Indexed OCR Text
Pages 281-300
کان ینهی عنها عمر بن الخطاب ؛ كما ثبت بالإسناد الصحيح من حديث شعبة عن سليمان التيمى عن المعروف بن سويد، قال : كان عمر بن الخطاب فى سفر فصلى الغداء ثم أتى على مكان جعل الناس يأتونه فيقولون: صلى فيه النبى صلى الله عليه وسلم ؛ فقال عمر: إنما هلك أهل الكتاب أنهم اتبعوا آثار أنبيائهم فاتخذوها كنائس وبيعا ، فمن عرضت له الصلاة فليصل ، وإلا فليمض . فلما كان النبى صلى الله عليه وسلم لم يقصد تخصيصه بالصلاة فيه بل صلى فيه لأنه موضع نزوله رأى عمر أن مشاركته فى صورة الفعل من غير موافقة له فى قصده ليس متابعة ، بل تخصيص ذلك المكان بالصلاة من بدع أهل الكتاب التى هلكوا بها ، ونهى المسلمين عن التشبه بهم فى ذلك ، ففاعل ذلك متشبه بالنبي صلى الله عليه وسلم فى الصورة ومتشبه باليهود والنصارى فى القصد الذى هو عمل القلب . وهذا هو الأصل ، فإن المتابعة فى السنة أبلغ من المتابعة فى صورة العمل ، ولهذا لما اشتبه على كثير من العلماء جلسة الاستراحة : هل فعلها استحباباً أو لحاجة عارضة تنازعوا فيها ، وكذلك نزوله بالمحصب عند الخروج من منى لما اشتبه : هل فعله لأنه كان أسمح لخروجه أو لكونه سنة؟ تنازعوا فى ذلك . ومنن هذا وضع ابن عمر يده على مقعد النبى صلى الله عليه وسلم، وتعريف ابن عباس بالبصرة وعمرو بن حريث بالكوفة ، فإن هذا لما لم يكن ٢٨١ مما يفعله سائر الصحابة ، ولم يكن النبى صلى الله عليه وسلم شرعه لأمته ؛ لم يمكن أن يقال هذا سنة مستحبة ؛ بل غايته أن يقال: هذا ما ساغ فيه اجتهاد الصحابة ، أو مما لا ينكر على فاعله لأنه مما يسوغ فيه الاجتهاد ، لا لأنه سنة مستحبة سنها النى صلى الله عليه وسلم لأمته ، أو يقال فى التعريف : إنه لا بأس به أحيانا لعارض إذا لم يجعل سنة راتبة . وهكذا يقول أئمة العلم فى هذا وأمثاله : تارة يكرهونه ، وتارة يسوغون فيه الاجتهاد ، وتارة يرخصون فيه إذا لم يتخذسنة ، ولا يقول عالم بالسنة : إن هذه سنة مشروعة للمسلمين . فإن ذلك إنما يقال فيما شرعه رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ ليس لغيره أن يسن ولا أن يشرع ؛ وما سنه خلفاؤه الراشدون فإنما سنوه بأمره فهو من سننه ، ولا يكون فى الدين واجباً إلا ما أوجبه، ولا حراما إلا ما حرمه ، ولا مستحبا إلا ما استحبه ، ولا مكروها إلا ماكرهه، ولا مباحا إلا ما أباحه. وهكذا فى الإباحات ، كما استباح أبو طلحة أكل البرد وهو صائم ، واستباح حذيفة السحور بعد ظهور الضوء المنتشر حتى قيل هو النهار، إلا أن الشمس لم تطلع. وغيرهما من الصحابة لم يقل بذلك ، فوجب الرد إلى الكتاب والسنة . وكذلك الكراهة والتحريم ، مثل كراهة عمر وابنه للطيب قبل الطواف بالبيت ، وكراهة من كره من الصحابة فسخ الحج إلى التمتع، أو التمتع مطلقاً ، ٢٨٢ أو رأى تقدير مسافة القصر بحد حده ، وأنه لا يقصر بدون ذلك ؛ أو رأى أنه ليس للمسافر أن يصوم فى السفر . ومن ذلك قول سلمان: إن الريق نجس ، وقول ابن عمر : إن الكتابية لا يجوز نكاحها ، وتوريث معاذ ومعاوية للمسلم من الكافر، ومنع عمر وابن مسعود للجنب أن يتيمم ، وقول على وزيد وابن عمر فى المفوَّضة: إنه لا مهرلها إذا مات الزوج ، وقول على وابن عباس فى المتوفى عنها الحامل : إنها تعتد أبعدَ الأجلين، وقول ابن عمر وغيره : إن المحرم إذا مات بطل إحرامه وفعل به ما يفعل بالحلال . وقول ابن عمر وغيره : لا يجوز الاشتراط فى الحج ، وقول ابن عباس وغيره فى المتوفى عنها : ليس عليها لزوم المنزل ، وقول عمر وابن مسعود : إن المبتوتة لها السكنى والنفقة. وأمثال ذلك مما تنازع فيه الصحابة ، فإنه يجب فيه الرد إلى الله والرسول، ونظائر هذا كثيرة فلا يكون شريعة للأمة إلا ما شرعه رسول الله صلى الله عليه وسلم. ومن قال من العلماء ((إن قول الصحابى حجة)) فإنما قاله إذا لم يخالفه غيره من الصحابة ولا عرف نص يخالفه ، ثم إذا اشتهر ولم ينكروه كان إقراراً على القول، فقد يقال ((هذا إجماع إقرارى)) إذا عرف أنهم أقروه ولم ينكره أحد منهم، وهم لا يقرون على باطل . وأما إذا لم يشتهر فهذا إن عرف أن غيره لم يخالفه فقد يقال ((هو حجة)). ٢٨٣ وأما إذا عرف أنه خالفه فليس بحجة بالاتفاق ، وأما إذا لم يعرف هل وافقه غيره أو خالفه لم يجزم بأحدهما ، ومتى كانت السنة تدل على خلافه كانت الحجة فى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لافما يخالفها بلا ريب عند أهل العلم. وإذا كان كذلك فمعلوم أنه إذا ثبت عن عثمان بن حنيف أو غيره أنه جعل من المشروع المستحب أن يتوسل بالنبى صلى الله عليه وسلم بعد موته من غير أن يكون النبى صلى الله عليه وسلم داعياً له ولا شافعاً فيه فقد علمنا أن عمر وأكابر الصحابة لم يروا هذا مشروعاً بعد مماته كما كان يشرع فى حياته، بل كانوا فى الاستسقاء فی حیاته يتوسلون به ، فلما مات لم یتوسلوا به. بل قال عمر فى دعائه الصحيح المشهور الثابت باتفاق أهل العلم بمحضر من المهاجرين والأنصار فى عام الرمادة المشهور لما اشتد بهم الجدب حتى حلف عمر لا يأكل سمناً حتى يخصب الناس، ثم لما استسقى بالعباس قال: ((اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنيينا فتسقينا ، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا، فيسقون. وهذا دعاء أقره عليه جميع الصحابة ولم ينكره أحد مع شهرته، وهو من أظهر الإجماعات الإقرارية . ودعا بمثله معاوية بن أبى سفيان فى خلافته لما استسقى بالناس . فلو كان توسلهم بالنی صلى الله عليه وسلم بعد ماته کتوسلهم به فى حياته لقالوا : كيف نتوسل بمثل العباس ويزيد بن الأسود ونحوهما ؟ ونعدل عن التوسل بالنبى صلى الله عليه وسلم الذى هو أفضل الخلائق وهو أفضل الوسائل ٢٨٤ وأعظمها عند الله؟؛ فلما لم يقل ذلك أحد منهم ، وقد علم أنهم فى حياته إنما توسلوا بدعائه وشفاعته، وبعد مماته توسلوا بدعاء غيره وشفاعة غيره، على أن المشروع عندهم التوسل بدعاء المتوسل به لا بذاته . وحديث الأعمى حجة لعمر وعامة الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين ، فإنه إنما أمر الأعمى أن يتوسل إلى الله بشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم ودعائه لا بذاته ، وقال له فى الدعاء: ((قل اللهم فشفعه فى)). وإذا قدر أن بعض الصحابة أمر غيره أن يتوسل بذاته لا بشفاعته ولم يأمر بالدعاء المشروع بل ببعضه وترك سائره المتضمن للتوسل بشفاعته ، كان ما فعله عمر بن الخطاب هو الموافق لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان المخالف لعمر محجوجاً بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان الحديث الذى رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم حجة عليه لا له، والله أعلم. وأما القسم الثالث مما یسمی ( توسلا ) فلا يقدر أحد أن ينقل فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم شيئاً يحتج به أهل العلم - كما تقدم بسط الكلام على ذلك - وهو الإقسام على الله عز وجل بالأنبياء والصالحين أو السؤال بأنفسهم ، فإنه لا يقدر أحد أن ينقل فيه عن النبى صلى الله عليه وسلم شيئاً ثابتاً لا فى الإقسام أو السؤال به . ولا فى الإقسام أو السؤال بغيره من المخلوقين . وإن كان فى العلماء من سوغه فقد ثبت عن غير واحد من العلماء أنه نهى ٢٨٥ عنه، فتكون مسألة نزاع كما تقدم بيانه ، فيرد ما تنازعوا فيه إلى الله ورسوله، ویبدی كل واحد حجته كما فى سائر مسائل النزاع، وليس هذا من مسائل العقوبات بإجماع المسلمين ، بل المعاقب على ذلك معتد جاهل ظالم ، فإن القائل بهذا قد قال ما قالت العلماء، والمنكر عليه ليس معه نقل يجب اتباعه لا عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن الصحابة، وقد ثبت أنه لا يجوز القسم بغير الله؛ لا بالأنبياء ولا بغيرهم كما سبق بسط الكلام فى تقرير ذلك. وقد اتفق العلماء على أنه لا يجوز لأحد أن ينذر لغير الله لا لنبى ولا لغير في، وأن هذا النذر شرك لا یوفى به . وكذلك الحلف بالمخلوقات لا تتعقد به اليمين ، ولا كفارة فيه ، حتى لو حلف بالنبي صلى الله عليه وسلم لم تنعقد يمينه كما تقدم ذكره ، ولم يجب عليه كفارة عند جمهور العلماء كمالك والشافعى وأبى حنيفة وأحمد فى إحدى الروايتين، بل نهى عن الحلف بهذه اليمين . فإذا لم يجز أن يحلف بها الرجل ولا يقسم بها على مخلوق فكيف يقسم بها على الخالق جل جلاله ؟. وأما السؤال به من غير إقسام به فهذا أيضا مما منع منه غير واحد من العلماء ، والسنن الصحيحة عن النبى صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين تدل على ذلك ، فإن هذا إنما يفعله على أنه قربة وطاعة وأنه مما يستجاب به الدعاء . وما كان من هذا النوع فإما أن يكون واجبا وإما أن يكون مستحبا ، ٢٨٦ وكل ما كان واجبا أو مستحبا فى العبادات والأدعية فلا بد أن يشرعه النبى صلى اللّه عليه وسلم لأمته، فإذا لم يشرع هذا لأمته لم يكن واجبا ولا مستحبا ولا يكون قربة وطاعة ولا سببا لإجابة الدعاء ، وقد تقدم بسط الكلام على هذا كله . فمن اعتقد ذلك فى هذا أو فى هذا فهو ضال وكانت بدعته من البدع السيئة وقد تبين بالأحاديث الصحيحة وما استقرئ من أحوال النبى صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين أن هذا لم يكن مشروعا عندهم. وأيضا فقد تبين أنه سؤال للّه تعالى بسبب لا يناسب إجابة الدعاء ، وأنه كالسؤال بالكعبة والطور والكرسى والمساجد وغير ذلك من المخلوقات ، ومعلوم أن سؤال اللّه بالمخلوقات ليس هو مشروعا كما أن الإقسام بها ليس مشروعا بل هو منهى عنه . فكما أنه لا يسوغ لأحد أن يحلف بمخلوق فلا يحلف على الله بمخلوق ولا يسأله بنفس مخلوق ؛ وإنما يسأل بالأسباب التى تناسب إجابة الدعاء كما تقدم تفصيله . لكن قد روى فى جواز ذلك آثار وأقوال عن بعض أهل العلم ، ولكن ليس فى المنقول عن النبى صلى الله عليه وسلم شئ ثابت بل كلها موضوعة. وأما النقل عمن ليس قوله حجة فبعضه ثابت وبعضه ليس بثابت ، والحديث الذى رواه أحمد وابن ماجة وفيه: ((بحق السائلين عليك وبحق ٢٨٧ مشاى هذا)، رواه أحمد عن وكيع عن فضيل بن مرزوق عن عطية عن أبى سعيد الخدرى عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: ((من قال إذا خرج إلى الصلاة: اللهم إنى أسألك بحق السائلين عليك وبحق بمشاى هذا فإنى لم أخرجه أشراً ولا بطراً ، ولا رياء ولا سمعة ، خرجت اتقاء سخطك وابتغاء مرضاتك ، أسألك أن تنقذنى من النار وأن تدخلنى الجنة وأن تغفر لى ذنوبى إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت ، خرج معه سبعون ألف ملك يستغفرون له وأقبل اللّه عليه بو جهه حتى يقضى صلاته » . وهذا الحديث هو من رواية عطية العوفى عن أبى سعيد ، وهو ضعيف بإجماع أهل العلم ، وقد روى من طريق آخر وهو ضعيف أيضا ، ولفظه لا حجة فيه ، فإن حق السائلين عليه أن يجيبهم وحق العابدين أن يثيبهم، وهو حق أحقه الله تعالى على نفسه الكريمة بوعده الصادق باتفاق أهل العلم، ويإيجابه على نفسه فى أحد أقوالهم ، وقد تقدم بسط الكلام على ذلك. وهذا بمنزلة الثلاثة الذين سألوه فى الغار بأعمالهم : فإنه سأله هذا ببره العظيم لوالديه ، وسأله هذا بعفته العظيمة عن الفاحشة ؛ وسأله هذا بأدائه العظيم للأمانة ، لأن هذه الأعمال أمر الله بها، ووعد الجزاء لأصحابها ، فصار هذا كما حكاه عن المؤمنين بقوله: ( رَّبَّنَآ إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِ يَا يُنَادِى لِلْإِيمَانِ أَنْ ءَامِنُواْبِرَبِّكُمْ فَامَنَّأْرَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَاذُنُوبَنَا وَكَفِرْعَنَّا سَبِّئَاتِنَا وَتَوَقَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ ) وقال تعالى: ( إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِى يَقُولُونَ رَبَّنَآ ءَامَنَّا فَأَغْفِرْ لَنَا وَآَرْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الزَّحِينَ) وقال تعالى : (قُلْ أَوْنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِّن ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّتٌ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٢٨٨ اُلْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَابٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَبٌّ مِّنَ اللهِ وَاللهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ* الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَاَءَامَنَا فَاغْفِرْلَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ) وكان ابن مسعود يقول فى السحر : اللهم دعوتنى فأجبت ، وأمرتنى فأطعت ، وهذا سحر فاغفر لى . وأصل هذا الباب أن يقال : الإقسام على اللّه بشىء من المخلوقات ، أو السؤال له به، إما أن يكون مأموراً به إيجابا أو استحبابا ، أو منهيا عنه نهى تحريم أو كراهة، أو مباحالا مأمورا به ولا منهيا عنه . وإذا قيل: إن ذلك مأمور به أو مباح ، فإما أن يفرق بين مخلوق ومخلوق أو يقال : بل يشرع بالمخلوقات المعظمة أو ببعضها. فمن قال إن هذا مأمور به أو مباح فى المخلوقات جميعها : لزم أن يسأل الله تعالى بشياطين الإنس والجن فهذا لا يقوله مسلم . فإن قال: بل يسأل بالمخلوقات المعظمة كانخلوقات التى أقسم بها فى كتابه، لزم من هذا أن يسأل بالليل إذا يغشى، والنهار إذا تجلى ، والذكر والأنثى، والشمس وضحاها ، والقمر إذا تلاها ، والنهار إذا جلاها ، والليل إذا يغشاها، والسماء ومابناها ، والأرض وماطحاها، ونفس وماسواها - ويسأل الله تعالى ويقسم عليه بالخنس الجوار الكنس ، والليل إذا عسعس والصبح إذا تنفس ، ويسأل بالذاريات ذرواً . فالحاملات وقرا ، فالجاريات يسرا فالمقسمات أمرا ويسأل بالطور ، وكتاب مسطور، فى رق منشور والبيت المعمور ، والسقف المرفوع ٢٨٩ والبحر المسجور - ويسأل ويقسم عليه بالصافات صفا ، وسائر ما أقسم الله به فی کتابه . فإن الله يقسم بما يقسم به من مخلوقاته لأنها آياته ومخلوقاته . فهی دليل على ربو بيته وألوهيته ووحدانيته وعلمه وقدرته ومشيئته ورحمته وحكمته وعظمته وعزته ، فهو سبحانه يقسم بها لأن إقسامه بها تعظيم له سبحانه . ونحن المخلوقون ليس لنا أن نقسم بها بالنص والإجماع . بل ذكر غير واحد الإجماع على أنه لا يقسم بشىء من المخلوقات وذكروا إجماع الصحابة على ذلك، بل ذلك شرك منهى عنه . ومن سأل الله بها: لزمه أن يسأله بكل ذكر وأنثى ، وبكل نفس ألهمها نجورها وتقواها ، ويسأله بالرياح ، والسحاب ، والكواكب ، والشمس والقمر ، والليل والنهار، والتين والزيتون ، وطور سينين، ويسأله بالبلد الأمين مكة ، ويسأله حينئذ بالبيت، والصفا والمروة، وعرفة، ومزدلفة، ومنى ، وغیر ذلك من المخلوقات ، ويلزم أن يسأله بالمخلوقات التى عبدت من دون الله؛ كالشمس والقمر والكواكب والملائكة والمسيح والعزير وغير ذلك مما عبد من دون الله ومما لم يعبد من دونه . ومعلوم أن السؤال لله بهذه المخلوقات أو الإقسام عليه بها من أعظم البدع المنكرة فى دين الإسلام ، ومما يظهر قبحه الخاص والعام. ويلزم من ذلك أن يقسم على اللّه تعالى بالأقسام والعزائم التى تكتب فى ٢٩٠ الحروز والهياكل التى تكتبها الطرقية والمعزمون ؛ بل ويقال : إذا جاز السؤال والإقسام على الله بها فعلى المخلوقات أولى، حينئذ تكون العزائم، والإقسام التى يقسم بها على الجن مشروعة فى دين الإسلام ، وهذا الكلام يستلزم الكفر والخروج من دين الإسلام بل ومن دين الأنبياء أجمعين . وإن قال قائل: بل أنا أسأله أو أقسم عليه بمعظم دون معظم من المخلوقات، إما الأنبياء دون غيرهم أو فى دون غيره ، كما جوز بعضهم الحلف بذلك ، أو بالأنبياء والصالحين دون غيرهم . قيل له : بعض المخلوقات وإن كان أفضل من بعض فكلها مشتركة فى أنه لا يجعل شىء منها ندا للّه تعالى ، فلا يعبد ولا يتوكل عليه ولا يخشى ولا يتقى ولا يصام له ولا يسجد له ولا يرغب إليه ، ولا يقسم بمخلوق ، كما ثبت فى الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ((من كان حالفا فليحلف بالله ، أو ليصمت)) وقال ((لا تحلفوا إلا بالله)) وفى السنن عنه أنه قال ((من حلف بغير اللّه فقد أشرك)). فقد ثبت بالنصوص الصحيحة الصريحة عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه لا يجوز الحلف بشىء من المخلوقات ، لا فرق فى ذلك بين الملائكة والأنبياء والصالحين وغيرهم ولا فرق بين نی ونی . وهذا كما قد سوى الله تعالى بين جميع المخلوقات فى ذم الشرك بها وإن كانت معظمة. قال تعالى: (مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَّهُ اَللَّهُ الْكِتَبَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ٢٩١ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَادًا لِ مِن دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُواْ رَبَّنِيَِّنَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِنَبَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ * وَلَا يَأْمُرَّكُمْ أَنْ تَنَّخِذُواْلَئِكَةَ وَالنَّبِنَ أَرْبَابْ أَيَأْمُؤَّكُمْ بِالْكُفْرِبَعْدَ إِذْ أَ نْتُمْ مُسْلِمُونَ ) وقال تعالى: (قُلِ أَدْعُواْالَّذِينَ زَعَمْتُممِّن دُونِ، فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلَ تَّحْوِيلًا * أُوْلَِّكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَيِّكَ كَانَ مَحْذُورًا ). قالت طائفة من السلف: كان أقوام يدعون المسيح والعزير والملائكة، فقال تعالى: هؤلاء الذين تدعونهم عبادى يرجون رحمتى كما ترجون رحمتی، ويخافون عذابى كما تخافون عذابى، ويتقربون إلىّ كما تتقربون إلى. وقد قال تعالى: (وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اَللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُوْلَكَ هُمُ اٌلْفَآيِزُونَ )، فبين أن الطاعة للّه والرسول : فإنه من يطع الرسول فقد أطاع الله، وبين أن الخشية والتقوى لله وحده ؛ فلم يأمر أن يخشى مخلوق ولا یتقی مخلوق. وقال تعالى: ( وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُواْمَآءَاتَهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِن فَضْلِهِ، وَرَسُولُهُ إِنَّ إِلَى اللَّهِ رَغِبُونَ) وقال تعالى: (فَإِذَا فَرَغْتَ فَأَنْصَبْ ﴿ وَ إِلَى رَبِّكَ فَأَرْغَب ). فبين سبحانه وتعالى أنه كان ينبغى لهؤلاء أن يرضوا بماآتاهم الله ورسوله ويقولوا حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله إنا إلى الله راغبون، فذكر ٢٩٢ الرضا بما آتاه الله ورسوله لأن الرسول هو الواسطة بيننا وبين الله فى تبليغ أمره ونهيه،وتحليله وتحريمه، ووعده ووعيده. فالحلال ما حلله الله ورسوله ، والحرام ما حرمه الله ورسوله ، والدين ما شرعه الله ورسوله؛ ولهذا قال تعالى: ( وَمَ ءَانَكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَنَّكُمْ عَنْهُ فَأَنْتَهُواْ ) فليس لأحد أن يأخذ من الأموال إلا ما أحله الله ورسوله، والأموال المشتركة له ، كمال الفيء والغنيمة والصدقات، عليه أن يرضى بما آتاه الله ورسوله منها وهو مقدار حقه لا يطلب زيادة على ذلك. ثم قال تعالى: (وَقَالُواْحَسْبُنَا اللّهُ) ولم يقل ((ورسوله)) فإن الحسب هو الكافى، والله وحده كاف عباده المؤمنين كما قال تعالى: (يَأَيُّهَا النَّبِىُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ أَتَّبَّعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ) أى هو وحده حسبك وحسب من اتبعك من المؤمنين . هذا هو القول الصواب الذى قاله جمهور السلف والخلف كما بين فى موضعآخر . والمراد أن الله كاف للرسول ولمن اتبعه، فكل من اتبع الرسول فالله كافيه وهاديه وناصره ورازقه، ثم قال تعالى: (سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِن فَضْلِهِ، وَرَسُولُهُ) فذكر الإيتاء لله ورسوله ، لكن وسطه بذكر الفضل فإن الفضل لله وحده بقوله: (سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِن فَضْلِهِ، وَرَسُولُهُ) ثم قال تعالى: (إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَغْبُونَ) نفعل الرغبة إلى الله وحده دون الرسول وغيره من المخلوقات. فقد تبين أن الله سوی بین المخلوقات فی هذه الأحكام، لم يجعل لأحد من ٢٩٣ المخلوقين - سواء كان نبياً أو ملكا - أن يقسم به ولا يتوكل عليه ولا يرغب إليه ولا يخشى ولا يتقى. وقال تعالى: (قُلِ أَدْ عُواْلَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِى السَّمَوَتِ وَلَا فِى الْأَرْضِ وَمَالَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْءٍ وَمَا لَهُمِنْهُمْ مِّن ظَهِيرٍ * وَلا تَفَعُ الشَّفَعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِينَ لَهُ). فقد تهدد سبحانه من دعا شيئاً من دون الله، وبين أنهم لا ملك لهم مع الله ولا شركا فى ملكه، وأنه ليس له عون ولا ظهير من المخلوقين ؛ فقطع تعلق القلوب بالمخلوقات : رغبة ورهبة وعبادة واستعانة ، ولم يبق إلا الشفاعة وهى حق؛ لكن قال اللّه تعالى ( وَلَا تَنفَعُ الشَّفَعَةُ عِندَهُ إِلَّلِمَنْ أَذِنَ لَهُ ). وهكذا دلت الأحاديث الصحيحة فى الشفاعة يوم القيامة ، إذا أتى الناس آدم ، وأولى العزم نوحا، وإبراهيم ، وموسى ، وعيسى بن مريم ، فيردهم كل واحد إلى الذى بعده، إلى أن يأتوا المسيح فيقول لهم: اذهبوا إلى محمد، عبد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. قال صلى الله عليه وسلم: ((فيأتونى فأذهب إلى ربى، فإذا رأيته خررت ساجداً وأحمد ربى بمحامد يفتحها علىّ لا أحسنها الآن ، فيقال لى : أى محمد، ارفع رأسك ، وقل يسمع ، وسل تعطه، واشفع تشفع - قال - فيحدّ لى حداً فأدخلهم الجنة )) ، وذكر تمام الخبر. فبين المسيح أن محمداً هو الشافع المشفع، لأنه عبد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ؛ وبين محمد عبد الله ورسوله أفضل الخلق وأوجه الشفعاء ٢٩٤ وأ کرمهم على الله تعالى أنه یأتی فیسجد ويحمد، لا يبدأ بالشفاعة حتى يؤذن له، فيقال له: ارفع رأسك، وسل تعطه ، واشفع تشفع ، وذكر أن ربه يحد له حداً فيدخلهم الجنة . وهذا كله يبين أن الأمر كله لله ، هو الذى يكرم الشفيع بالإذن له فى الشفاعة ، والشفيع لا يشفع إلا فيمن يأذن الله له، ثم يحد للشفيع حداً فيدخلهم الجنة . فالأمر بمشيئته وقدرته واختياره. وأوجه الشفعاء وأفضلهم هو عنده الذى فضله على غيره واختاره واصطفاه بكال عبوديته وطاعته وإنا بته وموافقته لربه فما يحبه وير ضاه . وإذا كان الإقسام بغير الله والرغبة إليه وخشيته و تقواه ونحو ذلك هی من الأحكام التى اشتركت المخلوقات فيها فليس لمخلوق أن يقسم به ، ولا يتقى ولا يتوكل عليه ؛ وإن كان أفضل المخلوقات، ولا يستحق ذلك أحد من الملائكة والنبيين ، فضلا عن غيرهم من المشايخ والصالحين. فسؤال الله تعالى بالمخلوقات : إن كان بما أقسم به وعظمه من المخلوقات فيسوغ السؤال بذلك كله، وإن لم يكن سائغاً لم يجز أن يسأل بشىء من ذلك ، والتفريق فى ذلك بين معظم ومعظم؛ كتفريق من فرق [فزعم أنه ] يجوز الحلف ببعض المخلوقات دون بعض، وكما أن هذا فرق باطل فكذلك الآخر . ولو فرق مفرق بين ما يؤمن به، وبين ما لا يؤمن به ، قيل له فيجب الإيمان بالملائكة والنبيين ، ويؤمن بكل ما أخبر به الرسول مثل منكر ونكير ، والحور ٢٩٥ العين، والولدان وغير ذلك ، أفيجوز أن يقسم بهذه المخلوقات لكونه يجب الإيمان بها؟ أم يجوز السؤال بها كذلك؟. فتبين أن السؤال بالأسباب إذا لم يكن المسئول به سبباً لإجابة الدعاء فلا فرق بين السؤال بمخلوق ومخلوق ، كما لافرق بين القسم بمخلوق ومخلوق ، وكل ذلك غير جائز . فتبين أنه لا يجوز ذلك كما قاله من قاله من العلماء والله أعلم. وأما قوله تعالى: ( وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُواْ ) فكانت اليهود تقول للمشركين: سوف يبعث هذا النبى ونقاتلكم معه فنقتلكم؛ لم يكونوا يقسمون على اللّه بذاته، ولا يسألون به ؛ أو يقولون: اللهم ابعث هذا النبى الأمى لنتبعه ونقتل هؤلاء معه . هذا هو النقل الثابت عند أهل التفسير وعليه يدل القرآن فإنه قال تعالى : (وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ ) والاستفتاح الاستنصار، وهو طلب الفتح والنصر ؛ فطلب الفتح والنصر به هو أن يبعث فيقاتلونهم معه ، فيهذا ينصرون، ليس هو بإقسامهم به وسؤالهم به، إذ لو كان كذلك لكانوا إذا سألوا أو أقسموا به نصروا؛ ولم يكن الأمر كذلك ، بل لما بعث اللّه محمداً صلى الله عليه وسلم نصر الله من آمن به وجاهد معه على من خالفه . وما ذكره بعض المفسرين من أنهم كانوا يقسمون به أو يسألون به فهو نقل شاذ مخالف للنقول الكثيرة المستفيضة المخالفة له . وقد ذكرنا طرفاً من ذلك فى ( دلائل النبوة) وفى كتاب (الاستغاثة ٢٩٦ الكبير). و(كتب السير)، و(دلائل النبوة)، و(التفسير) مشحونة بذلك. قال أبو العالية وغيره: كان اليهود إذا استنصروا بمحمد صلى الله عليه وسلم على مشركى العرب يقولون : اللهم ابعث هذا النبى الذى نجده مكتوباً عندنا حتى فغلب المشركين ونقتلهم. فلما بعث الله محمداً ورأوا أنه من غيرهم كفروا به حسداً للعرب ، وهم يعلمون أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فأنزل الله تعالى هذه الآيات: ( فَلَمَّاجَآءَ هُم مَا عَرَفُواْ كَفَرُواْبِةٍ، فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَفِرِينَ). وروى محمد بن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة الأنصارى عن رجال من قومه قالوا: ما دعانا إلى الإسلام - مع رحمة الله وهداه - ما كنا نسمع من رجال يهود ، وكنا أهل شرك وأصحاب أوثان ، وكانوا أهل كتاب عندهم علم ليس عندنا ، وكانت لا تزال بيننا وبينهم شرور؛ فإذا نلنا منهم بعض ما يكرهون قالوا لنا: قد تقارب زمان نى يبعث الآن فنقتلكم معه قتل عاد وإرَم - كثيراً ما كنا نسمع ذلك منهم - فلما بعث الله محمداً رسولا من عند الله أجبناه حين دعانا إلى اللّه وعرفنا ما كانوا يتوعدونا به ، فبادرناهم إليه فآمنا به وكفروا به ، ففينا وفهم نزل هؤلاء الآيات التى فى البقرة: (وَلَمَّاجَآءَ هُمْ كِنَبُ مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَمَّاجَآءَ هُم ◌َا عَرَفُواْ كَفَرُوابِةٍ، فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَفِرِينَ). ولم يذكر ابن أبى حاتم وغيره ممن جمع كلام مفسرى السلف إلا هذا، وهذا لم يذكر فيه السؤال به عن أحد من السلف ، بل ذكروا الإخبار به ، أو سؤال الله أن يبعثه ؛ فروى ابن أبى حاتم عن أبى رزين عن الضحاك عن ٢٩٧ ابن عباس فى قوله تعالى: (وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ قال : يستظهرون؛ يقولون: نحن نعين محمداً عليهم وليسوا كذلك، يكذبون. وروى عن معمر عن قتادة فى قوله تعالى : (وَكَانُواْ مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ قال: كانوا يقولون: إنه سيأتى فى (فَلَمَّاجَآءَهُم مَاعَرَفُواْ كَفَرُوابِهِ). وروى بإسناده عن ابن إسحاق: حدثنا محمد بن أبى محمد قال أخبرنى عكرمة - أو سعيد بن جبير - عن ابن عباس أن يهود كانوا يستفتحون على الأوس والخزرج برسول الله صلى الله عليه وسلم قبل مبعثه ، فلما بعثه الله من العرب كفروا به وجحدوا ما كانوا يقولون فيه ، فقال لهم معاذ بن جبل وبشر ابن البراء بن معرور وداود بن سلمة: يا معشر يهود، اتقوا الله وأسلموا ، فقد كنتم تستفتحون علينا بمحمد صلى اللّه عليه وسلم ونحن أهل شرك، وتخبرونا بأنه مبعوث وتصفونه بصفته، فقال سلام بن مشكم أخو بنى النضير : ما جاءنا بشىء نعرفه وما هو بالذى كنا نذكر لكم فأنزل الله تعالى فى ذلك: (وَلَمَّاجَآءَ هُمْ كِنَبُ مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَمَّاجَآءَهُم مَاعَرَ فُواْكَفَرُواْبِهِ ، فَلَعْنَةُ اللّهِ عَلَى الْكَفِرِينَ). وروى بإسناده عن الربيع بن أنس عن أبى العالية قال : كانت اليهود تستنصر بمحمد صلى الله عليه وسلم على مشركى العرب يقولون: اللهم ابعث هذا النبى الذى نجده مكتوبا عندنا، حتى نعذب المشركين ونقتلهم. فلما بعث الله محمدا ٢٩٨ ورأوا أنه من غيرهم كفروا به حسدا للعرب ، وهم يعلمون أنه رسول الله صلى اللّه عليه وسلم فقال الله (فَلَمَّاجَآءَهُم مَا عَرَفُواْ كَفَرُواْبِةٍ، فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَفِينَ). وأما الحديث الذى يروى عن عبد الملك بن هارون بن عنترة عن أبيه عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : كانت يهود خيبر تقاتل غطفان فكلما التقوا هزمت يهود فعادت بهذا الدعاء : اللهم إنا نسألك بحق محمد النى الأمى الذى وعدتنا أن تخرجه لنا آخر الزمان إلا نصرتنا عليهم ، فكانوا إذا دعوا بهذا الدعاء هزموا غطفان . فلما بعث النبي صلى الله عليه وسلم كفروا به ، فأنزل الله تعالى (وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَمَّاجَاءَ هُم مَا عَرَفُوا كَفَرُواْ بِهِ) وهذا الحديث رواه الحاكم فى مستدركه وقال : أدت الضرورة إلى إخراجه . وهذا مما أنكره عليه العلماء ، فإن عبد الملك بن هارون من أضعف الناس ، وهو عند أهل العلم بالرجال متروك؛ بل كذاب . وقد تقدم ما ذكره يحيى بن معین وغيره من الأمة فى حقه . قلت : وهذا الحديث من جملتها ، وكذلك الحديث الآخر يرويه عن أبى بکر کما تقدم. ومما يبين ذلك أن قوله تعالى ( وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُواْ) إنما نزلت باتفاق أهل التفسير والسير فى اليهود المجاورين للمدينة أولا كبنى قينقاع وقريظة والنضير ، وهم الذين كانوا يحالفون الأوس والخزرج ، وهم الذين عاهدهم النبي صلى اللّه عليه وسلم لما قدم المدينة ، ثم لما نقضوا العهد حاربهم ٢٩٩ غارب أولا بنى قينقاع ثم النضير - وفيهم نزلت سورة الحشر - ثم قريظة عام الخندق ، فکیف یقال نزلت فى يهود خيبر وغطفان؟ فإن هذا من كذاب جاهل لم يحسن كيف يكذب ، ومما يبين ذلك أنه ذكر فيه انتصار اليهود على غطفان لما دعوا بهذا الدعاء ؛ وهذا مما لم ينقله أحد غير هذا الكذاب ، ولو كان هذا مما وقع لكان مما تتوفر دواعى الصادقين على نقله . وما ينبغى أن يعلم أن مثل هذا اللفظ لو كان مما يقتضى السؤال به ، والإقسام به على اللّه تعالى لم يكن مثل هذا مما يجوز أن يعتمد عليه فى الأحكام ، لأنه أولا لم يثبت، وليس فى الآية ما يدل عليه ، ولو ثبت لم يلزم أن يكون هذا شرعا لنا، فإن الله تعالى قد أخبر عن سجود إخوة يوسف وأبويه وأخبر عن الذين غلبوا على أهل الكهف أنهم قالوا : (لَنَشَّخِذَنَ عَلَيْهِم ◌َسْجِدًا) ونحن قد نهينا عن بناء المساجد على القبور، ولفظ الآية إنما فيه أنهم كانوا يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به. وهذا كقوله تعالى: ( إِن تَسْتَفْئِحُواْ فَقَدْ جَآءَكُمُ الْفَتْحُ) والاستفتاح طلب الفتح وهو النصر، ومنه الحديث المأثور أن النبى صلى الله عليه وسلم كان يستفتح بصعاليك المهاجرين ، أى يستنصر بهم أى بدعائهم كما قال «وهل ترزقون وتنصرون إلا بضعفائكم، بصلاتهم ودعائهم وإخلاصهم؟» . وهذا قد يكون بأن يطلبوا من الله تعالى أن ينصرهم بالنبى المبعوث فى آخر الزمان ، بأن يعجل بعث ذلك النبى إليهم لينتصروا به عليهم ؛ لا لأنهم أقسموا على اللّه وسألوا به، ولهذا قال تعالى (فَلَمَّاجَآءَ هُم ◌َا عَرَفُواْ كَفَرُواْبِةٍ فَلَعْنَةُ اللّهِ عَلَى ٣٠٠