Indexed OCR Text
Pages 21-40
وفي بعضها: بعد أن يصلّي تلك الصلاة، ويأتي بشيءٍ من الأذكار الموضوعة في ذلك، يُهدي ثوابَ ذلك إلى حضرة السيد الحبيب ريحانة رسول الله ﴿ الشهيد (حسين بن علي) - قُدّس روحهما، وأفاض علينا من بركاتهما -، ويُروى ذلك عن ابن عباس - رضي الله عنهما -. = أَهْلِ السَّمَوَاتِ، وَمَنْ صَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، يَقْرَأُ فِي كُلِّ رَكْعَةِ الْحَمْدَ مَرَّةٌ، وَخَمْسين مَرَّةً قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، غَفَرَ اللَّهُ لَهُ ذُنُوُبَ خَمْسِينَ عَامًا مَاض، وَخمسين عَامًا مُسْتَقْبِل، وَبَنَّى لَهُ فِي الْمَثَلِ الأَعْلَى أَلْفَ أَلْفِ مِنْبَرٍ مِنْ نُورٍ)). وقال عَقِبِه: ((هذا حديثٌ لا يصحّ عن رسول الله وَّةٍ، وقد أُدخل على بعض المتأخرين من أهل الغفلة. على أنّ عبد الرحمن بن أبي الزناد مجروحٌ، قال أحمد: هو مضطرب الحديث. وقال يحيى: لا يُحتج به)). ثم أخرجه في موضعٍ آخر من كتاب ((الموضوعات)) (١٩٩/٢) تحت باب: (في ذكر عاشوراءَ)، وقال: تمذهب قوم من الْجُمَّال بِمذهب أَهْل السّنة، فقصدوا غيظ الرافضة، فوضعوا أَحَادِيث فِي فضل عَاشُورَاءَ، وَنحن برَاءٌ من الْفَرِيقَيْنِ. وَقَدْ صَحَّ أَن رَسُولِ اللهِ وَ﴿ أَمر بِصَوْمٍ عَاشُورَاءَ، إِذْ قَالَ: ((إنَّهُ كَفَّارَة سنة))، فَلم يقنعوا بِذَلِكَ حَتَّى أطالوا وأعرضوا وترقّوا فِي الْكَذِبِ. فَمن الأحَادِيث الَّتِي وضعُوا: حدثنا أبو الفضل محمد بن ناصر من لفظه وكتابه مرّتين، قال: أنبأنا أحمد بن الحسين بن قريش، أنبأنا أبو طالب محمد بن علي بن الفتح العشاري، وقرأت على أبي القاسم الحريري، عن أبي طالب العشاري، حدثنا أبو بكر أحمد بن منصور النوشري، حدثنا أبو بكر أحمد بن سلمان النجاد، حدثنا إبراهيم الحربي، حدثنا سريح بن النعمان، حدثنا = ٢١ . = ابن أبي الزناد، عن أبيه، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَّه: ((إن الله عزَّ وجلّ افترض على بني إسرائيل صوم يومٍ في السَّنة، يوم عاشوراء، وهو اليوم العاشر من المحرّم، فصوموه، ووسّعوا على أهليكم فيه، فإنه من وَسّع على أهله من ماله يوم عاشوراء وسّع عليه سائر سنته، فصوموه، فإنه اليوم الذي تاب الله فيه على آدم، وهو اليوم الذي رفع الله فيه إدريس مكانا عليًّا، وهو اليوم الذي نجّى فيه إبراهيم من النار، وهو اليوم الذي أخرج فيه نوحًا من السفينة، وهو اليوم الذي أنزل الله فيه التوراة على موسى، وفيه فدى الله إسماعيل من الذبح، وهو اليوم الذي أخرج الله يوسف من السجن، وهو اليوم الذي رَدّ الله على يعقوب بصره، وهو اليوم الذي كشف الله فيه عن أيوب البلاء، وهو اليوم الذي أخرج الله فيه يونس من بطن الحوت، وهو اليوم الذي فلق الله فيه البحر لبني إسرائيل، وهو اليوم الذي غفر الله لمحمدٍ ذنبه ما تقدّم وما تأخّر، وفي هذا اليوم عَبَر موسى البحر، وفي هذا اليوم أنزل الله تعالى التوبة على قوم يونس، فمن صام هذا اليوم كانت له كفارة أربعين سنةٍ، وأول يومٍ خلق الله من الدنيا يوم عاشوراء، وأول مطرٍ نزل من السماء يوم عاشوراء، وأول رحمةٍ نزلت يوم عاشوراء، فمن صام يوم عاشوراء فكأنما صام الدهر كله، وهو صوم الأنبياء، ومن أحيا ليلة عاشوراء فكأنما عبد الله تعالى مثل عبادة أهل السموات السبع، ومن صلى أربع ركعات يقرأ في كل ركعة الحمد مرة، وخمسين مرة قل هو الله أحد؛ غفر الله خمسين عامًا ماضٍ، وخمسين عامًا مستقبلٍ، وبنى له في الملأ الأعلى ألف ألف منبرٍ من نور، ومن سقى شربةً من ماءٍ، فكأنما لم يعص الله طرفة عين، ومن أشبع أهل بيت مساكين يوم عاشوراء، مرّ على الصراط كالبرق الخاطف، ومن تصدّق بصدقةٍ يوم عاشوراء، فكأنما لم يرد سائلاً قطّ، ومنِ اغتسل يوم عاشوراء = ٢٢ = لم يمرض مرضًا إلَّا مرض الموت، ومنٍ اكتحل يوم عاشوراء، لم ترمد عينيه تلك السَّنة كلّها، ومن أمر يده على رأس يتيم، فكأنما برّ يتامى ولد آدم كلهم، ومن صام يوم عاشوراء، أعطي ثواب عشرة آلاف ملكٍ، ومن صام يوم عاشوراء أعطي ثواب ألف حاجٌّ ومعتمرٍ، ومن صام يوم عاشوراء أعطي ثواب ألف شهيدٍ، ومن صام يوم عاشوراء كتب له أجر سبع سموات، وفيه خلق الله السموات والأرضين والجبال والبحار، وخلق العرش يوم عاشوراء، وخلق القلم يوم عاشوراء، وخلق اللوح يوم عاشوراء، وخلق جبريل يوم عاشوراء، ورفع عيسى يوم عاشوراء، وأعطى سليمان الملك يوم عاشوراء، ويوم القيامة يوم عاشوراء، ومن عاد مريضًا يوم عاشوراء، فكأنما عاد مرضى ولد آدم كلهم)). ثم قال ابن الجوزي عقبه : «هذا حديثٌ لا يشكّ عاقلٌ في وَضْعِهِ، ولقد أبدع من وَضَعَهُ، وكَشَفَ القناع ولم يستحيي، وأتى فيه المستحيل وهو قوله: (وأول يوم خلق الله يوم عاشوراء)، وهذا تغفيلٌ من واضعه؛ لأنه إنما يُسمّى يوم عاشوراء إذا سبقه تسعة . وقال: (فيه خلق السموات والأرض والجبال يوم عاشوراء)، وفي الحديث الصحيح: ((إنّ الله تعالى خلق التربة يوم السبت، وخلق الجبال يوم الأحد)). وفيه التحريف في مقادير الثواب الذي لا يليق بمحاسن الشريعة، وكيف يحسن أن يصوم الرجل يومًا فيعطى ثواب من حجّ واعتمر وقُتل شهيدا، وهذا مخالفٌ لأصول الشرع، ولو ناقشناه على شيءٍ بعد شيءٍ لطال، وما أظنه إلَّا دُسّ في أحاديث الثقات، وكان مع الذي رواه نوع تغفّل، ولا أحسب ذلك إلّا في المتأخرين، وإن كان يحيى بن معين قد قال في = ٢٣ = ابن أبي الزناد: ليس بشيءٍ، ولا يحتج بحديثه. واسم أبي الزناد عبد الله بن ذكوان، واسم ابنه عبد الرحمن، كان ابن مهدي لا يحدث عنه، وقال أحمد: هو مضطرب الحديث. وقال أبو حاتم الرازي: لا يحتج به. فلعلّ بعض أهل الهوى قد أدخله في حديثه)). قال الذهبي معلّقًا على كلام ابن الجوزي - كما في ((تنزيه الشريعة المرفوعة)) لابن عراق (١٥١/٢) -: ((أُدخل على أبي طالب العشاري فَحدّث بِهِ بسلامة بَاطِن، وَفِي سَنَده أَبُو بكر النجاد وَقد عَمِيَ بِأخرَة، وَجوّز الخَطِيب أَن يكون أَدخل عَلَيْهِ شَيْءٌ، فَيَحْتَمل أَن يكون هَذَا مِمَّا أَدخل عَلَيْهِ، وَالله أعلم)). وقال أيضًا في تلخيص كتاب ((الموضوعات)) (ص٢٠٦) رقم (٥٠٢): ((قَبّح الله من وَضعه، وَمَا أبلهه)). وقال السيوطي في ((اللآلئ المصنوعة في الأحاديث الموضوعة)) (٩٢/٢ - ٩٣) بعد أن حكم عليه بالوضع: ((رجاله ثقاتٌ، والظاهر أن بعض المتأخرین وضعه ورگّبه على هذا الإسناد)». ٢٤ [الجواب] أقول وبالله التوفيق: الحديث المذكور موضوعٌ لا يصحّ روايته ولا قراءته على الناس إِلَّا بِيَانِ أنه موضوعٌ. قال الأئمّة الحفّاظ الجامعون بين الحديث والفقه، أهل الجرح والتعديل، المرجوع إليهم في صِحّة الرّواية أو حُسْنِها أو ضَعْفها أو وَضْعها: ينحصر فضل عاشوراء في صيامه والتوسعة فيه، وأما غیرهما، فلم يثبت . وممّنْ نَصّ على ذلك الحافظ العراقي(١)، والحافظ ابن حجر، وابن تيمية(٢)، وابن القيّم(٣). (١) نقله عنه الحطاب الرعيني في ((مواهب الجليل)) (٤٠٤/٢ - ٤٠٥). (٢) الثابت عن شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - تصحيحه للصوم فقط في عاشوراء دون التوسعة، قال في ((منهاج السُّنَّة (٤٣٣/٧): ((وليس في عاشوراء حديثٌ صحيحٌ غير الصوم، وكذلك ما يُروى في فضل صلواتٍ معيَّنةٍ فيه، فهذا كله كذبٌ موضوعٌ باتفاق أهل المعرفة، ولم ينقل هذه الأحاديث أحد من أئمة أهل العلم في كتبهم». أما كلامه عن التوسعة في عاشوراء، فسيأتي ذكره عند تخريج حديث التوسعة بعد قليل. (٣) سيأتي كلامه. ٢٥ ونَقَلَ المَجْدُ اللَّغَوِيّ عن الحاكم أنّ سائر الأحاديث التي تورد في فضل الصلاة، والإنفاق، والخضاب، والادّهان، والاكتحال، وطبخ الحبوب، وغير ذلك يوم عاشوراء مفترّى موضوع على النبي وَلٍ(١). وقال ابن حجر الهيتمي(٢): لم يرد فيها ــ أي في صلاة عاشوراء - حديثٌ صحيحٌ عن النبيِ وََّ، ولا عن أحدٍ من أصحابه، ولا استحسنه أحدٌ من أئمّة المسلمين، لا من الأئمة الأربعة، ولا من غيرهم، ولم يذكرها أحدٌ من أصحابهم، ولا أحدٌ من أهل الكتب المعتمدة قديمًا وحديثًا، انتهى فهذه متون الفقه المعتبرة كـ(القُدُوريّ))، و(الكنز))، و((الوقاية)) و((مختصرها))، و((مجمع البحرين))، وغيرها خاليةٌ عنها، وكذا شروحها (١) قول المجد نقله المصنف عن ابن حجر الهيتمي في ((الصواعق المحرقة على أهل الرفض والضلال والزندقة)) (٥٣٥/٢)، ونص كلام مجد الدين الفيروزآبادي في خاتمة كتابه ((سفر السعادة)) (ص١٤٥): ((وباب فضائل عاشوراء، ورد استحباب صيامه، وسائر الأحاديث في فضله وفضل الصلاة فيه، والإنفاق، والخضاب، والادهان، والاكتحال، وطبخ الحبوب، وغير ذلك مجموعه موضوعٌ ومفترّى. قال أئمة الحديث: الاكتحال فيه بدعةٌ ابتدعها قتلة الحسین)). وقال الموصلي في كتابه («المغني عن الحفظ والكتاب)) (ص٢٤٥): ((لم يصح في هذا الباب شيءٌ عن النبي ◌ّ غير أنه صامه وأمر بصيامه، وصومہ یکفّر سنةً)). (٢) ((الصواعق المحرقة على أهل الرفض والضلال والزندقة)) للهيتمي (٥٣٤/٢). ٢٦ المطوّلة والمختصرة، وكذا كتب الفتاوى كـ((الظهيرية))، و((الخانية))، و((البزازية))، و((الخلاصة))، وكذا ((الهداية)) و((شروحها)) التي هي مرجع كتب المذهب(١). وهذه متون الحديث المعتبرة كـ (الأمّهات الستّ)، وغيرها خالية عن ذلك، وكذا (شروحها)، وقد حكموا بالوضع على حديث صلاة (الرغائب) و(براءة)، مع أنهما أشهر من صلاة (ليلة القدر) و(يوم عاشوراء)(٢). قال شارح ((المنية))(٣): حديث (صلاة الرغائب) و(براءة) قد حكم (١) اقتصر المصنف على كتب المذهب الحنفي لكونه حنفيّ المذهب، بل كان مفتي الحنفية في مدينة ((زَبِید)). (٢) قال الفيروزآبادي في خاتمة كتابه ((سفر السعادة)) (ص١٤٤): ((وباب صلاة الرغائب، وصلاة نصف شعبان، وصلاة نصف رجب، وصلاة الأيمان، وصلاة ليلة المعراج، وصلاة ليلة القدر، وصلاة كل ليلةٍ من رجب وشعبان ورمضان، هذه الأبواب لم يصحّ فيها شيءٌ أصلاً)). وأقرَّه ابن همات الدمشقي في كتابه «التنكيت والإفادة في تخريج أحاديث خاتمة سفر السعادة)) (ص٩٧) فقال: ((وبالجملة فلا يصح في هذه الأبواب شيء كما قال المجد)). وقال الملاّ علي القاري في ((المصنوع في معرفة الحديث الموضوع» (ص٢٥٩): ((وكذا صلاة عاشوراء وصلاة الرغائب موضوعٌ بالاتفاق)). (٣) هو العلّامة المحقّق إبراهيم بن محمد الحلبي (ت٩٥٦هـ)، شرح فيه كتاب ((منية المصلي)) للعلَّامة الكاشغري، وهذا الشرح مشهور بـ((شرح الحلبي الصغير))؛ لوجود عالم حلبيٍّ آخر متقدّم عن الذي قبله، واسمه محمد بن محمد الحلبي (ت٨٧٩هـ)، واسم شرحه: ((حلبة المجلّي وبغية المهتدي = ٢٧ الأئمّة عليهما بالوَضْع، قال في ((العَلَم المشهور))(١): حديث ليلة النصف من شعبان موضوعٌ. قال أبو حاتم محمد بن حبان: كان محمد بن مهاجر يضع الحديث على رسول الله وَله. وحديث أنسٍ فيها موضوع؛ لأنّ فيه إبراهيم بن إسحاق، قال أبو حاتم: كان يقلب الأخبار ويسرق الحديث، وفيه وهب بن منبه القاضي أكذب الناس، ذَكَرِه في ((العَلَم المشهور)). وقال أبو الفرج ابن الجوزي(٢) وأبو بكر الطرطوشي(٣): صلاة الرغائب موضوعةٌ على رسول اللهِ وَّد. ثم قال(٤): إن هاتيْن الصَّلاتَيْن لم تُنقلا(٥) عن الصحابة والتابعين، فلو كانتا مشروعتيْن لما فاتتا السلف، وإنما حدثتا بعد الأربعمائة. قال أبو محمد عزّ الدين بن عبد السلام المقدسي: لم يكن ببيت المقدس قطّ صلاة الرغائب في رجب، ولا صلاة نصف شعبان، فحدث في سنة ثمانٍ وأربعين وأربعمائة أنه قَدِمَ علينا رجلٌ من نابلس = في شرح منية المصلّي وغنية المبتدي))، وهو المشهور بـ((شرح الحلبي الكبير)». نبّه على ذلك الشيخ محمد راغب الطباخ في ((إعلام النبلاء)) (٢٧٢/٥) وقال عن الأول أنه ((مطبوعٌ متداولٌ في الديار الرومية)). (١) وهو ابن دحية الكلبي - رحمه الله - (ت٦٣٣هـ)، وكتابه المقصود هو ((العلم المشهور في فضائل الأيام والشهور)). (٢) ((الموضوعات)) لابن الجوزي (١٢٥/٢ - ١٢٦). (٣) ((الحوادث والبدع)) للطرطوشي (ص١٣٣). (٤) أي: الحلبي شارح ((المِنْيَة)). (٥) في المخطوط: ((تُنقل)). ٢٨ يُعرف بابن الحي(١)، وكان حسن التلاوة، فقام وصلى في المسجد الأقصى ليلة النصف من شعبان، فأحرم خلفه رجلٌ، ثم انضاف إليه ثالثٌ ورابعٌ، فما ختم إلَّا وهم جماعةٌ كثيرةٌ، ثم جاء في العام القابل فصلّى معه خلقٌ كبيرٌ، فانتشرت في المسجد الأقصى، وبيوت الناس ومنازلهم، ثم استقرت كأنها سُنّة إلى يومنا هذا(٢)، انتهى(٣). (١) وقع في ((الحوادث والبدع)): ((ابن أبي الحمراء)). (٢) نقلها عنه الطرطوشي في الحوادث والبدع (ص١٣٢ - ١٣٣)، وفي آخرها أنه قال للعزّ بن عبد السلام: ((فأنا رأيتك تصليها في جماعةٍ؟))، قال: ((نعم، واستغفر الله منها)). قال السيوطي في ((الحاوي للفتاوي)) (٣١٥/١): ((وقد وقع في دمشق أنّ الشيخ تقي الدين بن الصلاح أفتى بالمنع من صلاة الرغائب، ثم لمَّا قدم الشيخ عز الدين بن عبد السلام أفتى بالمنع منها، فعارضه ابن الصلاح، ورجع عما أفتى به أوّلاً، وألّف كراسةً في الردّ عليه، وضرب له المثل عَبْدًا إِذَا صَلَّى﴾ [العلق: ٩ - ١٠]، فألّف بقوله تعالى: ﴿أَرَيْتَ الَّذِى يَنْهَىّ الشيخ عز الدين كراسةً في الردّ على ابن الصلاح، وقال فيها: وأما ضربه عَبْدًا إِذَا صَلَّى﴾ [العلق: ٩ - ١٠] لي المثل بقوله تعالى: ﴿أَيْتَ الَّذِى يَتْعَىّ فأنا إنما نهيت عن شيءٍ نهى عنه رسول الله (وَلآت)). وقد نشرت هذه المساجلة العلميَّة بينهما في كتابٍ مستقلِّ بعنوان: ((مساجلة علميّة بين الإمامين الجليلين العزّ بن عبد السلام وابن الصلاح حول صلاة الرغائب المبتدعة)) تحقيق الشيخين الجليلين: محمد ناصر الدين الألباني وزهير الشاويش - رحمهما الله تعالى -، وصدرت عن المكتب الإسلامي ببيروت . (٣) ((شرح منية المصلي)) للحلبي (ص٤٨٢ - ٤٨٣). ٢٩ وقد قام العلماء في ذلك الوقت مع ابن عبد السلام في إنكارها، فزالت بحمد الله من المسجد الأقصى وغيره(١). وقال الشيخ محيي الدين النووي: ((وهاتان الصلاتان بدعتان، مذمومتان، منكورتان، قبيحتان، ولا تغترّ بذكرهما في ((قوت القلوب))(٢) و(الإحياء))(٣)، وليس لأحدٍ أن يستدلّ على شرعيتهما بما رُوِيَ عنه وَله: (الصّلاة خير موضوع))(٤)، وقوله تعالى: (١) نقل الرملي في ((فتاويه)) (٢٠٩/١) أن جمهور العلماء الحفاظ أفتوا ببدعِيَّتِها، وذكر منهم: أبو إسماعيل الأنصاري، وأبو بكر بن السمعاني، وأبو الفضل بن ناصر، وأبو الفرج بن الجوزي. وممن أفتى ببدعِيَّتها أيضًا السبكي في ((الفتاوى)) (١٥٩/١)، وابن حجر الهيتمي في ((فتاويه)) أيضًا (٢/ ٨٠). (٢) ((قوت القلوب)) لأبي طالب المكي (١١٤/١). (٣) ((إحياء علوم الدِّين)) للغزالي (١/ ٢٠٢). (٤) أخرجه أبو داود الطيالسي في ((مسنده) رقم (٤٧٨)، عن المسعودي، وأحمد في ((المسند)) رقم (٢١٥٤٦)، والبزار في ((المسند)) رقم (٤٠٣٤) من طريق المسعودي، عن أبي عمر الدمشقي، عن عبيد بن الخشخاش، عن أبي ذر - څله -. وله طريقٌ ثانٍ أخرجها ابن حبان في ((صحيحه)) رقم (٣٦١) من طريق إبراهيم بن هشام بن يحيى بن يحيى الغساني، عن أبيه، عن جدّه، عن أبي إدريس الخولاني، عن أبي ذرٍّ. وله طريقٌ أخرى أخرجها الحارث بن أبي أسامة في («مسنده بغية الحارث)) (١٩٥/١) رقم (٥٣) من طريق حماد، عن معبد بن هلال العنزي، عن رجلٍ في مسجد دمشق، عن عوف بن مالك، عن أبي ذرٍّ. ٣٠ عَبْدًا إِذَا صَلَّى﴾ [العلق: ٩ - ١٠]، فإن ذلك مختصّ أَرَيْتَ الَّذِى يَنْعَىّ بصلاةٍ لا تخالف الشرع بوجهٍ من الوجوه، وقد صحّ النهي عن الصلاة في الأوقات المكروهة، وَوَرَدَ النّهي عن تخصيص يوم الجمعة بصيامٍ وليلته بقيام. وأما صلاة ليلة القدر، فلا ذِكْر لها بين العلماء أصلاً، وليس فيها حديثٌ صحيحٌ ولا ضعيفٌ في كتبٍ من الكتب المعتبرة، فهي أولى بالكراهة)). انتهى مع تصرّفٍ قليلٍ في عبارته(١). = وله شاهدٌ من حديث أبي أمامة وأبي هريرة: أما طريق أبي أمامة، فأخرجه أحمد في ((المسند)) رقم (٢٢٢٨٨) من طريق معان بن رفاعة، عن علي بن يزيد، عن القاسم أبي عبد الرحمن، عن أبي أمامة به. وأما طريق أبي هريرة، فأخرجها الطبراني في ((المعجم الأوسط)) رقم (٢٤٣) من طريق عبد المنعم بن بشير الأنصاري، عن أبي مودود عبد العزيز بن أبي سليمان، عن محمد بن كعب القرظيّ، عن أبي هريرة. قال الشيخ الألباني في تعليقه على ((مساجلة علميّة بين العز بن عبد السلام وابن الصلاح)) (ص١٠): ((وطرقه ضعيفة، لكن يقوّي بعضها بعضًا))، وقد حسّنه في ((صحيح الجامع)) (٧١٩/٢) رقم (٣٨٧٠)، و((صحيح الترغيب)) رقم (٣٨٦). (١) انظر: ((المجموع شرح المهذّب)) (٥٦/٤). وقال أيضًا في ((فتاويه (( (ص٥٧) رقم (٣٠): ((هي بدعة قبيحة منكرة أشد إنكار، مشتملة على منكرات، فيتعيَّن تركها والإعراض عنها، وإنكارُها على فاعلها، وعلى وليّ الأمر - وفقه الله تعالى- منعُ الناس من فعلها، فإنه راعٍ، وكلُ راعٍ مسؤولٌ عن رعيته. وقد صنف العلماء كتبًا في إنكارها وذمّها، وتسفيه فاعلها، ولا يُغْتَرّ بكثرة الفاعلين لها في كثير من البلدان، = ٣١ وكذا صلاة يوم عاشوراء مهجورةٌ، لم يذكرها أحدٌ من العلماء الجامعين بين الحديث والفقه، والكتب المعتبرة خاليةٌ عنها، فهي أشدّ كراهةً من ذلك؛ لأنها من إحداث الروافض وبدعها في هذا اليوم. فالعَالِمْ إذا صلَّاها كان مُوهِمًا للأمة أنها من السُّنَن، فيكون كاذبًا على النبي ◌َّه، ويتسبّب بذلك إلى أن يَكْذِبَ العامّة على رسول الله وسلّم، كما رأيتُ ذلك في جماعة (الهنود) و(السنود) من اعتقاد صلاة يوم عاشوراء أنها سُنّة، والكذب على النبي وَلّ لا يجوز، فيكون على العالم وِزْرها وَوِزْر من عَمَل بها إلى يوم القيامة. وذلك أيضًا مما يُغري المُبْتَدِعين الواضعين على وَضْعها والافتراء على النبي وَّ، ويؤدّي ذلك إلى أنْ لا يُوثَق بحديثٍ عن النبي ◌َّير؛ لاختلاط الصحيح بغيره، والحق بالباطل، والإغواء = ولا بكونها مذكورةً في ((قوت القلوب)) و(«إحياء علوم الدِّين))، ونحوهِما، فإنها بدعة باطلة، وقد صحَّ أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((مَنْ أَحْدَثَ في ديننا ما لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدِّ)، وفي الصحيح: أنه صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد))، وفي ((صحيح مسلم))، وغيره أنه صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((كلُّ بِدْعَةٍ ضلالة))، وقد أمر الله تعالى عند التنازع بالرجوع إلى كتابه فقال تعالى: ﴿فَإِن تَعْثُمْ فِ شَىْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِّ﴾ [النساء: ٥٩] ولم يأمر باتباع الجاهلين، ولا بالاغترار بغلَطاتِ المخطئين، والله أعلم)). ٣٢ بالباطل. والإعانةُ عليه ممنوعٌ في الشَّرْع، واطّراحُ البدع والموضوعات زجرٌ عن وَضْعِها وابتداعها، والزّجْر عن المنكرات مِنْ أعلى ما جاءت به الشريعة، ولا يجوز تمكين الجُهّال من الكتب المشتملة على مثل هذه الأحاديث الموضوعة على النبي ◌َّ، بل يجب بيان وَضْعها، وإظهار الحقّ في ذلك، وأنه يَحْرُمُ اعتقادها فضلاً عن العمل بها؛ إذْ في العمل بها تقريرُ سُنِّيَّتها، وذلك خطأٌ عظيمٌ، وبهتانٌ على النبيّ الكريم بَّهِ. فالأَوْلَى للمؤمن إحياء السُّنَن التي قد أُمِيتَت، فإنه ((من أَحْيَى سُنّةً قد أُمِيتَت فله أَجْرِها وأَجْر من عَمِلَ بها إلى يوم القيامة))، ذكر هذا الحديث الإمام النووي، والتبريزي في ((المشكاة))(١)، وغيرهما . فإن قلتَ: فقد ذكر استحبابها العلّامة الغزنوي في مقدّمته(٢)، وذكر شارحها القرشي(٣) أنه ذكرها أيضًا العلامة الشيخ عمر النسفي (١) ((مشكاة المصابيح)) (٥٩/١) رقم (١٦٨)، وضعفه الألباني في تعليقه على المشكاة. (٢) مقدمة الغزنوي (ص١١٩). (٣) قال حاجي خليفة في ((كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون)) (١٨٠٢/٢)، ((وقد شرحها الشيخ، الإمام، أبو البقاء محمد بن أحمد بن الضياء القرشي الحنفي، وسمَّاه: ((ضياء المعنوية على المقدمة الغزنوية))، وقال فيه: (إنها مؤلَّفٌ مختصرٌ نافعٌ تلقاه العلماء بالقبول. فوضعت عليها شرحًا؛ لأني لم أجد أحدًا قبلي كشف قناعها مثلي). وتوفي: سنة (٨٥٤هـ))). ٣٣ - صاحب ((المنظومة))(١) - في ((اليواقيت))(٢). قلتُ: اعتمدا في ذلك على ما يُوجد في بعض كتب الصالحين، ولم يعتمدا في ذلك على أحدٍ من العلماء الراسخين الجامعين بين الحديث والفقه، المُمَيِّزِين بين صحيحه وسقيمه، وضعيفه وموضوعه، ولولا أهل الحديث لقال من شاء ما شاء، فجزى الله المحدّثين عن أمة محمّدٍ خیرًا. ولقد وَضَع بعض الوضّاعين حديثًا طويلاً في فضائل السُّوَر(٣)، (١) يقصد منظومته في الخلاف بين المذاهب، وعدد أبياتها (٢٦٦٩) بيتًا. كما في ((كشف الظنون)» (١٨٦٧/٢). (٢) واسم كتابه: ((يواقيت المواقيت))، قال حاجي خليفة في ((كشف الظنون)) (٢٠٤٥/٢): ((ألفه في فضائل الشهور والأيام)). (٣) أخرجه العقيلي في ((الضعفاء الكبير)) (١٥٦/١) - ومن طريقه ابن الجوزي في ((الموضوعات)) (٢٣٩/١) - من طريق محمد بن بكار، عن بزيع بن حسان أبي خليل البصري، عن علي بن زيد بن جدعان وعطاء بن أبي ميمونة، كلاهما عن زرّ بن حبيش، عن أبيّ بن كعبٍ قال: قال رسول الله : ((يا أبيّ من قرأ فاتحة الكتاب أعطي من الأجر ... ))، فذكر فضل سورة سورة إلى آخر القرآن. ثم نقل العقيلي بسنده عن ابن المبارك قوله عن هذا الحديث: ((أظنّ الزنادقة وضعته)). وقال ابن الجوزي أيضًا: «فرق هذا الحديث أبو إسحاق الثعلبي في ((تفسيره))، فذكر عند كلّ سورةٍ منه ما يخصُّها، وتبعه أبو الحسن الواحدي في ذلك، ولا أعجب منهما؛ لأنهما ليسا من أصحاب الحديث، وإنما عجبتُ = ٣٤ وانتشر ذلك بين الناس، حتى نقله كثيرٌ من علماء التفسير كصاحب ((الكشاف))(١)، و((البيضاوي))(٢)، و((المدارك))(٣)، و((الحدادي)) (٤)، وغيرهم، ففتّش المحدّثون عنه، وتتبّعوا رواته حتى وصلوا إلى واضعه(٥)، فأقرّ بوضعه، وقال: إني وضعتُ هذا الحديث لأصرف الناس إلى تلاوة القرآن العظيم؛ لأني رأيتهم قد اشتغلوا عنه بفقه أبي حنيفة، وسيرة ابن هشام. = من أبي بكر بن أبي داود كيف فرّقه على كتابه الذي صنفه في فضائل القرآن وهو يعلم أنه حديثٌ محالٌ ... وهذا حديث فضائل السُّوَر مصنوع بلا شكٌ))، وذكر أن العلّة فيه بزیع بن حسان المتهم بالكذب. ثم قال: «نفس الحديث يدلّ على أنه مصنوعٌ، فإنه قد استنفد السور، وذكر في كلّ واحدةٍ ما يناسبها من الثواب بكلامٍ ركيكٍ في نهاية البرودة، لا يناسب كلام رسول الله (شَچ)). (١) هو كتاب ((الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل)) للزمخشري (ت٥٣٨هـ). (٢) هو كتاب ((أنوار التنزيل وأسرار التأويل)) للبيضاوي (ت٦٨٥هـ). (٣) هو كتاب ((مدارك التنزيل وحقائق التأويل)) للنسفي (ت٧١٠هـ). (٤) هو ((تفسير أبي بكر بن علي بن محمد الحداد الزبيدي)) (ت ٨٠٠هـ)، قال الشوكاني في ((البدر الطالع)) (١٦٦/١): ((جمع تفسيرًا حسنًا، هو الآن مشهورٌ عند الناس يسمّونه (تفسير الحدّاد)))). (٥) وهو ميسرة بن عبد ربه، قال عبد الرحمن بن مهدي: قلتُ لميسرة: من أين جئت بهذه الأحاديث (من قرأ كذا فله كذا)؟، قال: وضعتُه أرغّب الناس فيه. كما في ((الموضوعات)) لابن الجوزي (٢٤١/١)، ونقل الذهبي في ((ميزان الاعتدال)) (٢٣٠/٤) عن ابن حبان قوله: ((كان ممن يروي الموضوعات عن الأثبات، ويضع الحديث، وهو صاحب حديث فضائل القرآن الطويل)). ٣٥ فمن ذلك الآن ◌ُرِفَ وَضْعُه، وبقي في أيدي الناس، فمن لیس له إلمامٌ بكتب الحديث، ولا اطّلع على ما ذكره المحدثون، نَقَلَهُ في كتابه، فالوضّاعون على النبي وَّ ﴾ معروفون عند أهل الحديث؛ كجابر الجعفي وأضرابه. وقد نقل من ذلك شيئًا كثيرًا صاحب ((قوت القلوب)) والإمام الغزالي في ((الإحياء))(١)، وقلّدهما مَنْ بعدهما في ذلك؛ وذلك لأنهما استحسنا الظنّ فيمن نقلوا عنه تلك الأحاديث، فأدخلوها في كتبهم ظنًّا منهم أنها ثابتةٌ عن النبي ◌َّ؛ إذ ليس يخطر ببالهم أنه يتجاسر أحدٌ على وَضْع الأحاديث على النبيِ وَّهِ بعد قوله: ((من كذب عليّ متعمّدًا فليتبوأ مقعده من النار))(٢)، وهو حديثٌ متواترٌ رواه من الصحابة من لا يمكن تواطئهم على الكذب(٣). (١) سُئل شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - عن هذين الكتابين فقال: ((أما ((كتاب قوت القلوب)) و ((كتاب الإحياء)) تبعٌ له فيما يذكره من أعمال القلوب: مثل الصبر والشكر والحب والتوكل والتوحيد ونحو ذلك. وأبو طالب أعلم بالحديث، والأثر وكلام أهل علوم القلوب من الصوفية وغيرهم من أبي حامد الغزالي، وكلامه أسدُّ وأجود تحقيقًا وأبعد عن البدعة، مع أن في ((قوت القلوب)) أحاديث ضعيفة وموضوعة وأشياء كثيرة مردودة، وأما ((الإحياء)) ففيه أحاديث وآثار ضعيفة؛ بل موضوعة كثيرة، وفيه أشياء من أغاليط الصوفية وترهاتهم)). ((مجموع الفتاوى)) (٥٥١/١٠ - ٥٥٢) باختصارٍ یسیرٍ . (٢) رواه البخاري في ((صحيحه)) رقم (١٢٩١)، ومسلم في مقدمة ((صحيحه)) رقم (٢). (٣) انظر: ((نظم المتناثر من الحديث المتواتر)) للكتاني (ص١٩). ٣٦ والحاصل: أنه لا يجوز لأحدٍ من الناس أن يقيّد عبادةً بوقتٍ أو مكانٍ دون المشرّعِ بَّر، ومن فَعَل ذلك، فقد ابتدع في الدين، وأحدث فيه ما ليس منه، وقد كان السلف الصالحون لهم أحزابٌ ليليّةٌ ونهاريّةٌ من تلاوةٍ وصلاةٍ وأذكارٍ، وكان يعمل كلّ واحدٍ على قدر طاقته، وكان عملهم ديمةً، كما قال ◌َّ: ((إن الله يحبّ المداومة على العمل وإن قلّ))(١)، وقال: ((عليكم من العمل ما تطيقون، فإن الله لا يملّ حتى تملوا))(٢)، وقال تعالى: ﴿ وَلَ نُبْطِلُواْ أَعْمَلَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣]. وإحياء الليالي الفاضلة سُنّةٌ، ولكن على الوجه المشروع، لا يقيّد ذلك الوقت بصلاةٍ مخصوصةٍ، أو ذِكْرٍ مخصوصٍ بكيفيّةٍ مخصوصةٍ ويدعو الناس إلى ذلك، يُوهِمُهُم أنها بهذه الكيفيّة والكمّيّة سُنّة النبيّ وَّ، وهذا مما لم يَأْذَنْ به الشارعِ وَلَّ، فإن تقدير الطاعات بأوقاتٍ مخصوصةٍ بأعدادٍ معروفةٍ لا يكون إلّ وَّهِ بوحي من الله - عزَّ وجلّ -. ولهذا إن عبد الله بن عمرو - رضي الله عنه - لمَّا صام الأيام على الدوام، وقام الليالي جميعها من غير إذنٍ من النبيّ وَله دعاه ونهاه عن ذلك(٣)، فأخرجه من اختياره، وقدّر له شيئًا (١) رواه البخاري في ((صحيحه)) رقم (٦٤٦٤)، ومسلم في ((صحيحه)) رقم (٧٨٣)، ولفظ البخاري: ((سددوا وقاربوا، واعلموا أن لن يدخل أحدكم عمله الجنة، وأن أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل)). (٢) رواه البخاري في ((صحيحه)) رقم (٤٣)، ومسلم في ((صحيحه)) رقم (٧٨٢). (٣) رواه البخاري في ((صحيحه)) رقم (١١٥٢)، ومسلم في ((صحيحه) رقم (١١٥٩)، ولفظ البخاري: ((يا عبد الله، لا تكن مثل فلان كان يقوم الليل، فترك قيام الليل)). ٣٧ معلومًا من الصيام، وقَدْر الحاجة من القيام، بحيث لا يستغرق به جمیع الليل. وكذا لمَّا أراد عثمان بن مظعون - رضي الله عنه - التبتّل من عند نفسه نهاه - وقال: ((أَمَا لَكَ فِيَّ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ))(١). ولهذا كَرِهَ الصلاة في أوقاتٍ مخصوصةٍ، وأباحها لهم في أوقاتٍ مخصوصةٍ، وكَرِهَ تخصيص ليلة الجمعة بقيام ويومها بصيام؛ كلّ ذلك ليقفوا على ما حَدّ لهم، ويستكثروا من الطاعات فيما أباح لهم ما شاؤوا، من غير تقييدٍ صلاةٍ مخصوصةٍ بوقتٍ مخصوصٍ، فإنّ ذلك ليس لأحدٍ غيره وَّ، وذلك كلّه شفقةً منه وَلِّ أن يبتدعوا، ونصحًا لهم أن يسلكوا مسلك اليهود والنصارى فيما ابتدعوه، وهجروا بذلك الاعتناء بالفرائض والسنن، وأحيوا البدع، ولقد قال رَّه: (لتتبعنّ سنن من قبلكم ذراعًا بذراعٍ وشبرًا بشبرٍ حتى لو دخلوا جحر ضبٍّ لدخلتموه))(٢)، ومن تأمّل ما الناس عليه اليوم لرأى ذلك واضحًا، ومن لم ينتفع بالقليل لا ينفعه الكثير. (١) رواه البخاري في ((صحيحه)) رقم (٥٠٧٣)، ومسلم في ((صحيحه)) رقم (١٤٠٢)، ولفظ البخاري: ((رَدَّ رَسُولُ اللهِ وَ ◌َّ عَلَى عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ التَّبَثُّلَ، وَلَوْ أَذِنَ لَهُ لاخْتَصَيْنَا))، ورواه ابن حبان في صحيحه رقم (٩) بلفظ: ((يَا عُثْمَانُ إِنَّ الرَّهْبَانِيَّةَ لَمْ تُكْتَبْ عَلَيْنَا، أَمَا لَكَ فِيَّ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ، فَوَاللَّهِ إِنِّي لَأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ، وَأَحْفَظُكُمْ لحدوده)). (٢) رواه البخاري في (صحيحه)) رقم (٣٤٥٦)، ومسلم في ((صحيحه)) رقم (٢٦٦٩). ٣٨ فالوارد عن النبي 18ّ في هذا اليوم: صيامه والتوسعة فيه، وما عدا ذلك لم يثبت عند أهل الحديث. * أما الصوم: فرواه البخاري ومسلم وغيرهما عن عائشة - رضي الله عنها -: ((كان يوم عاشوراء يومٌ تصومه قريشٌ في الجاهلية، وكان رسول الله وَه يصومه في الجاهلية، فلمَّا قَدِمَ المدينة وجد اليهود يصومونه، فأمر الناس بصيامه، فلما فُرِض رمضان قال: من شاء صامه ومن شاء لم يصمه))(١). ثم إنه وسلّ خالف اليهود خوفًا أن يستنّوا بسننهم، فقال: ((صوموا يوم عاشوراء وخالفوا فيه اليهود، صوموا قبله يومًا وبعده يومًا)). رواه عبد الله بن أحمد بن حنبل في المسند عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - كُرِّم وجهه، ورضي عنه، ونفعنا بسرّه ــ(٢). وأخرج البخاري في صحيحه وغيره من قوله وَ لي: ((لئن عشتُ إلى قابلٍ لأصومنّ التاسع والعاشر))(٣). (١) رواه البخاري في ((صحيحه)) رقم (٢٠٠٢)، ومسلم في ((صحيحه)) رقم (١١٢٥). (٢) بل هو في ((المسند)) نفسه لا من زاوئد ولده عبد الله، وقد أخرجه في المسند رقم (٢١٥٤) من طريق ابن أبي، ليلى عن داود بن علي، عن أبيه، عن جده عبد الله بن عباس - رضي الله عنه - مرفوعًا، وضعفه الألباني في (ضعيف الجامع)) رقم (٣٥٠٦)، والشيخ شعيب الأرنؤوط في ((تحقيق (٤/ ٢١٥٤). المسند» (٣) لم يروه البخاري، وأخرجه مسلم في ((صحيحه)) رقم (١١٣٤). ٣٩ * وأما فضل صومه : فقد أخرج مسلمٌ في صحيحه عن [أبي] قتادة رضي الله عنه أن النبي ◌َّ قال: ((صيام عاشوراء أحتسبُ على الله أن يكفّر السنة التي قبله))(١). * وأما حديث التوسعة: فقد أخرجه حافظ الإسلام العراقي في ((أماليه))(٢)، من طريق البيهقي، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي وَّر قال: ((من وسّع على عياله وأهله يوم عاشوراء وسّع الله عليه سائر سنته)). ثم قال: هذا حديثٌ فيه لينٌ، فيه جماعةٌ مُضَعّفون، لكن ابن حبّان ذَكَرهم في الثقات، وله طرقٌ كثيرةٌ من حديث جابر وابن مسعود وأبي سعيد الخدري وابن عمرو، أصحّها حديث جابر رواه ابن عبد البر في ((الاستذكار)) عنه. وبالجملة إنه لكثرة طرقه يرتقي إلى درجة الحَسَن(٣). (١) رواه مسلم في ((صحيحه)) رقم (١١٦٢). (٢) نقله الحطاب الرعيني في ((مواهب الجليل في شرح مختصر خليل)) (٤٠٤/٢ - ٤٠٥)، وقال في آخره: ((انتهى ملخّصًا من جزءٍ للحافظ العراقي نحو الكرّاس)). (٣) والصحيح أنّ جميع طرقها لا تخلو من ضعفٍ، وقد بيّن ضعفها الشيخ الألباني - رحمه الله - في ((السلسة الضعيفة)) (٧٣٨/١٤ - ٧٤٣)، فقال بعد أن نقل كلام البيهقي في تقوية الحديث بمجموع الطرق: ((شرط التقوية غير متوفرٍ فيها وهو: سلامتها من الضعف الشديد)). ثم خرّج جميع الطرق وقال مؤكّدًا ضعفه: ((لم يكن العمل به معروفًا عند السلف، ولا تعرّض = ٤٠