Indexed OCR Text

Pages 1-20

حَِِّّالرَّحَّةِ
قال شيخ الإسلام أحمد بن تيمية
قدس اللهروحه
بِسْمِ اللهِالرَّحْمَنِ الرَّحِمِ
( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ اَلْنُطْلُمَتِ وَالنُّورِ ثُمَّ الَّذِينَ
كَفَرُ واْبِرَبِهِمْ يَعْدِلُونَ ) العالم بما كان وما هو كان وما سيكون الذى :
( إِنَّمَآ أَمْرُهُ: إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ،كُنْ فَيَكُونُ)، الذى (يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ
وَيَخْتَارُ مَاكَانَ لَمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَنَّ اللَّهِ وَتَعَلَى عَمَّا يُشْرِكُونَ * وَهُوَ اللَّهُ لَآ إِلَهَ إِلَّا
هُوَّلَهُ الْحَمْدُ فِ الْأُولَى وَالْآَخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِتُرْجَعُونَ) ، الذى دل على وحدانيته
فى إلهيته أجناس الآيات، وأبان علمه لخليقته ما فيها من إحكام المخلوقات، وأظهر
قدرته على بريته ما أبدعه من أصناف المحدثات ، وأرشد إلى فعله بسنته تنوع
الأحوال المختلفات، وأهدى برحمته لعباده نعمه التى لا يحصيها إلا رب السموات،
وأعلم بحكمته البالغة دلائل حمده وثنائه الذى يستحقه من جميع الحالات ، لا يحصى
العباد ثناء عليه بل هو كما أثنى على نفسه لما له من الأسماء والصفات ، وهو:
المنعوت بنعوت الكمال وصفات الجلال التى لا يماثله فيها شئ من الموجودات،
وهو : القدوس السلام المتنزه أن يماثله شئ فی نعوت الكمال، أو يلحقه شئ
من الآفات، فسبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علواً كبيراً. (الَّذِى لَهُ, مُلْكُ
١

السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ شَرِيٌِ فِ الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّشَىْءٍفَقَدَرَهُ نَقْدِيرًا).
أرسل الرسل مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل
وكان الله عزيزاً حكيما ، مبشرين لمن أطاعهم بغاية المراد من كل ما تحبه النفوس
وتراه نعيما ؛ ومنذرين لمن عصاهم باللعن والإبعاد وأن يعذبوا عذاباً ألما ،
وأمرهم بدعاء الخلق إلى عبادته وحده لاشريك له مخلصين له الدين ولو كره
المشركون. كما قال تعالى: (يَأَيُّهَ الرُّسُلُ كُوْ مِنَ الطِّبَتِ وَأَعْمَلُواْ صَلِحًا إِنِ بِمَا تَعْمَلُونَ
عَلِيمٌ * وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّكُمْ أُمَّةً وَحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَنَّقُونِ ): وجعل لكل منهم شرعة
ومنهاجاً ليستقيموا إليه ولا يبغوا عنه اعوجاجاً .
وختمهم بمحمد صلى الله عليه وسلم أفضل الأولين والآخرين، وصفوة
رب العالمين ، الشاهد البشير النذير الهادى السراج المنير الذى أخرج به الناس
من الظلمات إلى النور، وهداهم إلى صراط العزيز الحميد. ( اللَّهِ الَّذِى لَهُ مَافِى
السَّمَوَاتِ وَمَا فِىِ الْأَرْضِ وَوَيْلٌ لِلْكَفِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ ) . بعثه بأفضل
المناهج والشرع، وأحبط به أصناف الكفر والبدع، وأنزل عليه أفضل الكتب
والأنباء، وجعله مهيمناً على ما بين يديه من كتب السماء.
وجعل أمته خير أمة أخرجت للناس يأمرون بالمعروف وينهون عن
المنکر ويؤمنون بالله، یوفون سبعين أمة هم خيرها وأ کرمها على الله . هو شهید
عليهم وهم شهداء على الناس فى الدنيا والآخرة بما أسبغه عليهم من النعم الباطنة
والظاهرة، وعصمهم أن يجتمعوا على ضلالة إذ لم يبق بعده نبى يبين ما بدل من
الرسالة وأكمل لهم دينهم وأتم عليهم نعمه ورضى لهم الإسلام ديناً ، وأظهره على
٢

الدين كله إظهارً بالنصرة والتمكين وإظهاراً بالحجة والتبيين ، وجعل فيهم علماءهم
ورثة الأنبياء يقومون مقامهم فى تبليغ ما أنزل من الكتاب، وطائفة منصورة
لا يزالون ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم ولامن خذلهم إلى حيز الحساب.
وحفظ لهم الذكر الذى أنزله من الكتاب المكنون كما قال تعالى:
( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنّ ◌َهُلَفِظُونَ ). فلا يقع فى كتابهم من التحريف
والتبديل كما وقع من أصحاب التوراة والإنجيل .
وخصهم بالرواية والإسناد الذى يميز به بين الصدق والكذب الجهابذة
النقاد ، وجعل هذا الميراث يحمله من كل خلف عدو له أهل العلم والدين ؛
ينفون عنه تحريف الغالين ، وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين لتدوم بهم النعمة
على الأمة ، ويظهر بهم النور من الظلمة ، ويحيى بهم دين الله الذى بعث به
رسوله ، وبين الله بهم للناس سبيله، فأفضل الخلق أتبعهم لهذا النبى الكريم
المنعوت فى قوله تعالى: (لَقَدْجَآءَ كُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ
مَا عَنِثُمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ).
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له: رب العالمين، وإله المرسلين،
وملك يوم الدين .
وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أرسله إلى الناس أجمعين : أرسله والناس
من الكفر والجهل والضلال ، فى أقبح خيبة وأسوإ حال. فلم يزل صلى الله عليه
وسلم يجتهد فى تبليغ الدين وهدى العالمين وجهاد الكفار والمنافقين ، حتى
طلعت شمس الإيمان ، وأدبر ليل البهتان ، وعز جند الرحمن ، وذل حزب
الشيطان، وظهر نور الفرقان، واشتهرت تلاوة القرآن، وأعلن بدعوة الأذان،
٣

واستنار بنور الله أهل البوادى والبلدان، وقامت حجة الله على الإنس والجان،
لما قام المستجيب من معد بن عدنان صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين
لهم بإحسان، صلاة يرضى بها الملك الديان وسلم تسليما مقرونا بالرضوان.
أما بعد: فإنه لاسعادة للعباد، ولا بجاة فى المعاد إلا باتباع رسوله (وَمَن
يُطِيعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ: يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ خَلِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ
اُلْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَذَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَلِدًا فِيهَا وَلَهُ.
عَذَابٌ مُهِيرٌ ) فطاعة الله ورسوله قطب السعادة التى عليه تدور ، ومستقر
النجاة الذى عنه لا محور .
فإن اللّه خلق الخلق لعبادته كما قال تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا
). وإنما تعبدهم بطاعته وطاعة رسوله ، فلا عبادة إلا ما هو
لِيَعْبُدُونِ
واجب أو مستحب فى دين اللّه؛ وما سوى ذلك فضلال عن سبيله. ولهذا قال
صلى الله عليه وسلم: (( من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد)) أخرجاه فى
الصحیحین ، وقال : صلى الله عليه وسلم فی حدیث العرباض بن سارية الذى رواه
أهل السنن وصححه الترمذى ((إنه من يعش منكم بعدى فسيرى اختلافا كثيراً
فعليكم بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدى مسكوا بها وعضوا عليها
بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة». وفى الحديث الصحيح
الذى رواه مسلم وغيره أنه كان يقول فى خطبته « خير الكلام كلام الله وخير
الهدى هدى محمد وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة )) .
وقد ذكر الله طاعة الرسول واتباعه فى نحو من أربعين موضعاً من
القرآن، كقوله تعالى: ( مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ)، وقوله تعالى:
٤

(وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن ◌َّسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ◌َظَلَمُوْاْ أَنفُسَهُمْ جَآءُ وَ
فَاسْتَغْفَرُ واْاللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللَّهَ تَوَابًا رَّحِيمًا * فَلَ وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ
حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَ يَجِدُواْ فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ
وقوله تعالى: ( قُلْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنِ تَوَلَّوْ فَإِنَّاللّهُلَا يُحِبُ
تَسْلِيمًا ).
الْكَفِينَ). وقال تعالى: (قُلْ إِن كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَتَّبِعُونِ يُحْبِبُّكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْلَكُمْذُنُوبَكُمْ) .
فجعل محبة العبد لربه موجبة لاتباع الرسول، وجعل متابعة الرسول سبباً لمحبة الله
عبده .
وقد قال تعالى: (وَكَذَلِكَ أَوْ حَيْنَا إِلَيْكَ رُوحَا مِّنْ أَمْرِنَا مَاكُنْتَ نَدْرِى مَا الْكِّنَبُ
وَلَ الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَهُ نُورَّا نَهْدِىِهِ، مَن نَّشَآءُ مِنْ عِبَادِنَا). فما أوحاه الله إليه يهدى اللّه
به من يشاء من عباده، كما أنه صلى الله عليه وسلم بذلك هداه الله تعالى كما قال
تعالى: ( قُلْ إِن ضَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِىٌّ وَ إِنِآَهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِىّ إِلَّرَبَّ) . وقال
تعالى: ( قَدْ جَاءَ كُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَبُ شُبِيرٌ * يَهْدِى بِهِ اللَّهُ
مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ، سُبُلَ السَّلَمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَتِ إِلَى النُّورِبِإِذْنِهِ،
وَيَهْدِيِهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ).
فبمحمد صلى الله عليه وسلم تبين الكفر من الإيمان، والريح من الخسران
والهدى من الضلال، والنجاة من الوبال، والغى من الرشاد، والزيغ من السداد،
وأهل الجنة من أهل النار ، والمتقون من الفجار وإيثار سبيل من أنعم الله عليهم
من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، من سبيل المغضوب عليهم والضالين.
فالنفوس أحوج إلى معرفة ما جاء به واتباعه منها إلى الطعام والشراب ،
فان هذا إذا فات حصل الموت فى الدنيا . وذاك إذا فات حصل العذاب.
فق علی کل أحد بذل جهده واستطاعته فى معرفة ما جاء به وطاعته ، إذ
٥

هذا طريق النجاة من العذاب الأليم والسعادة فى دار النعيم. والطريق إلى ذلك
الرواية والنقل. إذ لا يكفى من ذلك مجرد العقل . بل كما أن نور العين لا يرى
إلا مع ظهور نور قدامه، فكذلك نور العقل لا يهتدى إلا إذا طلعت عليه شمس
الرسالة . فلهذا كان تبليغ الدين من أعظم فرائض الإسلام . وكان معرفة ما أمر
الله به رسوله واجبا على جميع الأنام.
والله سبحانه بعث محمدا بالكتاب والسنة، وبهما أتم على أمته المنة. قال
تعالى: (وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِ عَلَيْكُمْوَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ * كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِّنْكُمْ
يَتْلُواْ عَلَيْكُمْءَ ايَلِنَا وَيُزَكِيكُمْ وَيُعَلِمُكُمُ الْكِتَبَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُواْتَعْلَمُونَ
فَأَذْكُرُونِيّ أَذْ كُرَّكُمْ وَأَشْكُرُ و ◌ْلِى وَلَا تَكْفُرُونِ). وقال تعالى: ( لَقَدْ مَنَّاللَّهُ عَلَى
اُلْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيِهِمْ رَسُولً مِّنْ أَنْفُسِمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ ءَايَتِهِ، وَيُزَكِّيِهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِنَبَ
وَاُلْحِكْمَةَ ). وقال تعالى: ( وَأَذْكُرُواْ نِعْمَتَ اَللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِنَبِ
وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُرْبِهِ ). وقال تعالى: (هُوَالَّذِى بَعَثَ فِ الْأُمِِّّعِنَ رَسُولًاً مِّنْهُمْ يَتْلُواْ
عَلَيْهِمْ ءَايَلِهِ ، وَيُزَكْبِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَبَ وَالْحِكْمَةَ ). وقال تعالى عن الخليل :
(رَبَّنَا وَأَبْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ ءَايَتِكَ وَيُعَلِمُهُمُ الْكِنَبَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِبِهِمْ).
وقال تعالى: ( وَأَذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِىِ بُوتِ كُنَّمِنْ ءَايَتِ اللَّهِ وَاَلْحِكْمَةِ).
وقد قال غير واحد من العلماء: منهم يحيى بن أبي كثير وقتادة والشافعى وغيرهم
(الحكمة): هى السنة لأن الله أمر أزواج نبیه أن يذكرن ما يتلى فى بيوتهن من
الكتاب والحكمة ، والكتاب : القرآن وما سوى ذلك مما كان الرسول يتلوه
هو السنة .
وقد جاء عن النی صلى الله عليه وسلم من عدة أو جه من حديث أبى رافع
٦

وأبى ثعلبة وغيرهما أنه قال: ((لا ألفين أحدكم متكئاً على أريكته يأتيه الأمر من
أمرى مما أمرت به أو نهيت عنه فيقول بيننا وينكم القرآن فما وجدنا فيه من
حلال استحللناه وما وجدنا فيه من حرام حرمناه، ألا وإنى أوتيت الكتاب ومثله
معه)). وفى رواية ((ألا وإنه مثل الكتاب)).
ولما كان القرآن متميزاً بنفسه - لما خصه الله به من الإعجاز الذى باين به
كلام الناس كما قال تعالى: ( قُل لَِّنِ اجْتَمَعَتِ آلْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا
اُلْقُرْءَانِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ، وَلَوْكَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضِ ظَهِيرًا ) وكان منقولا بالتواتر -
لم يطمع أحد فى تغيير شىء من ألفاظه وحروفه ؛ ولكن طمع الشيطان أن
يدخل التحريف والتبديل فى معانيه بالتغيير والتأويل ، وطمع أن يدخل فى
الأحاديث من النقص والازدياد ما يضل به بعض العباد .
فأقام اللّه تعالى الجهابذة النقاد ، أهل الهدى والسداد ، فدحروا حزب
الشيطان، وفرقوا بين الحق والبهتان ، وانتدبوا لحفظ السنة ومعانى القرآن
من الزيادة فى ذلك والنقصان .
وقام كل من علماء الدين بما أنعم به عليه وعلى المسلمين - مقام أهل الفقه
الذين فقهوا معانى القرآن والحديث - بدفع ما وقع فى ذلك من الخطأ فى القديم
والحديث ، وكان من ذلك الظاهر الجلى: الذى لا يسوغ عنه العدول ؛
ومنه الخفى الذى يسوغ فيه الاجتهاد للعلماء العدول.
وقام علماء النقل والنقاد بعلم الرواية والإسناد ، فسافروا فى ذلك إلى
البلاد، وهجروا فيه لذيذ الرقاد، وفارقوا الأموال والأولاد، وأنفقوا فيه
الطارف والتلاد ، وصبروا فيه على النوائب ، وقنعوا من الدنيا بزاد الراكب،
٧

ولهم فى ذلك من الحكايات المشهورة ، والقصص المأثورة ، ما هو عند أهله
معلوم، ولمن طلب معرفته معروف مرسوم، بتوسد أحدهم التراب وتركهم
لذيذ الطعام والشراب وترك معاشرة الأهل والأصحاب والتصبر على مرارة
الاغتراب ، ومقاساة الأهوال الصعاب، أمر حيبه اللّه إليهم وحلاه ليحفظ
بذلك دين الله. كما جعل البيت مثابة للناس وأمنا يقصدونه من كل فج عميق ،
ويتحملون فيه أموراً مؤلمة محصل فى الطريق ، وكما حبّب إلى أهل القتال :
الجهاد بالنفس والمال حكمة من الله يحفظ بها الدين ليهدى المهتدين، ويظهر
به الهدى ودين الحق ، الذى بعث به رسوله ولو كره المشركون .
فمن كان مخلصاً فى أعمال الدين يعملها لله: كان من أولياء الله المتقين ، أهل
النعيم المقيم. كما قال تعالى: ( أَلَا إِنَّ أَوْلِيَآءَ الَهِلَ خَوْفُ عَلَيْهِمْ وَلَ هُمْ يَحْزَنُونَ
* الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَى فِى الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ لَانَبْدِيلَ
لِكَلِمَّتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ اَلْعَظِيمُ ).
وقد فسر النبى صلى الله عليه وسلم البشرى فى الدنيا بنوعين:
أحدهما : ثناء المثنين عليه .
الثانى: الرؤيا الصالحة يراها الرجل الصالح ؛ أو ترى له. فقيل يارسول الله
الرجل يعمل العمل لنفسه فيحمده الناس عليه ؟ قال : تلك عاجل بشرى المؤمن.
وقال البراء بن عازب : سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن قوله لهم البشرى فى
الحياة الدنيا فقال: ((هى الرؤيا الصالحة يراها الرجل الصالح؛ أو ترى له)).
والقائمون بحفظ العلم الموروث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الربّان،
الحافظون له من الزيادة والنقصان ، هم من أعظم أولياء الله المتقين وحزبه
٨

المفلحين . بل لهم مزرية على غيرهم من أهل الإيمان والأعمال الصالحات . كما قال
تعالى: ( يَرْفَعَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَدَرَحَتِ ). قال ابن عباس:
(١)
يرفع الله (١)
.
وعلم الإسناد والرواية مما خص اللّه به أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وجعله
سلباً إلى الدراية . فأهل الكتاب لا إسناد لهم يأثرون به المنقولات ، وهكذا
المبتدعون من هذه الأمة أهل الضلالات ، وإنما الإسناد لمن أعظم اللّه عليه
المنة ، أهل الإسلام والسنة ، يفرقون به بين الصحيح والسقيم .
والمعوج والقويم .
وغيرهم من أهل البدع والكفار: إنما عندهم منقولات يأثرونها بغير
إسناد، وعليها من دينهم الاعتماد ، وهم لا يعرفون فيها الحق من الباطل ،
ولا الحالى من العاطل .
وأما هذه الأمة المرحومة، وأصحاب هذه الأمة المعصومة : فإن أهل العلم
منهم والدين هم من أمرهم على يقين ، فظهر لهم الصدق من المين ؛ كما يظهر الصبح
لذى عينين . عصمهم الله أن يجمعوا على خطأ فى دين الله معقول أو منقول،
وأمرهم إذا تنازعوا فى شىء أن يردوه إلى الله والرسول كما قال تعالى: (يَأَيُهَا
الَّذِينَ ءَامَنُوَأَطِيعُواْ اللّهَوَأَ طِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِ آلْأَمْيِ مِنْكُمْفَإِ نَعْنُمْ فِى شَىْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُمُ
تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَّوْمِ الْآَخِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا ).
فإذا اجتمع أهل الفقه على القول بحكم لم يكن إلا حقاً ، وإذا اجتمع أهل
(١) بياض بالأصل.
٩

الحديث على تصحيح حديث لم يكن إلا صدقاً ، ولكل من الطائفتين من
الاستدلال، على مطلوبهم بالجلى والخفى ما يعرف به من هو بهذا الأمر حفى ،
ے
والله تعالى يلهمهم الصواب فى هذه القضية، كما دلت على ذلك الدلائل الشرعية،
وكما عرف ذلك بالتجربة الوجودية ؛ فإن الله كتب فى قلوبهم الإيمان ، وأيدهم
بروح منه، لما صدقوا فى موالاة الله ورسوله ؛ ومعاداة من عدل عنه . قال
تعالى: (لَّا تَجِدُ قَوْمَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَآَذُونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ
كَانُوْءَابَآءَ هُمْ أَوْ أَبْنَآءَ هُمْ أَوْ إِخْوَنَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَّهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِ قُلُوبِهِمُ الْإِيمَنَ
وَأَيَّدَهُمْ بِرُوجِ مِنْهُ ).
وأهل العلم المأثور عن الرسول له: أعظم الناس قياماً بهذه الأصول لا تأخذ
أحدهم فى الله لومة لائم، ولا يصدهم عن سبيل الله العظائم ؛ بل يتكلم أحدم
بالحق الذى عليه، ويتكلم فى أحب الناس إليه، عملا بقوله تعالى: (يَأَيُّهَا الَّذِينَ
ءَامَنُواْ كُونُواْ قَوَمِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَآءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَ أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَلِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِنَّ إِن يَكُنْ غَنِيًّا
أَوْ فَقِيْرًا فَاللهُ أَوَلَى بِهِمَّا فَلَا تَتَّبِعُواْ الْمَوَىَ أَن تَعْدِلُواْ وَإِن تَلْوُ اْأَوْتُعْرِضُواْ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ
خَبِيرًا ) وقوله تعالى: (يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُونُواْ قَوَّمِينَ لِلَّهِ شُهَدَآءَ بِالْقِسْطِ
وَلَا يَجْرِ مَنَّككُمْ سَنَّئَانُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِ لُواْ أَعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىّ وَاتَّقُواْ اللَّهَإِنَّ اللَّهَ
خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ).
ولهم من التعديل والتجريح ، والتضعيف والتصحيح، من السعى المشكور،
والعمل المبرور : ما كان من أسباب حفظ الدين، وصيانته عن إحداث المفترين،
وهم فى ذلك على درجات: منهم المقتصر على مجرد النقل والرواية ، ومنهم أهل
المعرفة بالحديث والدراية ، ومنهم أهل الفقه فيه ، والمعرفة بمعانيه .
١٠

وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم الأمة أن يبلغ عنه من شهد لمن غاب ،
ودعا للمبلغين بالدعاء المستجاب ، فقال فى الحديث الصحيح: (( بلغوا عنى
ولو آية؛ وحدثُوا عن بنى إسرائيل ولا حرج؛ ومن كذب على متعمداً فليتبوأ
مقعده من النار)) . وقال أيضاً فى خطبته فى حجة الوداع: ((الا ليبلغ الشاهد
الغائب، فرب مبلغ أوعى من سامع )» .
وقال أيضاً: ((نضر الله امرءاً سمع منا حديثاً فبلغه إلى من لم يسمعه ،
فرب حامل فقه غير فقيه ، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه ؛ ثلاث لا يغل
عليهن قلب مسلم : إخلاص العمل لله ، ومناصحة ولاة الأمر ، ولزوم جماعة
المسلمين ؛ فإن دعوتهم محيط من ورائهم » . وفى هذا دعاء منه لمن بلغ حديثه
وإن لم يكن فقيهاً ، ودعاء لمن بلغه وإن كان المستمع أفقه من المبلغ؛ لما أعطى
المبلغون من النضرة؛ ولهذا قال سفيان بن عيينة: لا يجد أحداً من أهل الحديث
إلا وفى وجهه نضرة؛ لدعوة النبي صلى الله عليه وسلم يقال: نضر، ونضر،
والفتح أفصح.
ولم يزل أهل العلم فى القديم والحديث يعظمون نقلة الحديث حتى قال
الشافعى رضى الله عنه: إذا رأيت رجلا من أهل الحديث فكأنى رأيت رجلا
من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ؛ وإنما قال الشافعى هذا: لأنهم فى مقام
الصحابة من تبليغ حديث النبي صلى اللّه عليه وسلم . وقال الشافعى أيضاً أهل
الحديث حفظوا فلهم علينا الفضل لأنهم حفظوا لنااهـ .
١١

وقال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى :
٤
قاعدة في الجماعة والفرقة
وسبب ذلك ونتيجته
قال الله تعالى: (شَرَعَ لَكُمْ مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ، نُوحًا وَالَّذِىَّ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ
وَمَا وَصَّيْنَابِهِ إِبْرَهِيَمَ وَمُوسَى وَعِيسَىّ أَنْ أَقِيمُواْالّذِينَ وَلَا نَنَفَرَّقُواْ فِيهِ ) .
أخبر سبحانه أنه شرع لنا ما وصى به نوحا، والذى أوحاه إلى محمد دولة،
وما وصى به الثلاثة المذكورين. وهؤلاء هم أولوا العزم المأخوذ عليهم الميثاق
فى قوله: (وَإِذْأَخَذْنَا مِنَ النَِّنَ مِشَقَهُمْ وَمِنكَ وَ مِن نُّوْجِ وَإِبْرَهِيَمَ وَمُوسَى وَعِيسَى
ابْنِ مَرْيَ ). وقوله: (مَا وَضَى بِهِ، نُوحًا وَاُلَّذِىَّ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ وَمَا وَضَيْنَابِهِ).
نجاء فى حق محمد باسم الذى وبلفظ الايحاء ، وفى سائر الرسل بلفظ
[ الوصية].
ثم قال: ( أَنْ أَقِيمُواْالّذِينَ ). وهذا تفسير الوصية، و(أن): المفسرة
التى تأتى بعد فعل من معنى القول لا من لفظه. كما فى قوله: ( ثُمَّأَوْحَيْنَا إِلَيْكَ
أَنِ أَتَِّعْ ). (وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُواْلَكِنَبَ مِن قَبْلِهِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ )
والمعنى قلنا لهم: اتقوا الله. فكذلك قوله: ( أَنْ أَقِيمُواْالدِّينَ ) فى معنى قال:
لكم من الدين ما وصى به رسلا قلنا أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه ، فالمشروع
لنا هو الموصى به، والموحى، وهو: (أَقِيُوْاَلَّذِينَ ) . فأقيموا الدين مفسر
١١

للمشروع لنا ، الموصى به الرسل، والموحى إلى محمد رَيقر، فقد يقال: الضمير فى
أقيموا عائد إلينا. ويقال هو عائد إلى المرسل . ويقال هو عائد إلى الجميع.
وهذا أحسن. ونظيره: أمرتك بما أمرت به زيدا. أن أطع الله، ووصيتكم
بما وصيت بنى فلان: أن افعلوا . فعلى الأول: يكون بدلا من ( ما) أى شرع
لكم ( أَنْ أَقِيمُواْ ). وعلى الثانى: شرع ( ما) خاطبهم. ( أَقِيُواْ ) فهو بدل
أيضاً ، وذكر ماقيل للأولين . وعلى الثالث : شرع الموصى به ( أَقِيمُواْ ).
فلما خاطب بهذه الجماعة بعد الإخبار بأنها مقولة لنا ، ومقولة
لهم: علم أن الضمير عائد إلى الطائفتين جميعاً . وهذا أصح إن شاء الله .
والمعنى على التقديرين الأولين يرجع إلى هذا ، فإن الذى شرع لنا : هو
الذى وصى به الرسل ، وهو الأمر بإقامة الدين والنهى عن التفرق فيه ؛
ولكن التردد فى أن الضمير تناولهم لفظه ؛ وقد علم أنه قيل لنا مثله، أو بالعكس؛
أو تناولنا جميعاً .
وإذا كان الله قد أمر الأولين، والآخرين؛ بأن يقيموا الدين، ولا
يتفرقوا فيه، وقد أخبر أنه شرع لنا ماوصى به نوحاً، والذى أوحاه إلى
محمد دَالطير . فيحتمل شيئين :
أحدهما: أن يكون ما أوحاه إلى محمد علي يدخل فيه شريعته التى تختص بنا؛
فإن جميع ما بعث به محمد صلى الله عليه وسلم قد أوحاه إليه، من الأصول
والفروع؛ بخلاف نوح وغيره من الرسل ؛ فإنما شرع لنا من الدين ماوصوا به؛
من إقامة الدين ، وترك التفرق فيه . والدين الذى اتفقوا عليه : هو الأصول.
فتضمن الكلام أشياء :-
١٣

أحدها : أنه شرع لنا الدين المشترك ، وهو الإسلام والإيمان العام ،
والدين المختص بنا؛ وهو الإسلام، والإيمان الخاص.
الثانى : أنه أمرنا بإقامة هذا الدين كله المشترك ، والمختص، ونهانا عن
التفرق فيه .
الثالث: أنه أمر المرسلين بإقامة الدين المشترك، ونهاهم عن التفرق فيه.
الرابع: أنه لما فصل بقوله: ( وَالَّذِىّ أَوْ حَيْنَآ إِلَيْكَ) بين قوله: (مَاوَضَى
أفاد ذلك .
(
بِهِ، نُوحًا ) وقوله: (وَمَا وَصَّيْنَابِهِ إِبْرَهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَىّ
ثم قال بعد ذلك: ( وَمَا نَفَرَّقُواْإِلَّ مِنْ بَعْدِ مَاجَآءَ هُمُ الْعِلْمُ بَغْيَابَيْنَهُمْ )؛
فأخبر أن تفرقهم إنما كان بعد مجىء العلم ، الذى بين
ما يتقون ؛ فإن الله ما كان ليضل قوماً بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون.
وأخبر أنهم ما تفرقوا إلا بغياً ، والبغى مجاوزة الحد ، كما قال ابن عمر (١):
الكبر والحسد ؛ وهذا بخلاف التفرق عن اجتهاد ليس فيه علم ، ولا قصد به
البغى، كتازع العلماء السائغ، والبغى إما تضييع للحق ، وإما تعد للحد ؛ فهو
إما ترك واجب، وإما فعل محرم ؛ فعلم أن موجب التفرق هو ذلك .
وهذا كما قال عن أهل الكتاب: (وَمِنَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَرَىَّ أَخَذْنَا
مِيثَقَهُمْ فَنَسُواْ حَظًا مِمَاذُكِرُواْ بِهِ، فَأَغْرَّنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَاُلْبَغْضَآءَ إِلَى يَوْمِ الْفِيَامَةِ)
فأخبر أن نسيانهم حظاً مما ذكروا به - وهو ترك العمل ببعض ما أمروا به -
كان سبباً لإغراء العداوة والبغضاء بينهم، وهكذا هو الواقع فى أهل ملتنا مثلا
نجده بين الطوائف المتنازعة فى أصول دينها ، وكثير من فروعه، من أهل
(١) بياض بالأصل
١٤

الأصول والفروع ، ومثلما نجده بين العلماء ، وبين العباد ؛ ممن يغلب عليه
الموسوية، أو العيسوية، حتى يبقى فيهم شبه من الأمتين اللتين قالت كل واحدة:
ليست الأخرى على شىء. كما نجد المتفقه المتمسك من الدين بالأعمال الظاهرة،
والمتصوف المتمسك منه بأعمال باطنة ، كل منهما ينفى طريقة الآخر ، ويدعى
أنه ليس من أهل الدين ، أو يعرض عنه إعراض من لا يعده من الدين ؛ فتقع
بينهما العداوة والبغضاء.
وذلك : أن الله أمر بطهارة القلب، وأمر بطهارة البدن، وكلا الطهارتين
من الدين الذى أمر الله به وأوجبه. قال تعالى: (مَايُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ
عَلَيْكُمْ مِّنْ حَرَجَ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ) وقال: (فِيهِرِجَالٌ
يُحِبُّونَ أَنْ يَنَظَهَرُواْ وَاللهُ يُحِبُّ الْمَُّهِرِينَ) وقال: ( إِنَّاللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّبِينَ وَيُحِبُّ
اَلْمُتَطَهِّرِينَ ) وقال: ( خُذْمِنْ أَمْوَلِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِبِمِبِهَا ) وقال:
(أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَمَّ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ) وقال: (إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ ◌َجَسٌ)
وقال: ( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرَّحْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِرَكُمْ تَطْهِيرًا).
فنجد كثيراً من المتفقهة ، والمتعبدة، إنما همته طهارة البدن فقط ، ويزيد
فيها على المشروع؛ اهتماماً، وعملا. ويترك من طهارة القلب ما أمر به ؛ إيجاباً،
أو استحباباً ، ولا يفهم من الطهارة إلا ذلك . ونجد كثيراً من المتصوفة،
والمتفقرة، إنما همته طهارة القلب فقط ؛ حتى يزيد فيها على المشروع اهتماماً،
وعملا؛ ويترك من طهارة البدن ما أمر به إيجاباً ، أو استحبابا .
فالأولون يخرجون إلى الوسوسة المذمومة فى كثرة صب الماء، وتنجيس
ماليس بنجس ، واجتناب ما لا يشرع اجتنابه مع اشتمال قلوبهم على أنواع من
١٥

الحسد والكبر ، والغل لإخوانهم ، وفى ذلك مشابهة بينة لليهود.
والآخرون يخرجون إلى الغفلة المذمومة ، فيبالغون فى سلامة الباطن حتى
يجعلوا الجهل بما يجب معرفته، من الشر - الذى يجب انقاؤه - من سلامة
الباطن ، ولا يفرقون بين سلامة الباطن من إرادة الشر المنهى عنه، وبين سلامة
القلب من معرفة الشر المعرفة المأمور بها، ثم مع هذا الجهل والغفلة قد لا يحتذبون
النجاسات ، ويقيمون الطهارة الواجبة مضاهاة للنصارى .
وتقع العداوة بين الطائفتين بسبب ترك حظ مما ذكروا به والبغى الذى هو
مجاوزة الحد: إما تفريطا وتضييعا للحق ، وإما عدوانا وفعلا للظلم . والبغى
تارة یکون من بعضهم على بعض ، وتارة يكون فى حقوق الله، وهما متلازمان
ولهذا قال: (بَغِيّ بَيْنَهُمْ)، فإن كل طائفة بغت على الأخرى ، فلم تعرف حقها
الذى بأيديها، ولم تكف عن العدوان عليها .
وقال تعالى: (وَمَا نَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِنَبَ إِلَّمِنْ بَعْدِ مَاجَآءَ نْهُمُ الْبِنَةُ) وقال تعالى:
(كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيْنَ مُبَشِرِينَ وَهُنذِرِينَ وَأَنَزَلَ مَعَهُمُ الْكِنَبَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ
بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْفِيَّهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَاجَآءَ تْهُمُ الْبَيِّنَتُ بَغْيَاً
بَيْنَهُمْ). وقال تعالى: (وَلَقَدْءَانَيْنَا بَنِىّ إِسْرَّهِ يلَ الْكِتَبَ وَاَلْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ) الآية وقال
تعالى فى موسى بن عمران مثل ذلك وقال: (وَلَا تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَأَخْتَلَفُواْمِنْ بَعْدِ
مَا جَآءَ هُمُ الْبَيِنَتُ) وقال: ( إِنَّالَّذِينَ فَرَّقُواْدِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعَالَّسْتَ مِنْهُمْ فِ شَىْءٍ ) وقال:
(فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلِينِ حَنِيفًا فِظَرَتَ الَهِالَّتِى فَطَرَ النَّاسَ عَلَيَّهَا لَا نَبْدِيلَ لِخَلْقِ اَللَّهِ ذَلِكَ الّذِينُ
اُلْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ * مُنِينَ إِلَيْهِ وَأَتَّقُوهُ وَأَقِيمُواْالصَّلَوَةَ وَلَا تَكُونُواْ
مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُوْ شِيَعًا كُلّ حِزْبٍ بِمَا لَدَتِهِمْ فَرِحُونَ )
١٦

لأن المشركين كل منهم يعبد إلها يهواه. كما قال فى الآية الأولى: (كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ
مَانَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ) وقال: (يَأَيُّهَ الرُّسُلُ كُلُوْ مِنَ الطَِّبَتِ وَأَعْمَلُوا صَلِحًا إِنِى بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ
* وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتِكُمْأُمَّةً وَحِدَةٌ وَأَنَا رَبُّكُمْ فَأَنَّقُونِ * فَتَقَطّعُواْ أَخْرَهُمْ بَيْنَهُمْ ذُبْرً كُلُّ حِزْبٍ بِمَالَدَتِهِمْ
فَرِحُونَ ).
فظهر أن سبب الاجتماع والألفة جمع الدين ، والعمل به كله ، وهو عبادة
الله وحده لا شريك له، كما أمر به باطنا ، وظاهرا.
وسبب الفرقة : ترك حظ مما أمر العبد به ، والبغى بينهم .
ونتيجة الجماعة: رحمة الله، ورضوانه، وصلواته، وسعادة الدنيا والآخرة،
وبياض الوجوه .
ونتيجة الفرقة: عذاب الله، ولعنته، وسواد الوجوه، وبراءة الرسول واله
منهم. وهذا أحد الأدلة على أن الإجماع حجة قاطعة ، فإنهم إذا اجتمعوا كانوا
مطيعين لله بذلك مرحومين، فلا تكون طاعة الله ورحمته: بفعل لم يأمر الله
به ، من اعتقاد ، أو قول ، أو عمل ، فلو كان القول ، أو العمل ، الذى اجتمعوا
عليه لم يأمر الله به، لم يكن ذلك طاعة لله، ولا سببا لرحمته، وقد احتج بذلك
أبو بكر عبد العزيز فى أول ((التنبيه)) نبه على هذه النكتة .
١٧

وقال :-
فصل
قال صلى الله عليه وسلم فى الحديث المشهور فى السنن من رواية فقيهى
الصحابة، عبد الله بن مسعود، وزيد بن ثابت ((ثلاث لا يغل عليهن قلب مسلم
اخلاص العمل لله، ومناصحة ولاة الأمر ولزوم جماعة المسلمين ؛ فإن دعوتهم
يحيط من ورائهم وفى حديث أبى هريرة المحفوظ: ((إن الله يرضى لكم ثلاثًا:
أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا ، وأن تعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا،
وأن تناصحوا من ولاه اللّه أمركم)).
فقد جمع فى هذه الأحاديث بين الخصال الثلاث؛ إخلاص العمل لله ومناصحة
٠
أولى الأمر ولزوم جماعة المسلمين ، وهذه الثلاث بجمع أصول الدين وقواعده
وتجمع الحقوق التى لله ولعباده، وتنتظم مصالح الدنيا والآخرة.
وبيان ذلك أن الحقوق قسمان : حق الله وحق لعباده ، حق الله أن نعبده
ولا نشرك به شيئاً، كما جاء لفظه فى أحد الحديثين ؛ وهذا معنى إخلاص العمل
لله، كما جاء فى الحديث الآخر. وحقوق العباد قسمان: خاص وعام؛ أما الخاص
فمثل بركل إنسان والديه ، وحق زوجته، وجاره؛ فهذه من فروع الدين؛ لأن
المكلف قد يخلو عن وجوبها عليه ؛ ولأن مصاحتها خاصة فردية .
وأما الحقوق العامة فالناس نوعان: رعاة ورعية؛ فقوق الرعاة منا صحتهم؛
وحقوق الرعية لزوم جماعتهم؛ فإن مصلحتهم لا تتم إلا باجتماعهم، وهم لا يجتمعون
١٨

على ضلالة ؛ بل مصلحة دينهم ودنياهم فى اجتماعهم واعتصامهم بحبل الله جميعا؛
فهذه الخصال تجمع أصول الدين.
وقد جاءت مفسرة فى الحديث الذى رواه مسلم عن ميم الدارى قال : قال
•٠
رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الدين النصيحة الدين النصيحة الدين النصيحة))
قالوا: لمن يارسول الله؟ قال: ((لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم)).
فالنصيحة لله ولكتابه ولرسوله تدخل فى حق الله وعبادته وحده لاشريك
له ، والنصيحة لأمة المسلمين وعامتهم هى مناصحة ولاة الأمر ولزوم جماعتهم،
فإن لزوم جماعتهم هى نصيحتهم العامة ، وأما النصيحة الخاصة لكل واحد منهم
بعينه، فهذه يمكن بعضها ويتعذر استيعابها على سبيل التعيين .
١٩

وقال شيخ الإسلام قدس الآروم:
بِسْمِ اللهِالرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد
أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم تسليما .
وبعد : فهذه قاعدة جليلة فى توحيد الله، وإخلاص الوجه والعمل له، عبادة
واستعانة ) قال الله تعالى: (قُلِ اللَّهُمَّ مَلِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِ الْمُلْكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ
اُلْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ وَتُذِلُ مَن تَشَآءُ ) الآية. وقال تعالى: (وَمَابِكُمْ
مِّن نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْتَرُونَ). وقال تعالى: (وَإِن يَمْسَسْكَ
اللَّهُ بِضُرٍ فَلَ كَاشِفَ لَهُ: إِلَّ هُوَ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرِ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ). وقال تعالى
فى الآية الأخرى: (وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرِّفَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّهُوَ وَ إِن يُرِدْكَ
بِخَيْرٍ فَلَا رَآَذَ لِفَضْلِهِ ). وقال تعالى: (إِنَّكَ نَعْبُهُ وَإِيََّ نَسْتَعِيُ). وقال تعالى:
(فَأَعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ ). وقال تعالى: (عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِأُنِبُ ). وقال تعالى:
( يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ لَهُالْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدِّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ).
وقال تعالى: ( فَأَعْلَ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّ اللَّهُ وَأَسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ ).
وقال تعالى: (قُلْ أَفَعَ يْتُمِ مَاتَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِإِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرِ هَلْ هُنَّ كَشِفَتُ
ضُرِّةٍ أَوْ أَرَدَنِى بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَتُ رَحْمَتِهِ). الآية. وقال تعالى: ( قُلِ
(١) تسمى قاعدة في توحيد الإلهية .
٢٠