Indexed OCR Text
Pages 161-180
فصل وأما صاحبه الصدر الفخر الرومى فإنه لا يقول إن الوجود زائد على الماهية ، فإنه كان أدخل فى النظر والكلام من شيخه ، لكنه أ كفر وأقل علماً وإيماناً ، وأقل معرفة بالإسلام وكلام المشايخ ؛ ولما كان مذهبهم كفراً كان كل من حذق فيه كان أكفر فلما رأى أن التفريق بين وجود الأشياء وأعيانها لا يستقيم، وعنده أن اللّه هو الوجود، ولا بد من فرق بين هذا وهذا فرق بين المطلق والمعين ، فعنده أن الله هو الوجود المطلق الذى لا يتعين ولا يتميز ، وأنه إذا تعين وتميز فهو الخلق سواء تعين فى مرتبة الإلهية أو غيرها . وهذا القول قد صرح فيه بالكفر أكثر من الأول ، وهو حقيقة مذهب فرعون والقرامطة، وإن كان الأول أفسد من جهة تفرقته بين وجود الأشياء وثبوتها ، وذلك أنه على القول الأول يمكن أن يجعل للحق وجوداً خارجاً عن أعيان الممكنات ، وأنه فاض عليها ، فيكون فيه اعتراف بوجود الرب القائم بنفسه الغنى عن خلقه ، وإن كان فيه كفر من جهة أنه جعل المخلوق هو الخالق ، والمربوب هو الرب ، بل لم يثبت خلقاً أصلا ، ومع هذا فما رأيته صرح بوجود الرب متميزاً عن الوجود القائم بأعيان الممكنات . ١٦١ وأما هذا فقد صرح بأنه ماثم سوى الوجود المطلق السارى فى الموجودات المعينة ؛ والمطلق ليس له وجود مطلق ، فما فى الخارج جسم مطلق بشرط الإطلاق ، ولا إنسان مطلق ، ولا حيوان مطلق بشرط الإطلاق ، بل لا يوجد إلا فى شىء معین . والحقائق لها ثلاث اعتبارات: اعتبار العموم ، والخصوص والإطلاق، فإذا قلنا : حيوان عام أو إنسان عام ، أو جسم عام ، أو وجود عام ، فهذا لا يكون إلا فى العلم واللسان ، وأما الخارج عن ذلك فما ثم شىء موجود فى الخارج يعم شيئين ، ولهذا كان العموم من عوارض صفات الحى . فيقال : علم عام، وإرادة عامة . وغضب عام ، وخبر عام ، وأمر عام. ويوصف صاحب الصفة بالعموم أيضاً كما فى الحديث الذى فى سنن أبى داود أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بعلى وهو يدعو فقال: ((يا على ◌ُمَّ، فإن فضل العموم على الخصوص كفضل السماء على الأرض)» وفى الحديث أنه لما نزل قوله: (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَينَ ) عم وخص . رواه مسلم من حديث موسى بن طلحة عن أبى هريرة . وتوصف الصفة بالعموم كما فى حديث التشهد: ((السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. فإذا قلتم ذلك فقد أصابت كل عبد صالح لله فى السماء والأرض)). وأما إطلاق من أطلق أن العموم من عوارض الألفاظ فقط ، فليس كذلك إذ معانى الألفاظ القائمة بالقلب أحق بالعموم من الألفاظ ؛ وسائر ١٦٢ الصفات ، كالإرادة ؛ والحب ؛ والبغض ؛ والغضب ؛ والرضا يعرض لها من العموم والخصوص ما يعرض للقول، وإنما المعانى الخارجة عن الذهن هى الموجودة فى الخارج، كقولهم: مطر عام وخصب عام؛ هذه التى تنازع الناس: هل وصفها بالعموم حقيقة أو مجازا؟ على قولين : - (أحدهما) مجاز لأن كل جزء من أجزاء المطر والخصب لا يقع إلا حيث يقع الآخر فليس هناك عموم ، وقيل بل حقيقة لأن المطر المطلق قد عم . وأما الخصوص فيعرض لها إذا كانت موجودة فى الخارج، فإن كل شىء له ذات وعين تختص به ويمتاز بها عن غيره : أعنى الحقيقة العينية الشخصية التى لا اشتراك فيها ، مثل : هذا الرجل وهذه الحبة وهذا الدرهم ، وما عرض لها فى الخارج فإنه يعرض لها فى الذهن . فإن تصور الذهنية أوسع من الحقائق الخارجية فإنها تشمل الموجود والمعدوم والممتنع والمقدرات . وأما الإطلاق فيعرض لها إذا كانت فى الذهن بلا ريب فإن العقل يتصور إنساناً مطلقاً ووجوداً مطلقاً . وأما فى الخارج فهل يتصور شىء مطلق؟ هذا فيه قولان، قيل : المطلق له وجود فى الخارج فإنه جزء من المعين، وقيل لا وجودله فى الخارج، إذ ليس فى الخارج إلا معين مقيد، والمطلق الذى يشترك فيه العدد لا يكون جزءاً من المعين الذى لا يشركه فيه. والتحقيق : أن المطلق بلا شرط أصلا يدخل فيه المقيد المعين ، وأما المطلق ١٦٣ بشرط الإطلاق فلا يدخل فيه المعين المقيد ، وهذا كما يقول الفقهاء : الماء المطلق ، فإنه بشرط الإطلاق فلا يدخل فيه المضاف وأما المطلق لا بشرط فيدخل فيه المضاف . فإذا قلنا: الماء ينقسم إلى ثلاثة أقسام: طهور ، وطاهر ، ونجس ، فالثلاثة أقسام الماء : الطهور هو الماء المطلق الذى لا يدخل فيه ما ليس بطهور كالعصارات والمياه النجسة ، فالماء المقسوم هو المطلق لابشرط ، والماء الذى هو قسيم للماءين هو المطلق بشرط الإطلاق. لكن هذا الإطلاق والتقييد الذى قاله الفقهاء فى اسم الماء إنما هو فى الإطلاق والتقييد اللفظى وهو مادخل فى اللفظ المطلق كلفظ ماء ، أو فى اللفظ المقيد كلفظ ماء نجس ، أو ماء ورد . وأما ما كان كلامنا فيه أولاً فإنه الإطلاق والتقييد فى معانى اللفظ ، ففرق بين النوعين ، فإن الناس يغلطون لعدم التفريق بين هذين غلطاً كثيراً جداً ، وذلك أن كل اسم فإما أن يكون مسماه معيناً لايقبل الشركة كأنا وهذا وزيد ويقال له المعين والجزء، وإما أن يقبل الشركة فهذا الذى يقبل الشركة هو المعنى الکلی المطلق وله ثلاث اعتبارات كما تقدم. وأما اللفظ المطلق والمقيد فمثال تحرير رقبة ، ولم تجدوا ماء ، وذلك أن المعنى قد يدخل فى مطلق اللفظ ، ولا يدخل فى اللفظ المطلق ، أى يدخل فى اللفظ لا بشرط الإطلاق ، ولا يدخل فى اللفظ بشرط الإطلاق ، كما قلنا ١٦٤ فى لفظ الماء؛ فإن الماء يطلق على المنى وغيره كما قال: (مِن مَّآِ دَافِقٍ ) ويقال: ماء الورد، لكن هذا لا يدخل فى الماء عند الإطلاق لكن عند التقييد ؛ فإذا أخذ القدر المشترك بين لفظ الماء المطلق ولفظ الماء المقيد فهو المطلق بلاشرط الإطلاق، فيقال: الماء ينقسم إلى مطلق ومضاف، ومورد التقسيم ليس له اسم مطلق لكن بالقرينة يقتضى الشمول والعموم ، وهو قولنا الماء ثلاثة أقسام. فهنا أيضا ثلاثة أشياء: مورد التقسيم وهو الماء العام وهو المطلق بلا شرط، لكن ليس له لفظ مفرد إلا لفظ مؤلف ، والقسم المطلق وهو اللفظ بشرط إطلاقه ، والثانى اللفظ المقيد وهو اللفظ بشرط تقييده. وإنما كان كذلك لأن المتكلم باللفظ إما أن يطلقه أو يقيده ، ليس له حال ثالثة ، فإذا أطلقه كان له مفهوم وإذا قيده كان له مفهوم ، ثم إذا قيده إما أن يقيده بقيد العموم أو بقيد الخصوص؛ فقيد العموم كقوله : الماء ثلاثة أقسام ، وقید الخصوص کقوله : ماء الورد . وإذا عرف الفرق بين تقييد اللفظ وإطلاقه ، وبين تقييد المعنى وإطلاقه عرف أن المعنى له ثلاثة أحوال : إما أن يكون أيضاً مطلقا ، أو مقيداً بقيد العموم ، أو مقيداً بقيد الخصوص ، والمطلق من المعانى نوعان : مطلق بشرط الإطلاق ، ومطلق لا بشرط . وكذلك الألفاظ المطلق منها قد يكون مطلقا بشرط الإطلاق، كقولنا الماء المطلق ١٦٥ والرقبة المطلقة ، وقد يكون مطلقا لا بشرط الإطلاق ، كقولنا إنسان . فالمطلق المقيد بالإطلاق لا يدخل فيه المقيد بما ينافى الإطلاق ، فلا يدخل ماء الورد فى الماء المطلق ، وأما المطلق لا بقيد فيدخل فيه المقيد كما يدخل الإنسان الناقص فى اسم الإنسان. فقد تبين أن المطلق بشرط الإطلاق من المعانى ليس له وجود فى الخارج، فليس فى الخارج إنسان مطلق ، بل لا بد أن يتعين بهذا أو ذاك ، وليس فيه حيوان مطلق ، وليس فيه مطر مطلق بشرط الإطلاق . وأما المطلق بشرط الإطلاق من الألفاظ كالماء المطلق فمسماه موجود فى الخارج لأن شرط الإطلاق هنا فى اللفظ فلا يمنع أن يكون معناه معينا ، وبشرط الإطلاق هناك فى المعنى ، والمسمى المطلق بشرط الإطلاق لا يتصور ، إذ لكل موجود حقيقة يتميز بها ، وما لا حقيقة له يتميز بها ليس بشىء ، وإذا كان له حقيقة يتميز بها فتمييزه يمنع أن يكون مطلقا من كل وجه ، فإن المطلق من كل وجه لا تمييز له ، فليس لنا موجود هو مطلق بشرط الإطلاق ولكن العدم المحض قد يقال : هو مطلق بشرط الإطلاق ، إذ ليس هناك حقيقة تميز ولا ذات تتحقق ؛ حتى يقال تلك الحقيقة تمنع غيرها بحدها أن تكون إياها . ١٦٦ 1 ! ! ! 1 وأما المطلق من المعانى لا بشرط : فهذا إذا قيل بوجوده فى الخارج فإنما يوجد معينا متميزاً مخصوصاً ، والمعين المخصوص يدخل فى المطلق لا بشرط ولا يدخل فى المطلق بشرط الإطلاق ، إذ المطلق لا بشرط أعم ، ولا يلزم إذا كان المطلق بلا شرط موجوداً فى الخارج : أن يكون المطلق المشروط بالإطلاق موجوداً فى الخارج؛ لأن هذا أخص منه. فإذا قلنا : حيوان، أو إنسان، أو جسم ، أو وجود مطلق فإن عنينا به المطلق بشرط الإطلاق فلا وجود له فى الخارج ، وإن عنينا المطلق لا بشرط فلا يوجد إلا معينا مخصوصا ، فليس فى الخارج شىء إلا معين متميز منفصل عما سواه بحده وحقيقته . فمن قال : إن وجود الحق هو الوجود المطلق دون المعين : حقيقة قوله أنه ليس للحق وجود أصلا ولا ثبوت إلا نفس الأشياء المعينة المتميزة ، والأشياء المعينة ليست إياه فليس شيئا أصلا . وتلخيص النكتة : أنه لو عنى به المطلق بشرط الإطلاق فلا وجود له فى الخارج فلا يكون للحق وجود أصلا ، وإن عنى به المطلق بلا شرط ، فإن قيل بعدم وجوده فى الخارج فلا كلام، وإن قيل بوجوده فلا يوجد إلا معينا ، فلا یکون للحق وجود إلا وجود الأعيان . فيلزم محذوران. (أحدهما) أنه ليس للحق وجود سوى وجود المخلوقات. ( والثانى) التناقض وهو قوله إنه الوجود المطلق دون المعين . ١٦٧ فتدبر قول هذا ؛ فإنه يجعل الحق فى الكائنات : بمنزلة الكلى فى جزئياته ، وبمنزلة الجنس والنوع والخاصة ، والفصل فى سائر أعيانه الموجودة الثابتة فى العدم . وصاحب هذا القول : يجعل المظاهر والمراتب فى المتعينات كما جعلها الأول فى الأعيان الثابتة فى العدم . ١٦٨ فصل وأما التلمسانى ونحوه: فلا يفرق بين ماهية ووجود، ولا بين مطلق ومعين بل عنده ماثم سوى . ولا غير بوجه من الوجوه، وإنما الكائنات أجزاء منه وأبعاض له، بمنزلة أمواج البحر فى البحر، وأجزاء البيت من البيت، فمن شعرهم : - وإن تعدد بالأمواج والزبد البحر لا شك عندی فی تو حده فالواحد الرب سارى العين فى العدد فلا يغرنك ماشاهدتمنصور ومنه : - فما البحر إلا الموج لا شىء غيره وإن فرقته كثرة المتعدد ولا ريب أن هذا القول: هو أحذق فى الكفر والزندقة ، فإن التمييز بين الوجود والماهية ، وجعل المعدوم شيئاً ، أو التمييز فى الخارج بين المطلق والمعين وجعل المطلق شيئاً وراء المعينات فى الذهن قولان ضعيفان باطلان. وقد عرف من حدد النظر : أن من جعل فى هذه الأمور الموجودة فى الخارج شيئين : - (أحدهما) وجودها . ١٦٩ (والثانى) ذواتها ، أو جعل لها حقيقة مطلقة موجودة زائدة على عينها الموجودة فقد غلط غلطاً قوياً ، واشتبه عليه ما يأخذه من العقل من المعانى المجردة المطلقة عن التعيين ، ومن الماهيات المجردة عن الوجود الخارجى بما هو موجود فى الخارج من ذلك ، ولم يدر أن متصورات العقل ومقدراته أوسع مما هو موجود حاصل بذاته ، كما يتصور المعدومات، والممتنعات ، والمشروطات ويقدر مالا وجود له ألبتة مما يمكن أو لا يمكن ، ويأخذ من المعينات صفات مطلقة فيه ، ومن الموجودات ذوات متصورة فيه . لكن هذا القول أشدجهلا وكفراً بالله تعالى؛ فإن صاحبه لا يفرق بين المظاهر والظاهر ، ولا يجعل الكثرة والتفرقة إلا فى ذهن الإنسان لما كان محجوبا عن شهود الحقيقة، فلما انكشف غطاؤه عاين أنه لم يكن غير، وإن الرائى عين المرئى ، والشاهد عين المشهود . ١٧٠ فصل واعلم أن هذه المقالات : لا أعرفها لأحد من أمة قبل هؤلاء على هذا الوجه ؛ ولكن رأيت فى بعض كتب الفلسفة المنقولة عن أرسطو أنه حكى عن بعض الفلاسفة قوله: إن الوجود واحد ورد ذلك ، وحسبك بمذهب لا يرضاه متكلمة الصابتين . وإنما حدثت هذه المقالات بحدوث دولة التتار ، وإنما كان الكفر الحلول العام، أو الاتحاد، أو الحلول الخاص ؛ وذلك أن القسمة رباعية لأن من جعل الرب هو العبد حقيقة؛ فإما أن يقول بحلوله فيه؛ أو اتحاده به ، وعلى التقديرين فإما أن يجعل ذلك مختصاً ببعض الخلق، كالمسيح، أو يجعله عاما لجميع الخلق . فهذه أربعة أقسام : - (الأول) هو الحلول الخاص ، وهو قول النسطورية من النصارى ونحوهم من يقول إن اللاهوت حل فى الناسوت وتدرع به كلول الماء فى الإناء، وهؤلاء حققوا كفر النصارى، بسبب مخالطتهم للمسلمين ، وكان أولهم فى زمن المأمون ؛ وهذا قول من وافق هؤلاء النصارى من غالية هذه الأمة ، كغالية الرافضة الذين يقولون : إنه حل بعلى بن أبى طالب وأئمة أهل بيته، وغالية النساك ١٧١ الذين يقولون بالحلول فى الأولياء ومن يعتقدون فيه الولاية ، أو فى بعضهم : كالحلاج ويونس والحاكم ونحو هؤلاء. (والثانى) هو الاتحاد الخاص وهو قول يعقوبية النصارى وهم أخبث قولا ، وهم السودان والقبط ، يقولون : إن اللاهوت والناسوت اختلطا وامتزجا كاختلاط اللبن بالماء ، وهو قول من وافق هؤلاء من غالية المنتسبين إلى الإسلام. (والثالث ) هو الحلول العام ، وهو القول الذى ذكره أئمة أهل السنة والحديث ، عن طائفة من الجهمية المتقدمين ، وهو قول غالب متعبدة الجهمية ؛ الذين يقولون: إن الله بذاته فى كل مكان، ويتمسكون بمتشابه من القرآن كقوله: ) وقوله: ( وَهُوَ مَعَكُمْ) والرد على هؤلاء وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَوَتِ وَفِ الْأَرْضِ ) كثير مشهور فى كلام أئمة السنة، وأهل المعرفة ، وعلماء الحديث. ( الرابع) الاتحاد العام وهو قول هؤلاء الملاحدة ، الذين يزعمون أنه عين وجود الكائنات ، وهؤلاء أكفر من اليهود والنصارى من وجهين : من جهة أن أولئك قالوا إن الرب يتحد بعبده الذى قربه واصطفاه ، بعد أن لم يكونا متحدين، وهؤلاء يقولون : مازال الرب هو العبد وغيره من المخلوقات ليس هو غيره . ( والثانى) من جهة أن أولئك خصوا ذلك بمن عظموه كالمسيح، وهؤلاء ١٧٢ جعلوا ذلك ساريا فى الكلاب ، والخنازير ، والأقذار، والأوساخ، وإذا كان الله تعالى قد قال: (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ) الآية. فكيف بمن قال : إن اللّه هو الكفار ، والمنافقون والصبيان ، والمجانين، والأنجاس ، والأنتان وكل شىء؟! وإذا كان الله قد رد قول اليهود والنصارى لما قالوا: (غَحْنُ أَبْنَؤُاْاللَّهِ وَأَحِبَّتُهُ ) وقال لهم: (قُلْ فَلِمَ يُعَذِّ بُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنتُم بَشَرٌ مِّمَنْ خَلَقَ ) الآية فكيف بمن يزعم أن اليهود والنصارى هم أعيان وجود الرب الخالق ليسوا غيره ولا سواه؟ ولا يتصور أن يعذب الله إلا نفسه؟ وأن كل ناطق فى الكون فهو عين السامع؟ كما فى قوله صلى الله عليه وسلم: ((إن الله تجاوز لأمتى عما حدثت به أنفسها» وأن الناكج عين المنكوح، حتى قال شاعرهم : - وتلتذ إن مرت على جسدى يدى لأنى فى التحقيق لست سواكم واعلم أن هؤلاء لما كان كفرهم - فى قولهم: إن الله هو مخلوقاته كلها - أعظم من كفر النصارى بقولهم: (إِنَّ اللَّ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ) وكان النصارى ضلال ، أكثرهم لا يعقلون مذهبهم فى التوحيد ، إذ هو شىء متخيل لا يعلم ولا يعقل ، حيث يجعلون الرب جوهراً واحداً ، ثم يجعلونه ثلاثة جواهر ، ويتأولون ذلك بتعدد الخواص والأشخاص التى هى الأقانيم ، والخواص عندهم ليست جواهر ، فيتناقضون مع كفرهم. كذلك هؤلاء الملاحدة الاتحادية ضلال ، أكثرهم لا يعقلون قول ١٧٣ رؤوسهم ولا يفقهونه، وهم فى ذلك كالنصارى، كلما كان الشيخ أحمق وأجهل ، كان بالله أعرف ، وعندهم أعظم. ولهم حظ من عبادة الرب الذى كفروا به ، كما للنصارى هذا مادام أحدهم فى الحجاب ، فإذا ارتفع الحجاب عن قلبه وعرف أنه هو : فهو بالخيار بين أن يسقط عن نفسه الأمر ، والنهى، ويبقى سدى يفعل ما أحب ، وبين أن يقوم بمرتبة الأمر ، والنهى ، لحفظ المراتب ؛ وليقتدى به الناس المحجوبون ، وهم غالب الخلق، ويزعمون أن الأنبياء كانوا كذلك إذ عدوهم كاملين . ١٧٤ فصل مذهب هؤلاء الاتحادية ، كابن عربى ، وابن سبعين ، والقونوى، والتلسانى: مركب من ثلاثة مواد : سلب الجهمية وتعطيلهم . وبحملات الصوفية : وهو ما يوجد فى كلام بعضهم من الكلمات المجملة المتشابهة ، كما ضلت النصارى بمثل ذلك فيما يروونه عن المسيح، فيتبعون المتشابه ، ويتركون المحكم، وأيضاً كلمات المغلوبين على عقلهم الذين تكلموا فى حال سكر . ومن الزندقة الفلسفية التى هى أصل التجهم ، وكلامهم فى الوجود المطلق، والعقول ، والنفوس والوحى، والنبوة والوجوب ، والإمكان ، وما فى ذلك من حق وباطل . فهذه المادة أغلب على ابن سبعين والقونوى ، والثانية أغلب على ابن عربى ولهذا هو أقربهم إلى الإسلام، والكل مشتركون فى التجهم ، والتلمسانى أعظمهم تحقيقاً لهذه الزندقة والاتحاد التى انفردوا بها، وأ كفرهم بالله، وكتبه، ورسله وشرائعه، واليوم الآخر . ١٧٥ وبيان ذلك أنه قال : هو فىَّ كان متجل بوحدته الذاتية ، عالماً بنفسه وبما يصدر عنه ، وأن المعلومات بأسرها كانت منكشفة فى حقيقة العلم شاهداً لها . فيقال له : قد أثبت علمه بما يصدر منه ، وبمعلومات يشهدها غير نفسه ، ثم ذكرت أنه عرض نفسه على هذه الحقائق الكونية المشهودة المعدومة ، فعند ذلك عبر (( بأنا)) وظهرت حقيقة النبوة، التى ظهر فيها الحق واضحاً، وانعكس فيها الوجود المطلق، وأنه هو المسمى باسم الرحمن، كما أن الأول هو المسمى باسم الله ، وسقت الكلام إلى أن قلت : وهو الآن على ما عليه كان ، فهذا الذى علم أنه يصدر عنه وكان مشهوداً له معدوماً فى نفسه هو الحق أو غيره ؟ فإن كان الحق فقد لزم أن يكون الرب كان معدوماً ، وأن يكون صادراً عن نفسه، ثم إنه تناقض . وإن كان غيره ، فقد جعلت ذلك الغير هو مرآة لانعكاس الوجود المطلق ، وهو الرحمن ، فيكون الخلق هو الرحمن . فأنت حائر بين أن تجعله قد علم معدوماً صدر عنه ، فیکون له غیر وليس هو الرحمن ، وبين أن تجعل هذا الظاهر الواصف هو إياه وهو الرحمن، فلا يكون معدوماً ولا صادراً عنه ، وإما أن تصف الشىء بخصائص الحق الخالق تارة وبخصائص العبد المخلوق تارة فهذا مع تناقضه كفر من أغلظ الكفر ، وهو نظير قول النصارى : اللاهوت الناسوت ، لكن هذا أكفر من وجوه متعددة . ١٧٦ فصل ( الوجه الأول) أن هذه الحقائق الكونية - التى ذكرت أنها كانت معدومة فى نفسها، مشهودة أعيانها فى علبه فى تجليه المطلق ، الذى كان فيه متحداً بنفسه بوحدته الذاتية - هل خلقها وبرأها وجعلها موجودة بعد عدمها ، أم لم تزل معدومة ؟ فإن كانت لم تزل معدومة : فيجب أن لا يكون شىء من الكونيات موجوداً، وهذا مكابرة للحس ؛ والعقل، والشرع، ولا يقوله عاقل ولم يقله عاقل . وإن كانت صارت موجودة بعد عدمها : امتنع أن تكون هى إياه؛ لأن اللّه لم يكن معدوماً فيوجد . وهذا يبطل الاتحاد ، ووجب حينئذ أن يكون موجوداً ليس هو الله ، بل هو خلقه وماليكه وعبيده ؛ وهذا يبطل قولك! وهو الآن لا شىء معه على ما عليه كان . ( الثانى) أن قولك تركبت الخلقة الإلهية من كان إلى سر شأنه، أو قولك: ظهر الحق فيه، أو نحو ذلك من الألفاظ التى يطلقها هؤلاء الاتحادية فى هذا الموضع. مثل قولهم : ظهر الحق وتجلى ، وهذه مظاهر الحق ومجاليه ، وهذا مظهر إلهىّ ومجلى إلهىّ ، ونحو ذلك: أتعنى به أن عين ذاته حصلت هناك؟ ١٧٧ أو تعنى به أنه صار ظاهراً متجلياً لها بحيث تعلمه ؟ أو تعنى به أنه ظهر لخلقه بها، وتجلى بها ، وأنه ما ثم قسم رابع؟. فإن عنيت الأول - وهو قول الاتحادية - فقد صرحت بأن عين المخلوقات - حتى الكلاب، والخنازير ، والنجاسات ، والشياطين والكفار - هى ذات الله. أو هى وذات اللّه متحدتان، أو ذات الله حالة فيها، وهذا الكفر أعظم من كفر الذين قالوا: (إِنَّاللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ) و(إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةُ) وأن اللّه يلد ويولد وأن له بنين وبنات. وإذا صرحت بهذا عرف المسلمون قولك فألحقوك ببنى جنسك فلا حاجة إلى ألفاظ محملة يحسبها الظمآن ماء، وياليته إذا جاءها لم يجدها شيئاً ، بل يجدها سما ناقعاً !. وإن عنيت أنه صار ظاهراً متجلياً لها ، فهذا حقيقة أنه صار معلوماً لها ، ولا ريب أن الله يصير معروفاً لعبده؛ لكن كلامك فى هذا باطل من وجهين . من جهة أنك جعلته معلوماً للعدومات ، التى لا وجود لها ، لكونه قد عليها ، واعتقدت أنها إذا كانت معلومة يجوز أن تصير عالمة ، وهذا عين الباطل : من جهة أنه إذا علم أن الشىء سيكون ، لم يجز أن يكون هذا قبل وجوده عالماً قادراً فاعلا . ومن جهة أن هذا ليس حكم جميع الكائنات المعلومة ، بل بعضها هو الذى يصح منه العلم . ١٧٨ وأما إن قلت إن الله يعلم بها - لكونها آيات دالة عليه -: فهذا حق؛ وهو دين المسلمين وشهود العارفين ، لكنك لم تقل هذا لوجهين : (أحدهما ) أنها لا تصير آيات إلا بعد أن يخلقها ويجعلها موجودة ، لا فى حال كونها معدومة معلومة ، وأنت لم تثبت أنه خلقها ولا جعلها موجودة ، ولا أنه أعطى شيئا خلقه ، بل جعلت نفسه هو المتجلى لها . ( الوجه الثانى) أنك قد صرحت بأنه تجلى لها وظهر لها، لا أنه دل بها خلقه ، وجعلها آيات تكون تبصرة وذكرى لكل عبد منيب ، والله قد أخبر فى كتابه أنه يجعل فى هذه المصنوعات آيات والآية مثل العلامة والدلالة كما قال: (وَإِلَهُكُمْ إِلَهُ وَحِدٌ لَا إِلَهَ إِلََّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ) إلى قوله: (لَيَتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ) وتارة يسميها نفسها آية، كما قال تعالى: (وَءَايَةٌ لَُّ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَهَا ) وهذا الذى ذكره الله فى كتابه هو الحق . فإذا قيل فى نظير ذلك: تجلى بها وظهر بها كما يقال علم وعرف بها ، كان المعنى صحيحا؛ لكن لفظ التجلى والظهور فى مثل هذا الموضع غير مأثور ، وفيه إيهام وإجمال ، فإن الظهور والتجلى يفهم منه الظهور والتجلى للعين لا سيما لفظ التجلى فإن استعماله فى التجلى للعين هو الغالب، وهذا مذهب الاتحادية ، صرح به ابن عربی وقال: فلا تقع العین إلا عليه . وإذا كان عندهم أن المرئى بالعين هو اللّه فهذا كفر صريح باتفاق المسلمين، بل قد ثبت فى صحيح مسلم أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: ((واعلموا أن أحداً ١٧٩ منكم لن يرى ربه حتى يموت)) ولا سيما إذا قيل: ظهر فيها وتجلى ، فإن اللفظ ـو يصير مشتركا بين أن تكون ذاته فيها ، أو تكون قد صارت بمنزلة المرآة التى يظهر فيها مثال المرئى، وكلاهما باطل ؛ فإن ذات اللّه ليست فى المخلوقات، ولا فى نفس ذاته ترى المخلوقات كما يرى المرئى فى المرآة ، ولكن ظهورها دلالتها علیه وشهادتها له ، وأنها آيات له على نفسه ، وصفاته سبحانه وبحمده ، كما نطق بذلك کتاب الله . ( الوجه الثالث) أن مقارنة الألف والنون المعبر عنها ((بأنا)) واللفظة التى هى ((حقيقة النبوة)) و((الروح الإضافى)) هذه الأشياء داخلة فى مسمى أسماء الله؛ بحيث تكون مما يدخل فى مسمى أسمائه الظاهرة والمضمرة ، أم ليست داخلة فى مسمى أسمائه ؟ فإن كان الأول : فتكون جميع المخلوقات داخلة فى مسمى أسماء اللّه، وتكون المخلوقات جزءاً من اللّه وصفة له ، وإن كان الثانى: فهذه الأشياء معدومة ليس لها وجود فى أنفسها ، فكيف يتصور أن تكون موجودة لا موجودة ، ثابتة لا ثابتة ، منتفية لامنتفية؟ وهذا تقسيم بين ، وهو أحد ما يكشف حقيقة هذا التلبيس . فإن هذه الأمور التى كانت معلومة له معدومة ، عند نزول الخلية ظهرت هذه الأمور التى ذكرها ، فهذه الأمور الظاهرة المعلومة بعد هذا النزول قد صارت ((أنا)) وحقيقة نبوة، وروحا إضافيا، وفعل ذات، ومفعول ذات ، ومعنى وسائط ، فإن كان جميع ذلك فى الله ، ففيه كفران عظيمان: كون جميع المخلوقات جزءا من الله ، ١٨٠