Indexed OCR Text
Pages 301-320
اَلْكَفِرِينَ ) فلو لم ترد الآثار التى تدل على أن هذا معنى الآية لم يجز لأحد أن يحمل الآية على ذلك المعنى المتنازع فيه بلا دليل ، لأنه لا دلالة فيها عليه ، فكيف وقد جاءت الآثار بذلك؟. وأما ما تقدم ذكره عن اليهود من أنهم کانوا ینصرون، فقد یینا أنه شاذ، وليس هو من الآثار المعروفة فى هذا الباب ، فإن اليهود لم يعرف أنها غلبت العرب بل كانوا مغلوبين معهم ، وكانوا يحالفون العرب فيحالف كل فريق فريقا كما كانت قريظة حلفاء الأوس، وكانت النضير حلفاء الخزرج. وأما كون اليهود كانوا ينتصرون على العرب فهذا لا يعرف بل المعروف خلافه ، واللّه تعالى قد أخبر بما يدل على ذلك ، فقال تعالى: ( ضُرِيَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا تُقِفُواْإِلَّا بِحِّلٍ مِنَ الَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَآءُ وبِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِشَايَتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ آلْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَواْ وَكَانُواْ يَعْتَدُونَ ). فاليهود - من حين ضربت عليهم الذلة أينما ثقفوا إلا بحبل من اللّه وحبل من الناس - لم يكونوا بمجردهم ينتصرون لا على العرب ولا غيرهم، وإنما كانوا يقاتلون مع حلفائهم قبل الإسلام ، والذلة ضربت عليهم من حين بعث المسيح عليه السلام فكذبوه. قال تعالى: (يَعِيسَىّ إِّ مُتَوَفِيكَ وَرَافِعُكَ إِلَىَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) وقال تعالى: (يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْكُونُواْ أَنْصَارَ اللَّهِكَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِِّنَ مَنْ أَنْصَارِىّ ٣٠١ إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ فَخْنُ أَنْصَارُ اللَّهِفَامَنَت طَآئِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَّهِ يلَ وَكَفَرَتَ طَآئِفَةٌ فَأَدْنَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ عَلَى عَدُ وِّهِ فَضْبَحُو ◌ْظَاهِنَ) وكانوا قد قتلوا يحيى بن زكريا وغيره من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام . قال تعالى: (وَضُرِيَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِشَايَتِ اللَّهِ وَ يَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَواْ وَكَانُوا يَعْتَدُونَ ). فإذا لم يكن الصحابة كعمر بن الخطاب وغيره، فى حياته صلى الله عليه وسلم وبعد موته ، يقسمون بذاته ؛ بل إنما كانوا يتوسلون بطاعته أو بشفاعته ، فكيف يقال فى دعاء المخلوقين الغائبين والموتى وسؤالهم من الأنبياء والملائكة وغيرهم؛ وقد قال تعالى: (قُلِ آَدْعُوْلَّذِينَ زَعَمْتُرُ مِّن دُونِ. فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا * أُوْلَكَ الَّيْنَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُهُمْأَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَةٌ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا ). قالت طائفة من السلف : كان أقوام يدعون الملائكة والأنبياء كالمسيح وعزير وغيرهما ، فهى الله عن ذلك ، وأخبر تعالى أن هؤلاء يرجون رحمة الله، ويخافون عذابه، ويتقربون إليه، وأنهم لا يملكون كشف الضر عن الداعين ، ولا تحويله عنهم. وقد قال تعالى: (مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَبَ وَاُلْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَادًا لِى مِن دُونِ اللَّهِ وَلَكِن كُونُواْرَبَِِّّنَ بِمَا كُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِنَبَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ * وَلَا يَأْمُرَّكُمْ أَنْ تَنَّخِذُواْ الْمَئِكَةَ وَالنَّبِنَ أَرْبَابً أَيَأْمُؤَّكُم ◌ِاُلْكُفْرِ بَعْدَإِذْ أَ نْتُمُ مُسْلِمُونَ ) . ٣٠٢ ولهذا نهى النبي صلى اللّه عليه وسلم أن يتخذ قبره مسجداً وأن يتخذ عيداً، وقال فى مرض موته: ((لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنيائهم مساجد، يحذر ما صنعوا أخرجاه فى الصحيحين. وقال: ((اللهم لا تجعل قبری و ثناً یعبد ، اشتد غضب الله علی قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ، رواه مالك فى موطئه، وقال: ((لا تطرونى كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم ، إنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله )) متفق عليه. وقال: (( لا تقولوا: ماشاء الله وشاء محمد. بل ماشاء اللّه ثم شاء محمد)). وقال له بعض الأعراب: ما شاء اللّه وشئت فقال: ((أجعلتنى لله نداً؟ بل ما شاء الله وحده)). وقد قال الله تعالى له: (قُل لَّا أَمْلِكُ لِنَفْسِى نَفْعًا وَلَاضَرًّا إِلَّ مَا شَآءَ اللَّهُ وَلَوْكُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَأَ سْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِوَمَا مَسَِّىَ السُّوءُ) وقال تعالى: ( قُل لَّا أَمْلِكُ لِنَفْسِى نَفْعًا وَلَاضَرًّا) وقال تعالى: (إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْيَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَآءُ). وقال تعالى: ( لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِشَىْءُ). وهذا تحقيق التوحيد مع أنه صلى الله عليه وسلم أكرم الخلق على الله، وأعلاهم منزلة عند الله. وقد روى الطبرانى فى معجمه الكبير أن منافقاً كان يؤذى المؤمنين ، فقال أبو بكر: قوموا نستغيث برسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا المنافق. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم ((إنه لا يستغاث بى وإنما يستغاث بالله)). وفى صحيح مسلم فى آخره أنه قال قبل أن يموت بخمس «إن من كان ٣٠٣ قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإنى أنها كم عن ذلك)) . وفى صحيح مسلم أيضاً وغيره أنه قال: ((لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها)). وفى الصحيحين من حديث أبى سعيد وأبى هريرة - وله طرق متعددة عن غيرهما - أنه قال: (( لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجدى هذا، والمسجد الحرام ، والمسجد الأقصى)). وسئل مالك عن رجل نذر أن يأتى قبر النبى صلى الله عليه وسلم فقال مالك: إن كان أراد القبر فلا يأته ، وإن أراد المسجد فليأته. ثم ذكر الحديث ((لا تشد الرّحال إلا إلى ثلاثة مساجد)) ذكره القاضى إسماعيل فى مبسوطه . ولو حلف حالف بحق المخلوقين لم تنعقد يمينه ، ولا فرق فى ذلك بين الأنبياء والملائكة وغيرهم ، ولله تبارك وتعالى حق لا يشركه فيه أحد لا الأنبياء ولا غيرهم ، وللأنبياء حق ، وللمؤمنين حق، ولبعضهم على بعض حق . فقه تبارك وتعالى أن يعبدوه لا یشرکوا به كما تقدم فى حديث معاذ، ومن عبادته تعالى أن يخلصوا له الدين ، ويتوكلوا عليه ، ويرغبوا إليه ، ولا يجعلوا لله نداً: لا فى محبته ولا خشيته ولا دعائه ولا الاستعانة به، كما فى الصحیحین أنه قال صلى الله عليه وسلم: (( من مات وهو يدعو ندّاً من دون الله دخل النار)) وسئل: أى الذنب أعظم؟ قال ((أن تجعل لله نداً وهو خلقك)). وقيل له: ما شاء اللّه وشئت. فقال: أجعلتنى لله نداً! بل ما شاء الله وحده . ٣٠٤ ٠ وقد قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ مُوَيَغْفِرُ مَادُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ) وقال تعالى: ( فَلَا تَجْعَلُوْلِلَِّأَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ)، (وَقَالَ اللَّهُ لَ نَتَّخِذُواْ إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَحِدٌّ فَإِنَ فَأَرْهَبُونِ )،: ( فَإِيَّنَ فَاعْبُدُونِ ) وقال تعالى: ( فَإِذَا فَرَغْتَ فَنَصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَب ) وقال تعالى فىفاتحة الكتابالتى هى أم القرآن (إِنَّكَ نَعْبُدُ وَإِيََّ نَسْتَعِينُ) وقال تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللّهِ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْأَشَدُ حُبَّالِلَّهِ) وقال تعالى: (فَلَا تَخْشَواْ النَّاسَ وَأَخْشَوْنِ) وقال تعالى: ( الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَلَتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ, وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّ اللَّهَ ). ولهذا لما كان المشركون يخوفون إبراهيم الخليل صلوات الله وسلامه ج عليه قال تعالى: (وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ، قَالَ أَتُحَجُوْنِي فِ اللَّهِ وَقَدْ هَدَئِنْ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِةٍ إِلََّ أَنْ يَشَآءَ رَبِ شَيْئًا وَسِعَ رَبِّ كُلَّ شَىْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ * وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ، عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَىُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِآلْأَمَّنِّ إِن كُمْ تَعْلَمُونَ * الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَنَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ). وفى الصحيحين عن ابن مسعود قال: لما نزلت هذه الآية ( الَّذِينَ ءَامَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوْ إِيَمَنَهُم بِظُلٍْ) شق ذلك على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا: أينا لم يظلم نفسه ؟ فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم ((إنما ذاك الشرك كما قال العبد الصالح)): (يَبُنَّلَأُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ). وقال تعالى: ( وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ, وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأَوْلَئِكَ هُمُ الْفَآبِزُونَ). ٣٠٥ نجعل الطاعة للّه والرسول، فإنه من يطع الرسول فقد أطاع الله. وجعل الخشية والتقوى لله وحده، فلا يخشى إلا الله، ولا يتقى إلا الله. وقال تعالى: (فَلَا تَخْشَوُاْ النَّاسَ وَأَخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُواْ بِثَايَتِى ثَمَنَا قَلِيلًا). وقال تعالى: ( فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنَّكُمْ مُؤْمِنِينَ ). وقال تعالى: (وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُواْمَآءَاتَنُهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِن فَضْلِهِ، وَرَسُولُهُ إِنَّ إِلَى اللَّهِ رَغِبُونَ). فجعل سبحانه الإيتاء لله والرسول فى أول الكلام وآخره كقوله تعالى: (وَمَآءَانَنَكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا تَهَمَكُمْ عَنْهُ فَأَنْنَهُواْ) مع جعله الفضل لله وحده، والرغبة إلى الله وحده. وهو تعالى وحده حسبهم لا شريك له فى ذلك . وروى البخارى عن ابن عباس فى قوله (حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ) قال: قالها إبراهيم حين ألقى فى النار. وقالها محمد حين ( قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَأَخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ) وقال تعالى: (يَأَيُّهَا النَّبِىُّ حَسْبُكَ اللّهُ وَ مَنِ أَتَبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ). ومعنى ذلك عند جماهير السلف والخلف أن الله وحده حسبك و حسب من اتبعك من المؤمنين ، كما بسط ذلك بالأدلة، وذلك أن الرسل عليهم الصلاة والسلام هم الوسائط بيننا وبين الله فى أمره ونهيه ووعده ووعيده، فالحلال ما أحله الله ورسوله، والحرام ما حرمه الله ورسوله، والدين ماشرعه الله ورسوله. ٣٠٦ فعلينا أن نحب الله ورسوله ونطيع الله ورسوله ونرضى الله ورسوله، قال تعالى: (وَاَللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِن كَانُواْ مُؤْمِنِينَ ) وقال تعالى: ( أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْالرَّسُولَ) وقال تعالى: (مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ) وقال تعالى: ﴿قُلْ إِن كَانَ ءَابَآؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَنُكُمْ وَأَزْوَجُّكُمُ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَلُ أَقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَرَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَ إِلَيْكُمْ مِّنَ اْللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَجِهَادٍ فِى سَبِيلِهِ، فَتَرَ بَّصُواْ حَتَّى يَأَتِى اللَّهُ بِأَمْرِهِ). وفى الصحيحين عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان : من كان الله ورسوله أحب إليه من سواهما ، ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا لله، ومن كان يكره أن يرجع فى الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى فى النار)) وقد قال تعالى: (إِنَّا أَرْسَلْنَكَ شَهِدًا وَمُبَشِرًا وَنَذِيرًا * لِّتُؤْمِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَتُعَزِرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا ) . فالإيمان بالله والرسول ، والتعزير والتوقير للرسول ، وتعزيره نصره ومنعه، والتسبيح بكرة وأصيلا لله وحده، فإن ذلك من العبادة لله، والعبادة هى لله وحده: فلا يصلى إلا لله ولا يصام إلا لله ولا يحج إلا إلى بيت الله، ولا تشد الرحال إلا إلى المساجد الثلاثة ، لكون هذه المساجد بناها أنبياء الله بإذن اللّه، ولا ينذر إلا لله، ولا يحلف إلا بالله، ولا يدعى إلا الله، ولا يستغاث إلا بالله . وأما ماخلقه الله سبحانه من الحيوان ، والنبات ، والمطر ، والسحاب ، ٣٠٧ وسائر المخلوقات فلم يجعل غيره من العباد واسطة فى ذلك الخلق، كما جعل الرسل واسطة فى التبليغ ، بل يخلق ما يشاء بما يشاء من الأسباب ، وليس فى المخلوقات شىء يستقل بإبداع شىء ، بل لا بد للسبب من أسباب أخر تعاونه، ولا بد من دفع المعارض عنه ، وذلك لا يقدر عليه إلا الله وحده، فما شاء اللّه كان وما لم يشأ لم يكن ، بخلاف الرسالة فإن الرسول وحده كان واسطة فى تبليغ رسالته إلى عباده . وأما جعل الهدى فى قلوب العباد فهو إلى الله تعالى لا إلى الرسول كما قال الله تعالى: ( إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْيَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَآءُ ) وقال تعالى: ( إِن تَحْرِصُ عَلَى هُدَنهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَهْدِى مَن يُضِلُ). وكذلك دعاء الأنبياء عليهم الصلاة والسلام واستغفارهم وشفاعتهم هو سبب ينفع إذا جعل الله تعالى: المحل قابلا له ، وإلا فلو استغفر النبى الكفار والمنافقين لم يغفر لهم، قال الله تعالى: (سَوَآءُ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اَللَّهُ لَهُمْ). وأما الرسل فقد تبين أنهم هم الوسائط بيتنا وبين الله عز وجل فى أمره ونهيه ووعده ووعيده و خبره ، فعلينا أن نصدقهم فى كل ما أخبروا به ، ونطيعهم فيما أوجبوا وأمروا ، وعلينا أن نصدق بجميع أنبياء الله عز وجل؛ لا نفرق بین أحد منهم ، ومن سب واحدا منهم كان كافرا مرتداً مباح الدم . وإذا تكلمنا فيما يستحقه اللّه تبارك وتعالى من التوحيد بينا أن الأنبياء وغيرهم من المخلوقين لا يستحقون ما يستحقه الله تبارك وتعالى من خصائص: فلا يشرك بهم ولا يتوكل عليهم ، ولا يستغاث بهم كما يستغاث بالله ، ولا يقسم ٣٠٨ على الله بهم ، ولا يتوسل بذواتهم ، وإنما يتوسل بالإيمان بهم ، وبمحبتهم ، وطاعتهم، وموالاتهم، وتعزيرهم، وتوقيرهم، ومعاداة من عاداهم ، وطاعتهم فيما أمروا، وتصديقهم فيما أخبروا ، وتحليل ما حللوه، وتحريم ما حرموه. والتوسل بذلك على وجهين : (أحدهما) أن يتوسل بذلك إلى إجابة الدعاء وإعطاء السؤال ، كحديث الثلاثة الذين أووا إلى الغار ، فإنهم توسلوا بأعمالهم الصالحة ليجيب دعاءهم ويفرج کربتهم ، وقد تقدم بيان ذلك. ( والثانى) التوسل بذلك إلى حصول ثواب الله وجنته ورضوانه ، فإن الأعمال الصالحة التى أمر بها الرسول صلى الله عليه وسلم هى الوسيلة التامة إلى سعادة الدنيا والآخرة، ومثل هذا كقول المؤمنين: (رَبَّنَآ إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِى لِلْإِيمَنِ أَنْءَامِنُواْ بِرَبَّكُمْ فَعَامَتَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَاذُنُوبَنَا وَكَفِرْعَنَّا سٍَّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأَبْرَارِ) فإنهم قدموا ذكر الإيمان قبل الدعاء ، ومثل ذلك ما حكاه الله سبحانه عن المؤمنين فى قوله تعالى: ( إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْ عِبَادِى يَقُولُونَ رَبَّنَآ ءَامَنَّا فَاغْفِرْلَنَا وَأَرْحَمْنَا وَأَنَتَ خَيْرُ الزَّحِمِينَ ) وأمثال ذلك كثير. وكذلك التوسل بدعاء النبى صلى الله عليه وسلم وشفاعته فإنه يكون علی وجهین :- (أحدهما) أن يطلب منه الدعاء والشفاعة فيدعو ويشفع ، كما كان يطلب منه فى حياته ، وكما يطلب منه يوم القيامة ، حين يأتون آدم ونوحا ثم الخليل ثم ٣٠٩ موسى الكليم ثم عيسى ، ثم يأتون محمدا صلوات الله وسلامه عليه وعليهم فيطلبون منه الشفاعة . (والوجه الثانى) أن يكون التوسل مع ذلك بأن يسأل الله تعالى بشفاعته ودعائه، كما فى حديث الأعمى المتقدم بيانه وذكره فإنه طلب منه الدعاء والشفاعة فدعا له الرسول وشفع فيه، وأمره أن يدعو الله فيقول ((اللهم إنى أسألك وأتوجه إليك به ، اللهم فشفعه فى ، فأمره أن يسأل الله تعالى قبول شفاعته ؛ بخلاف من يتوسل بدعاء الرسول وشفاعة الرسول - والرسول لم يدع له ولم يشفع فيه - فهذا توسل بما لم يوجد، وإنما يتوسل بدعانه وشفاعته من دعا له وشفع فيه . ومن هذا الباب قول أمير المؤمنين عمر بن الخطاب وقت الاستسقاء كما تقدم ، فإن عمر والمسلمين توسلوا بدعاء العباس وسألوا اللّه تعالى مع دعاء العباس، فإنهم استشفعوا جميعا ، ولم يكن العباس وحده هو الذى دعا لهم، فصار التوسل بطاعته ، والتوسل بشفاعته كل منهما يكون مع دعاء المتوسل وسؤاله ، ولا یکون بدون ذلك. فهذه أربعة أنواع كلها مشروعة لا ينازع فى واحد منها أحد من أهل العلم والإيمان. ودين الإسلام مبنى على أصلين ، وهما: تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول اللّه: وأول ذلك أن لا تجعل مع اللّه إلها آخر، فلا تحب مخلوقا كما تحب الله، ولا ترجوه كما ترجو الله، ولا تخشاه كما تخشى الله، ومن سوى ٣١٠ بين المخلوق والخالق فى شىء من ذلك فقد عدل بالله ، وهو من الذين بربهم يعدلون، وقد جعل مع الله إلها آخر ، وإن كان مع ذلك يعتقد أن الله وحده خلق السموات والأرض . فإن مشركى العرب كانوا مقرين بأن الله وحده خلق السموات والأرض، كما قال تعالى: ( وَلَيْنِ سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ) وكانوا مع ذلك مشركين يجعلون مع الله آلهة أخرى، قال تعالى: ( أَمِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ ءَالِهَةَ أُخْرَى قُل لََّ أَشْهَدُ) وقال تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللّهِ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْأَشَدُ هُبَّ لِلَّهِ ) فصاروا مشركين لأنهم أحبوهم كبه، لا أنهم قالوا إن آلهتهم خلقوا كلقه. كما قال تعالى: (أَمْ جَعَلُواْلَهِ شُرَكَ خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ، فَتَشَبَّهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ ) . وهذا استفهام إنكار بمعنى النفى، أى ما جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه ، فإنهم مقرون أن آلهتهم لم يخلقوا كخلقه، وإنما كانوا يجعلونهم شفعاء ووسائط قال تعالى: (وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَؤُنَا عِندَ اللّهِ قُلْ أَتْنَبِقُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِ السَّمَوَتِ وَلَا فِي الْأَرْضِّ سُبْحَانَهُ وَتَعَلَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) وقال صاحب يس: (وَمَالِىَ لَآ أَعْبُدُ الَّذِى فَطَرَبِ وَإِلَيْهِنُرْجَعُونَ * ءَأَتَّخِذُ مِن دُونِهِ=ءَالِهَةً إِن يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرِّلَا تُغْنِ عَنِى شَفَعَتُهُمْ شَيْئًاوَلَا يُنْقِذُونِ * إِنِإِذَالَّفِى ضَلَالٍ مُبِينٍ * إِنَّ ءَامَنتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ ). (الأصل الثانى) أن نعبده بما شرع على ألسن رسله، لا نعبده إلا بواجب أو مستحب ، والمباح إذا قصد به الطاعة دخل فى ذلك . ٣١١ والدعاء من جملة العبادات ، فمن دعا المخلوقين من الموتى والغائبين واستغاث بهم - مع أن هذا أمر لم يأمر به الله ولا رسوله أمر إيجاب ولا استحباب - كان مبتدعا فى الدين ، مشركا برب العالمين ، متبعا غير سبيل المؤمنين . ومن سأل الله تعالى بالمخلوقين ، أو أقسم عليه بالمخلوقين كان مبتدعا بدعة ما أنزل الله بها من سلطان ، فإن ذم من خالفه وسعى فى عقوبته كان ظالما جاهلا معتدیا . وإن حكم بذلك فقد حكم بغير ما أنزل الله ، وكان حكمه منقوضا بإجماع المسلمين ، وكان إلى أن يستتاب من هذا الحكم ويعاقب عليه أحوج منه إلى أن ينفذ له هذا الحكم ويعان عليه ، وهذا كله مجمع عليه بين المسلمين ، ليس فيه خلاف لا بين الأئمة الأربعة ولا غيرهم. وقد بسط الكلام على هذه الأمور فى مجلدات ، من جملتها مصنف ذكرنا فيه قواعد تتعلق بحكم الحكام وما يجوز لهم الحكم فيه وما لا يجوز . وهو مؤلف مفرد يتعلق بأحكام هذا الباب لا يحسن إيراد شىء من فصوله ها هنا ؛ لإفراد الكلام فى هذا الموضع على قواعد التوحيد ومتعلقاته ، وسيأتى إيراد ما اختصر منه ، وحررت فصوله فى ضمن أوراق مفردة يقف عليها المتأمل لمزيد الفائدة ومسيس الحاجة إلى معرفة هذا الأمر المهم. وبالله التوفيق. وكنت وأنا بالديار المصرية فى سنة إحدى عشر وسبعمائة قد استفتيت عن ٣١٢ التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم ، فكتبت فى ذلك جوابا مبسوطاوقد أحببت إيراده هنا لما فى ذلك من مزيد الفائدة فإن هذه القواعد - المتعلقة بتقرير التوحيد وحسم مادة الشرك والغلو ۔ کلما تنوع بیانها ووضحت عباراتها كان ذلك نورا على نور. والله المستعان. وصورة السؤال: المسئول من السادة العلماء أئمة الدين أن يبينوا ما يجوز وما لا يجوز من الاستشفاع والتوسل بالأنبياء والصالحين . وصورة الجواب: الحمد لله رب العالمين. أجمع المسلمون على أن النبي صلى الله عليه وسلم يشفع للخلق يوم القيامة بعد أن يسأله الناس ذلك ، وبعد أن يأذن الله له فى الشفاعة . ثم إن أهل السنة والجماعة متفقون على ما اتفق عليه الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين واستفاضت به السنن من أنه صلى الله عليه وسلم يشفع لأهل الكبائر من أمته، ويشفع أيضا لعموم الخلق. فله صلى الله عليه وسلم شفاعات يختص بها لا يَشرَكه فيها أحد، وشفاعات يشركه فيها غيره من الأنبياء والصالحين، لكن ما له فيها أفضل مما لغيره، فإنه صلى الله عليه وسلم أفضل الخلق وأكرمهم على ربه عز وجل، وله من الفضائل التى ميزه الله بها على سائر النبيين ما يضيق هذا الموضع عن بسطه، ومن ذلك ((المقام ٣١٣ المحمود، الذى يغبطه به الأولون والآخرون ، وأحاديث الشفاعة كثيرة متواترة، منها فى الصحيحين أحاديث متعددة ، وفى السنن والمساند مما يكثر عدده. وأما الوعيدية من الخوارج والمعتزلة فزعموا أن الشفاعة إنما هى للمؤمنين خاصة فى رفع بعض الدرجات، وبعضهم أنكر الشفاعة مطلقا . وأجمع أهل العلم على أن الصحابة كانوا يستشفعون به ويتوسلون به فى حياته بحضرته ، كما ثبت فى صحيح البخارى عن أنس بن مالك أن عمر بن الخطاب كان إذا قحطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب فقال ((اللهم إنا كنا إذا أجد بنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنما نتوسل إليك بعم نينا فاسقنا )، فيسقون. وفى البخارى أيضاً عن ابن عمر أنه قال: ربما ذكرت قول الشاعر - وأنا أنظر إلى وجه النبي صلى اللّه عليه وسلم يستسقي، فما ينزل حتى يجيش كل ميزاب - وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ثمال اليتامى عصمة للأرامل والتوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم الذى ذكره عمر بن الخطاب قدجاء مفسراً فى سائر أحاديث الاستسقاء ، وهو من جنس الاستشفاع به، وهو أن يطلب منه الدعاء والشفاعة ، ويطلب من الله أن يقبل دعاءه وشفاعته، ونحن نقدمه بين أيدينا شافعاً وسائلالنا ، بأبى هو وأمى صلى الله عليه وسلم. وكذلك معاوية بن أبى سفيان - لما أجدب الناس بالشام - استسقى بيزيد بن الأسود الجرشى فقال: ((اللهم إنا نستشفع - ونتوسل - بخيارنا . یا یزید ! ارفع يديك، فرفع يديه ودعا، ودعا الناس حتى سقوا. ٣١٤ ولهذا قال العلماء: يستحب أن يستسقى بأهل الدين والصلاح ، وإذا كانوا من أهل بيترسول الله صلى الله عليه وسلم فهو أحسن. وهذا الاستشفاع والتوسل حقيقته التوسل بدعائه ؛ فإنه كان يدعو للمتوسل به المستشفع به والناس يدعون معه ، كما أن المسلمين لما أجد بوا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليه أعرابى فقال: يا رسول الله هلكت الأموال، وانقطعت السبل ، فادع الله يغثنا . فرفع النبى صلى الله عليه وسلم يديه وقال: ((اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، وما فى السماء قزعة؛ فنشأت سحابة من جهة البحر فمطروا أسبوعا لايرون فيه الشمس ؛ حتى دخل عليهم الأعرابى - أو غيره - فقال: يارسول الله انقطعت السبل، وتهدم البنيان، فادع الله يكشفها عنا. فرفع يديه وقال ((اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الآكام والظراب ومنابت الشجر وبطون الأودية ، فانجابت عن المدينة كما ينجاب الثوب . والحديث مشهور فى الصحيحين وغيرهما . وفى حديث آخر فى سنن أبى داود وغيره أن رجلا قال له : إنا نستشفع بك على الله ونستشفع بالله عليك. فسبح رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى رؤى ذلك فى وجوه أصحابه وقال ((ويحك أتدرى ما الله؟ إن الله لا يستشفع به على أحد من خلقه ، شأن الله أعظم من ذلك». وهذا يبين أن معنى الاستشفاع بالشخص - فى كلام النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه - هو استشفاع بدعائه وشفاعته، ليس هو السؤال بذاته ؛ فإنه لو كان هذا ٣١٥ السؤال بذاته لكان سؤال الخلق بالله تعالى أولى من سؤال الله بالخلق، ولكن لما كان معناه هو الأول، أنكر النبى صلى الله عليه وسلم قوله: «نستشفع بالله عليك ، ولم ينكر قوله نستشفع بك على الله ؛ لأن الشفيع يسأل المشفوع إليه أن يقضى حاجة الطالب؛ واللّه تعالى لا يسأل أحداً من عباده أن يقضى حوائج خلقه ، وإن كان بعض الشعراء ذكر استشفاعه بالله تعالى فى مثل قوله : - وليس إلى رد الشفيع سبيل شفیعی إليك الله لا رب غيره فهذا كلام منكر لم يتكلم به عالم . وكذلك بعض الاتحادية ذكر أنه استشفع بالله سبحانه إلى النبى صلى الله عليه وسلم وكلاهما خطأ وضلال ؛ بل هو سبحانه المسئول المدعو الذى يسأله كل من فى السموات والأرض ؛ ولكن هو تبارك وتعالى يأمر عباده فيطيعونه وكل من وجبت طاعته من المخلوقين فإنما وجبت لأن ذلك طاعة لله تعالى، فالرسل يبلغون عن الله أمره؛ فمن أطاعهم فقد أطاع الله، ومن بايعهم فقد بايع الله. قال تعالى: (وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهَ) وقال تعالى: ( مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّه) وأولو الأمر من أهل العلم وأهل الإمارة إنما تجب طاعتهم إذا أمروا بطاعة الله ورسوله. قال صلى الله عليه وسلم فى الحديث الصحيح: ((على المرء المسلم السمع والطاعة فى عسره ويسره ومنشطه ومكرهه ، ما لم يؤمر بمعصية اللّه، فإذا أمر بمعصية الله فلا سمع ولا طاعة)) وقال صلى الله عليه وسلم ((لاطاعة لمخلوق فى معصية الخالق )) . ٣١٦ وأما الشافع فسائل لا تجب طاعته فى الشفاعة وإن كان عظيما ، وفى الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم سأل بَرِيرة أن تمسك زوجها ولا تفارقه لما أعتقت ، وخيرها النبي صلى الله عليه وسلم فاختارت فراقه، وكان زوجها يحبها فعل يبكى ، فسألها النبي صلى الله عليه وسلم أن تمسكه فقالت أتأمرنى؟ فقال ((لا! إنما أنا شافع). وإنما قالت ((أتأمرنى؟)) وقال: ((إنما أنا شافع)) لما استقر عند المسلمين أن طاعة أمره واجبة بخلاف شفاعته، فإنه لا يجب قبول شفاعته ، ولهذا لم يلبها النبي صلى الله عليه وسلم على ترك قبول شفاعته ، فشفاعة غيره من الخلق أولى أن لا يجب قبولها . والخالق جل جلاله أمره أعلى وأجل من أن يكون شافعاً إلى مخلوق ، بل هو سبحانه أعلى شأناً من أن يشفع أحد عنده إلا بإذنه . قال تعالى: (وَقَالُواْ اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدَ أُسُبْحَنَهُ، بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ * لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ * يَعْلَمُ مَابَيْنَ أَيْدِ يِهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنْ أَرْتَضَى وَهُم مِّنْ وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِلّى إِلَهٌ مِّن دُونِهِ، فَذَلِكَ نَجْزِيِهِ جَهَنَّمُ كَذَلِكَ خَشْبَتِهِ، مُشْفِقُونَ * * نَجْزِى الَِّلِمِينَ ). ودل الحديث المتقدم على أن الرسول صلى الله عليه وسلم يستشفع به إلى الله عز وجل: أى يطلب منه أن يسأل ربه الشفاعة فى الدنيا والآخرة؛ فأما فى الآخرة فيطلب منه الخلق الشفاعة فىأن يقضى الله بينهم، وفى أن يدخلوا الجنة ، ويشفع فى أهل الكبائر من أمته ، ويشفع فى بعض من يستحق النار أن لا يدخلها ، ويشفع فى بعض من دخلها أن يخرج منها . ٣١٧ ولا نزاع بين جماهير الأمة أنه يجوز أن يشفع لأهل الطاعة المستحقين للثواب . ولكن كثيراً من أهل البدع والخوارج والمعتزلة أنكروا شفاعته لأهل الكبائر، فقالوا : لا يشفع لأهل الكبائر، بناء على أن أهل الكبائر عندهم لا يغفر الله لهم ولا يخرجهم من النار بعد أن يدخلوها لا بشفاعة ولا غيرها، ومذهب الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين وسائر أهل السنة والجماعة أنه صلى الله عليه وسلم يشفع فى أهل الكبائر ، وأنه لا يخلد فى النار من أهل الإيمان أحد ؛ بل يخرج من النار من فى قلبه مثقال حبة من إيمان أو مثقال ذرة من إيمان ، لكن هذا الاستسقاء والاستشفاع والتوسل به وبغیرہ کان یکون فی حیاته، بمعنى أنهم يطلبون منه الدعاء فيدعو لهم ، فكان توسلهم بدعائه ، والاستشفاع به طلب شفاعته، والشفاعة دعاء . فأما التوسل بذاته فى حضوره أو مغيبه أو بعد موته - مثل الإقسام بذاته أو بغيره من الأنبياء أو السؤال بنفس ذواتهم لا بدعاتهم - فليس هذا مشهوراً عند الصحابة والتابعين ، بل عمر بن الخطاب ومعاوية بن أبى سفيان ومن بحضرتهما من أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم والتابعين لهم بإحسان لما أجدبوا استسقوا وتوسلوا واستشفعوا بمن كان حياً كالعباس وكيزيد بن الأسود ، ولم يتوسلوا ولم يستشفعوا ولم يستسقوا فى هذه الحال بالنبي صلى الله عليه وسلم لاعند قبره ولا غیر قبره ، بل عدلوا إلى البدل كالعباس ٣١٨ وكيزيد ، بل كانوا يصلون عليه فى دعائهم ، وقد قال عمر : اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا ، وإنا نتوسل إليك بعم نينا فاسقنا . فجعلوا هذا بدلا عن ذلك لما تعذر أن يتوسلوا به على الوجه المشروع الذى كانوا يفعلونه، وقد كان من الممكن أن يأتوا إلى قبره فيتوسلوا به ويقولوا فى دعائهم فى الصحراء بالجاه ونحو ذلك من الألفاظ التى تتضمن القسم بمخلوق على الله عز وجل أو السؤال به ؛ فيقولون: نسألك أو نقسم عليك بنبيك أو بجاه نبيك ، ونحو ذلك مما يفعله بعض الناس . وروى بعض الجهال عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: إذا سألتم اللّه فاسألوه بجاهى، فإن جاهى عند الله عظيم؛ وهذا الحديث كذب ليس فى شىء من كتب المسلمين التى يعتمد عليها أهل الحديث ، ولا ذكره أحد من أهل العلم بالحديث، مع أن جاهه عند الله تعالى أعظم من جاه جميع الأنبياء والمرسلين، وقد أخبرنا سبحانه عن موسى وعيسى عليهما السلام أنهما وجيهان عند الله ، فقال تعالى: ( يَأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُواْلَا تَكُونُوْ كَالَّذِينَ ءَاذَوْ مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّاقَالُواْوَكَانَ عِندَ اللَّهِ وَجِيهًا) وقال تعالى: (إِذْقَالَتِ الْمَلَئِكَةُ يَمَرْيَمُ إِنَّاللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ أَسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِى الذُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ ). فإذا كان موسى وعيسى وجیهین عند الله عز وجل ؛ فكيف بسيد ولد آدم صاحب المقام المحمود الذى يغبطه به الأولون والآخرون ؛ وصاحب الكوثر ٣١٩ والحوض المورود الذى آنيته عدد نجوم السماء ، وماؤه أشد بياضا من اللبن وأحلى من العسل ، ومن شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبدا؟. وهو صاحب الشفاعة يوم القيامة حين يتأخر عنها آدم ، وأولو العزم - نوح ، وإبراهيم ، وموسى، وعيسى - صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، ويتقدم هو إليها ، وهو صاحب اللواء ، آدم ومن دونه تحت لوائه ، وهو سيد ولد آدم وأكرمهم على ربه عز وجل ، وهو إمام الأنبياء إذا اجتمعوا ، وخطيهم إذا وفدوا، ذو الجاه العظيم صلى الله عليه وسلم وعلى آله. ولكن جاه المخلوق عند الخالق تعالى ليس بجاه المخلوق عند المخلوق ، فإنه لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه: (إِن كُلُ مَن فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ إِلَّءَاتِى الرَّحْمَنِ عَبْدًا * لَّقَدْأَحْصَنُ وَعَذَّهُمْ عَدّا) وقال تعالى: (لَّنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدَاللَّهِ وَلَ الْمَلَتِكَةُ الْمُقَرَّبُونَّ وَمَن يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ، وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا * فَأَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ فَيُوَفِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِن فَضْلِهِ، وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنكَفُواْ وَأُسْتَكْبَرُواْ فَيُعَذِّ بُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِّن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا). والمخلوق يشفع عند المخلوق بغير إذنه فهو شريك له فى حصول المطلوب ، والله تعالى لا شريك له، كما قال سبحانه: (قُلِ آَدْعُواْالَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ صى لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَتِ وَلَا فِ الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِّنْ ظَهِيرٍ * وَلَا تَنفَعُ الشَّفَةُ عِندَهُ إِلَّ لِمَنْ أَذِينَ لَهُ). ٣٢٠