك تمذهبت به .
٣٢٧

يقول: أنت إذا أطعت جعلت نفسك خالقا لطاعتك ، فتنسى نعمة الله
عليك أن جعلك مطيعا له ، وإذا عصيت لم تعترف بأنك فعلت الذنب ؛ بل
تجعل نفسك بمنزلة المجبور عليه بخلاف مراده ، أو المحرك الذى لا إرادة له
ولا قدرة ولا علم ، وكلاهما خطأ .
وقد ذكر أبو طالب المكى عن سهل بن عبد الله التسترى أنه قال : إذا عمل
العبد حسنة فقال: أى ربى أنا فعلت هذه الحسنة ، قال له ربه أنا يسرتك لها
وأنا أعنتك عليها . فإن قال: أى ربى أنت أعنتنى عليها ويسرتنى لها ، قال له ربه:
أنت عملتها وأجرها لك . وإذا فعل سيئة فقال أى ربى أنت قدرت على هذه
السيئة . قال له ربه: أنت اكتسبتها وعليك وزرها، فإن قال أى ربى إنى أذنبت
هذا الذنب وأنا أتوب منه ، قال له ربه : أنا قدرته عليك وأنا أغفره لك.
وهذا باب مبسوط فى غير هذا الموضع .
وقد كثر فى كثير من المنتسبين إلى المشيخة والتصوف شهود القدر فقط ،
من غير شهود الأمر والنهى ، والاستناد إليه فى ترك المأمور وفعل المحظور ،
وهذا أعظم الضلال .
ومن طرد هذا القول والتزم لوازمه : كان أكفر من اليهود والنصارى
والمشركين ، لكن أكثر من يدخل فى ذلك يتناقض ولا يطرد قوله.
وقول هذا القائل هو من هذا الباب فقوله : آدم كان أمره بكل باطنا
فأكل ، وإبليس كان توحيده ظاهراً فأمر بالسجود لآدم فرآه غيراً فلم يسجد
٣٢٨

فغير اللّه عليه وقال: ( أُخْرُجُ مِنْهَا ) الآية - فإن هذا - مع ما فيه من الإلحاد -
كذب على آدم وإبليس فإن آدم اعترف بأنه هو الفاعل للخطيئة ، وأنه هو
الظالم لنفسه وتاب من ذلك ، ولم يقل إن اللّه ظلمنى، ولا أن الله أمرنى فى
الباطن بالأكل ، قال تعالى: ( فَلَقَّءَادَمُ مِنْ زَبِّهِ كَلِمَتٍ فَابَ عَلَيْهِإِنَّهُ هُوَ النَّوَّابُالرَّحِيمُ)
وقال تعالى: (قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَسِرِينَ)
وإبليس أصر واحتج بالقدر فقال: (رَبِّ بِمَا أَغْوَيْنَنِى لَأُزَيِّنَنَّلَهُمْ فِ الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَهُمْ
أَجْمَعِينَ).
وأما قوله: رآه غيراً فلم يسجد - فهذا شر من الاحتجاج بالقدر ، فإن هذا
قول أهل الوحدة الملحدين، وهو كذب على إبليس فان إبليس لم يمتنع من السجود
) ولم تؤمر
لكونه غيراً بل قال: ( أَنَاْخَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْنَنِ مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنطِينٍ
الملائكة بالسجود لكون آدم ليس غيراً ، بل المغايرة بين الملائكة وآدم ثابتة
معروفة، واللّه تعالى: ( وَعَلَّمَءَدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَبِكَةِ فَقَالَ
أَنِّْجُونِ بِأَسْمَاءٍ هَؤُلَاءِ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ * قَالُواْ سُبْحَتَكَ لَا عِلْمَ لَنَآ إِلَّ مَا عَلَّمْتَنَآ إِنَّكَ أَنْتَ
اَلْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ).
وكانت الملائكة وآدم : معترفين بأن اللّه مباين لهم ، وهم مغايرون له ،
ولهذا دعوه دعاء العبد ربه، فَآدم يقول: ( رَبَّنَا ظَمْنَا أَنْفُسَنَا) والملائكة
تقول: (لَا ◌ِعِلْمَ لَنَآإِلَّا مَا عَلَّمْتَنَآ) وتقول: (رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَىْءٍ رَحْمَةً
وَعِلْمًا فَأَغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُواْ وَأَنَّبَعُواْسَبِيلَكَ وَفِهِمْ عَذَابَ الْحِيمِ) الآية، وقد قال تعالى:
(قُلْ أَفَغَيْرَ اَللَّهِ تَأْمُرُوَّنِّ أَعْبُدُ أَيُهَا الْجَهِلُونَ) وقال تعالى: (أَغَيْرِ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِنَّا فَاطِرِ
٣٢٩

السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ) وقال: ( أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِيِ حَكَمَا وَهُوَ الَّذِىّ أَنْزَلَ
إِلَيْكُمُ الْكِتَبَ مُفَصَلًا ).
فلو لم يكن هناك غيره لم يكن المشركون أمروه بعبادة غير الله، ولا
اتخاذ غير الله ولياً ولا حكماً، فلم يكونوا يستحقون الإنكار ، فلما أنكر
عليهم ذلك دل على ثبوت غير يمكن عبادته واتخاذه ولياً وحكماً ، وأنه من
فعل ذلك فهو مشرك باللّه كما قال تعالى: ( فَلَنَدْعُ مَعَ اللَّهِإِلَهَاءَاخَرَ فَتَكُونَ مِنَ
الْمُعَذَّبِينَ ) وقال: (لَّا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِإِلَهَاءَاخَرَ فَنَقْعُدَ مَذْهُومَا تَّخْذُولًا) وأمثال ذلك.
٥
وأما قول القائل: إن قوله: ( لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِشَىْءُ ) عين
الإثبات للنبي صلى الله عليه وسلم كقوله: (وَمَارَمَيْتَ إِذْرَمَيْتَ وَلَكِنَّ
اَللَّهَ رَى). (إِنَّالَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُاللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ) فهذا بناء
على قول أهل الوحدة والاتحاد، وجعلِ معنى قوله: ( لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ
شَىْءُ ) أن فعلك هو فعل الله لعدم المغايرة، وهذا ضلال عظيم من
وجوه :-
(أحدها) أن قوله: (لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَىْءُ ) نزل فى سياق قوله :
( لِيَقْطَعَ طَرَفَا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُوْ أَوْيَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُواْ خَبِينَ * لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِشَىْءُ أَوْ
يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ).
٣٣٠

وقد ثبت فى الصحيح أن النبى صلى الله عليه وسلم كان يدعو على قوم
من الكفار أو يلعنهم فى القنوت ، فلما أنزل الله هذه الآية: ترك ذلك ، فعلم
أن معناها إفراد الرب تعالى بالأمر، وأنه ليس لغيره أمر؛ بل إن شاء الله تعالى
قطع طرفاً من الكفار، وإن شاء كبتهم فانقلبوا بالخسارة، وإن شاء تاب عليهم
وإن شاء عذبهم.
وهذا كما قال فى الآية الأخرى: ( قُل لَّا أَمْلِكُ لِنَفْسِى نَفْعًا وَلَاضَرًّا إِلَّ مَا شَآءَ
اللَّهُ وَلَوْكُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَأَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِ السُّوءُ) ونحو ذلك قوله
تعالى: ( يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَىْءٌ مَّا قُتِلْنَاهَهُنَا﴾(قُلْ إِنَ الْأَمْرَ كُلّهُ لِلَّهِ).
( الوجه الثانى) أن قوله: (وَمَارَمَيْتَ إِذْرَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَفَى) لم يرد
به أن فِعلَ العبدهو فعل اللّه تعالى - كما تظنه طائفة من الغالطين - فإن ذلك لو
كان صحيحاً لكان ينبغى أن يقال لكل أحد، حتى يقال للماشى: ما مشيت إذ مشيت
ولكن الله مشى، ويقال للراكب: وما ركبت إذ ركبت ولكن الله ركب،
ويقال للمتكلم: ماتكلمت إذ تكلمت ولكن اللّه تكلم، ويقال مثل ذلك للآكل
والشارب ، والصائم والمصلى ونحو ذلك.
وطرد ذلك: يستلزم أن يقال للكافر ما كفرت إذ كفرت ولكن اللّه كفر
ويقال الكاذب ما كذبت إذكذبت ولكن الله كذب.
ومن قال مثل هذا: فهو كافر ملحد خارج عن العقل والدين .
٣٣١

ولكن معنى الآية أن النبى صلى الله عليه وسلم يوم بدر رماهم، ولم يكن
فى قدرته أن يوصل الرمى إلى جميعهم فإنه إذا رماهم بالتراب وقال: «شاهت
الوجوه )) لم يكن فى قدرته أن يوصل ذلك إليهم كلهم ، فالله تعالى أوصل ذلك
الرمى إليهم كلهم بقدرته. يقول: وما أوصلت إذ حذفت ولكن الله أوصل،
فالرمى الذى أثبته له ليس هو الرمى الذى نفاه عنه ، فإن هذا مستلزم للجمع بين
النقيضين، بل نفى عنه الإيصال والتبليغ، وأثبت له الحذف والإلقاء ، وكذلك
إذا رمى سهماً فأوصله اللّه إلى العدو إيصالا خارقاً للعادة : كان الله هو الذى
أوصله بقدر ته .
(الوجه الثالث) أنه لو فرض أن المراد بهذه الآية أن الله خالق أفعال العباد
فهذا المعنى حق، وقد قال الخليل: (رَبَّنَا وَأَجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ ) فالله هو الذى
جعل المسلم مسلماً ، وقال تعالى: ( إِنَّاُلْإِنسَنَ خُلِقَ هَلُوْعًا * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّجُزُوعًا
* وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا ) فالله هو الذى خلقه هلوعا، لكن ليس فى هذا أن
اللّه هو العبد؛ ولا أن وجود الخالق هو وجود المخلوق، ولا أن اللّه حال فى العبد.
فالقول بأن الله خالق أفعال العباد حق، والقول بأن الخالق حال فى المخلوق
أو وجوده وجود المخلوق باطل .
وهؤلاء ينتقلون من القول بتوحيد الربوبية إلى القول بالحلول والاتحاد ،
وهذا عين الضلال والإلحاد .
٣٣٢

(الوجه الرابع) أن قوله تعالى: (إِنَّالَّذِينَ يُبَابِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَابِعُونَ اللَّهَ)
لم يرد به أنك أنت الله، وإنما أراد أنك أنت رسول الله ومبلغ أمره ونهيه،
فمن بايعك فقد بايع الله، كما أن من أطاعك فقد أطاع الله، ولم يرد بذلك
أن الرسول هو الله؛ ولكن الرسول أمر بما أمر الله به.
فمن أطاعه فقد أطاع الله، كما قال النبى صلى الله عليه وسلم ((من أطاعنى
فقد أطاع الله ، ومن أطاع أميرى فقد أطاعنى ، ومن عصانى فقد عصى الله،
ومن عصى أميرى فقد عصانى ، ومعلوم أن أميره ليس هو إياه .
ومن ظن فى قوله: (إِنَّالَّذِينَ يُبَابِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ) أن المراد به أن
فعلك هو فعل اللّه ، أو المراد أن الله حال فيك ونحو ذلك . فهو - مع جهله
وضلاله بل كفره وإلحاده - قد سلب الرسول خاصيته وجعله مثل غيره
وذلك أنه لو كان المراد به كون اللّه فاعلا لفعلك: لكان هذا قدراً
مشتركا بينه وبين سائر الخلق ، وكان من بايع أبا جهل فقد بايع الله، ومن
بايع مسيلمة الكذاب فقد بايع اللّه ، ومن بايع قادة الأحزاب فقد بایع الله ،
وعلى هذا التقدير فالمبايع هو الله أيضا، فيكون اللّه قد بايع اللّه؛ إذ الله خالق
لهذا ولهذا ، وكذلك إذا قيل بمذهب أهل الحلول والوحدة والاتحاد ، فإنه
عام عندهم فى هذا وهذا ، فيكون الله قد بايع الله .
وهذا يقوله كثير من شيوخ هؤلاء الحلولية الاتحادية ، حتى إن أحدهم
إذا أمر بقتال العدو يقول : أقاتل الله؟ ما أقدر أن أقاتل اللّه، ونحو هذا
٣٣٣

الكلام الذى سمعناه من شيوخهم ، وبينا فساده لهم وضلالهم فيه غير مرة .
وأما الحلول الخاص فليس هو قول هؤلاء ؛ بل هو قول النصارى ومن
وافقهم من الغالية، وهو باطل أيضا، فإن الله سبحانه قال له: ( لَيْسَ لَكَ
مِنَ الْأَمْرِ شَىْءُ) وقال: ( وَأَنَّهُ لَقَامَ عَبْدُ الَّهِ يَدْعُوهُ) وقال: (سُبْحَنَ الَّذِىّ
أَسْرَى بِعَبْدِهِ، لَيْلًا) وقال: (وَإِن كُنتُمْ فِ رَيْبٍ مِّعَّانَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا) وقال: (لَقَدْ
رَضِىَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِ قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ
عَلَيْهِمْ وَأَثَهُمْ فَتْحَا قَرِيِبًا * وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُ ونَهَاً وَ كَانَ الَهُ عَزِيزًا حَكِيمًا)
فقوله: (لَّقَدْ رَضِىَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَابِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ) بين قوله:
(إِنَّالَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَايُبَايِعُونَ اللَّهَ) ولهذا قال: (يَدُللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيِهِمْ ) ومعلوم
أن يد النبى صلى الله عليه وسلم كانت مع أيديهم، كانوا يصاخونه ويصفقون على
يده فى البيعة ، فعلم أن يد الله فوق أيديهم ليست هى يد النبي صلى الله عليه
وسلم ، ولكن الرسول عبد الله ورسوله" فبايعهم عن الله وعاهدهم وعاقدهم
عن اللّه، فالذين بايعوه بايعوا الله الذى أرسله وأمره بليعتهم.
ألا ترى أن كل من وكل شخصا يعقد مع الوكيل : كان ذلك عقداً مع
الموكل؟ ومن وكل نائبا له فى معاهدة قوم فعاهدهم عن مستنيبه : كانوا معاهدين
لمستنيه؟ ومن وكل رجلا فى إنكاح أو تزويج : كان الموكل هو الزوج الذى
وقع له العقد؟ وقد قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ أَشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَلَهُم
٣٣٤

بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ) الآية، ولهذا قال فى تمام الآية: (وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَهَدَ عَلَيْهُ
اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرَاً عَظِيمًا ).
فتبين أن قول ذلك الفقير هو القول الصحيح ، وأن اللّه إذا كان قد قال
لنبيه: ( لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِشَىْءُ ) فأيش نكون نحن؟ وقد ثبت عنه صلى الله
عليه وسلم فى الصحيح أنه قال: ((لا تطرونى كما أطرت النصارى المسيح بن
مريم، فإنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله)).
وأما قول القائل :
ما غبت عن القلب ولا عن عينى
ما بينكم وبينامن بين
فهذا قول مبنى على قول هؤلاء ، وهو باطل متناقض فإن مبناه على أنه
يرى الله بعينه ، وقد ثبت فى الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:
(((واعلموا أن أحداً منكم لن یری ربه حتى يموت)).
وقد اتفق أئمة المسلمين على أن أحداً من المؤمنين لايرى الله بعينه فى الدنيا،
ولم يتنازعوا إلا فى النبى صلى الله عليه وسلم خاصة مع أن جماهير الأئمة على أنه
لم يره بعينه فى الدنيا ، وعلى هذا دلت الآثار الصحيحة الثابتة عن النبي صلى الله
عليه وسلم ، والصحابة وأئمة المسلمين .
ولم يثبت عن ابن عباس ، ولا عن الإمام أحمد وأمثالها : أنهم قالوا إن
محمدا رأى ربه بعينه ، بل الثابت عنهم إما إطلاق الرؤية وإما تقييدها بالفؤاد،
٣٣٥

وليس فى شىء من أحاديث المعراج الثابتة أنه رآه بعينه، وقوله: ((أتانى
البارحة ربى فى أحسن صورة)) الحديث الذى رواه الترمذى وغيره ، إنما
كان بالمدينة فى المنام ، هكذا جاء مفسرا.
وكذلك حديث أم الطفيل وحديث ابن عباس وغيرهما - مما فيه رؤية
ربه - إنما كان بالمدينة كما جاء مفسراً فى الأحاديث ، والمعراج كان بمكة كما
قال تعالى: (سُبْحَنَ الَّذِىّ أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَا)
وقد بسط الكلام على هذا فى غير هذا الموضع.
وقد ثبت بنص القرآن أن موسى قيل له: (لَن تَرَنِى ) وأن رؤية الله
أعظم من إنزال كتاب من السماء، كما قال تعالى: (يَسْتَلُكَ أَهْلُ الْكِنَبِ أَنْ تُنَزِّلَ
عَلَيْهِمْ كِتَبًا مِّنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُواْ مُوسَىَّ أَكْبَرَ مِن ذَلِكَ فَقَالُوَ أْأَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً ) فمن قال
إن أحداً من الناس يراه ؛ فقد زعم أنه أعظم من موسى بن عمران ، و
دعواه أعظم من دعوى من ادعى أن اللّه أنزل عليه كتاباً من السماء.
والناس فى رؤية الله على ثلاثة أقوال :-
فالصحابة والتابعون وأئمة المسلمين على أن الله يرى فى الآخرة بالأبصار
عياناً ، وأن أحداً لا يراه فى الدنيا بعينه ؛ لكن يرى فى المنام ويحصل للقلوب
- من المكاشفات والمشاهدات - ما يناسب حالها .
ومن الناس من تقوى مشاهدة قلبه ، حتى يظن أنه رأى ذلك بعينه ؛
٣٣٦

وهو غالط ، ومشاهدات القلوب تحصل بحسب إيمان العبد ، ومعرفته فى
صورة مثالية ، كما قد بسط فى غير هذا الموضع.
( والقول الثانى) قول نفاة الجهمية أنه لا يرى فى الدنيا ولا فى الآخرة.
(والثالث) قول من يزعم أنه يرى فى الدنيا والآخرة .
وحلولية الجهمية يجمعون بين النفى والإثبات ، فيقولون: أنه لا يرى فى
الدنيا ولا فى الآخرة ، وأنه يرى فى الدنيا والآخرة . وهذا قول ابن عربى
- صاحب الفصوص - وأمثاله ؛ لأن الوجود المطلق السارى فى الكائنات
لا يرى ، وهو وجود الحق عندهم.
ثم من أثبت الذات قال: يرى متجلياً فيها ، ومن فرق بين المطلق والمعين
قال : لا يرى إلا مقيداً بصورة.
وهؤلاء قولهم دائر بين أمرين : إنكار رؤية الله ، وإثبات رؤية
المخلوقات ، ويجعلون المخلوق هو الخالق ، أو يجعلون الخالق حالا فى المخلوق،
وإلا فتفريقهم بين الأعيان الثابتة فى الخارج وبين وجودها: هو قول من يقول:
بأن المعدوم شىء فى الخارج ، وهو قول باطل ، وقد ضموا إليه أنهم جعلوا
نفس وجود المخلوق هو وجود الخالق .
وأما التفريق بين المطلق والمعين - مع أن المطلق لا يكون هو فى الخارج
مطلقاً - فيقتضى أن يكون الرب معدوماً ، وهذا هو جحود الرب وتعطيله ،
٣٣٧

وإن جعلوه ثابتا فى الخارج جعلوه جزءاً من الموجودات ، فيكون الخالق جزءاً
من المخلوق أو عرضاً قائماً بالمخلوق ، وكل هذا مما يعلم فساده بالضرورة ، وقد
بسط هذا فى غير هذا الموضع.
وأما تناقضه فقوله :
ما بينكم ويشا من بين
ما غبت عن القلب ولا عن عينى
يقتضى المغايرة، وأن المخاطب غير المخاطب ، وأن المخاطب له عين وقلب
لا يغيب عنهما المخاطب ؛ بل يشهده القلب والعين ، والشاهد غير المشهود .
وقوله: ما بينكم وبيننا من بين فيه إثبات ضمير المتكلم وضمير
المخاطب ، وهذا إثبات لاثنين ، وإن قالوا : هذه مظاهر ومجالى . قيل : فإن
كانت المظاهر والمجالى غير الظاهر والمتجلى فقد ثبتت التثنية وبطلت الوحدة،
وإن كان هو إياها فقد بطل التعدد، فالجمع بينهما تناقض.
وقول القائل :
فارق ظلم الطبع وكن متحدا
بالله وإلا فكل دعواك محال
إن أراد الاتحاد المطلق: فالمفارق هو المفارق ، وهو الطبع وظلم الطبع،
وهو المخاطب بقوله: ((وكن متحداً بالله)، وهو المخاطب بقوله: ((كل دعواك
محال ، وهو القائل هذا القول ، وفى ذلك من التناقض مالا يخفى.
٣٣٨

وإن أراد الاتحاد المقيد: فهو ممتع ؛ لأن الخالق والمخلوق إذا اتحدا فإن
کانا بعد الاتحاد اثنین ۔ کما کانا قبل الاتحاد - فذلك تعدد ولیس باتحاد .
وإن كانا استحالا إلى شىء ثالث - كما يتحد الماء واللبن والنار
والحديد ، ونحو ذلك مما يثبته النصارى بقولهم فى الاتحاد - لزم من ذلك
أن يكون الخالق قد استحال وتبدلت حقيقته، كسائر ما يتحد مع غيره؛ فإنه
لا بد أن يستحيل .
وهذا ممتع على اللّه تعالى ينزه عنه؛ لأن الاستحالة تقتضى عدم ما كان
موجوداً ، والرب تعالى واجب الوجود بذاته وصفاته اللازمة له ، يمتنع العدم
على شىء من ذلك، ولأن صفات الرب اللازمة له صفات كمال ، فعدم شىء منها
نقص يتعالى الله عنه، ولأن اتحاد المخلوق بالخالق: يقتضى أن العبد متصف
بالصفات القديمة اللازمة لذات الرب ، وذلك ممتنع على العبد المحدث المخلوق،
فإن العبد يلزمه الحدوث والافتقار والذل.
والرب تعالى يلازمه القدم والغنى والعزة ، وهو - سبحانه - قديم غنى
عزيز بنفسه، يستحيل عليه نقيض ذلك ، فاتحاد أحدهما بالآخر : يقتضى أن
يكون الرب متصفاً بنقيض صفاته : من الحدوث والفقر والذل ، والعبد
متصفاً بنقيض صفاته من القدم ، والغنى الذاتى ، والعز الذاتى، وكل ذلك ممتع،
وبسط هذا يطول.
٣٣٩

ولهذا سئل الجنيد عن التوحيد فقال: التوحيد إِفراد الحدوث عن القدم،
فبين أنه لا بد من تميز المحدث عن القديم .
ولهذا اتفق أئمة المسلمين على أن الخالق بائن عن مخلوقاته ، ليس فى مخلوقاته
شىء من ذاته ، ولا فى ذاته شىء من مخلوقاته ، بل الرب رب، والعبد عبد:
(إِن كُلُ مَنْ فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ إِلَّمَاتِ الرَّحْمَنِ عَبْدًا * لَّقَدْ أَحْصَنُهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدَّا
وَكُلُّهُمْ ءَاتِيِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا ).
*
وإن كان المتكلم بهذا البيت أراد الاتحاد الوصفى: وهو أن يحب العبد
ما يحبه الله ، ويبغض ما يبغضه الله، ويرضى بما يرضى الله ، ويغضب لما يغضب
الله، ويأمر بما يأمر الله به، وينهى عما ينهى الله عنه، ويوالى من يواليه اللّه،
ويعادى من يعاديه اللّه، ويحب اللّه ويبغض لله، ويعطى لله ويمنع الله؛ بحيث
يكون موافقاً لربه تعالى .
فهذا المعنى حق وهو حقيقة الإيمان وكماله ، كما فى الحديث الذى رواه
البخارى عن أبى هريرة عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((يقول الله تعالى:
من عادى لي ولياً فقد بارزنى بالمحاربة ، وما تقرب إلى عبدى بمثل
أداء ما افترضت عليه ، ولا يزال عبدى يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه ،
فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، ويده التى
يبطش بها ، ورجله التى يمشى بها ، فى يسمع ، وبى يبصر ، وبى يبطش،
وبى يمشى ، ولئن سألنى لأعطينه ، ولئن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت عن شىء
٣٤٠