Indexed OCR Text
Pages 61-80
بل لما اعتقدوا فيه القدر المشترك صاروا مشركين به ، وحكموا على القدر المشترك بأحكام سلبية ، أو إيجابية ؛ فإنها قصح فى الجملة؛ لأن ما انتفى عن المعنى العام المشترك انتفى عن الخاص المميز، وليس ما انتفى عن الخاص المميز انتفى عن العام ؛ فما نفيته عن الحيوان أو عن النبى : انتفى عن الإنسان والرسول . وليس ما نفيته عن الإنسان أو الرسول انتفى عن الحيوان أو النبى . ولهذا كان قوله: (( لا نى بعدى )) ينفى الرسول ؛ وكذلك ما ثبت للمعنى المشترك بصفة العموم ثبت للخاص ، وما ثبت له بصفة الإطلاق لم يجب أن يثبت للخاص ، فإذا ثبت حكم لكل فى دخل فيه الرسول . وأما إذا ثبت للنبى مطلقا : لم يجب أن يثبت للرسول ، وقد تتألف من مجموع القضايا السلبية ، والإيجابية: أمور لا تصدق إلا عليه، ولا يصح أن يوصف بها غيره؛ كما إذا وصف فى بمجموع صفات ، لا توجد فى غيره . لكن هذا القدر يعرف انتفاء غيره أن يكون إياه ، وأما عينه فلا يعرف بمجموع تلك القضايا الكلية ، فلا يحصل للعقل من القياس فى الرب إلا العلم بالسلب ، والعدم؛ إذا كان القياس صحيحا . ولهذا جاءت الأمثال المضروبة فى القرآن - وهى المقاييس العقلية - دالة على النفى فى مثل قوله: (ضَرَبَ لَكُمْ مَّثَلًا مِّنْ أَنْفُسِكُمْ هَل ◌َّكُمْ مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَشُكُمْ مِّن شُرَكَآءَ فِ مَارَزَقْنَكُمْ) الآية ومثل قوله: (وَضَرَبَ اَللَّهُ مَثَلًا زَّجُلَيْنِ) الآيات وقوله: ( يَأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلُ فَاسْتَمِعُوْلَهُ، إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ) الآية؛ وقوله: ( قُل لَوْكَانَ مَعَهُرْ ءَاِهَةٌ كُمَا يَقُولُونَ) الآية وقوله: (مَا اتَّخَذَ اللَّهُ ٦١ مِن ◌ٍَ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَ إِذَا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَيٍ بِمَا خَلَقَ وَعَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ) وأمثال ذلك من الأمثال - وهى القياسات - التى مضمونها نفى الملزوم لانتفاء لا زمه ، أو نحو ذلك . ولهذا كان الغالب على أهل القياس من أهل الفلسفة ، والكلام، فى جانب الربوبية : إنما هى المعارف السلبية . ثم لم يقتصروا على مقدار ما يعلمه العقل من القياس ، بل قعدوا ذلك؛ فنفوا أشياء مشبهة القياس الفاسد ، مثل نفى الصفات النبوية ، الخبرية : بل ونفى الفلاسفة ؛ والمعتزلة للصفات التى يثبتها متكلموا أهل الإثبات ، ويسمونها الصفات العقلية؛ لإثباتهم إياها بالقياس العقلى . ومعلوم أن العقل لا ينفى بالقياس إلا القدر المشترك ؛ الذى هو مدلول القضية الكلية التى لا بد منها فى القياس؛ مثل أن ينفى الإرادة أو الرحمة أو العلم المشترك بين مسميات هذا الاسم ، والقدر المشترك فى المخلوقين تلحقه صفات لا تثبت للّه تعالى، فينفون المعنى المشترك المطلق ، على صفات الحق وصفات الخلق - تبعاً لانتفاء ما يختص به الخلق - فيعطلون، كما أن أهل التمثيل يثبتون ما يختص به الخلق - تبعاً للقدر المشترك - وكلاهما قياس خطأ . ففى هذه الصفات ، بل وفى الذوات ثلاث اعتبارات : أحدها : ما تختص به ذات الرب وصفاته . والثانى : ما يختص به المخلوق وصفاته. ٦٢ والثالث : المعنى المطلق الجامع. فاستعمال القياس الجامع فى نفى الأول خطأ ، وكذلك استعماله فى إثبات الثانى، وأما استعماله فى إثبات الثالث، فيحتاج إلى إدراك العقل لثبوت المعنى الجامع الكلى ، وهذا أصل القياس والدليل، فإن لم يعرف العقل بنفسه - أو بواسطة قياس آخر - ثبوت هذا ، وإلا لم يستقم القياس. وكذلك فى معارفهم الثبوتية لا يأتون إلا بمعانى مطلقة مجملة . مثل ثبوت الوجود ، ووجوب الوجود، أو كونه رباً أو صانعاً أو أولا ، أو مبدأ أو قديماً ، ونحو ذلك من المعانى الكلية ، التى لا يعلم بها خصوص الرب تعالى، إذ القياس لا يدل على الخصوص ، فإنه إذا استدل بأن كل ممكن فلا بد له من موجب وبأن كل محدث فلا بد له من محدث : كان مدلول هذا القياس أمراً عاماً ، وقد بسطت هذا فى غير هذا الموضع. وكذلك أصحاب الرياضة والتجرد : فإن صفوتهم الذين يشتغلون بذكر بسيط مثل لا إله إلا الله إن لم يغلوا فيقتصروا على مجرد اللّه، الله، ويعتقدون أن ذلك أفضل وأ كمل . كما فعله كثير منهم ، وربما اقتصر بعضهم على هُوْ، هُوْ. أو على قوله: لا هو إلا هو، لأن هذا الذكر المبتدع الذى هو لا يفيد بنفسه إلا أنه مطلقاً ، ليس فيه بنفسه ذكر لله إلا بقصد المتكلم . فقد ينضم إلى ذلك اعتقاد صاحبه أنه الا] وجود إلا هو ، كما يصرح به بعضهم ويقول: لا هو إلا هو ، أو لا موجود إلا هو، وهذا عند الاتحادية ٦٣ أجود من قول لا إله إلا الله، لأنه مصرح بحقيقة مذهبهم الفرعونى القرمطى، حتى يقول بعضهم: لا إله إلا اللّه ذكر العابدين، والله! الله ! ذكر العارفين، و(هو) ذكر المحققين، ويجعل ذكره يا من لا هو إلا هو! وإذا قال اللّه ! الله ! إنما يفيد مجرد ثبوته، فقد ينضم إلى ذلك نفى غيره لا نفى إلهية غيره، فيقع صاحبه فى 1 وحدة الوجود] وربما انتفى شهود القلب للسوى إذا كان فى مقام الفناء فهذا قريب، أما اعتقاد أن وجود الكائنات هى هو فهذا هو الضلال . ويضمون إلى ذلك نوعا من التصفية ، مثل ترك الشهوات البدنية من الطعام والشراب والرياسة والخلوة ، وغير ذلك من أنواع الزهادة المطلقة ، والعبادة المطلقة فيصلون أيضاً إلى تأله مطلق ، ومعرفة مطلقة بثبوت الرب ووجوده ونحو ذلك، من نحو ما يصل إليه أرباب القياس . ثم قد تتوارى هذه المعرفة والعلم بملابسة الأمور الطبيعية ، من الطعام، والاجتماع بالناس ، فإن سببها إنما هو ذلك التجرد فإذا زال زال؛ ولهذا قيل كل حال أعطا كه الجوع فإنه يذهب بالشبع، كما قد تتوارى معرفة الأولى المطلقة بغفلة القلب عن تلك المقاييس النظرية ، ولا ريب أن القياس يفضى إلى معرفة بحسب مقتضاه ، وأن الرياضة والتأله يفضى إلى معرفة بحسب مقتضاه ، لكن معرفة مطلقة بسبب قد يثبت وقد يزول، وكثيراً ما يفضى إلى الاتحاد والحلول والإباحة ، وذلك لأنهم يجردون التأله عما لا بد منه من صالح البشر ، فإذا احتاجوا إليها أعرضوا عن التأله. فهم إماآلهة عند نفوسهم ، وإما زنادقة أو فساق ، ولهذا حدثنى الشيخ ٦٤ ( ١) الصالح يوسف من أصحابنا أنه رآنى فى المنام وأنا أخاطبهم والمعرفة الحاصلة بذلك : هى المعرفة التى تصلح حال العبد وتجب عليه؛ لكن قد يحصل مع صدق الطلب - بواسطة القياس ، أو بواسطة الوجد - وصول إلى الرسالة فيتلقى حينئذ من الرسالة ما يصلح حاله ، ويعرفه المعرفة التامة والعلم النافع الواجب عليه - وهى الطريق الشرعية النبوية التى ذكرناها أولا - وقد لا يحصل ذلك فيقع كثير منهم فى الاستغناء عن النبوة ، اعتقاداً أو حالا بالإعراض عما جاءت به : فيفوته من الإيمان والعلم والمعرفة - التى جاء بها الرسول - ما يضل بقواته فى الدنيا عن الهدى، ويشقى به الشقاء الأكبر، اليهود والنصارى كمال الكافرين بالرسول وإن آمنوا بوجود الرب. من والصابتين، فإن فى المسلمين من ينافق فى الرسول ، كما كفر هؤلاء به ظاهراً، وهذا النفاق كثير جداً ، قديماً وحديثاً . وقد تنعقد فى قلبه مقاييس فاسدة ، ومواجيد فاسدة ، يحكم بمقتضاها فى الربوبية أحكاماً فاسدة مثل : أحكام المنحرفة إلى صابئية ، أو يهودية أو نصرانية ، من الفلاسفة والمتكلمين والمتصوفة ، الذين انحرفوا إما إلى تعطيل للصفات و تکذیب بها . وإما إلى تمثيل لها وتشبيه . وإما إلى اعتقاد أن الرب هو الوجود المطلق الذى لا يتميز ، وأن عين (١) سقط من الأصل نحو سطرين. ٦٥ الوجود: هو عين الخالق، وأنه ليس وراء السموات والأرض شىء آخر؛ وإنما هذه الأشياء كلها مراتب للصفات، وأن الربوبية والإلهية: مراتب ذهنية [ شكوكية]. وأما فى الحقيقة: فليس إلا عين ذاته، فالمحجوبون يرون المراتب والمكاشف ماترى إلا عين الحق . ويحسبون - ويحسب كثير بسيهم - أن هذا التوحيد: هو توحيد الصديقين ، الذين عرفوا الله ، وقالوا : ألا كل شىء ما خلا اللّه باطل . كما يحسب المتكلم الزائغ أن توحيده - الذى هو نفى الصفات - هو توحيد الأنبياء والصديقين ؛ الذين عرفوا الله؛ ولهذا يقع فى هؤلاء الشرك كثيرا؛ حتى يسجد بعضهم لبعض ؛ كما يقع فى القسم الآخر تحريم الحلال من العقود ، والعبادات المباحة . فاقتسم الفريقان : ما ذم اللّه به المشركين ، من الشرك ، وتحريم الحلال (١) وهكذا يوجد كثيرا فى هؤلاء المشبهة للنصارى . وظهر فى الآخرين من الآصار ، والأغلال ، وجحود الحق ، وقسوة القلوب : ما يوجد كثيرا فى هؤلاء المشبهة لليهود . هذا فى غير الغالية منهم ، وأما الغالية من الصنفين : فعندهم أن معرفتهم وحالهم فوق معرفة الأنبياء وحالهم . كما يقول التلمسانى: القرآن يوصل إلى الجنة ، وكلامنا يوصل إلى الله . (١) سقط سطر من الأصل . ٦٦ وكما يزعم الفارابى : أن الفيلسوف أكمل من النى ؛ وإنما خاصة النبى جودة التخييل للحقائق ؛ إلى أنواع من الزندقة والكفر ، يلتحقون فيها بالإسماعيلية ؛ والنصيرية ؛ والقرامطة، والباطنية ، ويتبعون فرعون؛ والنمروذ وأمثالهما من الكافرين بالنبوات ، أو النبوة والربوبية . وهذا كثير جدا فى هؤلاء وهؤلاء ، وسبب ذلك عدم أصل فى قلوبهم، وهو الإيمان بالله، والرسول. فإن هذا الأصل إن لم يصحب الناظر، والمريد، والطالب، فى كل مقام. وإلا خسر خسرانا مبينا ! وحاجته إليه كماجة البدن إلى الغذاء ، أو الحياة إلى الروح. فالإنسان بدون الحياة والغذاء لا يتقوم أبدا، ولا يمكنه أن يعلم، ولاأن يُعلم. كذلك الإنسان بدون الإيمان بالله ورسوله لا يمكنه أن ينال معرفة الله، ولا الهداية إليه ، وبدون اهتدائه إلى ربه : لا يكون إلا شقيا معذباً ، وهو حال الكافرين بالله ورسوله ، ومع الإيمان بالله ورسوله إذا نظر، واستدل: كان نظره فى دليل وبرهان - وهو ثبوت الربوبية ، والنبوة - وإذا تجرد وتصفى كان معه من الإيمان ما يذوقه بذلك ويجده. ثم هذا النظر، وهذا الذوق يحتلب له ما وراء ذلك من أنواع المعالم الربانية، والمواجيد الإلهية . والعلم والوجد متلازمان. وذلك : أن الأنبياء والمرسلين : عرفوا اللّه بالوحى المعرفة التى هى معرفة، وعبدوه العبادة التى هى حق له بحسب ما منحهم الله تعالى. وهم درجات فى ذلك ؛ لكن عرفوا من خصوص الربوبية مالا يقوم به ٦٧ مجرد القياس النظرى ، ولا يناله مجرد الذوق الإرادى ، ثم أخبروا عن ذلك . ولا بد فى الوصف والإخبار من أن يذكر المسمى الموصوف بالأسماء والأوصاف المتواطئة التى فيها اشتراك وتميز عن المخلوقات بما يقطع الشركة ؛ لأن القصد بالإِخبار، والوصف ، تعريف المخاطبين ؛ والمخاطبون لا يعرفون الخصوصيات ، التى هى خصوص ذات الله، وصفاته . فلو أخبروا بذلك وحده مجردا لم يعرفوا شيئا ، بل ربما أنكروا ذلك. فإذا خوطبوا بالمعانى المشتركة ، وأزيل مفسدة الاشتراك بما يقطع التماثل ، كقوله : (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ) (وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُوَا أَحَدًا) ونحو ذلك كانوا أحد رجلين: إما رجل مؤمن، آمن بمعانى تلك الصفات على الوجه المطلق الجملى وأثبتها لله على وجه يليق به، ويختص به، لا يشركه فيه مخلوق؛ فهذا غاية الممكن فی حال هؤلاء. وإما رجل قذف الله فى قلبه من نوره وهدايته الخاصة ما أشهده شيئا من الخصوصيات ، التى هى أعيان تلك الأسماء والصفات ، فيعلم ذلك لا بمجرد القياس ، ولا بمجرد الوجد بل بشهود على مطابق لما أخبرت [به] الرسل ، وتدله على صحة شهوده موافقته لما أنبأت به الرسل ، ويحصل له نصيب من النبوة، فإن النبوة انقطعت بكمالها، وأما وجود بعض أجزائها فلم ينقطع . ولا بد أن يكون فى بعض الأمور محجوبا عن أن يشهد ما شهده النى ، فيصدقه فيه ؛ لشهوده بعض ما أخبر به النى ، ويبقى ما شهده محققا عنده لثبوت ما لم يشهده، وهذه حال الصديقين مع الأنبياء . ٦٨ وذلك نظير من وصف له ملك مدينة ، بأنواع من الصفات ، فقدم حتى رأى بعض شؤونه التى دلته على صدق المخبر فيما لم يشهد . ولست أجعل مجرد هذه الشهادة مصدقة ؛ فإن المخبر قد يصدق فى بعض ، ويخطىء فى بعض ، وإنما ذلك بواسطة إخبار المخبر - أى رسول الله - وشهوده منه ما يوجب له امتناع الكذب عليه ، كما يذكر فى غير هذا الموضع. فإن قلت: فمن أين له ابتداء صحة الإيمان بالله ورسوله ، حتى يصير ذلك أصلا يبنى عليه ، وينتقل معه إلى ما بعده ؟ فأهل القياس والوجد: إنما تعبوا التعب الطويل - فى تقرير هذا الأصل - فى نفوسهم ؛ ولهذا يسمى المتكلمون كل ما يقرر الربوبية والنبوة : العقليات والنظريات ، ويسميها أولئك الذوقيات ، والوجديات، ورأوا أن ما لا يتم معرفة الله ورسوله إلا به فمعرفته متقدمة على ذلك؛ وإلا لزم الدور . فسموا تلك عقليات ، والعقليات لا تنال إلا بالقياس العقلى ، المنطقى. قلت : جواب هذا من وجوه : أحدها : المعارضة بالمثل ؛ فإن سالك سبيل النظر القياسى ، أو الإرادة الذوقية : من أين له ابتداء أن سلوك هذا الطريق يحصل له علما ، ومعرفة ، ليس معه ابتداء إلا مجرد إخبار مخبر بأنه سلك هذا الطريق فوصل ، أو خاطر يقع فى قلبه سلوك هذا الطريق: إما مجوزا للوصول أو متحريا أو غير ذلك ، أو سلوكا ابتداء بلا انتهاء ؛ وليس ذلك مختصا بالعلم الإلهى ؛ بل كل العلوم لا بد للسالك فيها ابتداء من مصادرات يأخذها مسلمة إلى أن تتبرهن فيما بعد . ٦٩ إذا لو كان كل طالب العلم حين يطلبه قد نال ذلك العلم : لم يكن طالبا له ، والطريق التى يسلكها قد يعلم أنها تفضى به إلى العلم. لكن الكلام فى أول الأوائل، ودليل الأدلة، وأصل الأصول. فإنه لو كان حين ينظر فيه يعلم أنه دليل مفض لم يمكن ذلك حتى يعلم ارتباطه بالمدلول فإن الدليل إن لم يستلزم المدلول : لم يكن دليلا . والعلم بالاستلزام موقوف على العلم بالملزوم واللازم ، فلا يعلم أنه دليل على المدلول المعين ، حتى يعلم ثبوت المدلول المعين ، ويعلم أنه ملزوم له ، وإذا علم ذلك : استغنى عن الاستدلال به ، على ثبوته؛ وإنما يفيده التذكير به ، لا ابتداء العلم به، وإنما يقع الاشتباه هنا ؛ لأنه كثيرا ما يعرف الإنسان ثبوت شىء، ثم يطلب الطريق إلى معرفة صفاته، ومشاهدة ذاته ؛ إما بالحس ، وإما بالقلب ، فيسلك طريقا يعلم أنها موصلة إلى ذلك المطلوب ؛ لأنه قد علم أن تلك الطريق مستلزم لذلك المطلوب ، الذى علم ثبوته قبل ذلك . كمن طلب أن يحج إلى الكعبة، التى قد علم وجودها، فيسلك الطريق التى يعلم أنها تفضى إلى الكعبة ؛ لإخبار الناس له بذلك ، أو يستدل بمن يعلم أنه عارف بتلك الطريق ، فسلوكه للطريق بنفسه بعد علمه أنها طريق - المقصود - بإخبار الواصلين ، أو سلوكه بدليل خريت - يهديه فى كل منزلة - لا يكون إلا بعد العلم بثبوت المطلوب ، وثبوت أن هذا طريق ، ودليل . وهكذا حال الطالبين لمعرفة اللّه، والمريدين له، والسائرين إليه ، قد عرفوا ٧٠ وجوده أولا ، وهم يطلبون معرفة صفاته ، أو مشاهدة قلوبهم له فى الدنيا. فيسلكون الطريق الموصلة إلى ذلك بالإيمان والقرآن . فالإيمان: نظير سلوك الرجل الطريق التى وصفها له السالكون ، فإنهم متفقون على ذلك . والقرآن: تصديق الرسل فيما تخبر به ، وهو نظير اتباع الدليل منزلة منزلة، ولا بد فى طريق اللّه منهما . وأما الشىء الذى لم يعلم العقل ثبوته أولا ، إذا سلك طريقا يفضى إلى العلم به - فلا يسلكها ابتداء إلا بطريق التقليد والمصادرة - كسائر مبادئ العلوم - فإذا كان لا بد فى الطريقة القياسية ، والعملية ، من تقليد فى الأول - فى سلوكه فيما لم يعلم أنه طريق ، وأنه مفض إلى المطلوب - أو أن المطلوب موجود. فالطريقة الإيمانية - إذا فرض أنها كذلك - لم يقدح ذلك فيها ، بل تكون هى أحق؛ لوجوه كثيرة. ونذكر بعضها إن شاء الله . بل لا طريق إلا هى أو ما يفضى إليها ، أو يقترن بها فهى شرط قطعا فى درك المطلوب ، وما سواها ليس بشرط ؛ بل يحصل المطلوب دونه وقد يضر بحصول المطلوب فلا يحصل، أو يحصل نقيضه وهو الشقاء الأعظم على التقديرين ، فتلك الطريق مفضية قطعا ولا فسادفيها ، وما سواها يعتريه الفساد كثيراً ، وهو لا يوصل وحده، بل لا بد من الطريقة الإيمانية . ٧١ الوجه الثانى فى الجواب : أن الطريقة القياسية ، والرياضية ، إذا سلكها الرجل وأفضت به إلى المعرفة - إن أفضت - علم حينئذ أنه سلك طريقاً صحيحاً وأن مطلوبه قد حصل ، وأما قبل ذلك فهو لا يعرف ، فأدنى أحوال الإيمانية - ولا دناءة فيها - أن تكون كذلك. فإنه إذا أخذ الإيمان بالله ورسله مسلما، ونظر فى موجبه ، وعمل بمقتضاه: حصل له بأدنى سعى مطلوبه من معرفة الله ، وأن الطريق التى سلكها صحيحة ، فإن نفس تصديق الرسول فيما أخبر به عن ربه وطاعته ، يقرر عنده علماً يقينياً بصحة ذلك أبلغ بكثير ما ذكر أولا . الوجه الثالث : أن الإقرار باللّه قسمان: فطرى، وإيمانى. فالفطرى : - وهو الاعتراف بوجود الصانع - ثابت فى الفطرة . کما قرره الله فی کتابه فى مواضع وقد بسطت القول فيه فى غير هذا الموضع . فلا يحتاج هذا إلى دليل ؛ بل هو أرسخ المعارف ، وأثبت العلوم ، وأصل الأصول. وأما الإقرار بالرسول : فبأدنى نظر فما جاء به ، أو فى حاله، أو فى آياته ، أو نحو ذلك من شؤونه يحصل العلم بالنبوة : أقوى بكثير مما يحصل المطالب القياسية، والوجدية، فى الأمور الإلهية ؛ ثم إذا قوى النظر فى أحواله : حصل من اليقين الضرورى الذى لا يمكن دفعه ما يكون أصلا راسخا . وبسط هذا مذكور فى غير هذا الموضع. إذ المقصود هنا بيان خطأ من سلك طريق القياس ، أو الرياضة ، دون الإيمان ابتداء . وأما تقرير طريقة الإيمان فشأنه عظيم ، أعظم ما كتبته هنا .!! الوجه الرابع : إنا نخاطب المسلمين المتسمين بالإيمان ، الذين غرض أحدهم ٧٢ معرفة الله الخاصة ؛ التى يمتاز بها العلماء ، والعارفون : عن العامة ؛ فيسلك بعضهم طريقة أهل القياس المبتدع ، والفلاسفة والمتكلمين ، وبعضهم : طريقة أهل الرياضة والإرادة المبتدعة ، من المتفلسفة ، والمتصوفة ، معرضاً عما جاء به الرسول فى تفاصيل هذه الأمور ؛ فإن هؤلاء إذا كانوا عالمين بصدق الرسول - المبلغ عن ربه ، الهادى إليه، الداعى إليه ، الذى أكمل له الدين ، وأنزل عليه الكتاب تبيانا لكل شىء - كيف يدعون الاستدلال بما جاء به ، والاقتداء به ، إلى ما ذكر من الطريقين؟ الوجه الخامس : أن أكثر من سلك الطريقين المنحرفين : لم يعتقد أن هناك طريقاً ثالثاً - كما يذكره رجال من فضلاء العالم الغالطين فى القواعد الكبار - فهم ينتقلون من مادة فلسفية صابئية : إلى مادة إرادية نصرانية ، إلى مادة كلامية يهودية . وأهل فلسفتهم يوما مع ذوى إرادتهم، ويوما مع ذرواى كلامهم ، وهم متهوكون فى هذه المجاراة . والطريقة الإيمانية النبوية المحمدية ، الدينية السنية الأثرية : لا يهتدون إليها ، ولا يعرفونها ولا يظنون أنها طريقة إلى مطلوبهم، ولا تفضى إلى مقصودهم؛ وذلك لعدم وجود من يسلكها فى اعتقادهم ، أو كبتوا نفوسهم عنها ظلما ؛ فلضلالهم عنها أوغوايتهم وجهلهم بها، أو ظلهم أنفسهم: أعرضوا عنها . فان قلت : فالقرآن يأمر بالنظر فى الآيات . ٧٣ قلت: النظر لا ريب فى صحته فى الجملة ، وأنه إذا كان فى دليل أفضى إلى العلم بالمدلول، وإذا كان فى آيات الله ، أفضى إلى الإيمان به . الذى هو رأس العبادة، كما أن العبادة، والإرادة، لا ريب فى صحتها فى الجملة، وأنها إذا كانت على منهاج الأنبياء أفضت إلى رضوان الله؛ لكن عليك أن تفرق بين الآيات. وبین القياس، كما قد بيناه فى غير هذا الموضع. فإن الآية : هى العلامة . وهى ما تستلزم بنفسها لما هى آية عليه ، من غير توسط حد أوسط ، ينتظم به قياس مشتمل على مقدمة كلية ؛ كالشعاع فإنه آية الشمس ، وكذلك النبات للمطر فى الأرض القفر ، والدخان للنار، وإن لم ينعقد فى النفس قياس ؛ بل العقل يعلم تلازمهما بنفسه ، فيعلم من ثبوت الآية ثبوت لازمها ، والعلم بالتلازم قد يكون فطرياً ، وقد لا يكون . الوجه السادس : أن تينك الطريقين ليستا باطلا محضاً ؛ بل يفضى كل منهما إلى حق ما؛ لكن ليس هو الحق الواجب ، وكثيراً ما يقترن معه الباطل فلا يحصل بكل منهما بمجرده أداء الواجب ولا اجتناب المحرم ، ولا تحصلان المقصود الذى فيه سعادة العبد من نجاته ونعيمه ، بعد مبعث الرسول . أما الطريقة النظرية القياسية : فإنه لا بد فيها من الاستدلال بالممكن على الواجب ، أو المحدث على المحدث ، أو بالحركة على المحرّك ، وذلك يعطى فاعلا عظيما من حيث الجملة . وكذلك الطريقة الرياضية الذوقية تعطى انقياد القلب وخضوعه إلى الصانع ٧٤ المطلق ، وكل منهما لا بد فيها من علم اضطرارى يضطر القلب إليه ، إذ القلب لا يحصل له علم إلا من جنس الاضطرارى ابتداء بتوسط الضرورى؛ فإن النظر يبنى على مقدمات تنتهى إلى ما هو من جنس الضرورى ؛ إما بتوسط الحس أو مجرداً عن الحس . فالطريق القياسية تفيد العلم بتوسط مقدمات ضرورية ، مثل أن يقال : الوجود المعلوم إما ممكن، وإما واجب ، والممكن لا يوجد إلا بواجب . فثبت وجود الواجب على التقديرين . ومثل أن يقال : العالم محدث أو كثير منه محدث . والثانى ضرورى ، والأول يستدل عليه . ثم يقال : وكل محدثٍ فله محدث. أو يقال: لا شك أن [ثم] وجوداً وهو إما قديم، وإما محدث، والمحدث لابد له من قديم فثبت وجود القديم على التقديرين . كما يقال: لا ريب أن ثم وجوداً وهو إما واجب وإما ممكن ، والممكن لا بد له من واجب، فثبث وجود الواجب على التقديرين . وقد يقال : أيضاً لاريب أن ثم وجودا ، وهو إما مصنوع ، أو غير مصنوع ، أو مخلوق أو غير مخلوق ، أو مفطور أو غير مفطور ، والمصنوع أو المخلوق أو المفطور: لا بد له من صانع وخالق وفاطر. فثبت وجود ما ليس بمصنوع ولا مفطور، ولا مخلوق على التقديرين . ٧٥ فهذه الوجوه وما يشبها تدل على وجود واجب قديم ليس بمصنوع ؛ لكن الشأن فى تعيينه ؛ فإن عامة الدهرية يقولون: هذا هو العالم أو شىء قائم به . ثم إن افتقار الممكن إلى الواجب ، والمحدث إلى القديم، والمصنوع إلى الصانع، مقدمة ضرورية ؛ وإن كان طائفة من النظار يستدلون على هذه المقدمة ، وعلى أن الممكن لا يترجح أحد طرفيه على الآخر إلا بمرجح، والجمهور على الاكتفاء بالضرورة فيهما . والطريق العبادية تفيد العلم بتوسط الرياضة وصفاء النفس، فإنه حينئذ يحصل للقلب علم ضرورى؛ كما قال الشيخ إسماعيل الكورانى لعز الدين ابن عبد السلام لما جاء إليه يطلب علم المعرفة - وقد سلك الطريقة الكلامية - فقال: أنتم تقولون إن اللّه يعرف بالدليل، ونحن نقول: عرَّفنا نفسه فعرفناه . وكما قال نجم الدين [الكبرى] لابن الخطيب ، ورفيقه المعتزلى وقد سألاه عن علم اليقين ؟ فقال : هو واردات ترد على النفوس ، تعجز النفوس عن ردها فأجابهما : بأن علم اليقين عندنا هو موجود بالضرورة لا بالنظر، وهو جواب حسن . فإن العلم الضرورى : هو الذى يلزم نفس العبد لزوماً لا يمكنه الانفكاك عنه . فالقائس إن لم يحصل له العلم الضرورى ابتداء، وإلا فلا بد أن يبنى نظره وقياسه على مقدمات ضرورية. ثم حينئذ يحصل له العلم . ولهذا : قال طائفة منهم أبو المعالى الجوينى : أن جميع العلوم ضرورية ٧٦ باعتباراتها بعد وجود النظر الصحيح فى الدليل تحصل العلم ضرورة ؛ لكن منها ما هو ضرورى عند قصور طرفى القضية ، ومنها ما هو ضرورى بعد تأمل ونظر ، ومنها ما هو ضرورى بعد النظر فى دليل ذى مقدمتين ، أو مقدمات . فقال الشيخ العارف : نحن نجد العلم وجداً ضرورياً بالطريق التى نسلكها من تزكية النفس ، وإصلاح القلب الذى هو حامل العلم وداعيه فكل منهما يفيض اللّه العلم على قلبه ، وينزله على فؤاده؛ ولكن أحدهما بتحصيل العلم المقارن للعلم المطلوب، الذى هو المقدمات ، والآخر بإصلاح طالب العلم الذى يريد أن يكون عالماً - وهو القلب - بمنزلة من يخطب امرأة ، فتارة تجمل لها وتعرض حتى رأته فرغبت فيه وخطبته ، وتارة بأن أرسل إليها من تأنس إليه وقطيعه، خطبها له فأجابت ، فكان سعى الأول وعمله فى إصلاح نفسه وتعرضه لها حتى ترغب، وكان سعى الثانى فى تحصيل الرسول المطاع حتى تجيب. وبمنزلة من يصيد صيداً . لكن مجرد النظر والعمل مجتمعين ومنفردين: لا يحصلان إلا أمراً مجملا، كما هو الواقع، وذلك صحيح . فإن ثبوت الأمر المجمل حق ؛ فإن ضما إلى ذلك ما يعلم بنور الرسالة من الأمر المفصل حصل الإيمان النافع، وزال ما يخاف من سوء عاقبة ذينك الطريقين . وهذه حال من تحيز من أهل النظر الكلامى ، والعمل العبادى إلى اتباع الرسول والإيمان به ؛ فقبل منه وأخذ عنه . ٧٧ وإن لم يضم أحدهما إلى ذلك ماجاء به الرسول ، فإما أن يضم ضده ، أو لا يضم شيئاً؛ فإن ضم إلى ذلك ضدما جاء به الرسول: وقع فى التكذيب، وهو الكفر المركب ، وإن لم يضم إليه شىء بقى فى الكفر البسيط ، سواء كان فی ریب ، أو فى إعراض وغفلة. فإن حال الكافر : لا تخلو من أن يتصور الرسالة أولا ؛ فإن لم يتصورها فهو فى غفلة عنها، وعدم إيمان بها. كما قال: ( وَلَ نُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبُهُعَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَنُهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا) وقال: ( فَأنْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَهُمْ فِى الْيَمِ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُواْ بِثَايَدِنَا وَكَانُواْ عَنْهَا غَفِلِينَ) لكن الغفلة المحضة لا تكون إلا لمن لم تبلغه الرسالة ، والكفر المعذب عليه لا يكون إلا بعد بلوغ الرسالة . فلهذا قرن التكذيب بالغفلة وإن تصور ماجاء به الرسول وانصرف فهو معرض عنه، كما قال تعالى: (فَإِمَّا يَأْنِيَنَّكُمْ مِّنِى هُدَّى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَاىَ فَلَيَضِلُّ وَلَا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِى فَإِنَّلَهُ مَعِيشَةً ضَنكً) وكما قال: رَأَيْتَ الْمُنَفِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا) وكما قال: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُواْ مَآ أَنَزَلَ اُللَّهُ قَالُواْبَلْ نَتَّبِعُ مَآ أَلْفَيْنَا عَلَيْهِءَابَآءَنَّآ). وإن كان مع ذلك لاحظ له ؛ لا مصدق ولا مكذب، ولا محب ولا مبغض فهو فى ريب منه كما أخبر بذلك. عن حال كثير من الكفار ، منافق وغيره، كما قال: (إِنَّمَا يَسْتَئِذِئُكَ الَّذِينَ لَأَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَاَلْيَوْمِ الْآَخِرِ وَأَرْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ) وكما قال موسى: ( أَلَوَ يَأْتِكُمْ نَبَؤُأُلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ ٧٨ قَوْمِ نُوجِ وَعَادٍ وَثَمُودٌّ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّ اللَّهُ جَاءَتَّهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيْنَتِ فَرَدُواْأَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَهِهِمْ وَقَالُواْإِنَّا كَفَرْنَابِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ، وَإِنَّالَفِى شَاقٍ مِّمَاتَدْعُونَنَآ إِلَيْهِ مُرِيدٍ * قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِى الَّهِ شَكٌ فَاطِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِّ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَلَكُمْ مِّنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِرَحِكُمْ إِلَى أَجَلِ مُسَقَّىَّ قَالُواْ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَن تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا فَأَتُونَا بِسُلْطَانِ مُّبِينٍ * قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِن ◌َّحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللّهَ يَمُنُّ عَلَى مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَمَا كَانَ لَنَا أَن تَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ الّهِ وَعَلَىاللَّهِفَلْيَتَوَ كَّلِ الْمُؤْمِنُونَ). فأخبر سبحانه: عن مناظرة الكفار للرسل فى الربوبية أولا ، فإنهم فى شك من اللّه الذى يدعونهم إليه، وفى النبوة ثانياً بقولهم: (إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا) وهذا بحث كفار الفلاسفة بعينه ؛ وإن كان مكذباً له فهو التكذيب والتكذيب أخص من الكفر. فكل مكذب لما جاءت به الرسل فهو كافر . وليس كل كافر مكذباً ، بل قد يكون مرتابا، إن كان ناظراً فيه أو معرضاً عنه بعد أن لم يكن ناظراً فيه ، وقد يكون غافلا عنه لم يتصوره بحال لكن ، عقوبة هذا موقوفة على تبليغ المرسل إليه . وكل واحد من الأمرين فى أن يضم إلى المعرفة المجملة ، إما تكذيب ، وإما كفر بلا تكذيب ؛ واقع كثيرا فى سالكى الطريقين ، النظر فى القياس المجرد ، والعمل بالعبادة المجردة. مثال ذلك : أن كثيرا من النظار أثبت واجب الوجود، أو صانع العالم، وذهبوا فى تعيينه وصفاته مذاهب يضيق هذا الموضع عن تفصيلها - معروفة ٧٩ فى كتب المقالات من أهل ملتنا ، وغير أهل ملتنا - مقالات الإسلاميين المصلين ، ومقالات غيرهم . وكثير من العباد المتأخرين أثبت أيضا ذلك إثباتا مجملا ، وتوهموا فيه أنواعا من التوهمات الكفرية، الذى يصفها عارفوهم. فمنهم من توهمه الوجود المطلق ، المشترك بين الموجودات ، كالإنسان المطلق مع أعيانه وأفراده ، فإذا تعين الوجود لم يكن إياه، إذ المطلق ليس هو المعين ، كما يقوله الصدر القونوى . ومنهم من توهم أن وجود الممكنات هو عين وجوده الفائض عليها ، كما يذكره صاحب الفصوص. ومنهم من يتوهمه جملة الوجود ، وكل معين فهو جزء منه ، كالبحر مع أمواجه وأعضاء الإنسان مع الإنسان. فليس هو ما يختص بكل معين ؛ لكنه مجموع الكائنات ؛ كالعفيف التلمسانى ، وعبد الله الفارسى البليانى ، ويقولون: إن كل موجود فهو مرتبة من مراتب الوجود ، أو مظهر من مظاهره ، بمنزلة أمواج البحر معه ، وأعضاء الإنسان معه، وأجزاء الهوى مع الهواء أو بمنزلة هذا الإنسان وهذا الحيوان مع الحيوان المطلق والإنسان المطلق . ويقول شاعرهم ابن إسرائيل :- ويفهم هذا السر من هو ذائق وما أنت غير الكون بل أنت عينه وقال :- لأبى فى التحقيق لست سواكم و تلتذ إن مرت على جسدی یدی ٨٠